سير

مي زيادة

كانت مي زيادة – وهي ماري إلياس – (1886-1941) إحدى شهيرات الأدب في النصف الأول من القرن العشرين.. ولدت بلبنان، واستقرت بمصر، وكانت تعقد في بيتها صالونًا ثقافيًّا مميزًا.. حدث ذات مرة أن راسلتها أديبة سورية عام 1922، وطلبت منها وصف نفسها إليها، فهي لم ترها من قبل.. فكتبت مي إليها تقول: “استحضري فتاة سمراء كالبُن، أو كالتمر الهندي كما يقول الظرفاء، أو كالمسك كما يقول متيم العامرية (أي قيس)، أو كالليل كما يقول الشعراء، وضعي عليها طابعًا سديميًّا من وجد وشوق وذهول، وجوع فكري لا يكتفي، وعطش روحي لا يرتوي، يرافق ذلك كله استعداد كبير للطرب والسرور، واستعداد أكبر للشجن والألم، وهذا هو الغالب دومًا، وأطلقي على هذا المجموع اسم (مي) ترين وجه من يساجلك الساعة قلمها”.

يجتمع في بيت مي زيادة كل ثلاثاء الأدباء أسبوعيا يتحاورون ويتسامرون، وكان يتردد على صالون مي طه حسين عميد الأدب العربي، وأحمد زكي شيخ العروبة، وعبد العزيز فهمي شيخ القضاة، وإسماعيل صبري شيخ الشعراء، وداود بركات شيخ الصحافة، وشبلي شميل شيخ الملحدين، وأحمد شوقي أمير الشعراء، وحافظ إبراهيم شاعر النيل، والرافعي والعقاد ومصطفى عبد الرزاق وخليل مطران ولطفي السيد .. وغيرهم من المفكرين والأدباء.

تخيلوا هذه الاسماء تجتمع اسبوعيا، هل تتوقعون أن يتخلف أحد؟ كان يوما يندر فيه أن يتخلف أحد إلا لمرض أو سفر، مرة مرض إسماعيل صبري ولا يستطيع رؤية “مي” يوم الثلاثاء فيهدد إذا لم يشف يوم الثلاثاء القادم؛ فلن يعترف بهذا اليوم أبدا ويقول: واستغفر الله من لحظة .. من العمر لم تلقني فيك صبا!

حتى الشيخ الهرم الملحد شبلي شميل لا يفارق صالونها ولكن كان يرفض أن يجادلونه في وجود الله، فقالت له مي يوما: إني أعجب لك! كيف تكفر بالله، وتؤمن بداروين!! وكانت تقول عنه إنه متعصب للإلحاد!!

فصالونها خليط من الأجناس الفكرية والأدبية والفلسفية، ويحدث بينهم جدل وخلاف، فهذا داود بركات شيخ الصحافة يحضر لصالونها وما يلبث إلا ويخرج من غير استئذان لحدة الخلاف.

ولا اعلم هل تعلقهم بالصالون من أجل الفكر والأدب أم من أجل “مي”؟ ولا يخلو حديثهم من مداعبة ومغازلة لمي، فهذا عبد العزيز فهمي قال مرة حين قيل له لماذا لم تتكلم؟ فقال: النظر هنا، وأشار إلى مي، خير من الكلام وخير من الإصغاء.

والعجب أن الرافعي كان في طنطا، وكان يحضر إلى القاهرة كل يوم ثلاثاء ليحضر صالون مي ويسافر صباح الأربعاء. وقد أحب مي ونظم فيها شعرا ونثرا. وأما لطفي السيد فكان لبقا يتخير الكلمات التي تلفت الذهن فيدس في كلامه كلمة من النسيب والغزل.

كانت مي، عفيفة فيلسوفة تألمت كثيرا في حياتها وأصابها الجنون ثم شفيت منه، وحين ماتت وقف العقاد على قبرها والدموع تطفر من عينيه فقال: “كل هذا في التراب، آه من هذا التراب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى