عمر بن عبد العزيز..خامس الخلفاء الراشدين

المقدمة
عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، الخليفة الأموي الثامن، يعدّ أحد أعظم الحكام في التاريخ الإسلامي، حيث لقب بـ”خامس الخلفاء الراشدين” نظرًا لعدله وإصلاحاته العميقة التي أعادت للأمة روح الخلافة الراشدة. رغم أن فترة حكمه لم تتجاوز عامين ونصف، إلا أنها كانت حافلة بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والدينية التي تركت أثرًا دائمًا في تاريخ المسلمين.
النشأة والتربية
وُلد عمر بن عبد العزيز عام 61 هـ (681 م) في المدينة المنورة، ونشأ في بيتٍ عريقٍ بالسياسة والحكم، فجده مروان بن الحكم كان خليفة، ووالده عبد العزيز بن مروان كان واليًا على مصر. تربى في المدينة في كنف والدته ليلى بنت عاصم، وهي حفيدة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب، ما جعله ينهل من أخلاق وعدل جده الثاني.
تلقى تعليمه على يد كبار علماء المدينة، وعلى رأسهم الإمام سعيد بن المسيب، مما منحه خلفية دينية قوية إلى جانب خبرته السياسية التي اكتسبها من أسرته الحاكمة.
توليه الحكم
بعد وفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك عام 99 هـ، تم تعيين عمر بن عبد العزيز خليفةً للمسلمين، مخالفًا تقاليد الأمويين في توريث الحكم لأبناء الخلفاء. تولى المسؤولية على مضض، وكان أول ما فعله هو التخلي عن مظاهر الترف، وردّ المظالم، واستبدال سياسة القهر بسياسة العدل والرحمة.
إصلاحاته السياسية والإدارية
1. إعادة العدل والمساواة
حرص عمر بن عبد العزيز على تحقيق العدل بين الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. أوقف الظلم الإداري وأعاد الحقوق إلى أصحابها، كما ألغى الضرائب غير الشرعية التي كانت تثقل كاهل الناس.
2. محاربة الفساد
طهر الدولة من المسؤولين الفاسدين، وعزل الولاة الظالمين، واستبدلهم بأشخاص عرفوا بالعدالة والنزاهة، مثل عدي بن أرطأة وعبد الحميد بن عبد الرحمن.
3. إلغاء التفرقة بين العرب والموالي
في زمن الدولة الأموية، كان هناك تمييز بين العرب وغير العرب، لكن عمر بن عبد العزيز ألغى هذا التمييز، وقرر منح “الموالي” نفس حقوق المسلمين العرب، مما ساهم في انتشار الإسلام بشكل أكبر.
الإصلاحات الاقتصادية
1. محاربة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية
وضع عمر بن عبد العزيز نظامًا اقتصاديًا قائمًا على توزيع الثروات بشكل عادل، حيث استخدم أموال الزكاة لسد حاجات الفقراء والمساكين، حتى قيل إنه لم يجد في عصره من يستحق الزكاة.
2. إصلاح نظام الخراج
خفض الضرائب غير المشروعة، وجعلها عادلة، مما شجع الناس على العمل والزراعة، فازدهرت الدولة اقتصاديًا في عهده.
الإصلاحات الدينية
1. نشر العلم وتصحيح العقيدة
شجع العلماء على نشر الحديث والعلوم الإسلامية، وطلب من علماء الأمة جمع السنة النبوية، وهو ما أدى لاحقًا إلى تدوين الحديث النبوي بشكل منظم.
2. إنهاء سبّ آل البيت
ألغى تقليد سبّ الإمام علي بن أبي طالب على المنابر، وهو تقليد كان معمولًا به في الدولة الأموية منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، ما ساهم في تخفيف حدة الصراع الطائفي بين المسلمين.
وفاته وإرثه
توفي عمر بن عبد العزيز عام 101 هـ (720 م) بعد فترة حكم قصيرة، لكنه ترك إرثًا خالدًا من العدل والإصلاح. قيل إنه توفي مسمومًا بأمر من بعض بني أمية الذين لم تعجبهم إصلاحاته التي قلّصت امتيازاتهم.
الخاتمة
عمر بن عبد العزيز كان نموذجًا للخليفة العادل، وأعاد للخلافة الإسلامية رونقها الأخلاقي بعد عقود من التحول إلى ملك عضوض. رغم قصر مدة حكمه، إلا أن أثره ظل خالدًا، ليبقى اسمه مقرونًا بالعدل والإصلاح في التاريخ الإسلامي.