كتب

مراجعة كتاب وهبة الزحيلي.. هل يمنحنا القرآن والدعاء ما نحتاج إليه في أوقات المرض والابتلاء

 

هناك لحظات في حياة الإنسان لا يبحث فيها عن كتاب يضيف إلى مكتبته معلومة جديدة، بقدر ما يبحث عن كلمات تعينه على احتمال يومه. حين يمرض شخص نحبه، أو يطول انتظار الفرج، أو تتراكم الهموم حتى تضيق بها النفس، يصبح الدعاء حاجة تتجاوز حدود المعرفة؛ إنه باب للرجاء، ووسيلة لاستعادة الطمأنينة، وتجديد الصلة بالله وسط اضطراب الحياة.

من هذه المساحة الإنسانية يقترب كتاب «الاستشفاء بالقرآن وأدعية رفع البلاء والكرب والهم والحزن» للعالم والفقيه وهبة الزحيلي، الذي يتناول موضوعًا يمس حياة الناس في مختلف أحوالهم، ويجمع بين الاستشفاء بالقرآن الكريم والرقية الشرعية والأدعية المرتبطة بالمرض والابتلاء والحزن والخوف.

لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه قبل اقتناء الكتاب ليس ما إذا كان موضوعه مهمًا؛ فالحاجة إلى السكينة والرجاء لا تحتاج إلى إثبات. السؤال الحقيقي هو: هل يقدم الكتاب قيمة عملية ومعرفية تستحق القراءة والاحتفاظ به، أم أنه يجمع أدعية مألوفة في صفحات قليلة؟

هذه المراجعة تحاول الإجابة بإنصاف، من خلال التعريف بفكرة الكتاب، وتحليل قيمته للقارئ، وتوضيح ما يمكن توقعه منه قبل شرائه.

بطاقة تعريف الكتاب

  • اسم الكتاب: الاستشفاء بالقرآن وأدعية رفع البلاء والكرب والهم والحزن.
  • المؤلف: وهبة الزحيلي.
  • الناشر: دار الفكر المعاصر.
  • التصنيف: القرآن الكريم وعلوم التفسير.
  • عدد الصفحات: 79 صفحة وفق بيانات النسخة الإلكترونية المعروضة.
  • مدة القراءة التقديرية: ساعتان إلى ثلاث ساعات.
  • التقييم المعروض: 4.6 من 5.

لماذا ينجذب القراء إلى هذا الكتاب؟

ليس كل من يلتقط كتابًا عن الدعاء يبحث عن معلومات دينية جديدة. أحيانًا يكون الدافع أكثر بساطة وعمقًا؛ يريد الإنسان أن يعرف ماذا يقرأ حين يخاف، وماذا يدعو حين يعجز عن تغيير ما يمر به، وكيف يجد في القرآن ما يخفف ثقل التجربة التي يعيشها.

هذه الحاجة هي المدخل الطبيعي إلى كتاب وهبة الزحيلي.

فالمرض والابتلاء والحزن ليست موضوعات موسمية في حياة البشر، بل تجارب تتكرر بصور مختلفة. وقد يكون القارئ نفسه مريضًا، أو يبحث عن أدعية لشخص عزيز، أو يحاول مساعدة إنسان يمر بأزمة، أو يريد أن يجعل الدعاء جزءًا أكثر حضورًا في حياته اليومية.

واللافت في عنوان الكتاب أنه لا يحصر اهتمامه في المرض وحده، بل يمد الدائرة لتشمل البلاء والكرب والهم والحزن والفزع. وهذا الاتساع يمنحه صلة بتجارب إنسانية متنوعة، لا تقتصر على من يواجهون مشكلات صحية.

إنه يخاطب الإنسان في لحظات ضعفه، حين لا تكون حاجته إلى المعلومة منفصلة عن حاجته إلى الأمل.

ما الذي يدور حوله الكتاب فعلًا؟

يدور الكتاب حول الاستشفاء بالقرآن الكريم، والرقية الشرعية للمريض، والأدعية المرتبطة برفع البلاء ودفع الكرب والهم والحزن والفزع، وفقًا للوصف المنشور للكتاب.

ويقدم المؤلف الدعاء باعتباره وسيلة يلجأ إليها الإنسان في أوقات الشدة والرخاء، وليس مجرد ممارسة مرتبطة بوقوع المصائب. فالإنسان يحتاج إلى صلته بالله في المرض والصحة، وفي العسر واليسر، وفي لحظات الاطمئنان كما يحتاج إليها عند الاضطراب.

وتبرز في فكرة الكتاب رؤية مهمة، وهي أن الاستشفاء لا ينبغي أن يُفهم باعتباره طلبًا للشفاء بعد وقوع المرض فحسب، بل يمتد إلى الجانب الروحي والوقائي من خلال الدعاء والاستعانة بالله واللجوء إليه.

وهنا تظهر قيمة الفكرة الأساسية: القرآن والدعاء ليسا مجرد كلمات تُستحضر عند اشتداد الأزمة، بل يمكن أن يكونا جزءًا من علاقة يومية تمنح الإنسان قدرًا من الثبات والطمأنينة.

ماذا سيعيش القارئ داخل الكتاب؟

من طبيعة الموضوع وحجم الكتاب، يبدو أقرب إلى الرسائل الدينية العملية الموجزة منه إلى المؤلفات التفسيرية المطولة.

لن يكون القارئ أمام دراسة أكاديمية واسعة في علوم القرآن، ولا أمام معالجة فلسفية مطولة لمعنى الألم والابتلاء، وإنما أمام مادة دينية تتجه إلى احتياجات الحياة اليومية، وتربط بين القرآن والدعاء ومواقف الإنسان المختلفة.

وهذه نقطة مهمة عند تحديد توقعات القراءة.

فمن يدخل الكتاب بحثًا عن مادة موجزة تتعلق بالأدعية والرقية الشرعية، يمكن أن يجد في حجمه وطبيعة موضوعه ما يناسبه. أما من ينتظر تحليلًا موسعًا لآيات الشفاء، أو شرحًا فقهيًا مفصلًا لأحكام الرقية الشرعية، فقد يحتاج إلى مؤلفات أخرى أكثر تخصصًا.

وتختلف قراءة نصوص الدعاء عن قراءة المعلومات المجردة؛ فالقارئ لا يتعامل معها باعتبارها مادة معرفية فقط، وإنما باعتبارها كلمات يمكن أن يستعيدها في موقف شخصي، أو يرددها في لحظة يحتاج فيها إلى السكينة.

القيمة الحقيقية للكتاب.. هل يقدم شيئًا يتجاوز الأدعية المألوفة؟

هنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية في قرار الشراء.

فالأدعية والآيات المتعلقة بالشفاء والرحمة والصبر والتوكل ليست مادة مجهولة للقارئ المسلم. ويمكن الوصول إلى كثير منها في كتب الأذكار والحديث والتفسير، وفي مؤلفات الرقية الشرعية.

لذلك لا ينبغي تقييم الكتاب على أساس أنه يقدم بالضرورة اكتشافًا دينيًا جديدًا، بل على أساس قدرته على جمع مادة يحتاج إليها القارئ في سياق محدد، وتقديمها بصورة تساعده على الرجوع إليها والاستفادة منها.

أولًا: الجمع بين موضوعات متصلة بالحياة اليومية.

يجمع الكتاب بين المرض والبلاء والكرب والهم والحزن، وهي حالات تتقاطع في حياة الإنسان، وإن اختلفت أسبابها. وهذا يمنحه قيمة عملية للقارئ الذي يريد مرجعًا صغيرًا يرتبط بمواقف متعددة.

ثانيًا: إعادة الاعتبار للدعاء في أوقات الرخاء.

من الأفكار التي يبرزها تقديم الكتاب أن الالتجاء إلى الله لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بالمحنة وحدها. فالإنسان لا يحتاج إلى الدعاء عندما يفقد الطمأنينة فقط، بل يحتاج إليه أيضًا في أيام الاستقرار.

وهذه فكرة تستحق التأمل؛ لأن العلاقة الروحية التي تُبنى في أوقات السعة تكون أكثر حضورًا حين تضيق الظروف.

ثالثًا: البعد العملي للمعرفة الدينية.

ليست كل فائدة الكتاب الديني في المعلومات التي يضيفها إلى ذهن القارئ. أحيانًا تكون فائدته في تحويل معرفة مألوفة إلى ممارسة منتظمة، وفي تذكير الإنسان بما يعرفه لكنه قد يغفل عنه وسط انشغالات الحياة.

ومن هنا يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لجمع موضوعات يحتاج إليها الإنسان في حياته، وليس بالضرورة تقديم دراسة جديدة في علوم القرآن.

أين ينجح الكتاب فعلًا؟

تتمثل أبرز نقاط القوة في الفكرة التي يقوم عليها الكتاب في عدة جوانب.

أولها اختياره موضوعًا قريبًا من التجربة الإنسانية؛ فالمرض والخوف والحزن والابتلاء ليست قضايا نظرية بعيدة عن حياة الناس. وكل قارئ تقريبًا يعرف شخصًا مر بواحدة منها، أو اختبر بنفسه شيئًا من ثقلها.

وثانيها اتساع دائرة الموضوع؛ فالكتاب لا يقتصر على الرقية الشرعية للمريض، وإنما يتناول أيضًا أدعية رفع البلاء والكرب والهم والحزن والفزع. وهذا يمنحه فائدة محتملة لشرائح مختلفة من القراء.

أما الجانب الثالث فيتمثل في الاختصار وسهولة القراءة. فعدد صفحاته المحدود يجعله مناسبًا لمن لا يريد الدخول في مؤلفات مطولة، وإنما يبحث عن رسالة دينية يمكن قراءتها في جلسات محدودة والعودة إليها عند الحاجة.

ويضاف إلى ذلك مكانة المؤلف العلمية؛ فقد عُرف وهبة الزحيلي بمسيرته الواسعة في الفقه الإسلامي والتفسير والدراسات الشرعية، وبمؤلفاته التي تناولت قضايا الشريعة من جوانب متعددة.

وهذه الخلفية تمنح الكتاب أهمية إضافية لدى القارئ الذي يفضل الرجوع إلى مؤلفات العلماء المتخصصين.

أين قد يضعف أو يخيّب التوقعات؟

المراجعة المنصفة لا تكتفي بذكر المزايا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بكتاب ديني قد يتعامل معه القارئ باعتباره مرجعًا يعتمد عليه.

هناك عدة نقاط تستحق الانتباه قبل الشراء.

أولًا: محدودية الإضافة المعرفية المحتملة.

موضوع الدعاء والرقية الشرعية حاضر في مؤلفات إسلامية كثيرة، ولذلك قد لا يجد القارئ الذي يمتلك مكتبة جيدة في الأذكار والأدعية اختلافًا كبيرًا في المادة الأساسية.

إذا كان يبحث عن معرفة جديدة أو دراسة متخصصة، فقد لا يكون هذا الكتاب خياره الأول.

ثانيًا: قصر الحجم مقارنة باتساع العنوان.

الجمع بين الاستشفاء بالقرآن ورفع البلاء والكرب والهم والحزن موضوع واسع، يحتاج إلى مساحة مناسبة إذا أُريد تناوله من جوانبه القرآنية والحديثية والفقهية.

ومن هنا قد يفضل القارئ المتخصص كتابًا أكثر تفصيلًا، يشرح النصوص ويبين سياقاتها وأحكامها ومصادرها.

ثالثًا: أهمية التوثيق الدقيق.

في الكتب المتعلقة بالرقية والأدعية، لا تكفي أهمية المعنى وحدها. فمن الضروري التمييز بين الآيات القرآنية، والأدعية النبوية الصحيحة، والأدعية العامة الجائزة، مع توضيح مصادر الروايات ودرجات الأحاديث عند الاستشهاد بها.

وهذا جانب مهم ينبغي للقارئ الانتباه إليه عند اختيار النسخة التي يقتنيها.

رابعًا: عدم الخلط بين الاستشفاء الروحي والعلاج الطبي.

الاستشفاء بالقرآن والدعاء يمنحان المؤمن جانبًا روحيًا مهمًا من الطمأنينة والرجاء، لكن ذلك لا يعني الاستغناء عن الطب أو إيقاف العلاج أو تجاهل الاستشارة الطبية.

فالرقية الشرعية والدعاء لا يتعارضان مع الأخذ بالأسباب، ولا ينبغي التعامل معهما بوصفهما بديلًا عن التشخيص والعلاج الطبي.

لمن هذا الكتاب؟ ولمن قد لا يناسب؟

يناسب الكتاب بالدرجة الأولى القارئ الذي يريد الاقتراب من موضوع الدعاء والرقية الشرعية في صورة موجزة، ويبحث عن مادة دينية مرتبطة بمواقف الحياة اليومية.

وقد يكون مناسبًا لمن يرغب في تنظيم قراءته للأدعية المرتبطة بالمرض والابتلاء والكرب، أو لمن يبحث عن رسالة دينية صغيرة يقدمها هدية لشخص يحتاج إلى المواساة والتذكير.

كما يناسب من يفضل الكتب الدينية المختصرة على المؤلفات المطولة، ومن يريد التعرف إلى تناول وهبة الزحيلي لموضوع الاستشفاء بالقرآن.

أما من يبحث عن دراسة حديثية متخصصة في تخريج أحاديث الرقية وبيان درجاتها، أو تفسير موسع لآيات الشفاء، أو بحث فقهي في أحكام الرقية وشروطها، فقد يحتاج إلى مرجع أكثر تخصصًا.

كذلك لن يكون الخيار الأفضل لمن ينتظر من الكتاب تقديم حلول طبية أو نفسية مباشرة؛ فهذه ليست وظيفة الأدعية، ولا ينبغي تحميل النصوص الدينية ما لا تدعيه.

هل يستحق الشراء فعلًا؟

التوصية: يستحق الشراء لمن يبحث عن مرجع ديني موجز في موضوعه.

إذا كان هدف القارئ الحصول على رسالة صغيرة تجمع موضوعات الدعاء والاستشفاء والابتلاء في إطار واحد، فإن الكتاب يستحق أن يكون ضمن الخيارات المطروحة.

أما إذا كان يمتلك بالفعل كتبًا جيدة للأذكار والأدعية والرقية الشرعية، ولا يبحث عن إضافة مختلفة، فإن استعارة الكتاب أو الاطلاع عليه قبل الشراء قد يكونان خيارًا أكثر ملاءمة.

ولا أرى أن قراءة ملخص فقط تحقق الغرض نفسه لمن يريد الرجوع إلى الأدعية والنصوص؛ لأن طبيعة هذا النوع من الكتب تقوم على الاستفادة من النصوص نفسها، لا على معرفة الأفكار العامة التي يتناولها.

الخلاصة قبل الشراء

لو كنت أنصح صديقًا بهذا الكتاب، لقلت له: لا تقتنه منتظرًا أن يغير معرفتك بعلوم القرآن أو يقدم لك دراسة متخصصة في الرقية الشرعية. اقتنه إذا كنت تريد رسالة دينية صغيرة تذكرك بقيمة الدعاء، وتجمع لك موضوعات يحتاج إليها الإنسان في أوقات المرض والابتلاء والحزن.

فبعض الكتب لا تُقاس قيمتها بعدد الأفكار الجديدة التي تقدمها، بل بما تعيده إلى وعينا من معانٍ نعرفها، لكننا نحتاج أحيانًا إلى من يذكرنا بها.

إن قيمة هذا الكتاب تبدأ من موضوعه الإنساني والإيماني، ومن تذكيره القارئ بأن الدعاء ليس ملاذًا نلجأ إليه وقت الشدة وحدها، بل صلة ينبغي أن تظل حاضرة في مختلف أحوال الحياة.

فالسؤال الذي يتركه الكتاب أمام قارئه ليس فقط ماذا يقول الإنسان حين تضيق به الحياة، بل كيف يجعل الدعاء حاضرًا في حياته قبل أن تضيق به.

لمعرفة المزيد: مراجعة كتاب وهبة الزحيلي.. هل يمنحنا القرآن والدعاء ما نحتاج إليه في أوقات المرض والابتلاء

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى