سير

إيفار جيفير.. الفيزيائي الذي جعل النفق الكمومي نافذة على أسرار الموصلات الفائقة

في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1973، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الفيزياء إلى ليو إساكي وإيفار جيفير وبريان جوزيفسن، تقديرًا لاكتشافاتهم المتعلقة بظواهر الأنفاق في المواد الصلبة. وحصل جيفير على ربع الجائزة، بالاشتراك مع إساكي الذي حصل على الربع الآخر من النصف الأول، بينما ذهبت النصف الثاني إلى جوزيفسن عن تنبؤاته النظرية المتعلقة بالتيار الفائق عبر حاجز نفق.

كان قرار الأكاديمية دقيقًا في تحديد إسهام كل عالم؛ فقد منحت إساكي وجيفير نصف الجائزة بالتساوي عن اكتشافاتهما التجريبية لظاهرة الأنفاق في أشباه الموصلات والموصلات الفائقة على التوالي، في حين كُرِّس النصف الآخر لإسهام جوزيفسن النظري.

وبالنسبة إلى جيفير، لم يكن الإنجاز مجرد إثبات لظاهرة غريبة من ظواهر ميكانيكا الكم. لقد أخذ مفهومًا نظريًا يصعب تصوره في العالم الكلاسيكي، وحوّله إلى أداة تجريبية شديدة الحساسية يمكن من خلالها دراسة البنية الداخلية للموصلات الفائقة. ولهذا أصبح عمله نقطة اتصال بين النظرية والتجربة، وبين فيزياء الكم الأساسية والتطبيقات التي ظهرت لاحقًا في القياسات الدقيقة والتقنيات الإلكترونية.

توفي إيفار جيفير في 20 يونيو/حزيران 2025 في شينيكتادي بولاية نيويورك عن عمر ناهز 96 عامًا، بعد مسيرة علمية امتدت من هندسة الميكانيكا إلى فيزياء المواد المكثفة، ثم إلى البيوفيزياء ودراسة الجزيئات والسطوح.

من برغن إلى المختبرات الأمريكية

وُلد إيفار جيفير في 5 أبريل/نيسان 1929 بمدينة برغن في النرويج، وكان الثاني بين ثلاثة أبناء. نشأ في منطقة توتن، وكان والده يعمل صيدليًا. تلقى تعليمه الابتدائي هناك، ثم انتقل إلى مدينة هامار لإكمال تعليمه الثانوي.

في عام 1948 التحق بالمعهد النرويجي للتكنولوجيا، وتخرج عام 1952 بدرجة في الهندسة الميكانيكية. وهذه البداية تبدو، في ظاهرها، بعيدة عن الصورة التي ارتبطت به لاحقًا بوصفه أحد علماء فيزياء الكم والموصلية الفائقة. لكنها تكشف جانبًا مهمًا من تكوينه: فقد دخل عالم البحث العلمي من بوابة الهندسة والتطبيق، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى الفيزياء الأساسية.

بعد الخدمة العسكرية، عمل عامًا فاحصًا لبراءات الاختراع لدى الحكومة النرويجية. وفي عام 1954 هاجر إلى كندا، حيث عمل لفترة قصيرة مساعدًا معماريًا قبل أن ينضم إلى البرنامج الهندسي المتقدم لشركة جنرال إلكتريك الكندية. وبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة عام 1956، أكمل برامج الهندسة التابعة للشركة، وعمل في عدد من المهام ذات الصلة بالرياضيات التطبيقية.

لكن التحول الحقيقي جاء عام 1958، عندما التحق بمركز الأبحاث والتطوير التابع لشركة جنرال إلكتريك في شينيكتادي. هناك بدأ العمل في بيئة بحثية واسعة، وفي الوقت نفسه التحق بمعهد رينسيلار للفنون التطبيقية لدراسة الفيزياء على مستوى الدراسات العليا. وحصل على الدكتوراه في الفيزياء عام 1964، بينما كان قد بدأ بالفعل أبحاثه المهمة في الموصلية الفائقة والأنفاق الإلكتروني.

ومن اللافت أن أطروحته للدكتوراه لم تكن عن ظاهرة الأنفاق نفسها، بل حملت عنوانًا يتعلق بالتوصيلية وتأثير هول في السبائك الثنائية. وهذا يعكس اتساع اهتمامه بفيزياء المواد، وليس ارتباطه المبكر بمجال واحد بصورة جامدة.

العالم الذي سبق جيفير: حين تحدت الكموميات الفيزياء الكلاسيكية

لفهم أهمية إيفار جيفير، لا يكفي أن نعرف أنه اكتشف ظاهرة نفق في الموصلات الفائقة؛ بل يجب أن نعود خطوة إلى الوراء.

في الفيزياء الكلاسيكية، إذا واجه جسيم حاجزًا من الطاقة أعلى من طاقته، فإن عبوره لهذا الحاجز يبدو مستحيلًا. أما ميكانيكا الكم فتقدم صورة مختلفة؛ فالإلكترون لا يوصف باعتباره جسيمًا نقطيًا فقط، وإنما يرتبط أيضًا بوصف موجي. ولذلك يمكن للدالة الموجية أن تمتد إلى داخل حاجز لا يستطيع الجسيم الكلاسيكي عبوره، ومع وجود حاجز رقيق بدرجة كافية توجد احتمالية محدودة لظهور الإلكترون في الجانب الآخر.

هذا هو النفق الكمومي.

وقد أصبح هذا المبدأ من الظواهر الأساسية التي ميزت الفيزياء الكمومية عن الميكانيكا الكلاسيكية. ثم جاء ليو إساكي في خمسينيات القرن العشرين ليبرهن تجريبيًا على ظاهرة الأنفاق في أشباه الموصلات، وهو ما أدى إلى ظهور صمام النفق أو «صمام إساكي» وفتح مجالًا بحثيًا جديدًا في فيزياء الحالة الصلبة.

هنا تبدأ قصة جيفير.

لم يكن السؤال الذي واجهه هو: هل يحدث النفق الكمومي؟

كان السؤال الأعمق: هل يمكن استخدام النفق الكمومي لرؤية ما يحدث داخل مادة فائقة التوصيل؟

وكانت الإجابة ستغير طريقة دراسة الموصلات الفائقة.

من النظرية إلى التجربة: لماذا كانت الموصلات الفائقة مهمة؟

الموصلية الفائقة هي حالة فيزيائية تظهر عند درجات حرارة منخفضة في مواد معينة، وتتميز باختفاء المقاومة الكهربائية في الحالة المثالية، إلى جانب خصائص كمومية أخرى.

وفي عام 1957 قدم جون باردين وليون كوبر وروبرت شريفر النظرية التي أصبحت تعرف باسم نظرية BCS لتفسير الموصلية الفائقة. ومن أهم نتائج هذه النظرية أن الانتقال إلى الحالة فائقة التوصيل يرتبط بظهور فجوة في طيف طاقات الإلكترونات، عُرفت باسم «فجوة الطاقة». وقد مُنح باردين وكوبر وشريفر جائزة نوبل في الفيزياء عام 1972 عن هذه النظرية.

لكن وجود تنبؤ نظري لا يعني أن إثباته تجريبيًا أمر بسيط.

كان التحدي هو العثور على طريقة تكشف بصورة مباشرة عن البنية الإلكترونية للموصل الفائق. وهنا ظهرت أهمية تفكير جيفير.

فإذا كان الإلكترون يستطيع عبور حاجز عازل بالغ الرقة بواسطة النفق الكمومي، فإن تغير خصائص المادة على جانبي هذا الحاجز ينبغي أن يترك أثرًا في العلاقة بين التيار والجهد.

كانت هذه الفكرة هي المدخل الذي بنى عليه جيفير تجاربه.

تجربة 1960: حين أصبح الحاجز العازل أداة للمعرفة

في عام 1960، أجرى إيفار جيفير في مختبر أبحاث جنرال إلكتريك تجاربه الشهيرة على الأنفاق الإلكترونية في الموصلات الفائقة.

استخدم طبقة رقيقة جدًا من الأكسيد بين طبقات معدنية، بحيث يصبح العازل حاجزًا كموميًا يمكن للإلكترونات أن تعبره بالنفق. وكانت الفكرة أن تتم مراقبة العلاقة بين التيار والجهد في حالات مختلفة للمعدن: عندما يكون في الحالة العادية، وعندما يدخل في الحالة فائقة التوصيل.

أظهرت التجارب أن التحول إلى الحالة فائقة التوصيل يغير بصورة مميزة العلاقة بين التيار والجهد، بما يسمح باستنتاج التغير في كثافة الحالات الإلكترونية. والأهم أن هذه الطريقة مكّنت جيفير من تحديد فجوة الطاقة في الأغشية المعدنية فائقة التوصيل.

وقد نُشرت أعماله مع كارل ميجيرله في مجلة Physical Review عام 1961 تحت عنوان Study of Superconductors by Electron Tunneling. وبيّن البحث أن منحنى التيار-الجهد يمكن استخدامه لاستنتاج التغير في كثافة الحالات الإلكترونية عندما تتحول المادة من الحالة العادية إلى الحالة فائقة التوصيل، كما وجد أن قياسات فجوة الطاقة تتوافق بصورة وثيقة مع تنبؤات نظرية BCS.

هنا تكمن القيمة الحقيقية للعمل.

لم يكن جيفير قد اكتشف ظاهرة جديدة منفصلة عن المعرفة السابقة فحسب؛ بل جعل ظاهرة معروفة في إطار ميكانيكا الكم أداة لقياس خاصية أساسية في مادة فائقة التوصيل.

وهذا فرق جوهري بين اكتشاف الظاهرة واكتشاف كيفية استخدامها.

فجوة الطاقة: من التنبؤ النظري إلى الاختبار التجريبي

كان مفهوم فجوة الطاقة أحد العناصر المهمة في نظرية BCS. لكن العلم لا يتقدم بمجرد جمال المعادلات؛ فالنظرية تصبح أكثر قوة عندما تستطيع التجربة اختبار تنبؤاتها.

وهنا كان عمل جيفير بالغ الأهمية.

فمن خلال قياس الأنفاق الإلكتروني، استطاع أن يستدل على وجود فجوة الطاقة في الموصلات الفائقة، وأن يدرس تغيرها مع درجة الحرارة والمجال المغناطيسي. وأظهرت أعماله المنشورة توافقًا وثيقًا بين النتائج التجريبية وتوقعات نظرية BCS.

وهذا يفسر لماذا احتل عمله مكانة مركزية في قرار نوبل.

ففي خطاب تقديم الجائزة، أوضح ستيغ لوندكفيست أن تجربة جيفير أعطت دليلًا مباشرًا على فجوة الطاقة التي تنبأت بها نظرية باردين وكوبر وشريفر، وأن طريقة الأنفاق التي طورها أصبحت طريقة أساسية لدراسة فجوة الطاقة في الموصلات الفائقة.

وبذلك لم يكن إيفار جيفير مجرد منفذ لتجربة ناجحة، بل ساهم في إنشاء لغة تجريبية جديدة لفهم الموصلات الفائقة.

من تجربة محددة إلى مطيافية كاملة

أحد أهم جوانب إنجاز جيفير أن أثره لم يتوقف عند التجربة الأولى.

فبعد أن أثبت إمكانية استخدام النفق الكمومي لدراسة الموصلات الفائقة، تطورت التقنية إلى وسيلة مطيافية دقيقة لدراسة خصائص هذه المواد.

وتشير الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في خطاب تقديم نوبل إلى أن جيفير لاحظ أيضًا بنية دقيقة مميزة في تيار النفق مرتبطة باقتران الإلكترونات باهتزازات الشبكة البلورية. ومع استمرار العمل من قبله ومن جانب باحثين آخرين، تطورت طريقة الأنفاق إلى نوع جديد من المطيافية عالية الدقة لدراسة خصائص الموصلات الفائقة.

وهذا الامتداد هو أحد أهم مفاتيح فهم قيمة إنجازاته.

فالعالِم لا يترك إرثه بالضرورة في شكل جهاز يحمل اسمه أو نظرية تحمل توقيعه، بل قد يترك طريقة يصبح استخدامها أوسع من التجربة الأصلية التي أنتجتها.

وهذا ما حدث هنا.

العلاقة بين إساكي وجيفير وجوزيفسن

جاءت جائزة نوبل لعام 1973 لتجمع ثلاثة مسارات متصلة.

كان ليو إساكي قد أظهر الأنفاق الكمومي في أشباه الموصلات، ثم جاء جيفير ليكشف إمكاناته في الموصلات الفائقة، ثم درس براين جوزيفسن النتائج من زاوية نظرية، وتوصل عام 1962 إلى تنبؤات تتعلق بمرور تيار فائق عبر حاجز نفق بين موصلين فائقين.

ولهذا فإن ترتيب الأحداث ليس مجرد تسلسل زمني.

إنه سلسلة سببية واضحة:

إساكي فتح الطريق التجريبي في أشباه الموصلات → جيفير نقل مفهوم النفق إلى الموصلات الفائقة وطوره كأداة تشخيصية → جوزيفسن بنى على هذه النتائج تنبؤات نظرية جديدة.

وقد أكدت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم نفسها هذا الترابط في خطاب تقديم الجائزة، مشيرة إلى أن عمل إساكي قدم أساسًا وحافزًا مباشرًا لعمل جيفير، وأن عمل جيفير بدوره حفز الاكتشافات النظرية لجوزيفسن.

ومن هذه الزاوية، تبدو جائزة نوبل لعام 1973 مثالًا واضحًا على الطريقة التي يتطور بها العلم الحقيقي: لا يعمل الاكتشاف دائمًا كجزيرة مستقلة، بل قد يتحول إلى منصة يقف عليها اكتشاف آخر.

لماذا كان اكتشاف جيفير استثنائيًا؟

يمكن تلخيص أهمية إنجاز جيفير في ثلاث نقاط مترابطة.

أولًا، حوّل مفهومًا كموميًا شديد التجريد إلى ظاهرة قابلة للقياس المباشر في بنية مادية محددة.

ثانيًا، استخدم حساسية النفق الإلكتروني للوصول إلى معلومات دقيقة عن الحالة الإلكترونية للموصلات الفائقة.

ثالثًا، جعل هذه الطريقة قابلة للتطوير إلى أسلوب مطيافي يمكن استخدامه لفحص خصائص المواد، بدل أن تظل التجربة إثباتًا لمبدأ نظري فحسب.

ولهذا فإن سبب فوز إيفار جيفير بجائزة نوبل لم يكن مجرد أنه «أثبت النفق الكمومي»، فهذه الصياغة العامة تخفي الجزء الأهم من القصة. فقد كان إساكي صاحب الاكتشاف التجريبي في أشباه الموصلات، بينما تمثل مساهمة جيفير في إظهار النفق الإلكتروني في الموصلات الفائقة واستغلاله لدراسة بنيتها الإلكترونية.

إنجازات إيفار جيفير في الفيزياء: ما بعد نوبل

بعد الإنجاز الذي قاده إلى نوبل، لم يتوقف جيفير عند فيزياء الموصلات الفائقة.

تشير سجلات معهد رينسيلار إلى أنه انتقل منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين إلى دراسة سلوك الجزيئات العضوية على الأسطح الصلبة، وواصل العمل في اتجاهات تجمع الفيزياء بالعلوم الحيوية. وفي عام 1988 عُيّن أستاذًا بمعهد رينسيلار، وهو الموقع الذي ارتبط به أكاديميًا لفترة طويلة.

وهذا التحول مهم لفهم شخصيته العلمية.

فهو لم يتعامل مع نوبل باعتبارها نهاية مسار، بل انتقل من سؤال إلى سؤال آخر. وبعد دراسة الإلكترونات والموصلات الفائقة، اتجه إلى أنظمة أكثر تعقيدًا ترتبط بالجزيئات والسطوح والبيوفيزياء.

وتشير الجمعية الأمريكية للمهندسين الميكانيكيين إلى أن أعماله التجريبية المبتكرة في نفق الموصلات الفائقة قادت إلى تقدم مهم في فهم الموصلية الفائقة وإلى أدوات علمية جديدة، كما كرّمته الجمعية بميدالية نانسي ديلوي فيتزروي ورولاند فيتزروي عام 2018 تقديرًا لهذه الإسهامات.

من الفيزياء إلى البيوفيزياء

قد يبدو الانتقال من الموصلات الفائقة إلى البيوفيزياء بعيدًا، لكنه يصبح مفهومًا إذا نظرنا إلى المنهج بدل الموضوع.

كان جيفير مهتمًا بما يمكن أن تكشفه القياسات الدقيقة عن خصائص المادة.

وفي فيزياء الموصلات الفائقة، استخدم النفق الإلكتروني للكشف عن البنية الإلكترونية.

وفي أبحاثه اللاحقة، اتجه إلى استخدام أدوات وأساليب فيزيائية لفهم الجزيئات والسطوح والأنظمة الحيوية.

وهذه القدرة على نقل أدوات التفكير من مجال إلى آخر تفسر جانبًا من اتساع مسيرته. فالموضوع العلمي قد يتغير، لكن السؤال الأساسي يبقى: كيف يمكن للقياس الدقيق أن يكشف ما لا يمكن رؤيته مباشرة؟

بين الهندسة والفيزياء والبحث متعدد التخصصات

تبدو سيرة جيفير أيضًا مثالًا على أهمية التداخل بين التخصصات.

بدأ مهندسًا ميكانيكيًا، وعمل في بيئة صناعية، ثم درس الفيزياء وحصل على الدكتوراه، قبل أن ينتقل إلى أبحاث تجمع فيزياء المواد والبيوفيزياء.

ولذلك لم يكن مساره مطابقًا للنموذج التقليدي الذي يبدأ فيه الباحث من الفيزياء النظرية ثم يتجه إلى التجربة. لقد جاء من بيئة هندسية تطبيقية، ودخل المختبرات الصناعية، ثم أصبح أحد أبرز علماء فيزياء الحالة الصلبة.

وتكشف هذه الخلفية عن أهمية المختبرات الصناعية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ فقد كان مركز أبحاث جنرال إلكتريك في شينيكتادي بيئة علمية واسعة، وعمل جيفير فيه منذ عام 1958 حتى 1988، بالتوازي في فترة مبكرة مع دراسته العليا في رينسيلار.

ومن ثم فإن «سيرة إيفار جيفير» ليست قصة عالم أكاديمي منعزل، وإنما قصة باحث تحرك بين الصناعة والهندسة والجامعة والبحث الأساسي.

الاستقبال العلمي: من تجربة صغيرة إلى مجال واسع

عندما نُشرت أعمال الأنفاق الخاصة بجيفير، كان المجال الأوسع للموصلات الفائقة يشهد مرحلة مهمة؛ فقد كانت نظرية BCS قد قدمت تفسيرًا قويًا للظاهرة، وأصبح التحدي هو اختبار تفاصيلها وفهم البنية الإلكترونية للمواد فائقة التوصيل.

جاءت تقنية جيفير في اللحظة المناسبة.

فالأنفاق لا تعطي مجرد إشارة إلى أن المادة فائقة التوصيل؛ بل يمكن أن تكشف معلومات عن كثافة الحالات الإلكترونية، وعن فجوة الطاقة، وعن تفاصيل مرتبطة بتفاعل الإلكترونات مع اهتزازات الشبكة.

ولهذا اكتسبت الطريقة قيمة تتجاوز التجربة الأصلية.

ويمكن القول، استنادًا إلى مسار تطور التقنية كما وصفته الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، إن أهم ما بقي من العمل هو أنه نقل الأنفاق من ظاهرة كمومية مثيرة للاهتمام إلى أداة استقصاء دقيقة للمادة. وهذا استنتاج تحليلي مبني على طبيعة الاستخدامات التي وثقتها المصادر، وليس اقتباسًا مباشرًا منها.

الإرث: كيف امتدت الفكرة بعد صاحبها؟

الإرث العلمي لجيفير لا ينبغي اختزاله في ميدالية نوبل أو في تجربة أجريت عام 1960.

فالتقنية التي طورها أصبحت جزءًا من تاريخ مطيافية الأنفاق ودراسة الموصلات الفائقة، وأسهمت في بناء فهم تجريبي أكثر دقة للعلاقة بين خصائص المادة وحالتها الكمومية.

كما أن عمله شكل حلقة في السلسلة التي قادت إلى فيزياء جوزيفسن وتطبيقات التأثيرات المرتبطة به. وقد أشارت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم إلى أن تأثيرات جوزيفسن فتحت الطريق أمام القياسات الدقيقة والتداخل الكمومي، بما في ذلك تطبيقات في قياس درجات الحرارة القريبة من الصفر المطلق، والكشف عن الموجات الثقالية، والتنقيب عن الخامات، ودراسة المجالات الكهرومغناطيسية المرتبطة بالقلب والدماغ وغيرها.

ومن المهم هنا التمييز بين التأثير المباشر وغير المباشر.

لم يكن جيفير مخترع كل هذه التطبيقات، ولا يصح نسبتها إليه شخصيًا. لكن تجربته كانت جزءًا موثقًا من السلسلة العلمية التي ساعدت على انتقال ظواهر الأنفاق من مختبرات فيزياء المواد إلى مجال أوسع من الأدوات والتقنيات الكمومية. وهذا هو معنى الإرث العلمي المتصل: أن يظل العمل الأصلي حاضرًا من خلال الأسئلة والطرق والأدوات التي أتاحها للآخرين.

«سيرة إيفار جيفير» بوصفها سيرة طريقة في التفكير

إذا بحثنا عن أهم درس في مسيرة جيفير، فلن يكون في عدد الجوائز التي حصل عليها، على الرغم من أهميتها، بل في الطريقة التي تعامل بها مع المشكلة العلمية.

لقد بدأ من مادة رقيقة وحاجز عازل بالغ الصغر.

لكن السؤال الذي طرحه عليها كان كبيرًا: ماذا يمكن أن يخبرنا عبور الإلكترونات بهذا الحاجز عن طبيعة المادة نفسها؟

هذه النقلة من الظاهرة إلى الأداة هي جوهر إنجازه.

فالنفق الكمومي كان معروفًا من حيث المبدأ، وتجارب إساكي أثبتت إمكان ظهوره في أشباه الموصلات. لكن جيفير اكتشف أن الظاهرة نفسها يمكن استخدامها لاستكشاف العالم الداخلي للموصل الفائق.

وهنا تكمن الإجابة الأدق عن سؤال: سبب فوز إيفار جيفير بجائزة نوبل.

لقد مُنح الجائزة لأنه قدم اكتشافًا تجريبيًا للأنفاق في الموصلات الفائقة، ولأنه حوّل هذا التأثير إلى طريقة دقيقة لدراسة فجوة الطاقة والبنية الإلكترونية للمواد فائقة التوصيل. وقد نص إعلان نوبل رسميًا على أن نصف الجائزة مُنح بالتساوي لإساكي وجيفير عن اكتشافاتهما التجريبية المتعلقة بظواهر الأنفاق في أشباه الموصلات والموصلات الفائقة على التوالي.

السنوات الأخيرة: عالم لا ينحصر في إنجاز واحد

ظل جيفير حاضرًا في الأوساط العلمية والأكاديمية بعد نوبل، واستمر ارتباطه برينسيلار، حيث أصبح أستاذًا بمعهد العلوم في عام 1988، كما كان له نشاط أكاديمي مرتبط بجامعة أوسلو.

وبحلول نهاية حياته، كان قد ترك وراءه مسارًا علميًا متعدد المراحل: هندسة، وأبحاث صناعية، وفيزياء الحالة الصلبة، وموصلية فائقة، وأنفاق إلكترونية، ثم أبحاث في الجزيئات والسطوح والبيوفيزياء.

وفي 20 يونيو/حزيران 2025 توفي في شينيكتادي عن 96 عامًا. وقد وثقت مؤسسة نوبل تاريخ وفاته في سجلها الرسمي، بعد أكثر من نصف قرن على اللحظة التي أصبح فيها اسمه جزءًا من تاريخ الفيزياء الحديثة.

خاتمة: إرث لم يتوقف عند النوبل

كان إيفار جيفير واحدًا من العلماء الذين لم تكن قيمة إنجازهم في اكتشاف ظاهرة جديدة فحسب، بل في العثور على طريقة تجعل الظاهرة نفسها أداة لفهم أعمق للطبيعة.

في عام 1960 وضع تجربة صغيرة الحجم أمام سؤال كبير يتعلق بالموصلات الفائقة. وبين طبقات معدنية رقيقة وحاجز من الأكسيد، ظهر أثر ميكانيكا الكم في صورة قابلة للقياس. ومن هذا الأثر أمكن دراسة فجوة الطاقة والبنية الإلكترونية للمادة، ثم تطورت التقنية إلى أسلوب مطيافي دقيق، وأسهمت نتائجها في دفع أسئلة جديدة لدى علماء آخرين، ومن بينهم براين جوزيفسن.

لهذا لا ينبغي أن ينتهي إرث جيفير عند عام 1973، حين صعد اسمه إلى قائمة الحاصلين على نوبل.

الإرث الحقيقي كان في السلسلة التي بدأت من تجربة.

إساكي أثبت إمكان النفق في أشباه الموصلات، وجيفير أظهر إمكان استخدامه في الموصلات الفائقة، وجوزيفسن وسّع المجال نظريًا إلى ظواهر جديدة، ثم جاءت أجيال من الباحثين لتبني أجهزة وتقنيات وطرق قياس على هذه المعرفة المتراكمة.

وهكذا تبدو سيرة جيفير مثالًا واضحًا على أن العلم لا يتقدم دائمًا بالقفزات الكبرى وحدها؛ أحيانًا تبدأ الثورة العلمية من طبقة أكسيد بالغة الرقة، ومن تجربة تبدو محدودة، لكنها تفتح نافذة على عالم كامل.

لقد رحل إيفار جيفير عام 2025، لكن السؤال الذي جعل من النفق الكمومي أداةً لا يزال حاضرًا في الفيزياء الحديثة: كيف يمكن لظاهرة كمومية متناهية الصغر أن تكشف لنا عن القوانين العميقة التي تحكم المادة؟

وربما هنا تحديدًا يكمن الامتداد الحقيقي لإنجازه: ليس في أن تجربته أجابت عن سؤال واحد، بل في أنها جعلت الإجابة عن أسئلة جديدة ممكنة.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى