ميريد كوريغان ماغواير.. سيرة الحائزة على نوبل للسلام التي واجهت العنف بقوة اللاعنف

في العاشر من أغسطس عام 1976، شهدت بلفاست، عاصمة أيرلندا الشمالية، حادثة مأساوية كشفت عن الثمن الإنساني الباهظ للصراع الذي أنهك المجتمع لسنوات. فقد قُتل ثلاثة أطفال من عائلة ماغواير بعدما فقدت سيارة السيطرة واندفعت نحوهم، إثر إطلاق جنود بريطانيين النار على سائقها، الذي كان ينتمي إلى الجيش الجمهوري الأيرلندي. كانت الحادثة واحدة من الوقائع التي جسدت كيف يمكن للعنف السياسي والمسلح أن يحول حياة المدنيين إلى مأساة لا علاقة لهم بصناعة أسبابها.
كانت ميريد كوريغان، التي عُرفت لاحقًا باسم ميريد كوريغان ماغواير، خالة الأطفال الثلاثة. ولم تكن في ذلك الوقت شخصية سياسية بارزة أو قائدة حركة دولية، بل امرأة من بلفاست تعمل في وظيفة إدارية، وتنتمي إلى أسرة من الطبقة العاملة، ولها نشاط اجتماعي وخيري سابق في مجتمعها.
لكن المأساة التي أصابت أسرتها دفعتها إلى المشاركة في مسار جديد، لم يكن قائمًا على الانتقام أو الرد بالمثل، وإنما على رفض استمرار العنف، والدعوة إلى المصالحة، وإعادة بناء العلاقات بين المواطنين الذين فرقتهم الانتماءات الدينية والسياسية.
التقت ميريد ببيتي ويليامز، التي كانت قد بدأت بدورها تحركًا علنيًا ضد العنف بعد مشاهدتها الحادثة، وانضمت إليهما جهود الصحفي الأيرلندي الشمالي كيران ماكيون وآخرين. ومن هذا التحرك نشأت حركة السلام النسائية، التي تحولت لاحقًا إلى منظمة «مجتمع شعب السلام»، المعروفة اختصارًا باسم «شعب السلام».
وفي عام 1976، أعلنت لجنة نوبل النرويجية منح جائزة نوبل للسلام بصورة مشتركة إلى ميريد كوريغان وبيتي ويليامز، تقديرًا لجهودهما الشجاعة في تأسيس حركة تهدف إلى إنهاء الصراع العنيف في أيرلندا الشمالية. وتسلمت المرأتان الجائزة في أوسلو في العاشر من ديسمبر عام 1977، إذ أُرجئ تسليم جائزة عام 1976 إلى العام التالي.
لم تكن أهمية هذا التكريم في أنه منح ناشطتين مكانة دولية فحسب، بل في أنه سلط الضوء على إمكان انتقال المبادرة من المؤسسات السياسية إلى المواطنين العاديين، وعلى قدرة الاحتجاج السلمي والعمل المجتمعي على تحدي ثقافة العنف.
وتكشف سيرة ميريد كوريغان ماغواير عن مسار يتجاوز حدود الحادثة التي أطلقت حركتها؛ فهي سيرة امرأة جعلت اللاعنف مبدأ مستمرًا في نشاطها، وربطت السلام بالمصالحة والعدالة وحقوق الإنسان، ثم وسعت اهتمامها إلى قضايا دولية أخرى. ومن خلال هذا المسار يمكن فهم إنجازاتها في مجال السلام، والعوامل التي قادتها إلى جائزة نوبل، وحدود تأثير الحركات الشعبية في المجتمعات المنقسمة.
النشأة في بلفاست: جذور اجتماعية وأخلاقية
وُلدت ميريد كوريغان في السابع والعشرين من يناير عام 1944 في بلفاست، بأيرلندا الشمالية، ونشأت في أسرة من الطبقة العاملة. وكانت المدينة التي عاشت فيها جزءًا من مجتمع تتشابك فيه الانتماءات الدينية والهويات السياسية مع الخلافات التاريخية بشأن علاقة أيرلندا الشمالية ببريطانيا ومستقبل الجزيرة الأيرلندية.
لم تكن هذه الانقسامات مجرد خلافات نظرية حول الدستور أو السيادة، بل انعكست على الأحياء السكنية والمدارس والعلاقات الاجتماعية، وأسهمت في ترسيخ شعور متبادل بالخوف وانعدام الثقة بين قطاعات من المجتمع.
وتوضح السيرة التي يقدمها موقع مركز دراسات أيرلندا الشمالية بجامعة أولستر، ضمن أرشيف الصراع المعروف باسم CAIN، أن ميريد برزت في الحياة العامة بصفتها ناشطة سلام، وأنها شاركت مع بيتي ويليامز وكيران ماكيون وآخرين في تأسيس حركة السلام النسائية، التي تحولت لاحقًا إلى «شعب السلام».
وقبل ظهورها في الحركة، كانت ميريد تعمل في وظائف إدارية، كما شاركت في أعمال خيرية من خلال منظمة «فيلق مريم»، وهي منظمة كاثوليكية ذات نشاط اجتماعي وتطوعي.
ويكتسب هذا الجانب من حياتها أهمية عند محاولة فهم طبيعة نشاطها اللاحق. فقد عرفت العمل المجتمعي قبل أن تتحول إلى ناشطة سلام، وكانت خبرتها مرتبطة بمساعدة الآخرين والتواصل مع أفراد المجتمع، لا بالمنافسة على المناصب السياسية أو بناء مسيرة حزبية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الخلفية الاجتماعية التي أسهمت في تشكيل تجربتها وبين الأدلة المباشرة على دوافعها في كل مرحلة من مراحل حياتها. فالمصادر المتاحة توثق عملها الخيري ومشاركتها في تأسيس الحركة، لكنها لا تتيح اختزال تجربتها كلها في عامل واحد، سواء أكان الدين أم الأسرة أم الظروف السياسية.
كان التحول الحاسم في حياتها مرتبطًا بحدث محدد، لكنه اكتسب معناه التاريخي من السياق الذي وقع فيه. فالحادثة التي أودت بحياة أبناء شقيقتها لم تكن منفصلة عن الصراع؛ لقد وقعت داخل دورة من المواجهات المسلحة التي كان المدنيون يدفعون ثمنها مرارًا.
ومن هنا، لم يكن رفض العنف لدى ميريد مجرد موقف شخصي من مأساة عائلية، بل أصبح مدخلًا إلى سؤال عام: كيف يمكن للمجتمع أن يوقف دائرة القتل، عندما تكون الأطراف المتنازعة مقتنعة بأن استخدام القوة هو السبيل إلى حماية هويتها أو تحقيق أهدافها؟
أيرلندا الشمالية قبل حركة السلام: مجتمع أنهكه الصراع
لفهم الإنجاز الذي ارتبط باسم ميريد كوريغان، لا بد من العودة إلى البيئة السياسية والاجتماعية التي ظهرت فيها الحركة.
شهدت أيرلندا الشمالية منذ أواخر ستينيات القرن العشرين فترة عُرفت باسم «الاضطرابات»، وهي مرحلة اتسمت بالعنف السياسي والطائفي، وشملت مواجهات بين جماعات جمهورية أيرلندية أرادت إنهاء الحكم البريطاني وتحقيق وحدة أيرلندا، وجماعات موالية لبريطانيا تمسكت باستمرار ارتباط أيرلندا الشمالية بالمملكة المتحدة، إلى جانب القوات البريطانية والشرطة ومؤسسات الدولة.
وكانت الانقسامات بين الكاثوليك والبروتستانت متداخلة مع هذه المواقف السياسية، لكنها لم تكن تطابقها دائمًا بصورة كاملة. فالصراع لم يكن خلافًا دينيًا خالصًا، بل ارتبط أيضًا بالهوية الوطنية والتمييز الاجتماعي والحقوق المدنية ومستقبل الحكم في المنطقة.
وفي مثل هذه الظروف، لم يكن استهداف المدنيين أو سقوطهم في الهجمات والمواجهات أمرًا نادرًا. كما أن استمرار العنف أسهم في تعميق الانقسام داخل الأحياء، وأضعف قدرة المواطنين على التعامل مع بعضهم بعيدًا عن الشكوك المتبادلة.
وقد اتخذت بعض الجماعات المسلحة من العنف وسيلة للضغط السياسي، فيما بررت جماعات أخرى أعمالها بوصفها ردًا على تهديدات الخصوم. وكانت النتيجة أن دخلت أطراف متعددة في دائرة يصعب الخروج منها، لأن كل فعل عنيف كان يُستخدم لتبرير فعل آخر.
في هذا السياق، اكتسبت المبادرات المدنية المناهضة للعنف أهمية خاصة، لكنها واجهت تحديًا جوهريًا: كيف يمكن الدعوة إلى السلام دون تجاهل المظالم التاريخية أو مطالبة المتضررين بالتخلي عن حقوقهم؟
لم تقدم ميريد كوريغان حلًا دستوريًا شاملًا للخلاف بشأن مستقبل أيرلندا الشمالية، ولم تكن حركتها بديلًا عن المفاوضات السياسية. غير أن إسهامها تمثل في محاولة تغيير البيئة الاجتماعية التي يعمل داخلها السياسيون والجماعات المسلحة، وذلك من خلال رفض اعتبار العنف قدرًا لا يمكن تجاوزه.
كان هذا الاختلاف جوهريًا؛ فبدلًا من انتظار اتفاق بين القيادات السياسية حتى يبدأ المواطنون في التواصل، سعت الحركة إلى إطلاق عملية سلام من القاعدة الشعبية، عبر اللقاءات والمسيرات والعمل المحلي وبناء الثقة بين أشخاص ينتمون إلى مجتمعات متنازعة.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي جعلت تجربة «شعب السلام» جديرة بالاهتمام: السلام ليس قرارًا سياسيًا يُعلن من أعلى فحسب، بل علاقة اجتماعية تحتاج إلى إعادة بناء مستمرة.
أغسطس 1976: اللحظة التي غيرت مسار حياتها
في العاشر من أغسطس عام 1976، أطلق جنود بريطانيون النار على داني لينون، وهو عضو في الجيش الجمهوري الأيرلندي كان يقود سيارة في بلفاست. وبعد إصابة السائق، خرجت السيارة عن السيطرة واندفعت إلى الرصيف، حيث كانت آن ماغواير تسير مع ثلاثة من أطفالها.
قُتل الأطفال الثلاثة: جوان، وجون، وأندرو، الذي كان لا يزال رضيعًا. وأصيبت والدتهم آن بجروح خطيرة.
كانت آن شقيقة ميريد، ولذلك لم تكن الحادثة بالنسبة إليها خبرًا عن ضحايا مجهولين، بل كارثة أصابت أسرتها مباشرة.
وتوثق مقابلة ميريد المنشورة على موقع جائزة نوبل عام 2006 روايتها لظروف الحادثة وبداية نشاطها مع بيتي ويليامز وكيران ماكيون. وتوضح المقابلة أن اللقاء بين النساء جاء في أعقاب المأساة، وأنهن اتجهن إلى تأسيس حركة شعبية تطالب باستخدام وسائل مختلفة لحل الخلافات.
أما بيتي ويليامز، التي شاهدت الحادثة، فقد بدأت في التحرك علنًا ضد العنف. ثم تواصلت مع ميريد، والتقتا في الأيام التالية، وتعاونتا على تنظيم مسيرات وفعاليات عامة.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن التشييع والتحركات التي أعقبتهما شكلا نقطة انطلاق لتحرك شعبي أوسع، إذ اجتمع مواطنون من خلفيات مختلفة للتعبير عن رفضهم استمرار قتل الأبرياء.
كان الدافع المباشر واضحًا: لا يمكن أن يستمر المجتمع في التعامل مع مقتل المدنيين باعتباره نتيجة مقبولة للصراع. لكن الأهمية التاريخية ظهرت عندما تحول هذا الرفض إلى تنظيم قادر على حشد الناس بصورة علنية.
لم تكن ميريد تملك سلطة سياسية أو جهازًا أمنيًا أو موارد مؤسسة دولية. وكانت قوتها في هذه المرحلة مستمدة من قدرتها على التعبير عن موقف أخلاقي مشترك، وتحويل الحزن والغضب إلى فعل جماعي لا يتبنى الانتقام.
ومن المهم هنا عدم تقديم الحركة وكأنها ظهرت بفضل شخص واحد. فقد شارك في تأسيسها عدد من الأشخاص، وكان لبيتي ويليامز وكيران ماكيون دور بارز إلى جانب ميريد. غير أن تكريم ميريد وويليامز بجائزة نوبل منح المرأتين مكانة دولية خاصة في تاريخ الحركة.
من نساء من أجل السلام إلى «شعب السلام»
بدأ التحرك في صورة مبادرة شعبية مرتبطة برفض العنف، وعُرف في بدايته باسم «نساء من أجل السلام». ثم تطور إلى منظمة «مجتمع شعب السلام»، التي عُرفت على نطاق واسع باسم «شعب السلام».
ولم يكن التحول في الاسم مجرد تغيير إداري، بل عكس اتساع الفكرة من احتجاج تقوده النساء إلى حركة تسعى إلى إشراك قطاعات مختلفة من المجتمع في بناء السلام.
وكانت الفكرة المحورية للحركة أن المواطنين العاديين يستطيعون ممارسة ضغط أخلاقي واجتماعي ضد العنف، حتى عندما لا يمتلكون القدرة على تغيير المواقف السياسية الكبرى بصورة مباشرة.
وبحسب مؤسسة نوبل، نظمت الحركة مسيرات شارك فيها الآلاف خلال عامي 1976 و1977، كما سعت إلى تنفيذ مبادرات لبناء الثقة على المستوى المحلي.
وقد اكتسبت المسيرات أهمية خاصة لأنها جمعت أشخاصًا من خلفيات دينية وسياسية مختلفة، في وقت كانت فيه هذه الاختلافات سببًا في الفصل بين المجتمعات، وأحيانًا في تعريض أفرادها للخطر.
كانت الرسالة التي حملتها الحركة موجهة إلى طرفي الصراع وإلى المجتمع بأكمله: لا ينبغي السماح للجماعات المسلحة بأن تحتكر الحديث باسم السكان، ولا يجوز اعتبار كل شخص ينتمي إلى جماعة دينية أو سياسية معينة مسؤولًا عن أفعال المتطرفين المنتمين إليها.
ومن الناحية التحليلية، يمكن النظر إلى هذا الموقف باعتباره محاولة لاستعادة المساحة المدنية المشتركة. فحين يتحول الانتماء إلى معيار للحكم على الآخرين، يصبح التواصل نفسه عملًا مقاومًا للانقسام.
ولم تكن المسيرات وحدها وسيلة الحركة. فقد سعت إلى إقامة مجموعات محلية، وتعزيز العلاقات بين أشخاص من مجتمعات متقابلة، وتشجيعهم على تنفيذ أعمال تساعد على تجاوز الحواجز التي صنعها الصراع.
وكانت هذه الجهود تستهدف تغييرًا تدريجيًا في العلاقات اليومية، لا الاكتفاء بإعلان رفض العنف في المناسبات العامة.
وهذا جانب مهم من تجربة ميريد؛ إذ لم تحصر السلام في غياب إطلاق النار، بل ربطته بإمكانية أن يعيش الناس معًا دون خوف دائم من جيرانهم أو من هوياتهم المختلفة.
لماذا استحقت ميريد كوريغان جائزة نوبل للسلام؟
في عام 1976، قررت لجنة نوبل النرويجية منح جائزة نوبل للسلام بصورة مشتركة إلى بيتي ويليامز وميريد كوريغان.
وجاء النص الرسمي لسبب المنح كما نشره موقع نوبل:
«لجهودهما الشجاعة في تأسيس حركة لإنهاء الصراع العنيف في أيرلندا الشمالية».
ويؤكد هذا النص أن التكريم ارتبط بتأسيس الحركة وجهودها المناهضة للعنف، وليس بادعاء أنها أنهت الصراع بالفعل أو حققت تسوية سياسية شاملة.
وقد مُنحت الجائزة عن عام 1976، لكن تسليمها جرى في أوسلو يوم العاشر من ديسمبر عام 1977. ومن الضروري التمييز بين سنة الجائزة والسنة التي تسلم فيها الفائزان التكريم، لأن بعض الروايات تذكر عام 1977 دون توضيح أنه تاريخ التسليم لا سنة منح الجائزة.
لم يكن منح الجائزة للمرأتين اعترافًا بإنجاز عسكري أو باتفاق دبلوماسي أوقف الحرب، بل بتأسيس حركة مدنية اتخذت من رفض العنف وسيلة لإحداث تغيير اجتماعي.
وهذا ما يفسر القيمة الخاصة للتجربة في تاريخ العمل السلمي. فالجائزة لم تشترط أن تكون الحركة قد حلت كل أسباب الصراع، وإنما أقرت بأهمية المبادرة التي حاولت تغيير مساره، وأظهرت أن المواطنين يستطيعون التحرك من أجل السلام حتى في ظروف شديدة الصعوبة.
ومن هنا، فإن الإجابة عن سؤال «سبب فوز ميريد كوريغان بجائزة نوبل» لا تكتمل بمجرد الإشارة إلى المسيرات أو إلى المأساة العائلية التي سبقتها؛ فالعامل الحاسم كان تحويل الاحتجاج على العنف إلى حركة منظمة تستهدف إنهاء الصراع من خلال وسائل سلمية.
كذلك، لا ينبغي الخلط بين حصول ميريد على الجائزة وبين نجاح كل جوانب برنامج الحركة. فقد واجهت «شعب السلام» لاحقًا تراجعًا في التأييد وخلافات داخلية، ولم تتمكن من إنهاء العنف بمفردها.
لكن هذه المحدودية لا تلغي القيمة التاريخية للمبادرة. فالحركات الشعبية لا تُقاس فقط بقدرتها على تحقيق أهدافها المباشرة، بل أيضًا بقدرتها على توسيع المجال العام، وطرح بدائل، وإثبات أن المواقف السائدة ليست الخيارات الوحيدة المتاحة أمام المجتمع.
اللاعنف بوصفه منهجًا للعمل العام
يمكن فهم أهم أعمال ميريد كوريغان وإنجازاتها من خلال ثلاثة محاور مترابطة: رفض العنف، وبناء المصالحة بين المجتمعات، ثم توسيع الاهتمام بالسلام إلى قضايا دولية.
ويحتل المحور الأول مكانة مركزية في تجربتها.
فاللاعنف في سياق أيرلندا الشمالية لم يكن مجرد امتناع فردي عن استخدام القوة، بل محاولة لتغيير الطريقة التي يستجيب بها المجتمع للأزمات السياسية.
عندما تتبنى جماعة ما العنف ردًا على خصومها، فإنها قد تعزز شعور أفرادها بالتضامن الداخلي، لكنها تسهم في الوقت نفسه في تعميق خوف الطرف الآخر، الذي قد يلجأ بدوره إلى العنف لحماية نفسه. وهكذا تتحول المواجهة إلى دائرة متبادلة يصعب كسرها.
في المقابل، سعت حركة السلام إلى بناء ضغط شعبي لا يستند إلى السلاح، وإلى إظهار أن رفض العنف ليس موقفًا يخص جماعة واحدة، بل يمكن أن يصبح نقطة التقاء بين أشخاص يختلفون في هوياتهم ومواقفهم السياسية.
لم يكن هذا النهج خاليًا من المخاطر. فقد كان المشاركون في المسيرات يعملون داخل بيئة تتسم بالتوتر، وكان إعلان موقف مناهض للجماعات المسلحة يمكن أن يثير عداء أطراف ترى في هذه الدعوة تهديدًا لمشروعها السياسي.
ومع ذلك، فإن قيمة التجربة تمثلت في رفض تحويل الخوف إلى مبرر للصمت.
وتظهر المقابلة التي أجرتها مؤسسة نوبل مع ميريد عام 2006 أنها نظرت إلى الحركة بوصفها محاولة لإعادة التواصل بين المجتمعات المحلية، والتغلب على الخوف من العبور إلى مناطق يُنظر إليها باعتبارها تابعة للطرف الآخر.
ومن الناحية التحليلية، لا يعني هذا أن اللاعنف يضمن النجاح في كل الظروف، أو أنه بديل كافٍ عن العدالة والقانون والتسوية السياسية. لكنه يوفر وسيلة لرفض تحويل الخلافات إلى صراع دائم، ويتيح للمجتمعات مساحة للعمل من أجل التغيير دون إضافة ضحايا جدد.
وهذا التمييز مهم عند تقييم ميريد. فمكانتها لا تقوم على أنها قدمت نظرية سياسية مكتملة لحل النزاعات، وإنما على أنها شاركت في تجربة عملية حاولت ترجمة المبادئ الأخلاقية إلى تنظيم شعبي في مجتمع منقسم.
المصالحة بين الكاثوليك والبروتستانت: ما وراء المسيرات
لم يكن جمع المواطنين في الشوارع كافيًا وحده لتحقيق المصالحة. فالتجمعات العامة تستطيع التعبير عن موقف مشترك، لكنها لا تزيل تلقائيًا الشكوك التي تراكمت خلال سنوات من الصراع.
لهذا السبب، اكتسبت المبادرات المحلية لبناء الثقة أهمية كبيرة في تجربة «شعب السلام».
كان الهدف هو تشجيع أفراد المجتمعات المتقابلة على التواصل، والعمل معًا، واكتشاف أن اختلافاتهم الدينية أو السياسية لا تمنع وجود مصالح إنسانية واجتماعية مشتركة.
وفي مجتمع يعيش فيه الناس داخل أحياء متمايزة، يمكن أن يؤدي غياب الاتصال المباشر إلى زيادة الاعتماد على الصور النمطية والشائعات. أما اللقاءات المتكررة والتعاون المحلي، فيمكن أن يساعدا على تخفيف هذه الحواجز، وإن لم يزيلاها بالضرورة.
وتشير مؤسسة نوبل إلى أن الحركة سعت إلى إنشاء مجموعات سلام محلية، وإلى تنفيذ إجراءات لبناء الثقة بين الخصوم السابقين، على أمل إطلاق عملية سلام تنطلق من القاعدة الشعبية.
وتكمن أهمية هذا النهج في أنه يضع المسؤولية عن السلام في أيدي المواطنين أيضًا، بدلًا من حصرها في الحكومات أو المفاوضين.
ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في النتائج. فالمصالحة المجتمعية عملية طويلة، ولا يمكن لمجموعة من المسيرات أو المبادرات المحلية أن تعالج بمفردها الخلافات الدستورية أو التفاوتات الاجتماعية أو المخاوف الأمنية التي تغذي النزاعات.
لكن التجربة قدمت مثالًا على إمكانية العمل في المساحة الواقعة بين الحياة اليومية والسياسة الكبرى. فالتغيير المحلي لا يحل الصراع كله، لكنه يستطيع المساهمة في إنشاء بيئة أكثر استعدادًا لقبول الحوار.
ومن هذه الزاوية، يتجاوز إرث ميريد كوريغان عدد المشاركين في المسيرات التي نظمتها الحركة. فهو يرتبط بفكرة أن المصالحة تحتاج إلى مؤسسات ومبادرات وعلاقات اجتماعية مستمرة، لا إلى إعلان سياسي منفرد.
التحديات والخلافات: لماذا تراجع نفوذ الحركة؟
لم تستمر «شعب السلام» في التوسع الذي عرفته خلال شهورها الأولى. فبعد موجة الحشد الشعبي التي أعقبت مقتل الأطفال الثلاثة، بدأت الحركة تواجه خلافات وصعوبات أثرت في قدرتها على الاحتفاظ بالدعم الذي اكتسبته.
وتوضح السيرة التي نشرها مركز دراسات أيرلندا الشمالية بجامعة أولستر أن الحركة واجهت مشكلات تتعلق بالسياسات والاستراتيجيات، إلى جانب خلافات داخلية ظهرت بعد صعودها السريع.
كما تشير مؤسسة نوبل إلى أن حركة السلام فقدت معظم تأييدها في أواخر السبعينيات، نتيجة عوامل تضمنت الانقسامات الداخلية والشائعات التي روجتها أطراف متشددة من الجانبين.
وتكشف هذه المرحلة عن أحد التحديات الأساسية التي تواجه الحركات الشعبية: فالحشد الذي يتشكل في لحظة مأساوية قد يكون قويًا، لكنه لا يضمن اتفاق المشاركين على برنامج طويل الأجل.
قد يتفق الناس على رفض القتل، لكنهم يختلفون بشأن الأسباب السياسية للعنف، وطبيعة الحل المطلوب، والعلاقة بين السلام والعدالة، وحدود التفاوض مع الأطراف المتنازعة.
كما أن الانتقال من الاحتجاج إلى العمل المؤسسي يفرض أسئلة جديدة تتعلق بالقيادة والتمويل والتمثيل وصنع القرار.
وتشير المصادر التاريخية إلى وجود خلافات بين ميريد وبيتي ويليامز بشأن بعض جوانب عمل الحركة، كما غادرت ويليامز المنظمة لاحقًا، بينما استمرت ميريد في الارتباط بنشاطها.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الخلافات باعتبارها تفصيلًا ثانويًا؛ فهي جزء من التاريخ الحقيقي للحركة، وتساعد على فهم المسافة بين قوة الفكرة وقدرة المؤسسة على الاستمرار.
كذلك، فإن حصول الحركة على جائزة نوبل لم ينهِ التحديات، بل وضعها تحت أنظار دولية أوسع، ورفع التوقعات بشأن ما تستطيع تحقيقه.
ومن الممكن أن تتحول الجائزة، في بعض الظروف، إلى عبء على الحركة إذا أصبح الجمهور ينتظر منها نتائج تتجاوز إمكاناتها أو إذا ظهرت خلافات بشأن إدارة الموارد والمواقف السياسية.
ومع ذلك، لم يؤد تراجع الدعم إلى تخلي ميريد عن نشاطها المحلي. ووفقًا لمؤسسة نوبل، استمرت في العمل من أجل السلام حتى بعدما فقدت الحركة قدرًا كبيرًا من نفوذها.
وتوضح هذه المرحلة جانبًا مهمًا من شخصيتها العامة: فقد فصلت، إلى حد بعيد، بين نجاح الحركة بوصفها مؤسسة جماهيرية وبين استمرار التزامها الشخصي بالعمل السلمي.
ما بعد نوبل: من أيرلندا الشمالية إلى قضايا السلام الدولية
لم تتوقف ميريد كوريغان عند حدود الصراع الذي منحها شهرتها الأولى. فقد واصلت العمل من أجل السلام، وشاركت في مبادرات دولية تناولت النزاعات المسلحة وحقوق الإنسان.
ويشير مركز دراسات أيرلندا الشمالية إلى استمرار نشاطها في الحركات السلمية الدولية، بما في ذلك مواقفها المناهضة للحرب خلال حرب الخليج عام 1991 والحرب على العراق عام 2003.
ويعكس هذا الامتداد استمرار اعتمادها على مبدأ رفض العنف العسكري بوصفه وسيلة لحل الخلافات، حتى عندما تغيرت الأطراف والدول والسياقات السياسية.
لكن الانتقال من نزاع محلي إلى قضايا دولية يثير سؤالًا مختلفًا: هل يمكن تطبيق المبادئ نفسها على جميع النزاعات، بصرف النظر عن اختلاف أسبابها وظروفها؟
لا توجد إجابة بسيطة عن هذا السؤال. فالنزاعات تختلف من حيث طبيعة الأطراف، ومستوى التهديد الذي يواجه المدنيين، والإطار القانوني، ومدى توافر وسائل التفاوض.
ومع ذلك، فإن نشاط ميريد يعكس تمسكًا بمبدأ أساسي، هو أن استخدام القوة يحتاج إلى مساءلة أخلاقية وسياسية، وأن إنهاء العنف ينبغي أن يكون هدفًا حاضرًا في أي معالجة للنزاعات.
ولا يعني هذا الموقف بالضرورة أن كل أشكال المقاومة متطابقة أو أن جميع الأطراف تتحمل المسؤولية نفسها عن الصراع. فالتقييم التاريخي والقانوني يتطلب النظر في الوقائع والأدوار والحقوق والالتزامات الخاصة بكل حالة.
لكن من الممكن فهم نشاط ميريد الدولي باعتباره امتدادًا لتجربتها الأولى: نقل رفض العنف من حدود المجتمع المحلي إلى المجال العام العالمي، ومحاولة إبقاء قضايا المدنيين وحقوق الإنسان في مركز النقاش السياسي.
ومن أبرز المحطات المرتبطة بهذا الامتداد مشاركتها في مبادرات سلام دولية، ومنها حركة «نساء نوبل»، المعروفة باسم مبادرة نوبل للنساء، التي تجمع نساء حائزات على جائزة نوبل أو مرتبطات بتاريخها للعمل على قضايا السلام والعدالة وحقوق الإنسان.
وقد أصبحت مثل هذه المبادرات مساحة لتبادل الخبرات بين ناشطات يعملن في بيئات مختلفة، ولإبراز دور النساء في مقاومة العنف والمطالبة بالحقوق.
ولا يعني ذلك أن جميع المشاركات يتفقن على موقف واحد من كل قضية، بل إن القيمة المحتملة لهذه الشبكات تكمن في جمع الخبرات وإتاحة فرص للتعاون وتبادل الرؤى.
ومن خلال هذا النوع من العمل، استمرت ميريد في تقديم السلام بوصفه قضية تتجاوز الحدود الوطنية، وترتبط بمسؤولية المجتمع الدولي تجاه النزاعات التي تهدد حياة المدنيين.
فلسطين وغزة: استمرار الالتزام بقضايا المدنيين
برز اسم ميريد كوريغان ماغواير أيضًا في سياق النشاط الدولي المتعلق بالقضية الفلسطينية وقطاع غزة.
وفي يوليو عام 2009، شاركت في تحركات مرتبطة بحركة غزة الحرة، التي سعت إلى الوصول بحرًا إلى قطاع غزة في ظل القيود المفروضة على الحركة والوصول إليه.
ويُظهر هذا النشاط انتقال اهتمامها من الصراع الأيرلندي الشمالي إلى نزاع آخر تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والأمنية والإنسانية.
ومن المهم، عند تناول هذه المرحلة، التمييز بين توثيق مشاركتها في المبادرات وبين تبني كل موقف سياسي أو قانوني تتبناه تلك المبادرات. فالسيرة التاريخية مطالبة بوصف النشاط وتفسير دلالته، لا بتقديم كل تحرك على أنه يحقق بالضرورة أهدافه المعلنة.
ومع ذلك، فإن مشاركة ميريد في هذه المبادرات تتسق مع اتجاه عام في مسيرتها، يتمثل في الدفاع عن الحلول السلمية، والاهتمام بأوضاع المدنيين، ومحاولة استخدام العمل العام للضغط من أجل تغيير السياسات التي تراها مجحفة.
ويكشف هذا الامتداد أيضًا عن اتساع مفهوم السلام في تجربتها؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على منع القتل بين جماعتين داخل مجتمع واحد، بل أصبح مرتبطًا بالنقاش حول الحقوق الإنسانية، وحرية الحركة، والمسؤولية الدولية، وسبل إنهاء النزاعات.
وتبقى هذه القضايا موضع خلاف سياسي وقانوني واسع، ولذلك ينبغي تقييم كل مبادرة في ضوء الوقائع الخاصة بها. غير أن وجود ميريد في هذا المجال يوضح استمرارها في استخدام المكانة التي اكتسبتها من جائزة نوبل للمشاركة في نقاشات تتعلق بالسلام والحقوق.
الجوائز والتقدير الدولي: ما الذي بقي بعد التكريم؟
إلى جانب جائزة نوبل للسلام لعام 1976، حصلت ميريد كوريغان على جوائز وتكريمات أخرى مرتبطة بعملها السلمي.
ومن بينها جائزة السلام الشعبية النرويجية عام 1976، وميدالية كارل فون أوسيتزكي في العام نفسه، ثم جائزة «باكيم إن تيريس» عام 1990.
وتعكس هذه الجوائز اعترافًا باستمرار نشاطها في الدفاع عن السلام وحقوق الإنسان، لكنها لا ينبغي أن تكون المحور الوحيد لتقييم تجربتها.
فالتكريم الدولي يوضح أن أعمال الشخصية اكتسبت أهمية تتجاوز محيطها المباشر، لكنه لا يغني عن دراسة النتائج الفعلية للحركة، والصعوبات التي واجهتها، وحدود قدرتها على إحداث التغيير.
ومن هنا، فإن أهم إنجازات ميريد كوريغان لا تتمثل في عدد الجوائز التي حصلت عليها، وإنما في مشاركتها في إنشاء حركة مدنية استطاعت، خلال فترة قصيرة، جمع آلاف الأشخاص حول مطلب إنهاء العنف في أيرلندا الشمالية.
كما أن استمرارها في النشاط السلمي بعد تراجع الحركة يدل على أن التزامها لم يكن مرتبطًا فقط بمرحلة الصعود الجماهيري أو بالشهرة التي أعقبت نوبل.
وفي هذا المعنى، يمكن النظر إلى الجوائز بوصفها محطات في تاريخ عملها، لا خاتمة لهذا التاريخ.
الإرث الفكري والعملي: ماذا أضافت ميريد كوريغان إلى تاريخ السلام؟
عند تقييم إرث ميريد كوريغان، ينبغي التمييز بين نوعين من التأثير: التأثير المباشر الذي يمكن توثيقه في تاريخ الحركة التي شاركت في تأسيسها، والتأثير غير المباشر الذي يظهر في استمرار الاهتمام بمبادئ العمل السلمي والمصالحة الشعبية.
أما التأثير المباشر، فيتمثل في إنشاء «شعب السلام»، وتنظيم المسيرات، وتشجيع المبادرات المحلية التي هدفت إلى بناء الثقة بين المجتمعات المتنازعة.
وتوفر هذه التجربة مثالًا تاريخيًا على قدرة المبادرات المدنية على حشد المواطنين حول مطلب مشترك، حتى في بيئة سياسية تتسم بالاستقطاب والخوف.
لكن لا يصح الادعاء بأن الحركة وحدها أنهت الصراع في أيرلندا الشمالية، أو أن اتفاقات السلام اللاحقة كانت نتيجة مباشرة لجهود ميريد ورفاقها. فقد تطورت عملية السلام عبر مسارات سياسية واجتماعية متعددة، وشاركت فيها أطراف ومؤسسات وشخصيات كثيرة.
أما التأثير غير المباشر، فيظهر في المثال الذي قدمته الحركة بشأن دور المواطنين في بناء السلام، وفي الاعتراف الدولي بإمكان أن تأتي المبادرة من خارج المؤسسات التقليدية.
وقد استمرت هذه الفكرة في الظهور ضمن مبادرات المجتمع المدني التي تعمل على المصالحة، وبناء الثقة، ومناهضة العنف، وإشراك النساء في جهود السلام.
ومع ذلك، فإن إثبات التأثير المباشر لحركة معينة في نشأة كل مبادرة لاحقة يحتاج إلى أدلة تاريخية محددة، مثل تصريحات المؤسسين أو وثائق المؤسسات أو الدراسات التي تتبع انتقال الأفكار بين الحركات. لذلك، من الأدق القول إن تجربة «شعب السلام» أصبحت مثالًا يمكن الاستفادة منه في دراسة العمل السلمي، بدلًا من افتراض أن كل حركة لاحقة قد تأسست بناءً عليها.
كذلك، تقدم التجربة درسًا مهمًا بشأن العلاقة بين التعبئة الشعبية والاستدامة المؤسسية. فالحركة التي تستطيع جمع آلاف الأشخاص في لحظة تاريخية قد تجد صعوبة في الاحتفاظ بوحدتها عندما تنتقل إلى مناقشة البرامج والسياسات طويلة الأجل.
وهذا لا يخص ميريد وحدها، بل يمثل تحديًا عامًا للحركات الاجتماعية التي تبدأ من مطلب أخلاقي واضح ثم تواجه تعقيدات الواقع السياسي.
ومن هنا، لا تكمن قيمة تجربتها في تقديم وصفة جاهزة لحل النزاعات، وإنما في إظهار الإمكانات والحدود معًا: إمكان تحويل المأساة إلى تحرك جماعي، وإمكان بناء روابط بين مجتمعات متنازعة، وصعوبة الحفاظ على الزخم الشعبي دون اتفاق مستمر على الأهداف والاستراتيجيات.
ميريد كوريغان ماغواير في الذاكرة التاريخية
عندما يُذكر اسم ميريد كوريغان، غالبًا ما تُستعاد صورتها بوصفها إحدى المرأتين اللتين حصلتا على جائزة نوبل للسلام عام 1976، بعد مشاركتهما في تأسيس حركة مناهضة للعنف في أيرلندا الشمالية.
لكن هذه الصورة، على أهميتها، لا تكفي لفهم مسيرتها كاملة.
فهي ليست مجرد شخصية ارتبط اسمها بمأساة عائلية، ولا مجرد ناشطة حصدت جائزة دولية، بل امرأة استمرت في العمل من أجل السلام بعدما تراجعت الحركة التي ساهمت في تأسيسها، ووسعت نشاطها إلى قضايا دولية أخرى.
وتوضح تجربتها أن العمل السلمي لا يبدأ دائمًا من موقع السلطة أو من مشروع سياسي متكامل. فقد يبدأ من رفض مدني لواقعة عنف، ثم يتحول إلى مبادرة تجمع أفرادًا من خلفيات مختلفة حول ضرورة البحث عن بدائل.
كما توضح أن الموقف الأخلاقي يحتاج إلى تنظيم حتى يصبح مؤثرًا في المجال العام. فرفض العنف يكتسب وزنًا اجتماعيًا أكبر عندما يتحول إلى مسيرات ومبادرات ومجموعات محلية قادرة على الاستمرار.
وفي المقابل، تكشف تجربتها أن المبادئ وحدها لا تضمن نجاح المؤسسات، وأن الحركات التي تنشأ في لحظات استثنائية قد تواجه خلافات داخلية وضغوطًا خارجية تحد من قدرتها على الاستمرار.
إن أهمية ميريد كوريغان ماغواير تكمن في اجتماع هذين الجانبين في سيرتها: القدرة على إطلاق مبادرة مؤثرة، والواقع المعقد الذي يواجه كل محاولة لتحويل المبادئ إلى تغيير دائم.
خاتمة: السلام عمل مستمر لا جائزة تنهي الطريق
بدأت قصة ميريد كوريغان ماغواير في بلفاست، داخل أسرة عادية وجدت نفسها في قلب مأساة أحدثها الصراع المسلح. لكنها لم تجعل تلك المأساة نهاية الحكاية، بل شاركت في تحويلها إلى نقطة انطلاق لحركة تدعو إلى رفض العنف وبناء السلام.
ومع بيتي ويليامز وكيران ماكيون وآخرين، ساهمت في تأسيس «شعب السلام»، التي جمعت آلاف الأشخاص في مسيرات ومبادرات شعبية خلال عامي 1976 و1977. وكان منحها جائزة نوبل للسلام اعترافًا دوليًا بجهودها الشجاعة في تأسيس حركة تسعى إلى إنهاء الصراع العنيف في أيرلندا الشمالية.
غير أن القيمة التاريخية لتجربتها لا تتوقف عند لحظة التكريم. فقد واجهت الحركة خلافات وتراجعًا في الدعم، ولم تتمكن من حل الصراع بمفردها. ومع ذلك، واصلت ميريد نشاطها السلمي، وانتقلت إلى قضايا دولية تتعلق بالنزاعات المسلحة وحقوق الإنسان.
وهنا يظهر الإرث الحقيقي لتجربتها: ليس في الادعاء بأن السلام تحقق بفضل شخص واحد، وإنما في إثبات أن المبادرات الشعبية تستطيع فتح مسارات جديدة للعمل العام، وأن رفض العنف يمكن أن يتحول إلى ممارسة جماعية حتى في أصعب الظروف.
لقد منحتها جائزة نوبل مكانة في التاريخ، لكن استمرارها في العمل بعد الجائزة هو ما يجعل سيرتها جديرة بالقراءة. فهي تذكرنا بأن السلام ليس لحظة احتفالية ولا اتفاقًا يُوقّع ثم تنتهي مهمته، بل عملية تتطلب الحوار والمساءلة وبناء الثقة والعمل المتواصل.
ومن هذا المنظور، تبقى سيرة ميريد كوريغان ماغواير شهادة على إمكان أن تتحول المبادرة الفردية إلى حركة اجتماعية، وعلى أن الأثر الحقيقي لأي تجربة سلام لا يُقاس فقط بما أنجزته في لحظتها، بل أيضًا بالأسئلة التي تركتها للأجيال التالية حول كيفية مقاومة العنف، وحماية المدنيين، وصناعة مستقبل لا تكون فيه الكراهية هي اللغة الوحيدة المتاحة.



