كتب

كتاب “أساليب التفكير” للدكتور عبد المنعم عبد العزيز المليجي: رحلة في أعماق العقل الإنساني٩ح

المقدمة

يمثل التفكير أداة الإنسان الأولى لفهم ذاته والعالم من حوله، وهو الوسيلة التي مكّنته من بناء حضارات عظيمة، والتغلب على تحديات الطبيعة، وابتكار الحلول للمشكلات المعقدة التي واجهته عبر التاريخ. ومع تسارع وتيرة الحياة في القرن الحادي والعشرين، بات التفكير المنهجي والمرن ضرورة لا رفاهية، إذ لم يعد مقبولًا أن يعيش الإنسان في عزلة عن مهارات التفكير النقدي والإبداعي والاستراتيجي. في هذا السياق يأتي كتاب “أساليب التفكير” للدكتور عبد المنعم عبد العزيز المليجي، الصادر عام 2019، ليقدّم للقارئ العربي زادًا معرفيًا ومنهجيًا ثريًا يساعده على فهم أنماط التفكير المختلفة وتطبيقها في حياته اليومية والعملية.

الكتاب يصنّف ضمن مجال تطوير العقل والذاكرة، ويتميّز بأنه يجمع بين الطرح الأكاديمي الرصين والأسلوب المبسط الذي يجعل مادته في متناول جميع القرّاء، سواء كانوا طلابًا، باحثين، موظفين، أو حتى أشخاصًا عاديين يسعون لتطوير ذواتهم.

أولاً: المؤلف ورحلته الفكرية

الدكتور عبد المنعم عبد العزيز المليجي واحد من المفكرين العرب الذين أولوا اهتمامًا خاصًا بميدان التفكير والتطوير الذهني. جمع في كتاباته بين الرؤية الأكاديمية والخبرة التطبيقية، حيث سعى دائمًا إلى تقديم محتوى يراعي احتياجات القارئ العربي المعاصر. وقد اشتهر بقدرته على تبسيط المفاهيم المعقدة وتقديمها بطريقة عملية قابلة للتنفيذ.

في كتابه “أساليب التفكير”، لم يكتف المليجي باستعراض النظريات المعروفة في علم النفس أو الفلسفة، بل عمل على إعادة صياغتها في قوالب مبسطة، بحيث يستطيع القارئ أن يتبناها كجزء من سلوكه اليومي. وهذا ما يميّزه عن غيره من المؤلفين الذين يظلون حبيسي المصطلحات العلمية دون محاولة تكييفها مع الواقع.

ثانياً: بنية الكتاب وفكرته الأساسية

يرتكز كتاب “أساليب التفكير” على فكرة محورية: أن التفكير ليس عملية واحدة جامدة، بل هو مجموعة من الأساليب والأنماط التي يمكن للإنسان أن يتعلمها ويطوّرها، وأن اختيار الأسلوب المناسب في الموقف المناسب هو ما يحدد جودة النتائج.

يستعرض المليجي في كتابه تنوع أساليب التفكير بين المنطقي، الناقد، الإبداعي، الاستراتيجي، العاطفي، والتأملي، ليبيّن أن الإنسان لا يجب أن يحصر نفسه في أسلوب واحد، بل أن يتحرك بينها جميعًا وفقًا للظروف. وكأن الكتاب يقول: التفكير الناجح يشبه صندوق الأدوات، وكل موقف يحتاج أداة مختلفة.

الكتاب ينقسم إلى فصول متسلسلة، تبدأ بمدخل عام حول مفهوم التفكير وأهميته، ثم تتوسع لتعرض أنماط التفكير، وكيفية توظيفها في حل المشكلات، اتخاذ القرار، تطوير الذات، والإبداع في العمل والحياة.

ثالثاً: التفكير كمهارة يمكن تعلمها

من أبرز ما يؤكد عليه الكتاب أن التفكير ليس موهبة يولد بها البعض ويحرم منها الآخرون، بل هو مهارة قابلة للتعلم والتطوير. وهذا الطرح يتوافق مع الاتجاهات الحديثة في علم النفس التربوي التي ترى أن الدماغ البشري مرن، ويمكن تعليمه أنماطًا جديدة عبر التدريب والممارسة المستمرة.

يضرب المؤلف أمثلة من الحياة اليومية لتوضيح هذه الفكرة:

  • كيف يمكن لشخص يتخذ قراراته دائمًا بدافع العاطفة أن يتعلم التحليل المنطقي للأحداث؟
  • كيف يمكن للعقلاني الصارم أن يوسّع مداركه ليجرب الإبداع والخيال؟
  • وكيف يمكن للإنسان أن يدمج بين مختلف الأساليب ليصل إلى حلول متوازنة وفعالة؟

رابعاً: عرض وتحليل أساليب التفكير

1- التفكير المنطقي

يركز على التحليل، الاستنتاج، والبرهنة. يوضّح المليجي أن التفكير المنطقي أساسي في مجالات مثل العلوم، الرياضيات، الإدارة، والقانون، حيث لا مجال للاجتهادات العاطفية. ولكنه يحذر في الوقت نفسه من الوقوع في فخ الجمود العقلي الذي يحصر الإنسان في القواعد ويحرمه من المرونة.

2- التفكير النقدي

هو القدرة على تشريح الأفكار، تقييم الحجج، واكتشاف المغالطات. يرى المؤلف أن المجتمعات التي تفتقد للتفكير النقدي تقع ضحية الشائعات، التقليد الأعمى، والخرافات. ومن هنا يدعو القارئ إلى ممارسة النقد البناء ليس فقط للآخرين، بل للأفكار التي يحملها هو نفسه.

3- التفكير الإبداعي

يعني توليد أفكار جديدة وتجاوز القوالب التقليدية. يربطه المليجي بالقدرة على حل المشكلات بطرق غير مألوفة، ويستشهد بأمثلة من الاختراعات والاكتشافات العلمية التي غيّرت مسار التاريخ، والتي ما كانت لتتحقق لولا جرأة أصحابها على التفكير المختلف.

4- التفكير الاستراتيجي

يتعلق بقدرة الفرد على رؤية الصورة الكبرى، وربط الأحداث ببعضها، واستشراف المستقبل. يعدّ هذا الأسلوب مهمًا في عالم الأعمال والسياسة، حيث القرارات لا تبنى على اللحظة الراهنة فقط، بل على توقعات بعيدة المدى.

5- التفكير العاطفي

قد يبدو لأول وهلة وكأنه سلبي، لكن المليجي يوضّح أن الذكاء العاطفي عنصر مهم في التوازن. فالعاطفة تساعدنا على التعاطف مع الآخرين، اتخاذ قرارات إنسانية، وتقدير الجوانب غير المادية للحياة. المشكلة لا تكمن في العاطفة ذاتها، بل في سيطرتها المطلقة دون توازن مع العقل.

6- التفكير التأملي

يرتبط بالقدرة على التوقف، مراجعة الذات، والتأمل في الخبرات السابقة. يراه المؤلف أسلوبًا بالغ الأهمية في تطوير الذات، لأنه يساعد الإنسان على التعلم من أخطائه وتجنب تكرارها.

خامساً: التفكير وحل المشكلات

يخصّص الكتاب مساحة واسعة للحديث عن التفكير كأداة لحل المشكلات. إذ يرى المليجي أن كل إنسان يواجه يوميًا تحديات صغيرة أو كبيرة، وأن نجاحه يعتمد على كيفية التعامل معها ذهنيًا.

يقدّم المؤلف نموذجًا عمليًا لحل المشكلات يتكون من خطوات:

  1. تحديد المشكلة بدقة.
  2. جمع المعلومات والحقائق المرتبطة بها.
  3. تحليل الأسباب والجذور.
  4. اقتراح بدائل للحل.
  5. تقييم البدائل واختيار الأنسب.
  6. تنفيذ الحل ومتابعة نتائجه.

ويشير إلى أن استخدام أساليب التفكير المتنوعة في هذه المراحل يزيد من فعالية الحل. فالتفكير النقدي يساعد في تقييم البدائل، والإبداعي يولّد حلولًا جديدة، والاستراتيجي يربط بين الحل والنتائج طويلة المدى.

سادساً: الكتاب والحياة اليومية

لا يقتصر الكتاب على الجانب النظري، بل يحرص على ربط أساليب التفكير بمواقف الحياة اليومية:

  • كيف تتعامل مع قرار وظيفي مصيري؟
  • كيف تختار شريك حياتك بعقلانية دون إغفال الجانب العاطفي؟
  • كيف تواجه الأزمات المالية؟
  • كيف تربي أبناءك على التفكير السليم؟

هذه الأمثلة تجعل الكتاب عمليًا للغاية، بحيث لا يبقى مجرد “دليل أكاديمي”، بل يصبح مرشدًا حياتيًا يرافق القارئ في تفاصيله اليومية.

سابعاً: القيمة المضافة للكتاب

تكمن قيمة “أساليب التفكير” في:

  1. شمولية الطرح: إذ يجمع بين مختلف أنماط التفكير دون إقصاء لأي منها.
  2. الجانب التطبيقي: من خلال الأمثلة والتمارين التي يقترحها.
  3. الأسلوب السهل الممتنع: حيث يخاطب القارئ بلغة واضحة بعيدة عن التعقيد.
  4. إعادة تشكيل عقل القارئ: إذ لا يكتفي بتزويده بالمعلومة، بل يسعى إلى تغيير طريقته في النظر إلى الأمور.

ثامناً: نقد الكتاب

رغم ما يتمتع به الكتاب من مزايا، إلا أنه لا يخلو من بعض الملاحظات:

  • اعتماده الكبير على الطرح النظري في بعض الأجزاء، مما قد يثقل على القارئ الباحث عن التطبيق المباشر.
  • غياب بعض الدراسات أو الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب المعرفي التي تعزز الطرح.
  • كان بالإمكان توسيع جانب التمارين العملية أكثر لزيادة الفائدة.

لكن تبقى هذه الملاحظات ثانوية مقارنة بالقيمة الكبيرة التي يقدمها الكتاب.

الخاتمة

يُعد كتاب “أساليب التفكير” للدكتور عبد المنعم عبد العزيز المليجي بمثابة خارطة ذهنية تساعد القارئ على اكتشاف عقله من جديد، والتعرّف على الأدوات التي يمتلكها لكنه قد لا يحسن استخدامها. الكتاب ليس مجرد رحلة في نظريات التفكير، بل هو دعوة صريحة لكل إنسان أن يراجع أسلوبه في النظر إلى الحياة، وأن يتعلم التنقل بمرونة بين مختلف أنماط التفكير ليحقق التوازن والنجاح.

وفي عالم معاصر تزداد فيه التحديات وتتسارع وتيرة الأحداث، يصبح امتلاك القدرة على التفكير السليم ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية، تمامًا كما أراد المؤلف أن يوصّل للقارئ في هذا العمل المميز.

 

لمعرفة المزيد: كتاب “أساليب التفكير” للدكتور عبد المنعم عبد العزيز المليجي: رحلة في أعماق العقل الإنساني

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى