جورج فون بيكيسي: كيف كشف أسرار السمع ونال جائزة نوبل

مقدمة: لحظة تتويج لا تُرى بالعين المجردة
في عام 1961، أعلنت لجنة اسم عالمٍ لم يكن عمله مرئيًا للعين المجردة بقدر ما كان مؤثرًا في واحدة من أكثر الحواس تعقيدًا لدى الإنسان: السمع. كان ذلك العالم هو ، الذي كُرّم لاكتشافاته الدقيقة حول كيفية انتقال الصوت داخل الأذن البشرية. لم يكن هذا الإنجاز وليد لحظة مفاجئة، بل نتيجة رحلة طويلة من البحث والتجريب، امتدت عبر قارات وظروف علمية وسياسية متغيرة.
النشأة والطفولة
وُلد جورج فون بيكيسي في 3 يونيو عام 1899 في العاصمة المجرية بودابست، في زمن كانت فيه الإمبراطورية النمساوية-المجرية لا تزال قائمة. نشأ في أسرة ذات خلفية ثقافية وتعليمية، حيث كان والده دبلوماسيًا، ما أتاح له فرصة التنقل بين عدة دول أوروبية خلال طفولته. هذا التنوع الثقافي المبكر أسهم في تشكيل شخصيته، وفتح أمامه آفاقًا متعددة في التفكير والاهتمام العلمي.
لم تكن نشأته تقليدية، إذ تلقى تعليمه في مدارس مختلفة في أوروبا، وهو ما منحه مرونة فكرية وقدرة على التكيف مع بيئات متعددة. هذا التعدد في الخبرات التعليمية لعب دورًا في تكوين فضوله العلمي، خاصة في مجالات الفيزياء والهندسة.
التكوين العلمي
بدأ بيكيسي دراسته الجامعية في مجالات العلوم الطبيعية، وركّز بشكل خاص على الفيزياء، وهو اختيار لم يكن مفاجئًا بالنظر إلى اهتمامه المبكر بالظواهر الطبيعية. التحق بجامعة بودابست، ثم واصل دراساته في ألمانيا، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء.
هذا التكوين العلمي الصارم في الفيزياء كان حجر الأساس لفهمه لاحقًا لآليات السمع، إذ تعامل مع الأذن البشرية ليس فقط كعضو بيولوجي، بل كنظام فيزيائي معقّد يمكن تحليله وقياسه. هذا الدمج بين الفيزياء والبيولوجيا سيصبح لاحقًا جوهر إنجازاته.
البدايات المهنية
بدأت مسيرة بيكيسي المهنية في معهد البريد المجري، وهو مكان قد يبدو بعيدًا عن البحث العلمي في الظاهر، لكنه كان في الواقع بيئة مثالية لدراسة الصوت والإشارات. هناك، عمل على تحسين أنظمة الاتصالات الهاتفية، وهو ما قاده إلى التساؤل عن كيفية انتقال الصوت وفهمه داخل الأذن البشرية.
من خلال هذه الوظيفة، بدأ في إجراء تجاربه الخاصة، مستخدمًا أدوات بسيطة في البداية، ثم طور تقنيات أكثر تعقيدًا لدراسة الأذن الداخلية. هذه المرحلة كانت حاسمة، إذ مهدت الطريق لاكتشافاته الكبرى.
التحديات والصراع العلمي
لم تكن رحلة بيكيسي سهلة. فقد واجه تحديات علمية وتقنية كبيرة، أبرزها صعوبة دراسة الأذن الداخلية، التي تُعد من أكثر أجزاء الجسم تعقيدًا ودقة. كما أن الأدوات المتاحة في ذلك الوقت لم تكن كافية لرصد الحركات الدقيقة داخل القوقعة (جزء من الأذن الداخلية مسؤول عن تحويل الصوت إلى إشارات عصبية).
إضافة إلى ذلك، تأثرت مسيرته بالحرب العالمية الثانية، ما اضطره إلى مغادرة أوروبا لاحقًا. هذه الظروف لم توقفه، بل دفعته إلى مواصلة أبحاثه في بيئات جديدة، خاصة بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة.
الإنجازات الكبرى
تُعد إنجازات جورج فون بيكيسي في علم السمع من أهم الإسهامات في القرن العشرين. فقد تمكّن من اكتشاف الطريقة التي تتحرك بها الموجات الصوتية داخل القوقعة، موضحًا أن الصوت لا يُنقل بشكل مباشر، بل عبر موجات تنتقل على طول غشاء داخل الأذن.
هذا الاكتشاف ساعد على فهم كيفية تمييز الإنسان بين الترددات المختلفة، وهو أمر أساسي في السمع. بلغة مبسطة، أوضح بيكيسي أن كل جزء من القوقعة يستجيب لتردد معين من الصوت، وهو ما يفسر قدرتنا على التمييز بين النغمات.
هذه النتائج لم تكن نظرية فقط، بل اعتمدت على تجارب دقيقة، استخدم فيها نماذج حقيقية للأذن، وتقنيات تصوير متقدمة نسبيًا في ذلك الوقت. وبحسب موسوعة بريتانيكا، فإن هذه الاكتشافات وضعت الأساس لفهم علمي حديث لوظيفة الأذن.
لحظة الفوز بجائزة نوبل
في عام 1961، مُنح جورج فون بيكيسي جائزة نوبل في الطب أو الفسيولوجيا، تقديرًا لاكتشافاته حول الآليات الفيزيائية لتحفيز القوقعة. ووفقًا لمؤسسة نوبل، فإن سبب فوز جورج فون بيكيسي بجائزة نوبل يعود إلى تفسيره الدقيق لكيفية استجابة الأذن للموجات الصوتية، وهو ما شكّل نقلة نوعية في علم السمع.
لم تكن الجائزة مشتركة، بل مُنحت له منفردًا، ما يعكس أهمية إسهاماته الفردية في هذا المجال. وقد اعتُبر عمله أساسًا لتطوير تقنيات لاحقة، مثل أجهزة السمع وزراعة القوقعة.
ما بعد نوبل والإرث العلمي
بعد حصوله على الجائزة، واصل بيكيسي عمله البحثي، خاصة في الولايات المتحدة، حيث انضم إلى جامعة هاواي. لم يتوقف عند إنجازاته السابقة، بل استمر في استكشاف جوانب جديدة من علم السمع والإدراك الحسي.
كما حصل على عدة تكريمات علمية، وأصبح مرجعًا في مجاله. تأثيره لم يقتصر على الأبحاث النظرية، بل امتد إلى التطبيقات الطبية، حيث ساعدت أعماله في تحسين تشخيص وعلاج اضطرابات السمع.
توفي جورج فون بيكيسي في 13 يونيو عام 1972، لكن إرثه العلمي لا يزال حاضرًا، خاصة في مجالات الطب السمعي والهندسة الطبية الحيوية.
خاتمة: إرث يتردد صداه
إن سيرة جورج فون بيكيسي ليست مجرد قصة عالم حصل على جائزة نوبل، بل هي رحلة بحث عميقة في أحد أكثر الجوانب غموضًا في الإنسان: حاسة السمع. من نشأته المتنقلة، إلى تجاربه الدقيقة، إلى تتويجه العالمي، تتجلى قيمة العمل العلمي الذي يجمع بين الدقة والصبر والفضول.
اليوم، لا تزال إنجازات جورج فون بيكيسي في علم السمع تُدرّس وتُستخدم، ليس فقط لفهم الأذن، بل لتحسين حياة الملايين ممن يعانون من مشكلات سمعية. وربما تكمن أهمية هذه السيرة في أنها تذكّرنا بأن أعظم الاكتشافات قد تبدأ من سؤال بسيط: كيف نسمع؟



