إيليا بريغوجين: العالم الذي أعاد التفكير في الزمن والفوضى ونشأة النظام

في عام 1977، أعلنت مؤسسة نوبل منح جائزة نوبل في الكيمياء للعالم البلجيكي إيليا بريغوجين، تقديرًا لإسهاماته في الديناميكا الحرارية للأنظمة غير المتزنة، ولا سيما نظريته في البنى المبددة. لم يكن هذا التكريم اعترافًا بإنجاز في الكيمياء وحدها، بل تتويجًا لمسار علمي طويل سعى إلى الإجابة عن سؤال يتجاوز حدود المختبر: كيف ينشأ النظام في عالم تحكمه قوانين التحول والتغير، وكيف تستطيع بعض الأنظمة أن تنتج أشكالًا جديدة من التنظيم بينما تتبادل المادة والطاقة مع محيطها؟
جاء في الصياغة الرسمية لقرار الجائزة، وفقًا لمؤسسة نوبل: «لإسهاماته في الديناميكا الحرارية غير المتزنة، ولا سيما نظرية البنى المبددة». وتكمن أهمية هذا القرار في أنه يشير إلى تحول في طريقة فهم العمليات الطبيعية؛ إذ لم يعد التغير الذي يحدث بعيدًا عن حالة التوازن يُنظر إليه باعتباره مجرد مسار نحو الاضمحلال أو فقدان القدرة على إنجاز الشغل، بل أصبح من الممكن دراسته بوصفه شرطًا لظهور أنماط منظمة ومستقرة نسبيًا.
كان بريغوجين قد أمضى عقودًا في دراسة العمليات غير العكوسة، أي العمليات التي لا يمكن إعادتها ببساطة إلى حالتها الأصلية بمجرد عكس اتجاهها. ومن خلال أبحاثه في الكيمياء الفيزيائية والديناميكا الحرارية والميكانيكا الإحصائية، عمل على توضيح العلاقة بين هذه العمليات وبين نشوء التنظيم في الأنظمة المفتوحة.
لم تكن فكرته أن الفوضى تختفي، أو أن قوانين الديناميكا الحرارية تتوقف عن العمل حين يظهر النظام. على العكس، كان السؤال الذي شغله هو كيف يمكن للنظام أن ينشأ من خلال عمليات تبديد الطاقة، من دون أن يشكل ذلك انتهاكًا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية.
وهنا تكمن فرادة مشروعه العلمي: لقد سعى إلى فهم العمليات الطبيعية لا من خلال الحالات النهائية التي تستقر عندها الأنظمة فحسب، بل من خلال المسارات التي تتطور عبرها، والتقلبات التي تتعرض لها، والتحولات التي قد تقودها إلى أنماط جديدة من التنظيم.
تقدم سيرة إيليا بريغوجين مثالًا على عالم لم يكتفِ بتطوير نظرية داخل تخصصه، بل ساهم في فتح حوار بين الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا ودراسة الأنظمة المعقدة. ومع ذلك، فإن فهم إنجازه يقتضي التمييز بين نتائجه العلمية المثبتة، والتطبيقات التي تطورت لاحقًا استنادًا إلى أفكاره، والتأملات الفلسفية التي ارتبطت باسمه.
فقد كانت البنى المبددة مفهومًا علميًا محددًا، بينما كانت الأسئلة المتعلقة بالزمن والإبداع والنظام في الطبيعة أوسع من حدود النظرية نفسها. ومن هذا التداخل بين البحث العلمي والتفكير في دلالاته، تشكلت المكانة التي احتلها بريغوجين في تاريخ العلوم الحديثة.
من موسكو إلى بروكسل: نشأة عالم متعدد الاهتمامات
وُلد إيليا بريغوجين في موسكو يوم 25 يناير 1917، في الفترة التي سبقت الثورة الروسية بأشهر قليلة. ووفقًا لسيرته الذاتية المنشورة في موقع مؤسسة نوبل، غادرت أسرته روسيا عام 1921، ثم عاشت في ألمانيا حتى عام 1929، قبل أن تستقر في بلجيكا.
لم تكن هذه التنقلات مجرد تفاصيل جغرافية في حياته؛ فقد نشأ بريغوجين في بيئة أوروبية متعددة اللغات والثقافات، ثم تلقى تعليمه في بروكسل، المدينة التي أصبحت مركز حياته العلمية. وحصل على الجنسية البلجيكية عام 1949.
كان والده، رومان بريغوجين، مهندسًا كيميائيًا درس في معهد موسكو للفنون التطبيقية. أما شقيقه ألكسندر، الذي يكبره بأربع سنوات، فقد درس الكيمياء أيضًا. وقد وفرت هذه البيئة العائلية صلة مبكرة بالعالم العلمي، وإن لم يكن الطريق الذي قاده إلى الكيمياء خاليًا من التردد.
فبحسب روايته في سيرته الذاتية لدى مؤسسة نوبل، كانت اهتماماته في شبابه تتجه إلى التاريخ والآثار والموسيقى، ولا سيما عزف البيانو. كما قرأ نصوصًا فلسفية تركت أثرًا في طريقته في التفكير، وكان من بين الأعمال التي أثارت اهتمامه كتاب الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون «التطور الخلاق».
اهتم برغسون بفكرة الزمن بوصفه مدة متصلة تحمل إمكانات التجدد، وليس مجرد سلسلة من اللحظات المنفصلة. وقد وجد بريغوجين في هذا التصور سؤالًا يستحق التأمل، وإن كان من غير الدقيق اختزال نظرياته العلمية اللاحقة في تأثير فلسفي واحد.
كانت المسألة بالنسبة إليه أوسع من استعارة فلسفية عن الزمن؛ إذ سعى إلى فهم ما إذا كانت القوانين الفيزيائية تستطيع تفسير نشوء أنماط جديدة في العالم الطبيعي، وكيف يمكن للزمن أن يظهر في وصف العمليات التي تتطور ولا تعود ببساطة إلى نقطة البداية.
في بروكسل، التحق بالجامعة الحرة في بروكسل، ودرس العلوم الكيميائية والفيزيائية. حصل على شهادتيه في هذين المجالين عام 1939، ثم نال الدكتوراه في الكيمياء عام 1941، وفقًا للسيرة المنشورة في مكتبة الجامعة الحرة في بروكسل.
كان اختياره للكيمياء والفيزياء نقطة تحول؛ فقد نقل اهتمامه من الأسئلة العامة حول الطبيعة والزمن إلى محاولة الإجابة عنها باستخدام النماذج الرياضية والتجارب والمفاهيم العلمية القابلة للاختبار.
وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية، واجهت الجامعة ظروفًا صعبة، وشهدت فترة من إغلاق المؤسسات التعليمية الرسمية واللجوء إلى أنشطة تعليمية سرية. وتشير سيرة بريغوجين لدى الجامعة إلى مشاركته في حركة المقاومة الجامعية، قبل أن يبدأ مساره التدريسي الرسمي عام 1947.
وفي الوقت نفسه، كان يتجه نحو مجال سيحدد مسيرته كلها: دراسة الديناميكا الحرارية، وبصفة خاصة العمليات التي تحدث خارج حالة التوازن.
المشكلة التي سبقت بريغوجين: ماذا يحدث بعيدًا عن التوازن؟
لفهم أهمية أعمال بريغوجين، ينبغي أولًا النظر إلى الصورة التي كانت عليها الديناميكا الحرارية قبل أن تتبلور نظرياته الأساسية.
تدرس الديناميكا الحرارية العلاقة بين الحرارة والشغل والطاقة، وتساعد على تفسير سلوك الأنظمة الفيزيائية والكيميائية. وقد شكل القانون الثاني للديناميكا الحرارية أحد أهم أسس هذا العلم؛ فهو يضع قيودًا على اتجاه العمليات الطبيعية، ويرتبط بمفهوم الإنتروبيا، الذي يستخدم لوصف جوانب من انتشار الطاقة وعدد الحالات المجهرية الممكنة للنظام.
في الأنظمة المعزولة، تميل العمليات الطبيعية إلى زيادة الإنتروبيا حتى الوصول إلى التوازن، عندما تتحقق الشروط التي تسمح بذلك. وقد جعل هذا السلوك دراسة حالات التوازن محورًا أساسيًا في الديناميكا الحرارية التقليدية.
لكن الطبيعة لا تتكون من أنظمة معزولة أو مستقرة دائمًا.
فالخلية الحية تتبادل المواد والطاقة مع محيطها، والتفاعل الكيميائي قد يستمر ما دامت المواد المتفاعلة متاحة، والجو يتأثر باستمرار بتدفقات الطاقة والحرارة، كما أن أنظمة كثيرة تتغير بفعل فروق درجات الحرارة أو الضغط أو التركيز.
هذه الأنظمة لا يمكن فهمها بالكامل من خلال دراسة حالات التوازن وحدها.
ومن هنا برزت أهمية الديناميكا الحرارية غير المتزنة، التي تبحث في العمليات التي تحدث أثناء انتقال الأنظمة من حالة إلى أخرى، وفي الحالات المستقرة التي يمكن أن تحافظ عليها الأنظمة المفتوحة ما دامت تتبادل المادة والطاقة مع محيطها.
لم يبدأ هذا المجال مع بريغوجين. فقد سبقه علماء أسهموا في تأسيسه، ومن بينهم لارس أونساغر، الذي طور علاقات التبادلية في العمليات غير العكوسة، كما أسهم علماء آخرون في بناء الإطار الرياضي لدراسة انتقال الحرارة والمواد والعمليات الكيميائية.
وكان ثيوفيل دو دوندر، أستاذ بريغوجين في الجامعة الحرة ببروكسل، من الشخصيات التي أثرت بعمق في توجهه العلمي. فقد اهتم دو دوندر بعلاقة التفاعلات الكيميائية بإنتاج الإنتروبيا، وبكيفية وصف تطور التفاعلات باستخدام مفاهيم الديناميكا الحرارية.
وقد أشار بريغوجين نفسه، في سيرته الذاتية لدى مؤسسة نوبل، إلى الدور الأساسي الذي أداه دو دوندر في نشأة اهتمامه بالعمليات غير العكوسة.
كانت إحدى المشكلات الرئيسية أن كثيرًا من الأساليب المتاحة آنذاك كانت أكثر ملاءمة للأنظمة القريبة من التوازن، حيث يمكن تقريب العلاقات بين التدفقات والقوى المحركة لها بصورة خطية.
لكن ماذا يحدث عندما يبتعد النظام عن التوازن بدرجة كبيرة؟ وهل تظل القواعد المبسطة التي تصف الأنظمة القريبة منه كافية لفهم سلوكه؟
أدرك بريغوجين أن الإجابة تقتضي الانتقال من وصف العمليات الصغيرة والقريبة من التوازن إلى دراسة الأنظمة التي تحكمها علاقات غير خطية، ويمكن أن تتغير بنيتها مع استمرار تدفق الطاقة والمواد.
لم يكن هذا الانتقال مجرد توسيع لنظرية موجودة، بل فتح بابًا لأسئلة جديدة عن الاستقرار والتحولات والتقلبات ونشوء الأنماط المنظمة.
من الإنتروبيا إلى البنى المبددة: التحول الذي صنع مكانته العلمية
بدأ بريغوجين مسيرته البحثية بالعمل على الديناميكا الحرارية للعمليات غير العكوسة، واهتم في مرحلة مبكرة بمبدأ الحد الأدنى لإنتاج الإنتروبيا في حالات معينة من الأنظمة المستقرة القريبة من التوازن.
نُشرت أعماله الأساسية في هذا المجال خلال أربعينيات القرن العشرين، ومنها بحثه الذي ظهر عام 1945 حول الديناميكا الحرارية للظواهر غير العكوسة.
لكن النتائج المرتبطة بالأنظمة القريبة من التوازن لم تكن كافية للإجابة عن الأسئلة التي تشغله. فهذه النتائج لا يمكن تعميمها بلا قيود على جميع الأنظمة البعيدة عن التوازن، خصوصًا الأنظمة التي تتفاعل فيها عمليات متعددة بطريقة غير خطية.
من هنا بدأ تعاون طويل بين بريغوجين وزملائه، ومن بينهم بول غلانسدورف، لدراسة شروط الاستقرار في الأنظمة غير المتزنة.
كان السؤال المحوري: هل يمكن لنظام مفتوح، إذا ظل بعيدًا عن التوازن وتوافرت فيه شروط معينة، أن ينتج بنية منظمة لا تظهر في حالة التوازن؟
تبلورت الإجابة تدريجيًا خلال خمسينيات القرن العشرين وستينياته، حتى ظهر مفهوم البنى المبددة بوصفه أحد أبرز إسهامات بريغوجين العلمية.
والبنية المبددة هي نمط من التنظيم ينشأ في نظام مفتوح بعيد عن التوازن، ويستمر بفضل تبادل المادة والطاقة مع البيئة المحيطة. ولا تكون هذه البنية مستقلة عن العمليات التي تحفظها؛ فإذا تغيرت الشروط التي تسمح باستمرارها أو توقف تدفق الطاقة والمواد الضروري لها، فقد تختفي أو تتحول إلى نمط آخر.
يمكن تقريب الفكرة من خلال مثال عام: إذا وُضع سائل في ظروف معينة من التسخين، فقد يتطور إلى أنماط منتظمة من الحركة بدلًا من بقائه في حالة ساكنة. وتستمر هذه الأنماط ما دامت الظروف الخارجية التي تدعمها قائمة.
لكن البنى المبددة لا تقتصر على الحركات في السوائل؛ إذ تشمل، في سياقات مناسبة، أنماطًا مكانية وزمانية يمكن أن تظهر في التفاعلات الكيميائية وغيرها من الأنظمة غير المتزنة.
والنقطة الأساسية هنا أن التنظيم لا ينشأ رغم تبديد الطاقة بالضرورة، بل قد ينشأ من خلال عمليات التبادل والتبديد نفسها.
لا يعني ذلك أن كل نظام بعيد عن التوازن سيصبح منظمًا، أو أن كل اضطراب ينتج بنية جديدة. فظهور هذه البنى يتوقف على شروط محددة تتعلق بطبيعة النظام، ومعدلات التفاعل، وانتقال المادة والطاقة، والاستقرار الرياضي للحالات الممكنة.
وقد كان هذا التحديد مهمًا؛ لأنه نقل النقاش من التأمل العام في نشوء النظام إلى دراسة شروط قابلة للتحليل الرياضي والاختبار التجريبي.
وفي عام 1967، عرض بريغوجين مفهوم البنى المبددة في سياق بحثي تناول العلاقة بين البنية والتبديد والحياة، ثم شارك مع غلانسدورف في تطوير الإطار النظري الذي نُشر في كتابهما الصادر عام 1971 بعنوان Structure, Stability and Fluctuations، أي «البنية والاستقرار والتقلبات».
وقد مثّل هذا العمل محطة مهمة في تطور النظرية؛ لأنه جمع بين دراسة الاستقرار والتقلبات والتحولات التي قد تحدث في الأنظمة البعيدة عن التوازن.
وبذلك، لم تعد الديناميكا الحرارية بالنسبة إلى بريغوجين علمًا يركز على الحالات النهائية وحدها، بل أصبحت وسيلة لدراسة كيفية نشوء البنى واستمرارها وتغيرها خلال الزمن.
نموذج «بروكسيلاتور»: حين تتحول النظرية إلى نظام قابل للدراسة
من أهم الأعمال التي ارتبطت بمدرسة بريغوجين تطوير نموذج كيميائي رياضي عُرف باسم «بروكسيلاتور» (Brusselator)، وهو نموذج مبسط للتفاعلات الكيميائية صاغه بريغوجين ورينيه لوفيفر في أواخر ستينيات القرن العشرين.
تنبع أهمية النموذج من أنه يسمح بدراسة كيفية ظهور سلوكيات غير خطية في نظام كيميائي مفتوح، بما في ذلك التذبذبات الزمنية وبعض الأنماط المكانية التي يمكن أن تنتج عند اقتران التفاعلات بالانتشار.
في التفاعلات الكيميائية المعتادة، قد يتوقع المرء أن تستقر تراكيز المواد المتفاعلة والناتجة عند قيم معينة، إذا كانت الظروف مناسبة لذلك. لكن الأنظمة الكيميائية غير الخطية قد تتصرف بطريقة أكثر تعقيدًا، فتظهر فيها تذبذبات متكررة أو تغيرات مكانية منتظمة.
يقدم بروكسيلاتور إطارًا رياضيًا مبسطًا لفهم هذه الاحتمالات.
فهو لا يمثل بالضرورة وصفًا حرفيًا لتفاعل كيميائي واحد يحدث في المختبر، بل نموذجًا نظريًا يساعد الباحثين على دراسة المبادئ التي تتحكم في سلوك فئة من الأنظمة الكيميائية.
ويتيح النموذج، في صيغته المقترنة بالانتشار، تحليل الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى فقدان الحالة المتجانسة لاستقرارها وظهور أنماط مكانية. وتسمى هذه الظواهر أحيانًا أنماط التفاعل والانتشار، لأنها تنتج من التفاعل بين الحركية الكيميائية وانتقال المواد داخل الوسط.
وتكمن أهمية بروكسيلاتور في بساطته النسبية؛ إذ يستطيع الباحث تغيير المعاملات ودراسة التحولات التي تحدث في النظام، ثم مقارنة النتائج بالتوقعات الرياضية.
وقد أصبح النموذج أداة معروفة في دراسة الأنظمة الديناميكية غير الخطية، وانتقل من سياقه الأصلي إلى أبحاث تتناول الأنماط المكانية والتذبذبات والانتقالات بين الحالات المستقرة وغير المستقرة.
ومن الأمثلة الموثقة على هذا الامتداد بحث نشرته مجلة الجمعية الملكية عام 2018 ضمن عدد خاص عن البنى المبددة في المادة البعيدة عن التوازن. درس البحث البنى الموضعية في نموذج بروكسيلاتور، وكيف يمكن أن تظهر أنماط مستقرة أو متحركة تحت شروط معينة، مع تحليل دور التغذية الراجعة المتأخرة في تغير سلوكها.
ويبين هذا المثال أن النموذج لم يبقَ مجرد أداة تاريخية لتوضيح نظرية بريغوجين، بل استمر في خدمة أبحاث معاصرة تستخدم المحاكاة الرياضية والتحليل العددي لفهم نشوء الأنماط في الأنظمة غير الخطية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين النموذج نفسه وبين جميع التطبيقات التي تستخدمه؛ فظهور نمط معين في نموذج رياضي لا يثبت تلقائيًا أن النمط نفسه يحدث بالطريقة ذاتها في كل نظام طبيعي.
تظل القيمة العلمية للنموذج في قدرته على تحديد الشروط الممكنة، واقتراح السلوكيات التي يمكن اختبارها، ومساعدة الباحثين على فهم العلاقة بين التفاعل الكيميائي والانتشار والاستقرار.
وهكذا، اكتسبت نظرية البنى المبددة قوة إضافية لأنها لم تقتصر على وصف عام للأنظمة المفتوحة، بل ارتبطت بنماذج رياضية تسمح بتحليل حالات ملموسة ودراسة التحولات التي تحدث فيها.
الحياة والأنظمة المعقدة: حدود التوازن التقليدي
كان اهتمام بريغوجين بالأنظمة غير المتزنة مرتبطًا بسؤال علمي أوسع: كيف يمكن تفسير نشوء التنظيم في أنظمة تتغير باستمرار؟
وقد جعلته هذه المسألة مهتمًا بالبيولوجيا النظرية، حيث تظهر الكائنات الحية بوصفها أنظمة مفتوحة تتبادل الطاقة والمواد مع البيئة وتحافظ على تنظيمها الداخلي ضمن شروط محددة.
لكن العلاقة بين نظرياته والبيولوجيا تحتاج إلى قدر من الدقة.
لم يثبت بريغوجين أن الحياة يمكن تفسيرها بالكامل من خلال مفهوم البنى المبددة، كما لم يقدم نظرية شاملة تفسر وحدها أصل الحياة أو جميع آليات التطور البيولوجي. كان إسهامه الأساسي أنه أتاح إطارًا لفهم بعض أشكال التنظيم التي تظهر في الأنظمة المفتوحة البعيدة عن التوازن.
فالخلية الحية لا تحافظ على بنيتها عن طريق الوصول إلى توازن حراري وكيميائي شامل مع محيطها، بل تحتاج إلى عمليات مستمرة تسمح بتبادل الطاقة والمواد وتنظيم التفاعلات الداخلية.
ومن هذا المنظور، تساعد الديناميكا الحرارية غير المتزنة على تفسير بعض الشروط الفيزيائية والكيميائية التي تسمح باستمرار التنظيم الحيوي.
لكن الانتقال من هذا الإطار العام إلى تفسير عمليات بيولوجية محددة يتطلب نماذج وبيانات مستقلة، تأخذ في الحسبان الخصائص الخاصة بكل نظام.
وقد تناول بريغوجين هذه الصلات في أعماله المتعلقة بالأنظمة غير المتزنة والتنظيم الذاتي، كما اهتم بالتعاون مع باحثين في مجالات تتقاطع فيها الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.
ومن الأمثلة على ذلك عمله المشترك مع جيرار نيكوليس، الذي أسهم معه في تطوير الأفكار المتعلقة بالبنى المبددة والتقلبات والأنظمة غير الخطية.
وفي كتابهما Self-Organization in Nonequilibrium Systems، الصادر عام 1977، قدّم المؤلفان معالجة موسعة لموضوع التنظيم الذاتي في الأنظمة غير المتزنة. وقد أصبح الكتاب مرجعًا مهمًا للباحثين المهتمين بالعلاقة بين التفاعلات المحلية وظهور أنماط منظمة على مستوى النظام ككل.
إن أهمية هذا الامتداد لا تتمثل في الادعاء بأن جميع الأنظمة المعقدة تخضع لنظرية واحدة، بل في توفير مفاهيم مشتركة يمكن استخدامها لطرح أسئلة متقاربة في مجالات مختلفة.
ففي الكيمياء، قد يكون السؤال عن التذبذبات والأنماط الناتجة من التفاعلات والانتشار. وفي البيولوجيا، قد يتعلق الأمر بكيفية ظهور التنظيم في نظام يتطلب استمرار تدفق الطاقة. وفي الفيزياء، قد يتركز الاهتمام على شروط الاستقرار والتحولات في الأنظمة البعيدة عن التوازن.
وتتيح هذه المقاربة المقارنة بين الأنظمة، لكنها لا تلغي الفروق الجوهرية بينها.
الزمن واللاتوازن: من المعادلات إلى الأسئلة الفلسفية
لم يكن الزمن بالنسبة إلى بريغوجين مجرد متغير رياضي يوضع في المعادلات، بل كان أحد المحاور التي ربطت اهتماماته العلمية والفلسفية.
وقد ظهر هذا الاهتمام بوضوح في أبحاثه حول اللارجعة، وفي محاولاته فهم العلاقة بين الديناميكا الحرارية والميكانيكا الإحصائية.
ففي كثير من المعادلات الأساسية للميكانيكا الكلاسيكية، يمكن من حيث الصياغة الرياضية عكس اتجاه الزمن مع إجراء التحويلات المناسبة. لكن التجربة اليومية والعمليات الحرارية تشير إلى اتجاه واضح للتغير: تنتشر الحرارة تلقائيًا من الجسم الأعلى حرارة إلى الأقل حرارة، ولا يحدث العكس تلقائيًا بالطريقة نفسها في الظروف المعتادة.
كيف يمكن التوفيق بين وصف مجهري يبدو قابلًا للعكس، وسلوك حراري تظهر فيه اللارجعة بوضوح؟
كان هذا السؤال من المشكلات الأساسية في الفيزياء الإحصائية، وقد تناوله علماء كثيرون قبل بريغوجين، من بينهم لودفيغ بولتزمان، الذي ارتبط اسمه بالتفسير الإحصائي للإنتروبيا.
لم يكن بريغوجين أول من لاحظ المشكلة، ولم يحسم وحده جميع أوجهها. لكنه جعلها محورًا مركزيًا في برنامجه البحثي، وسعى إلى فهم كيفية ظهور السلوك غير العكوس على المستوى الماكروسكوبي، أي مستوى الأنظمة التي نلاحظها ونقيسها مباشرة، انطلاقًا من وصف العمليات المجهرية.
وقد عمل مع عدد من الباحثين على تطوير أساليب في الميكانيكا الإحصائية غير المتزنة، وعلى دراسة العلاقة بين التفاعلات والارتباطات بين مكونات الأنظمة.
وفي كتابه Non-Equilibrium Statistical Mechanics، الصادر في ستينيات القرن العشرين، عرض جانبًا من هذا العمل النظري. وقد أسهمت هذه الأبحاث في توسيع الأدوات المستخدمة لدراسة الأنظمة التي لا يمكن وصفها وصفًا كافيًا من خلال افتراض التوازن.
وفي مراحل لاحقة، اتجه بريغوجين إلى أفكار أكثر طموحًا تتعلق بعلاقة اللارجعة بالوصف الديناميكي الأساسي للطبيعة. وقد أثارت بعض مقترحاته نقاشًا علميًا حول مدى إمكان تفسير اتجاه الزمن وحدود الأوصاف الديناميكية التقليدية.
وهنا ينبغي التمييز بين أهمية السؤال وبين اعتبار جميع الإجابات التي اقترحها بريغوجين نتائج محسومة. فالعلاقة بين قوانين الحركة المجهرية واللارجعة الحرارية ظلت موضوعًا للبحث والنقاش في الفيزياء النظرية.
أما الأثر الفكري الأوسع لأعماله، فيتمثل في أنه دفع إلى إعادة النظر في صورة الطبيعة باعتبارها منظومة يمكن فهمها بالكامل من خلال حالاتها المستقرة والنهائية.
فالأنظمة غير المتزنة تكشف أن تاريخ النظام ومسار تطوره قد يكونان أساسيين في فهم حالته الراهنة. وقد تتيح التقلبات والتحولات الانتقال إلى أنماط لا يمكن استنتاجها من وصف الحالة النهائية وحدها.
لكن هذا لا يعني أن الزمن في الطبيعة يتبع دائمًا المسار نفسه، أو أن جميع التحولات غير قابلة للعكس بالدرجة ذاتها. فاللارجعة مفهوم علمي يرتبط بخصائص العمليات وشروطها، ويجب دراسته وفقًا لطبيعة كل نظام.
بهذا المعنى، جمع مشروع بريغوجين بين مسألة فيزيائية محددة وأسئلة فلسفية أوسع، من دون أن يكون من الضروري اعتبار التأملات الفلسفية برهانًا علميًا مستقلًا.
جائزة نوبل عام 1977: لماذا كان الإنجاز استثنائيًا؟
حين مُنح بريغوجين جائزة نوبل في الكيمياء عام 1977، كانت أبحاثه قد ساعدت على ترسيخ دراسة الأنظمة غير المتزنة باعتبارها مجالًا قادرًا على إنتاج مفاهيم ونماذج جديدة.
ووفقًا للسجل الرسمي لمؤسسة نوبل، كان سبب فوزه هو إسهاماته في الديناميكا الحرارية غير المتزنة، ولا سيما نظرية البنى المبددة.
ويجيب هذا القرار عن سؤال «سبب فوز إيليا بريغوجين بجائزة نوبل» بوضوح: لم يكن التكريم بسبب فكرة فلسفية عامة عن الزمن، ولا بسبب ادعاء أن الفوضى تؤدي دائمًا إلى النظام، بل بسبب إسهام علمي محدد في فهم الأنظمة البعيدة عن التوازن.
كان جوهر الإنجاز أن العمليات غير العكوسة، التي ترتبط بإنتاج الإنتروبيا وتبديد الطاقة، يمكن في شروط معينة أن تسهم في ظهور بنى منظمة في الأنظمة المفتوحة.
وقد ساعد هذا التصور على تجاوز التركيز الحصري على حالات التوازن، وعلى توسيع دراسة الديناميكا الحرارية لتشمل الأنظمة التي تتطور باستمرار.
كما ارتبطت النظرية بتطور النماذج الرياضية للأنظمة غير الخطية، التي يمكن أن تظهر فيها تذبذبات وتحولات في الاستقرار وأنماط مكانية.
ولم تكن الجائزة اعترافًا بعمل فردي منعزل عن محيطه العلمي. فقد أقر بريغوجين نفسه في سيرته الذاتية بأهمية التعاون مع زملائه، وذكر من بينهم بول غلانسدورف وجيرار نيكوليس ورينيه لوفيفر، إلى جانب عدد من الباحثين الذين شاركوا في تطوير الجوانب النظرية والتطبيقية لهذا المجال.
وهذه نقطة مهمة في قراءة إنجازاته: فالعلم يتقدم من خلال أعمال فردية متميزة، لكنه يتطور أيضًا داخل جماعات بحثية، وبفضل تبادل الأفكار والاختبارات والنقد.
وقد مثّلت جائزة نوبل تتويجًا لهذا المسار، لكنها لم تكن نهاية البحث. فالأطر التي ساعد بريغوجين على تطويرها استمرت في الظهور داخل دراسات لاحقة عن التفاعلات الكيميائية والأنظمة المعقدة والانتقالات بين الحالات المستقرة وغير المستقرة.
المؤسسات والكتب: كيف انتقلت الأفكار إلى أجيال جديدة؟
ارتبط المسار العلمي لبريغوجين ارتباطًا وثيقًا بالمؤسسات التي عمل فيها، وبقدرته على بناء مجموعات بحثية تستمر في دراسة المشكلات التي طرحها.
كانت الجامعة الحرة في بروكسل مركز عمله الأساسي، حيث تطورت أبحاثه في الكيمياء الفيزيائية والديناميكا الحرارية غير المتزنة. كما تولى إدارة المعاهد الدولية للفيزياء والكيمياء المرتبطة بإرث إرنست سولفاي، وهي مؤسسات أسهمت في دعم البحث العلمي والتبادل بين الباحثين.
وفي الولايات المتحدة، ارتبط اسمه بجامعة تكساس في أوستن، حيث أسس مركزًا لدراسة الميكانيكا الإحصائية والأنظمة المعقدة، بحسب السيرة المنشورة في مكتبة الجامعة الحرة في بروكسل.
وقد ساعد هذا الارتباط بين المؤسسات الأوروبية والأمريكية على توسيع نطاق التعاون العلمي وتدريب باحثين في مجالات متعددة.
أما كتبه، فقد أدت دورًا مهمًا في تحويل الأبحاث المتخصصة إلى إطار متكامل يستطيع الباحثون العودة إليه وتطويره.
فإلى جانب أعماله المبكرة في الديناميكا الحرارية، برز كتابه المشترك مع غلانسدورف عام 1971، الذي تناول البنية والاستقرار والتقلبات، وكتاب التنظيم الذاتي في الأنظمة غير المتزنة الذي ألّفه مع نيكوليس عام 1977.
وتكشف هذه الأعمال عن تطور برنامجه البحثي: من دراسة إنتاج الإنتروبيا في الأنظمة القريبة من التوازن، إلى تحليل الأنظمة غير الخطية البعيدة عنه، ثم إلى محاولة فهم العلاقة بين التقلبات وظهور التنظيم.
لم يكن انتقال هذه الأفكار إلى الأجيال اللاحقة عملية آلية؛ فقد تطلب الأمر إعادة صياغة النماذج، واختبارها في سياقات مختلفة، وتحديد حدود صلاحيتها.
وقد أصبحت دراسة البنى المبددة جزءًا من أبحاث أوسع في الأنظمة الديناميكية والتفاعل والانتشار والتشكّل المكاني. ويظهر هذا بوضوح في استمرار استخدام نموذج بروكسيلاتور داخل الأبحاث الرياضية المنشورة في القرن الحادي والعشرين.
ففي دراسة منشورة عام 2017، تناول باحثون من وحدة الكيمياء الفيزيائية غير الخطية في الجامعة الحرة ببروكسل إمكان نشوء أنماط مكانية وزمانية في أنظمة تجمع بين التفاعلات الكيميائية والانتشار، مستخدمين نموذج بروكسيلاتور في المحاكاة والتحليل.
إن استمرار هذه الأبحاث يمثل مثالًا على التأثير المباشر لأدوات ارتبطت بمدرسة بريغوجين. أما التأثير الأوسع في دراسة الأنظمة المعقدة، فهو تأثير مفاهيمي ومنهجي؛ إذ ساعدت أعماله على ترسيخ الاهتمام بكيفية نشوء الأنماط المنظمة في الأنظمة المفتوحة، مع بقاء كل تطبيق بحاجة إلى أدلته ونماذجه الخاصة.
التحديات والحدود: ما الذي لا تقوله نظرية البنى المبددة؟
على الرغم من أهمية نظرية البنى المبددة، فإن فهمها يتطلب الابتعاد عن بعض التعميمات الشائعة التي قد تجعلها تبدو وكأنها تفسير شامل لكل ظواهر التنظيم في الطبيعة.
أول هذه الحدود أن ظهور التنظيم ليس نتيجة حتمية لكل عملية تبديد للطاقة. فبعض الأنظمة تتطور نحو حالات أكثر تجانسًا، وبعضها لا ينتج أنماطًا مستقرة، بينما يمكن أن تظهر في أنظمة أخرى تذبذبات أو تحولات تعتمد على الشروط المحيطة.
وثانيها أن البنى المبددة لا تلغي القانون الثاني للديناميكا الحرارية. فالانتظام الذي يظهر داخل نظام مفتوح لا يعني أن الإنتروبيا الكلية للنظام ومحيطه تتناقص على نحو يخالف القانون؛ إذ يجب النظر إلى التبادل مع البيئة وإنتاج الإنتروبيا ضمن النظام الأوسع.
وثالثها أن النظرية لا تكفي وحدها لتفسير جميع أشكال الحياة أو الوعي أو السلوك الاجتماعي. فهذه المجالات تتضمن مستويات من التنظيم تحتاج إلى أدوات ونظريات وبيانات تتجاوز ما تقدمه الديناميكا الحرارية وحدها.
وقد اتسع استخدام مفاهيم بريغوجين في الخطاب الفلسفي والثقافي، وأصبحت كلمتا «الفوضى» و«التنظيم الذاتي» تُستخدمان أحيانًا في سياقات بعيدة عن معناهما العلمي الدقيق.
لكن انتشار المفهوم لا يعني أن كل استخدام له يمثل امتدادًا علميًا مباشرًا لأعمال صاحبه.
ومن الضروري أيضًا التمييز بين نظرية البنى المبددة التي ارتبط بها قرار نوبل، وبين مشروعات بريغوجين اللاحقة الأكثر اتساعًا في تفسير الزمن واللارجعة. فهذه المشروعات ليست جميعها متساوية في درجة القبول أو الإثبات العلمي.
إن الإنصاف العلمي يقتضي الاعتراف بعمق الأسئلة التي طرحها بريغوجين، مع إبقاء نتائجه ضمن حدود ما تدعمه الأدلة والنماذج. ولا ينتقص ذلك من مكانته؛ بل يوضح طبيعة العلم بوصفه عملية متواصلة من التفسير والاختبار والتصحيح.
الإرث المفتوح: من الكيمياء الفيزيائية إلى دراسة الأنظمة المعقدة
توفي إيليا بريغوجين في بروكسل يوم 28 مايو 2003، عن عمر ناهز السادسة والثمانين. لكنه ترك وراءه مشروعًا علميًا تجاوز حدود تخصص واحد، واستمر في التأثير في طرق دراسة الأنظمة التي تتطور بعيدًا عن التوازن.
وإذا كان من الممكن تلخيص إنجازاته في مفهوم البنى المبددة، فإن أثره التاريخي أوسع من المصطلح نفسه.
لقد ساعد على نقل الاهتمام من وصف الحالات النهائية إلى دراسة المسارات التي تقود إليها، ومن الاقتصار على الأنظمة القريبة من التوازن إلى تحليل الأنظمة التي تتبادل الطاقة والمواد باستمرار مع محيطها.
كما أسهم في توضيح أن بعض الأنماط المنظمة يمكن أن تظهر من خلال التفاعلات بين العمليات المحلية، من دون الحاجة إلى افتراض وجود خطة مركزية تتحكم في كل تفصيل.
ومع ذلك، فإن الأثر الأكثر استمرارًا لأعماله لا يكمن في تقديم إجابة واحدة عن كل صور التنظيم في الطبيعة، بل في تطوير أسئلة وأدوات تتيح دراسة شروط ظهور الأنماط وتحولاتها.
فالباحث الذي يدرس تفاعلًا كيميائيًا متذبذبًا، أو نمطًا يتكون بفعل التفاعل والانتشار، أو انتقالًا بين حالات مستقرة في نظام غير خطي، يستطيع أن يجد في أعمال بريغوجين إطارًا نظريًا يساعده على تحديد المشكلة.
لكن هذا الإطار لا يعفيه من بناء النموذج المناسب، أو اختبار الافتراضات، أو مقارنة النتائج بالبيانات.
ومن هنا يمكن فهم امتداد إرثه باعتباره خطًا تاريخيًا متصلًا: بدأت الأسئلة من الديناميكا الحرارية للعمليات غير العكوسة، ثم تطورت إلى دراسة الاستقرار والتقلبات والأنظمة البعيدة عن التوازن، وامتدت لاحقًا إلى أبحاث الأنماط المكانية والتنظيم الذاتي في الأنظمة المعقدة.
إن أهم أعمال إيليا بريغوجين ليست مجرد كتب أو معادلات منفصلة، بل برنامج بحثي متكامل سعى إلى فهم كيفية ظهور النظام في الطبيعة ضمن قوانين الفيزياء والكيمياء، لا خارجها.
أما إنجازاته في الكيمياء الفيزيائية، فقد اكتسبت أهميتها من قدرتها على الجمع بين الدقة الرياضية والسؤال العلمي الواسع، مع الإقرار بأن تفسير كل نظام يحتاج إلى أدواته الخاصة.
وفي النهاية، لا تتمثل قيمة بريغوجين في أنه جعل الفوضى مرادفًا للنظام، ولا في أنه قدم حلًا نهائيًا لمشكلة الزمن، بل في أنه أظهر أن الأنظمة غير المتزنة تستحق أن تُدرس بوصفها مجالًا غنيًا بالتحولات والبنى الممكنة.
لقد ترك لنا تصورًا أكثر اتساعًا للتغير الطبيعي: عالمًا لا تقتصر فيه دراسة المادة على ما تستقر عليه، بل تشمل أيضًا ما يمكن أن تنشئه خلال رحلتها من أنماط جديدة، حين تسمح القوانين والظروف بذلك.



