سير

ألفريد فيرنر: رائد الكيمياء التنسقية وسيرة عقل غيّر مسار العلم

المقدمة: سيرة ألفريد فيرنر، من وميض فكرة إلى ثورة علمية

 

في ليلةٍ خالدة عام 1892 غلب النوم عقل ألفريد فيرنر (Alfred Werner)، فاستيقظ على وميض فكرة غيرت وجه الكيمياء إلى الأبد. لم يُجَرّب في تلك اللحظة معملًا أو تجريبًا؛ بل بثّ فكره وحده جذوة نظرية جديدة، فتأسّست الكيمياء التنسقية الحديثة. تلك الفكرة البسيطة قادت إلى فوزٍ بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1913، وخلّفت إرثًا علميًا وإنسانيًا ما يزال يُدرس ويُوَثّق إلى اليوم.

هذه هي سيرة ألفريد فيرنر؛ إنجازات، تحديات، إنسانية، ودروس عظيمة.

١. النشأة والتكوين

  • الولادة والنشأة الاجتماعية
    ولد ألفريد فيرنر في 12 ديسمبر 1866 في مولهاوزن (Mulhouse)، الألزاس – آنذاك جزء من فرنسا ثم ضُمّت لألمانيا عام 1871 . كان الابن الرابع والأصغر لوالديه: جون-آدم فيرنر، عامل في مصبغة، وأمه سالومي جانيت، التي تنتمي لعائلة ميسورة الحال . تربى في بيئة تمزج بين الطبقة العاملة والدعم الفكري، وانتسب إلى مدارس محلية، ثم إلى مدرسة تقنية قبل أن يبدع في شبابه بدخوله أبحاثًا كيميائية مستقلة وهو ما يزال في الثامنة عشرة .

٢. التعليم والبدايات الأكاديمية

  • التحق عام 1885–1886 بالخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الألماني في كارلسروه، حيث تابع تدريسيات في الكيمياء .
  • بعدها، في 1886، بدأ دراسته في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH Zurich)، وتخرج بدرجة دبلوم في الكيمياء التقنية عام 1889 .
  • حصل عام 1890 على الدكتوراه من جامعة زيورخ، حيث تناول أطروحته موضوع التكوين الفراغي للذرات النيتروجين-containing molecules، بدعم من الأستاذ آرثر هانتش .
  • قضى فترة قصيرة في باريس يعمل مع مارسلين برتهلو، ثم عاد إلى زيورخ ليبدأ مساره الأكاديمي كمدرس مساعد سنة 1892، إذ نال منصب أستاذ مشارك في الجامعي عام 1893، ثم أستاذاً كاملاً عام 1895، وفي السّنة نفسها حصل على الجنسية السويسرية .

٣. الانطلاقة المهنية والتحديات الأولى

في موسم شتاء 1893/1894، بدأ فيرنر عمله الجامعي كأستاذ في جامعة زيورخ، خلفًا للأستاذ فيكتور ميرز . في أواخر عام 1892، “استيقظ” ليلاً بفكرة مفاهيمية جعلت منه رائد الكيمياء التنسقية. كتبها في 17 ساعة متواصلة، نشرت لاحقًا تحت عنوان “Beiträge zur Konstitution anorganischer Verbindungen” عام 1893 . كانت تلك الفكرة نظرية بحتة، بُنيت على المنطق أكثر منها على التجربة، فوصَفها أحد زملائه بأنها “geniale Frechheit” — أي “جرأة عبقرية” .

٤. الإنجازات الرئيسية والأثر العالمي

النظرية التأسيسية: الكيمياء التنسقية

  • فيرنر أرسى العام 1893 أسس الكيمياء التنسقية، مفترضًا أن الذرة المركزية (مثل الكوبالت Co³⁺) تحيط بها روابط من نوعين: روابط أولية (أكسدة) ورابطة تنسيقية (ligands)، وقدّم مفهوم رقم التنسيق coordination number .
  • مثال شهير: مركب CoCl₃·6NH₃، افترض أن التركيبة الحقيقية هي [Co(NH₃)₆]Cl₃، حيث تشغل جزيئات الأمونيا ستة مواقع في تكوين أوكتاهيدرالي، والأيونات Cl⁻ منفصلة .
  • كذلك فسّر الانطياف الهندسي: الأزرق والأرجواني كانا نتيجة لترتيبات cis وtrans للجزيئات المحيطة .
  • ولأول مرة، أعد مركبًا كيميائيًا قادرًا على التميّز الضوئي (chiral) دون وجود كربون، وهو مركب “hexol” عام 1914 .

أثره العلمي

  • حلّ فيرنر مشكلة ظلت عصية أمام الكيميائيين، وأرّخ لبدايات الكيمياء التنسقية الحديثة، وأعاد فهم الروابط والتكوين المكاني للجزيئات غير العضوية .
  • فيرنر هو أول كيميائي لا عضوي (inorganic chemist) يفوز بجائزة نوبل في الكيمياء، بل الأوّل قبل عام 1973 .

٥. التكريمات والجوائز الكبرى

  • جائزة نوبل في الكيمياء 1913: نُقِل عنها أن السبب هو “in recognition of his work on the linkage of atoms in molecules by which he has thrown new light on earlier investigations and opened up new fields of research especially in inorganic chemistry” .
  • كما نال درجة الدكتوراه الفخريّة (Honorary Doctorate) من المعهد الفدرالي السويسري (ETH Zurich) عام 1914، تقديراً لعمله العلمي البارز .

 

٦. التحديات والمواقف الإنسانية

على الرغم من عبقريته، عانى فيرنر في سنواته الأخيرة من تصلّب عصيدي تقدمي (arteriosclerosis)، خاصة في الدماغ، تزامنت مع ضغط العمل والإفراط في تناول المشروبات، ما أثر على قدرته التدريسية والبحثية . اضطر للتوقف عن العمل التدريسي عام 1919، ثم توفي في 15 نوفمبر 1919 في مصحّ نفسيّ في زيورخ، عن عمر يناهز 52 عامًا .

٧. الإرث والتأثير المستمر

يُعتبر فيرنر مؤسس الكيمياء التنسقية، وهي اليوم حجر الزاوية في علم الكيمياء اللاعضوية وقد خصص لها حقول دراسية، تطبيقات صناعية (في تحضير الأدوية، والمحفزات، والمتقدّمات التكنولوجية) . أبحاثه المستندة إلى التفكير الاستنباطي وجرأته النظرية لا تزال مصدر إلهام للعلماء. كما بيّن كيف يمكن لعقل ناضج أن يسبق التجربة في صناعة المعرفة .

٨. الجانب الإنساني والشخصي

  • رغم أنه معروف أكثر كعالم، لم يترك فيرنر نواة علمية تُسمى “مدرسته”، بل تناول الموضوعات بتحفظ مما جعل أثره معتمدًا على شخصيته وأفكاره أكثر من تلاميذه .
  • من طلابه البارزين، إديث همفري (Edith Humphrey)، وهي أول أنثى تعمل مساعدًا له، وساعدته في تجارب مركبات الكوبالت الثنائية، وتمكنت من تحضير أول مركب كيميائي متناظر chirality له تأثير بشري واضح، في إطار دعم بحقوق ومكانة المرأة في العلوم .

الجدول الزمني المبسط

السنةالحدث الرئيسي
1866مولد ألفريد فيرنر في مولهاوزن (12 ديسمبر)
1885–1886الخدمة العسكرية في ألمانيا وتلقي محاضرات كيمياء
1889دبلوم في الكيمياء التقنية، ETH زيورخ
1890دكتوراه من جامعة زيورخ
1892–1893نشر نظرية الكيمياء التنسقية وتولي منصب أستاذ بمُساعِد
1895حصوله على الجنسية السويسرية وتعيينه أستاذ كامل
1913جائزة نوبل في الكيمياء
1914دكتوراه فخرية من ETH زيورخ
1919توقفه عن التدريس وتوفي لاحقًا (15 نوفمبر)

الخاتمة: دروس من حياة ألفريد فيرنر

قصة ألفريد فيرنر تُعلّمنا:

  • قوة الفكر النظري: فكرة ليلة غيرت مجرى علم.
  • الجرأة العلمية: مقاومة الفكر التقليدي بالبراهين.
  • الإرث الدائم: نظرياته بقيت أساسًا للكيمياء للتنسيقية حتى اليوم.
  • إنسانية العالم: عبقرية بدون صحة لا تستمر، وكذلك التعليم بدون دعم.
  • الإلهام للجيل الجديد: مثل إديث همفري، يؤكد أن العلم أهل لكل المبدعين.

 

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى