سير

إدوارد م. بورسيل: حين تكشف الموجات السرّ الخفي للمادة

 

 المقدمة: بين ذبذبات الكون وبريق الاكتشاف

في عالمٍ لا يتوقف عن الدوران، حيث تختبئ القوانين العميقة خلف ظواهر تبدو بسيطة، وُلدت عقول قادرة على سبر أغوار المادة والطاقة. من بين هؤلاء برز اسم إدوارد ميلز بورسيل — العالم الأمريكي الذي مزج بين الدقة الفيزيائية والإلهام الإنساني، ليصبح أحد أبرز روّاد الفيزياء الحديثة، وصاحب الاكتشاف الذي غيّر وجه الطب والعلم معًا: الرنين المغناطيسي النووي (NMR).
إنّ “سيرة إدوارد م. بورسيل” ليست مجرد قصة عالم نال جائزة نوبل عام 1952، بل هي حكاية عقلٍ مفتوح على المجهول، وإنسانٍ آمن بأن الفضول هو أقصر طريق نحو الحقيقة.

 النشأة والتكوين: جذور الفضول في تربة البساطة

وُلد إدوارد ميلز بورسيل في مدينة تايلورفيل بولاية إلينوي الأمريكية في 30 أغسطس 1912. كانت طفولته هادئة، لكنّها لم تخلُ من شرارات الفضول المبكر. نشأ في بيئة متواضعة، لأب يعمل مهندسًا كهربائيًا، وأمّ كانت محبة للقراءة، مما زرع في داخله حبّ العلم منذ نعومة أظفاره.
يُروى أن بورسيل كان مولعًا منذ صغره بتفكيك الأجهزة الكهربائية القديمة وإعادة تركيبها — لا بدافع العبث، بل بدافع الرغبة في الفهم. كان يقول لاحقًا:

“لم أكن أحطم الأشياء لأرى كيف تعمل، بل كنت أتعلم كيف يمكن تحسينها.”

في تلك البيئة التي امتزج فيها الحسّ العملي بالعقل التأملي، بدأت ملامح شخصية بورسيل تتكوّن: هدوء، مثابرة، وقدرة فذة على الملاحظة.

 التعليم وبداية التكوين المهني: من الفصول إلى المختبر

بدأ بورسيل مسيرته الأكاديمية في جامعة بوردو (Purdue University)، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية عام 1933. لم يكن طريقه نحو الفيزياء تقليديًا، فقد جذبته الكهرباء أولًا، قبل أن يكتشف سحر العالم الذري وموجاته الخفية.
بعدها انتقل إلى جامعة هارفارد ليكمل دراسات الماجستير والدكتوراه في الفيزياء، وحصل على الدكتوراه عام 1938. هناك، في أروقة هارفارد، وجد بيئته الفكرية التي غذّت شغفه بالبحث العلمي.
كان تحت إشراف نخبة من العلماء الذين آمنوا بأن الفيزياء ليست مجرد معادلات، بل طريقة لفهم طبيعة الوجود.

 الانطلاقة المهنية والتحديات الأولى: الحرب والعلم في مواجهة الزمن

في سنوات الحرب العالمية الثانية، دُعي بورسيل إلى المشاركة في مشروع علمي سرّي ضمن مختبر الإشعاع في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Radiation Lab). كان هدف المشروع تطوير أنظمة الرادار لاستخدامها في الحرب.
هناك أظهر بورسيل عبقرية فريدة في تحليل الإشارات الكهرومغناطيسية، وتحوّل من باحث شاب إلى قائد علمي يُعتمد عليه.
لقد كانت تلك التجربة نقطة تحوّل في حياته؛ إذ أتاحت له فرصة العمل في ظروف ضغط استثنائية، حيث لا مجال للخطأ، ولا وقت للانتظار. وبعد انتهاء الحرب، عاد إلى جامعة هارفارد حاملاً رصيدًا علميًا وتجريبيًا ضخمًا، ليبدأ رحلته الحقيقية نحو اكتشافه الأعظم.

 الإنجازات الرئيسية والأثر العالمي: الرنين الذي غيّر العالم

في عام 1945، داخل مختبر بسيط في جامعة هارفارد، قاد بورسيل فريقًا صغيرًا من الباحثين نحو اكتشافٍ سيغير التاريخ العلمي: ظاهرة الرنين المغناطيسي النووي (Nuclear Magnetic Resonance).
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في جوهرها: عند وضع نواة الذرة في مجال مغناطيسي قوي وتعريضها لموجات راديوية بتردد معين، تمتص النواة طاقة معينة يمكن قياسها.
هذا الاكتشاف لم يكن مجرد إنجاز فيزيائي، بل فتح الباب أمام ثورة طبية وتقنية، حيث أصبح أساسًا لتقنية التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) التي أنقذت حياة الملايين لاحقًا.

في عام 1952، مُنح بورسيل جائزة نوبل في الفيزياء بالمشاركة مع العالم فيليكس بلوخ، تقديرًا لاكتشافهما الرائد في هذا المجال.
قالت لجنة نوبل في بيانها:

“لقد قدّم بورسيل وبلوخ أداة جديدة لاستكشاف العالم الذري، ستبقى آثارها ممتدة لعقود.”

كان ذلك العام لحظة مجد علمي خالص، لكنه لم يغيّر تواضع بورسيل. فعندما سُئل عن شعوره بالفوز، أجاب بابتسامة:

“لم يكن الهدف أن أكتشف شيئًا عظيمًا، بل أن أفهم شيئًا صغيرًا بصدق.”

التكريمات والجوائز الكبرى: بين نوبل والعقول الشابة

بعد نيله جائزة نوبل، توالت التكريمات على بورسيل. أصبح عضوًا في الأكاديمية الوطنية للعلوم، ونال وسام العلوم الوطني الأمريكي، واعتُبر أحد الرموز البارزة في تطوير الفيزياء النووية والتجريبية.
غير أن أعظم تكريمٍ في نظره لم يكن الجوائز، بل طلابه. فقد كرّس جزءًا كبيرًا من حياته لتدريس الفيزياء في جامعة هارفارد، وكان معروفًا بأسلوبه الفريد الذي يمزج بين الطرافة والعمق.
كثير من طلابه الذين أصبحوا لاحقًا علماء بارزين، تحدثوا عن أثره الإنساني قبل العلمي، وعن صبره وحرصه على غرس حبّ الاكتشاف في نفوسهم.

التحديات والمواقف الإنسانية: بين التواضع والمبدأ

لم تكن حياة بورسيل خالية من التحديات. بعد الحرب، واجه موجة من الضغوط الأكاديمية والسياسية بسبب رفضه المشاركة في مشاريع الأسلحة النووية.
كان يؤمن بأن العلم يجب أن يُستخدم لخدمة الحياة لا تدميرها، وعبّر عن ذلك بوضوح في إحدى محاضراته قائلاً:

“العالم الحقيقي هو من يرفض أن يكون علمه سيفًا في يد الشر، مهما كانت الإغراءات.”

هذا الموقف الأخلاقي الصلب جعله رمزًا لاحترام القيم الإنسانية داخل المجتمع العلمي الأمريكي في النصف الثاني من القرن العشرين.

 الإرث والتأثير المستمر: بين المختبر وغرف المستشفيات

لا يمكن الحديث عن إنجازات إدوارد م. بورسيل دون الإشارة إلى الإرث الذي تركه للعالم. فالرنين المغناطيسي النووي لم يبقَ حبيس المختبرات، بل تحوّل إلى تقنية طبية غيرت وجه الطب الحديث.
إن جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الذي يستخدم اليوم في كل مستشفى في العالم هو الابن العلمي لاكتشاف بورسيل.
بفضل ذلك، أصبح من الممكن رؤية ما يدور داخل جسم الإنسان دون جراحة أو ألم — ثورة طبية بحق.

لكن إرثه لم يتوقف عند حدود الفيزياء التطبيقية؛ فقد أسهم أيضًا في تطوير مفاهيم علمية في الفيزياء الفلكية، من خلال دراسته لانبعاثات الهيدروجين في الفضاء، مما ساعد العلماء على فهم البنية المجرّية والوسط بين النجوم.

 الجانب الإنساني والشخصي: تواضع العظماء

رغم شهرته الواسعة، عاش بورسيل حياة بسيطة وهادئة. كان يميل إلى المشي لمسافات طويلة في الطبيعة، ويحب القراءة في الفلسفة والتاريخ.
عُرف بين زملائه بعبارته الشهيرة:

“العلم لا يحتاج إلى عباقرة بقدر ما يحتاج إلى قلوب مفتوحة على التساؤل.”

كما ساهم في دعم برامج التعليم العلمي للشباب، وشجع على إشراك الأطفال في التجارب العلمية المبكرة، مؤمنًا بأن الفضول هو البذرة الأولى لكل إبداع.

 الخاتمة: الدروس المستفادة والإلهام المستمر

حين نعيد قراءة “حياة إدوارد م. بورسيل”، ندرك أننا أمام نموذج للعالم الذي جمع بين الذكاء والضمير، بين الصرامة العلمية والتواضع الإنساني.
لقد غيّر طريق فهمنا للمادة، لكنه أيضًا غيّر نظرتنا إلى معنى الاكتشاف ذاته. لم يكن هدفه المجد الشخصي، بل سعادة الإنسان.
إن إرثه اليوم لا يُقاس بعدد الجوائز، بل بعدد القلوب التي أنقذتها تقنياته وعدد العقول التي ألهمها فكره.

من مخبر صغير في جامعة هارفارد إلى أجهزة الرنين المغناطيسي التي تضيء غرف المستشفيات حول العالم — تمتد بصمته كأنها تذكير دائم بأن العلم، في جوهره، عمل إنساني نبيل.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى