سير

منير نايفة: قصة عالم فلسطيني في قلب تكنولوجيا النانو

النشأة والبدايات

ولد الدكتور منير حسن نايفة في الثالث عشر من ديسمبر عام 1945، في حي شويكة بمدينة طولكرم الفلسطينية، التي تقع في الضفة الغربية. نشأ وسط عائلة تهتم بالعلم والتفوق، وكان من بين إخوته المتميزين الدكتور علي نايفة، أحد أبرز علماء الهندسة في العالم.

أظهر منير منذ صغره شغفاً بالعلوم، وتفوّق في دراسته في المدرسة الفاضلية بطولكرم. وبفضل نبوغه، حصل على منحة دراسية مكنته من الالتحاق بـ الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث نال شهادة البكالوريوس في الفيزياء عام 1968، تلتها شهادة الماجستير في الفيزياء عام 1970. هذه المرحلة شكلت حجر الأساس لمسيرته العلمية التي ستمتد لاحقاً لتحدث تأثيراً عميقاً في العالم.

 

الرحلة إلى ستانفورد والانطلاقة الدولية

في عام 1970، حصل نايفة على منحة دراسية مرموقة لمتابعة دراساته العليا في جامعة ستانفورد الأمريكية، واحدة من أرقى الجامعات في العالم. هناك تخصص في الفيزياء الذرية وعلوم الليزر، وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة (Ph.D.) عام 1974.

كانت رسالته للدكتوراه تركز على فيزياء الليزر والتفاعلات الذرية، وبرز كعالم شاب يمتلك أدوات التفكير العلمي النقدي والدقيق. بعد تخرجه، التحق بـ مختبر أبحاث جامعة هارفارد، حيث عمل مع مجموعة من العلماء المرموقين، منهم الفائز بجائزة نوبل نيكولاس بلومبرغن.

 

الحياة الأكاديمية في الولايات المتحدة

بعد سنوات من البحث في هارفارد، انتقل نايفة إلى جامعة إلينوي في أوربانا شامبين، حيث شغل منصب أستاذ الفيزياء، ولاحقاً حصل على لقب أستاذ كرسي. هناك، بدأ يركّز على بحوث تكنولوجيا النانو، وأسس شركة “NanoSi Advanced Technology Inc”، التي أصبحت واحدة من أوائل الشركات التي طوّرت تطبيقات تجارية لتكنولوجيا النانو القائمة على السيليكون.

ساهم منير نايفة في الإشراف على عشرات رسائل الدكتوراه والماجستير، ونشر ما يزيد عن 200 بحث علمي في مجلات محكّمة، وشارك في مؤتمرات دولية تجاوز عددها 150 مؤتمراً.

 

رواد تكنولوجيا النانو

في التسعينيات، بدأ اسم نايفة يتردد في أوساط الباحثين في تكنولوجيا النانو، وهي علم التعامل مع المواد على مستوى الذرات والجزيئات، أي بمقاييس تقاس بالنانومتر (جزء من مليار جزء من المتر).

كان نايفة من بين أوائل العلماء الذين توصلوا إلى طريقة لقص بلورات السيليكون بحجم النانو، بدقة غير مسبوقة. هذا الإنجاز فُتح له المجال أمام تطبيقات واسعة، مثل:

– أجهزة الاستشعار الطبية.

– تحسين كفاءة الخلايا الشمسية.

– المعالجات الإلكترونية الدقيقة.

– الكشف المبكر عن السرطان.

أحدثت أبحاثه ثورة علمية في تقنيات النانو، مما جعل العديد من الجامعات والشركات تتجه نحو هذا الحقل الجديد.

 

أهم الإنجازات العلمية

من أبرز إنجازاته:

▪︎ قص البلورات النانوية من السيليكون (Silicon Nanocrystals):

هذه التقنية تسمح بإنتاج نقاط كمومية (Quantum Dots) ذات استخدامات في الطب والاتصالات.

▪︎ تحكمه في خواص المواد على المستوى الذري:

تمكن من تعديل خصائص السيليكون لإنتاج ضوء مشع، وهو إنجاز مهم نظراً لصعوبة جعل السيليكون ينبعث منه الضوء.

▪︎ التسجيل لبراءات اختراع تجاوزت العشرة، منها:

أجهزة استشعار تعتمد على النانو.

تصنيع مواد ضوئية مبتكرة.

▪︎ تأسيس شركة تكنولوجيا متقدمة:

أسس شركة NanoSi Advanced Technology في شيكاغو، والتي حصلت على تمويلات من الحكومة الأمريكية لتطوير تطبيقات صناعية وعسكرية.

 

أوسمة وجوائز

حصل الدكتور منير نايفة على العديد من الجوائز والأوسمة، منها:

• جائزة نوبل للسلام (جزء من فريق العلماء في الأكاديمية الأمريكية في مشروع نزع الأسلحة النووية).

• جائزة التميز العلمي من الجمعية الأمريكية للفيزياء.

• جائزة العلماء العرب المبدعين.

• تم تكريمه من قبل العديد من الجامعات العربية، مثل جامعة النجاح الوطنية وجامعة القدس.

• كما اختارته الموسوعة الأمريكية للعلماء المعاصرين كواحد من أبرز العلماء في العالم.

 

دوره في خدمة القضية الفلسطينية والعربية

رغم إقامته في الولايات المتحدة، ظل منير نايفة مرتبطاً بقضيته الفلسطينية. فقد شارك في العديد من المؤتمرات العلمية التي تهدف إلى نقل المعرفة إلى الوطن العربي، وكان دائم الحديث عن ضرورة دعم البحث العلمي في العالم العربي.

دعا إلى إنشاء صندوق دعم للعلماء العرب في المهجر، واقترح أن يكون هناك برنامج زمالة علمية بين الجامعات الأمريكية والعربية لنقل التكنولوجيا والمعرفة.

 

حياته الشخصية

منير متزوج وله أبناء، ويتحدث اللغتين العربية والإنجليزية بطلاقة. عرف بين طلابه بتواضعه وتشجيعه للمبدعين، وكان يردد دائماً: “المستقبل لمن يفكر ويبدع، لا لمن يحفظ فقط”.

 

رسالة منير نايفة إلى الشباب

في لقاء له على هامش إحدى المؤتمرات، قال الدكتور نايفة:

“أدعو الشباب العربي إلى عدم الاستسلام للظروف السياسية أو الاقتصادية. العلم هو طريقنا للاستقلال الحقيقي، ولابد من التمسك بالعلم كخيار استراتيجي.”

 

خاتمة

إرث علمي وإنساني خالد
يمثل الدكتور منير نايفة نموذجاً للعالم العربي الذي جمع بين التميز العلمي العالمي والانتماء الوطني الأصيل. استطاع أن يخترق جدران المختبرات الأمريكية، لا ليحقق النجاح الشخصي فقط، بل ليضع بصمة عربية في أخطر وأحدث ميادين التكنولوجيا المعاصرة: تكنولوجيا النانو.

واليوم، وبينما يواصل العالم الركض نحو الذكاء الاصطناعي، وتكامل النانو مع الطب، والروبوتات، تظل بصمة نايفة حاضرة، تذكرنا أن الإرادة والعلم يمكن أن يصنعا المعجزات، مهما كانت البدايات متواضعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى