تجالينج كوبمانز: سيرة عقلٍ رياضي أعاد صياغة سؤال «كيف نستخدم الموارد بأفضل صورة؟»

في 14 أكتوبر 1975، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفرد نوبل مناصفةً إلى الاقتصادي والرياضي السوفيتي ليونيد كانتوروفيتش، والاقتصادي الهولندي الأمريكي تجالينج تشارلز كوبمانز، تقديرًا لإسهاماتهما في نظرية التوزيع الأمثل للموارد. لم يكن التكريم احتفاءً بحل مسألة اقتصادية ضيقة، بل اعترافًا بتجديد طريقة قديمة وأساسية في التفكير الاقتصادي: كيف يمكن لمجتمع يمتلك موارد محدودة أن يقرر ماذا ينتج، وكيف ينتج، وكم يستهلك، وكم يدخر للمستقبل؟ (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، 1975؛ مؤسسة نوبل، 2026).
وكانت مساهمة كوبمانز في هذا السؤال ذات طبيعة مميزة. فقد طوّر، في سلسلة من الأعمال، ما عُرف باسم تحليل النشاط (Activity Analysis)، وهو إطار سمح بإعادة النظر في العلاقة بين المدخلات والمخرجات داخل عمليات الإنتاج، ثم ربط بين كفاءة استخدام الموارد وإمكان وجود نظام من الأسعار الحسابية أو الظلية التي تعكس ندرة الموارد وقيمتها في عملية التخصيص. وبهذا انتقل السؤال من مجرد البحث عن «أفضل إنتاج ممكن» إلى البحث في الشروط التي تجعل هذا الإنتاج كفؤًا، وكيف يمكن أن تنعكس تلك الشروط في نظام سعري يساعد على توجيه القرارات الاقتصادية (مؤسسة نوبل، 1975).
هنا تكمن أهمية سيرة تجالينج كوبمانز: إنها ليست قصة عالم انتقل من تخصص إلى آخر فحسب، بل قصة عقل رياضي ظل يبحث عن الأدوات التي يمكن بها فهم العالم الواقعي. بدأ من الرياضيات والفيزياء النظرية، ثم اقترب من الاقتصاد في زمن الكساد الكبير، وشارك في بناء الاقتصاد القياسي الحديث، ثم اتجه إلى مسائل النقل والإنتاج والتخصيص والنمو الاقتصادي، حتى أصبح أحد الشخصيات المركزية في الاقتصاد الرياضي في القرن العشرين (Scarf, 1995).
النشأة: بيت بين مدرستين
وُلد تجالينج تشارلز كوبمانز في 28 أغسطس 1910 في قرية ‘s-Graveland بالقرب من هيلفرسوم في هولندا. كان الابن الثالث لـسورد كوبمانز وفايتسكي فان دير زي، وكان والداه يعملان في التعليم؛ فقد أصبح والده مديرًا لمدرسة دينية بروتستانتية، وكانت والدته أيضًا قد تلقت تدريبًا تربويًا. نشأ كوبمانز في بيئة تجمع بين الانضباط التعليمي والثقافة الدينية والموسيقى، وهي بيئة ستظل حاضرة في تكوين شخصيته الفكرية حتى مع تغير مساره لاحقًا (Scarf, 1995).
بدأ تعليمه في مدرسة والده، ثم التحق بالمدرسة الثانوية المسيحية في هيلفرسوم. درس هناك اللاتينية واليونانية والرياضيات والفيزياء والكيمياء وعددًا من اللغات الحديثة. ولم يكن اهتمامه العلمي محصورًا في مجال واحد؛ فقد قرأ في الفيزياء والتاريخ وعلم النفس والطب النفسي، بل فكّر لبعض الوقت في دراسة الطب النفسي قبل أن يتجه إلى الفيزياء النظرية (Scarf, 1995).
في السابعة عشرة من عمره غادر منزل الأسرة ليلتحق بجامعة أوتريخت. وهناك بدأ بدراسة الرياضيات، قبل أن ينتقل عام 1930 إلى الفيزياء النظرية. وكان من أبرز أساتذته الفيزيائي الهولندي هانس كرامرز، أحد كبار علماء الفيزياء النظرية في هولندا آنذاك. وفي عام 1933 نشر كوبمانز بحثًا في ميكانيكا الكم ظل يحظى باهتمام الفيزيائيين، وهو ما يكشف أن اهتمامه بالرياضيات لم يكن مجرد أداة عابرة، بل كان جزءًا من تكوين علمي مبكر شديد القوة (Scarf, 1995).
لكن سنوات الكساد الكبير كانت تدفع كثيرًا من المثقفين إلى إعادة النظر في المسافة بين العلم والحياة اليومية. بالنسبة إلى كوبمانز، أصبحت الفيزياء النظرية تبدو بعيدة نسبيًا عن الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تحيط بالمجتمع. ومن هنا بدأ التحول الذي سيقوده إلى الاقتصاد.
من الفيزياء إلى الاقتصاد: البحث عن علم أقرب إلى الواقع
لم يدخل كوبمانز الاقتصاد بوصفه مجالًا منفصلًا عن الرياضيات، بل دخل إليه وهو يحمل معه طريقة تفكير الفيزيائي والرياضي. وفي أوائل ثلاثينيات القرن العشرين التقى الاقتصادي الهولندي يان تينبرجن، الذي كان آنذاك من رواد الاقتصاد الرياضي والاقتصاد القياسي.
انتقل كوبمانز إلى أمستردام عام 1934، وحضر محاضرات تينبرجن وتلقى منه توجيهًا مباشرًا في الاقتصاد الرياضي والإحصاء وتطبيقاتهما الاقتصادية. وقد كان تأثير تينبرجن في مساره العلمي عميقًا؛ إذ فتح أمامه مجالًا يجمع بين الصياغة الرياضية والأسئلة الاجتماعية والاقتصادية الواقعية (Scarf, 1995).
لم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير في المهنة. فقد كان الاقتصاد في تلك الفترة يواجه مشكلة منهجية كبيرة: كيف يمكن تحويل العلاقات الاقتصادية المعقدة إلى نماذج قابلة للقياس والاختبار دون أن تفقد صلتها بالواقع؟
حصل كوبمانز على الدكتوراه من جامعة ليدن عام 1936، واشتغل في السنوات التالية بالتدريس والبحث الاقتصادي، كما عمل في معهد الاقتصاد الهولندي، ثم في عصبة الأمم في جنيف بين عامي 1938 و1940، حيث شارك في أبحاث مرتبطة بالدورات الاقتصادية (Cowles Foundation, n.d.).
كانت تلك الخبرات تمهيدًا لمرحلة أكثر تأثيرًا.
الحرب والنقل البحري: حين أصبحت الرياضيات أداة لاتخاذ القرار
انتقل كوبمانز إلى الولايات المتحدة عام 1940، وعمل في عدد من المواقع الأكاديمية والحكومية، ثم أصبح خلال الحرب العالمية الثانية إحصائيًا في مجلس تنسيق النقل البحري في واشنطن. وهنا واجه مشكلة شديدة العملية: كيف يمكن استخدام أسطول محدود من السفن بطريقة أكثر كفاءة في ظل احتياجات نقل ضخمة وموارد محدودة؟
كانت المشكلة تبدو عملية، لكنها قادت إلى واحدة من أهم مراحل تطور تفكير كوبمانز. فقد بدأ تحليل كيفية توزيع السفن والشحنات والطرق بحيث يتحقق أكبر قدر ممكن من الكفاءة في ظل القيود المتاحة. وتطورت هذه الأفكار لاحقًا إلى أبحاث في اقتصاديات النقل وتخصيص الموارد (Scarf, 1995).
وفي عام 1947 عرض كوبمانز بحثًا عن الاستخدام الأمثل لنظام النقل، ثم أصبحت أفكاره جزءًا من الأدبيات التي ربطت بين مشكلة النقل والبرمجة الخطية والأسعار الظلية. وتوضح السيرة العلمية المنشورة من الأكاديمية الوطنية للعلوم أن كوبمانز لاحظ إمكان إسناد متجه من الأسعار إلى خطة النقل المثلى؛ بحيث تحقق الطرق المستخدمة شروطًا معينة للربحية، بينما لا تحقق الطرق غير المستخدمة ربحًا موجبًا. وقد أصبحت هذه الفكرة مثالًا مبكرًا على العلاقة بين الحل الأمثل والمتغيرات التي يمكن تفسيرها اقتصاديًا باعتبارها أسعارًا للموارد (Scarf, 1995).
وهنا بدأ يتبلور أحد الخيوط الأساسية في مشروع كوبمانز: الحل الرياضي لمسألة تخصيص الموارد ليس مجرد رقم نهائي؛ بل يمكن أن يحمل في داخله معلومات عن قيمة الموارد وندرتها وكيف ينبغي توجيه استخدامها.
الاقتصاد القياسي: لماذا لا تكفي البيانات وحدها؟
في عام 1944 انضم كوبمانز إلى لجنة كاولز للبحوث في الاقتصاد بجامعة شيكاغو، وهي المؤسسة التي أصبحت لاحقًا أحد أهم مراكز تطوير الاقتصاد القياسي والاقتصاد الرياضي. وفي شيكاغو عمل إلى جانب مجموعة من الباحثين الذين أصبح عدد منهم لاحقًا من أبرز الأسماء في الاقتصاد الحديث (Cowles Foundation, n.d.).
كان من أهم اهتماماته في هذه المرحلة تطوير الأساليب الإحصائية التي تسمح بتقدير النماذج الاقتصادية التي تحتوي على معادلات مترابطة. فالمشكلة في الاقتصاد ليست دائمًا أن متغيرًا واحدًا يؤثر في آخر بطريقة بسيطة؛ إذ قد يؤثر كل منهما في الآخر في الوقت نفسه.
ومن هنا جاءت أهمية أعمال كوبمانز حول تحديد النماذج الاقتصادية (Identification). فقد ساعد، بالتعاون مع باحثين في لجنة كاولز، على صياغة شروط تجعل من الممكن التمييز إحصائيًا بين البنية النظرية التي تولد البيانات وبين مجرد العلاقات الظاهرة داخل البيانات نفسها (Scarf, 1995).
وفي عام 1947 أثار كوبمانز نقاشًا منهجيًا شهيرًا من خلال مقالته «القياس بلا نظرية» (Measurement without Theory)، التي انتقد فيها بعض الأساليب التجريبية في دراسة الدورات الاقتصادية عندما تُجمع كميات كبيرة من البيانات دون أن تكون هناك نظرية واضحة تحدد العلاقات التي يُراد اختبارها. وقد أصبحت هذه المناقشة جزءًا من تاريخ المنهجية الاقتصادية في القرن العشرين، وأسهمت في ترسيخ تصور كاولز القائم على بناء نماذج اقتصادية صريحة يمكن تحديدها وتقديرها واختبارها (Dimand & Rivot, 2024; Encyclopedia.com, 2018).
وهذه المرحلة مهمة لفهم كوبمانز؛ لأنه لم يكن اقتصادي تخصيص موارد فقط. لقد كان مهتمًا بالسؤال الأوسع: ما الذي يجعل النموذج الاقتصادي صالحًا للمعرفة؟
تحليل النشاط: من المصنع إلى الاقتصاد كله
كان التحول الأهم في مسيرة كوبمانز مرتبطًا بما أصبح يعرف باسم تحليل النشاط.
قبل هذه المقاربة، كانت النظرية الاقتصادية تستخدم الإنتاج غالبًا من خلال مفهوم دالة الإنتاج: كمية من المدخلات تؤدي إلى كمية من المخرجات وفق علاقة تقنية محددة. أما كوبمانز فقدم طريقة مختلفة في التفكير، إذ يمكن النظر إلى الاقتصاد باعتباره مجموعة من الأنشطة الإنتاجية الممكنة، لكل نشاط مجموعة من المدخلات والمخرجات، وتصبح المشكلة هي تحديد أي توليفة من هذه الأنشطة يمكن أن تستخدم الموارد المتاحة بكفاءة (Nobel Prize, 1975).
ظهر هذا الاتجاه بوضوح في عمله «تحليل الإنتاج بوصفه توليفة كفؤة من الأنشطة»، المنشور ضمن كتاب Activity Analysis of Production and Allocation الذي حرره عام 1951. وقد أصبح الكتاب أحد الأعمال الأساسية في تطوير تحليل النشاط ونظرية تخصيص الموارد (Cowles Foundation, n.d.).
الفكرة تبدو تقنية، لكنها تحمل نتيجة اقتصادية واسعة.
لنفترض أن اقتصادًا يمتلك كمية محدودة من الحديد والعمالة والطاقة. ليست المشكلة فقط في معرفة أقصى كمية يمكن إنتاجها من سلعة واحدة؛ بل في معرفة أي مزيج من الأنشطة الإنتاجية يستخدم الموارد المتاحة بطريقة لا تسمح بتحسين إنتاج سلعة أو خدمة دون التضحية بشيء آخر ذي قيمة.
بهذا المعنى، أصبحت الكفاءة مفهومًا قابلًا للصياغة الرياضية.
لكن كوبمانز لم يتوقف عند الكفاءة الإنتاجية. فقد أراد فهم علاقتها بالأسعار. إذا كانت بعض الموارد نادرة، فإن لها قيمة حسابية تعكس ما يمكن أن نخسره عندما نستخدمها في نشاط بدلًا من نشاط آخر. ومن هنا ظهرت العلاقة بين الكفاءة والأسعار الظلية أو الحسابية.
وهذه تحديدًا إحدى النقاط التي أبرزتها الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم عند منح جائزة 1975: فقد أوضح كوبمانز أنه استنادًا إلى معايير معينة للكفاءة يمكن استخلاص استنتاجات مهمة حول أنظمة الأسعار المثلى (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، 1975).
سبب فوز تجالينج كوبمانز بجائزة نوبل
إذا أردنا اختصار سبب فوز تجالينج كوبمانز بجائزة نوبل في جملة، فإن مؤسسة نوبل تسجل أن الجائزة مُنحت له مناصفة مع ليونيد كانتوروفيتش عام 1975 «لمساهماتهما في نظرية التوزيع الأمثل للموارد» (Nobel Prize, 2026).
لكن هذا السبب الرسمي يصبح أكثر وضوحًا عندما نضعه في سياقه.
كانت المشكلة الاقتصادية الكلاسيكية تتمثل في الندرة: الموارد محدودة، بينما الاحتياجات والرغبات متعددة. الجديد لدى كوبمانز لم يكن اكتشاف الندرة، بل بناء أدوات أكثر صرامة لتحليل كيفية تخصيص الموارد في ظل هذه الندرة.
وقد كان عمله مستقلًا إلى حد كبير عن عمل كانتوروفيتش، رغم أن الباحثين وصلا إلى مناطق نظرية متقاربة. كانتوروفيتش طوّر في الاتحاد السوفيتي تطبيقات البرمجة الخطية على التخطيط الاقتصادي، بينما ركز كوبمانز على تحليل النشاط وعلاقة شروط الكفاءة بنظم الأسعار (Nobel Prize, 1975).
ولهذا أكدت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم أن الرجلين، إلى حد كبير وبصورة مستقلة، جددا وعمما وطورا أدوات تحليل المشكلة الاقتصادية الكلاسيكية الخاصة بالتخصيص الأمثل للموارد النادرة (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، 1975).
«ثلاثة مقالات في حالة العلم الاقتصادي»: الاقتصاد بوصفه علمًا له منهج
في عام 1957 نشر كوبمانز كتابه المعروف Three Essays on the State of Economic Science، الذي أصبح من أكثر أعماله قراءة وتأثيرًا خارج نطاق أبحاث التخصيص المباشرة.
كان الكتاب محاولة للتفكير في طبيعة المعرفة الاقتصادية نفسها. ناقش فيه خصائص التوازن التنافسي وتخصيص الموارد بكفاءة من خلال نظام الأسعار، كما عرض رؤيته حول بناء المعرفة الاقتصادية والعلاقة بين الأدوات الرياضية والمشكلات التي يحاول الاقتصاديون حلها (Cowles Foundation, 2018).
أهمية الكتاب أنه يكشف أن كوبمانز لم يكن يرى الرياضيات غاية في ذاتها. كانت الرياضيات بالنسبة إليه أداة تساعد على الكشف عن البنية المنطقية للمشكلة.
وهذا يفسر موقفه المنهجي من البيانات. فالبيانات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد ما تعنيه العلاقات الإحصائية. يجب أن توجد نظرية تحدد المفاهيم والعلاقات التي يجري قياسها، ثم يأتي القياس لاختبار هذه البنية وتقديرها.
وهكذا أصبح منهجه قائمًا على حركة مزدوجة: من النظرية إلى القياس، ومن القياس إلى اختبار النظرية.
النمو الاقتصادي: نقل سؤال الكفاءة من الحاضر إلى المستقبل
لم يكن تخصيص الموارد بالنسبة إلى كوبمانز مسألة تخص اللحظة الراهنة فقط. فاقتصاد اليوم يقرر أيضًا ما الذي سيبقى متاحًا غدًا.
خلال الستينيات، اتجه كوبمانز بصورة متزايدة إلى دراسة النمو الاقتصادي الأمثل عبر الزمن. أصبح السؤال: إذا كان المجتمع يستطيع أن يستهلك الآن أو يدخر ويستثمر من أجل المستقبل، فما المسار الذي يمكن اعتباره أمثل؟
هنا دخلت أفكاره في واحدة من أهم مناطق الاقتصاد الحديث: اقتصاديات النمو.
درس كوبمانز كيفية المفاضلة بين الاستهلاك الحالي والمستقبلي، واهتم بالعوامل التي تحدد القيمة التي يعطيها الأفراد والمجتمع للاستهلاك في أزمنة مختلفة، بما في ذلك نمو السكان والتقدم التكنولوجي (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، 1975).
وترتبط هذه الأعمال بما يعرف في الأدبيات الاقتصادية الحديثة بنموذج رامزي–كاس–كوبمانز، الذي يصف قرار الادخار والاستهلاك والاستثمار ضمن إطار ديناميكي يهدف إلى فهم المسار الأمثل للاقتصاد عبر الزمن. وقد أصبح هذا الخط من البحث أحد المكونات الأساسية لنظرية النمو الحديثة، حيث انتقلت مشكلة «التخصيص الأمثل» من توزيع الموارد داخل فترة زمنية واحدة إلى توزيعها بين الحاضر والمستقبل (Scarf, 1995; Dimand, 2018).
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أحد أعمق جوانب مشروع كوبمانز: الندرة ليست فقط كمية من الموارد الموجودة اليوم؛ بل هي أيضًا قيد يفرض نفسه على الأجيال القادمة.
الموارد الطبيعية: ماذا يحدث عندما تكون بعض الموارد غير قابلة للتجدد؟
قاد اهتمام كوبمانز بالنمو الاقتصادي إلى سؤال أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يعتمد النمو على موارد طبيعية قابلة للنضوب؟
في أعماله اللاحقة درس الاقتصاديات المرتبطة بالموارد غير المتجددة، وأصبح من الباحثين المؤثرين في إدخال مسألة استنزاف الموارد الطبيعية ضمن نماذج النمو الاقتصادي (Scarf, 1995).
هنا امتد منطق التخصيص الأمثل إلى الزمن الطويل.
إذا كانت هناك كمية محدودة من مورد طبيعي، فإن استخدام وحدة منه اليوم يعني أن كمية أقل ستبقى للمستقبل. وبالتالي لا يعود السؤال: «ما الاستخدام الأكثر كفاءة للمورد الآن؟» فقط، بل يصبح: «كيف نختار مسارًا للاستخدام يوازن بين الحاجات الحالية وإمكانات الأجيال اللاحقة؟»
وهذا الامتداد النظري جعل أعمال كوبمانز قابلة للتفاعل مع موضوعات ظهرت لاحقًا بقوة في اقتصاديات البيئة والموارد والطاقة.
ومن اللافت أن كوبمانز نفسه تحدث في خطاب مأدبة نوبل عام 1975 عن العلاقة بين الاقتصاد والمناخ والطاقة والبيئة. فقد تناول بصورة استشرافية مشكلة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون واستخدام الطاقة والحاجة إلى تعاون الاقتصاديين مع علماء المناخ والزراعة لفهم التأثيرات المتبادلة بين الاقتصاد والبيئة (Koopmans, 1975).
وليس المقصود أن كوبمانز قدّم نظرية المناخ الحديثة؛ فهذا سيكون استنتاجًا غير دقيق. الأهم أن خطابه أظهر اتساع رؤيته لمشكلة التخصيص: القرارات الاقتصادية يمكن أن تنتقل آثارها عبر أنظمة طبيعية واجتماعية مترابطة.
جامعة شيكاغو وكاولز: مدرسة بحثية أكثر من كونها وظيفة
كان وجود كوبمانز في لجنة كاولز بجامعة شيكاغو بين 1944 و1955 جزءًا مهمًا من تكوين الاقتصاد الرياضي الحديث. تولى إدارة البحث في اللجنة عام 1948، وشارك في بيئة بحثية ضمت أسماء مثل كينيث آرو، وجيرار ديبرو، وتريغف هافلمو، وليونيد هورفيتز، ولورنس كلاين، وهاري ماركويتز وغيرهم (Cowles Foundation, n.d.).
ولم تكن اللجنة مجرد مكان للعمل الفردي؛ فقد كانت ندواتها تعكس اتساع الأجندة البحثية في تلك الفترة، من الاقتصاد القياسي وتحديد النماذج إلى تخصيص الموارد وتحليل النشاط والنقل (Cowles Foundation, n.d.).
وفي عام 1955 انتقلت لجنة كاولز إلى جامعة ييل، وانتقل معها كوبمانز، حيث أصبح أستاذًا للاقتصاد، واستمر في الجامعة حتى تقاعده عام 1981. كما تولى إدارة مؤسسة كاولز في ييل خلال فترات مختلفة، منها 1961–1967 (Cowles Foundation, n.d.).
وهكذا لم يكن أثره محصورًا في كتبه وأبحاثه؛ فقد كان جزءًا من شبكة بحثية شكلت أجيالًا من الاقتصاديين الرياضيين والاقتصاديين القياسيين.
الجدل المنهجي: بين النظرية والواقع
لم تمر أفكار كوبمانز دون نقاش. فالجدل الذي أثارته مقالته «القياس بلا نظرية» وضعه في مواجهة منهجيات أخرى داخل الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا الاتجاهات المرتبطة بالبحث التجريبي في دراسة الدورات الاقتصادية.
وتشير الدراسات التاريخية الحديثة إلى أن لجنة كاولز كانت تدفع باتجاه النماذج النظرية والاقتصاد القياسي المبني على أنظمة من المعادلات، بينما كانت اتجاهات أخرى في جامعة شيكاغو أكثر تحفظًا تجاه هذا النهج، وهو ما أسهم في ظهور نقاش منهجي واسع حول دور النظرية والبيانات في الاقتصاد (Dimand & Rivot, 2024).
ولا ينبغي اختزال هذا الجدل إلى صراع بين «النظرية الصحيحة» و«البيانات الخاطئة». فقد كانت القضية أعمق: ما الطريقة الأفضل لاستخلاص معرفة اقتصادية من عالم شديد التعقيد؟
أسهم كوبمانز في دفع الاقتصاد نحو نماذج أكثر صراحة من حيث الفرضيات والبنية الرياضية. وفي الوقت نفسه، أظهرت المناقشات اللاحقة أن القياس التجريبي يظل ضروريًا لاختبار صلاحية تلك النماذج في العالم الحقيقي.
بهذا المعنى، كان أثره المنهجي أكبر من نتيجة موقف واحد؛ فقد ساعد على ترسيخ ثقافة البحث التي تتطلب من الاقتصادي أن يكون واضحًا بشأن فرضياته قبل أن يفسر نتائجه.
أهم أعمال تجالينج كوبمانز
يصعب اختزال إنتاج كوبمانز في كتاب واحد، لكن عددًا من الأعمال يمثل محطات أساسية في تطور مشروعه العلمي.
من أعماله المبكرة Linear Regression Analysis of Economic Time Series عام 1937، الذي عكس اهتمامه المبكر بإدخال الأساليب الإحصائية إلى تحليل السلاسل الاقتصادية. ثم جاءت أعماله في الحرب وبعدها حول النقل والتخصيص، ومنها Optimum Utilization of the Transportation System، الذي أصبح جزءًا من تاريخ اقتصاديات النقل والبرمجة الخطية (Cowles Foundation, n.d.; Library of the University of Economics, Prague, n.d.).
وفي عام 1950 حرر Statistical Inference in Dynamic Economic Models، وهو عمل مرتبط بتطور الاقتصاد القياسي القائم على النماذج الديناميكية، ثم جاء كتاب Activity Analysis of Production and Allocation عام 1951 ليجمع أعمالًا أصبحت مركزية في نظرية تحليل النشاط وتخصيص الموارد (Cowles Foundation, n.d.).
أما Three Essays on the State of Economic Science عام 1957 فكان عمله الأوسع منهجيًا، إذ انتقل فيه من حل المشكلات الاقتصادية إلى التفكير في طبيعة المعرفة الاقتصادية وأدواتها (Koopmans, 1957).
وبذلك تتضح وحدة مشروعه رغم تنوع الموضوعات: الرياضيات، والإحصاء، والاقتصاد القياسي، والنقل، والإنتاج، والأسعار، والنمو، والموارد الطبيعية؛ كلها كانت فروعًا مختلفة لسؤال واحد عن كيفية اتخاذ قرارات عقلانية في عالم تحكمه القيود والندرة.
الإرث: من كوبمانز إلى الاقتصاد الحديث
لا ينتهي إرث كوبمانز عند جائزة 1975. فالمفاهيم التي عمل عليها أصبحت جزءًا من اللغة الأساسية للاقتصاد الرياضي.
في تحليل النشاط، أصبح الربط بين التقنيات الإنتاجية وشروط الكفاءة والأسعار الظلية أساسًا لمجموعة واسعة من نماذج تخصيص الموارد. وفي الاقتصاد القياسي، ساهمت أعماله حول تحديد النماذج والعلاقات المتزامنة في تأسيس تقاليد بحثية امتدت إلى نماذج اقتصادية أكثر تعقيدًا (Scarf, 1995).
أما في نظرية النمو، فقد أصبحت مشكلة تخصيص الموارد بين الاستهلاك الحالي والاستثمار والمستقبل جزءًا أساسيًا من النماذج الديناميكية للاقتصاد. ثم امتد هذا التفكير إلى دراسة الموارد الطبيعية والقيود البيئية.
وهنا يمكن رؤية الإرث بوصفه سلسلة متصلة:
النقل → التخصيص → تحليل النشاط → الأسعار والكفاءة → الاقتصاد القياسي → النمو الأمثل → الموارد الطبيعية والقرارات عبر الزمن.
لم تكن هذه الموضوعات منفصلة في عقل كوبمانز. كانت تطبيقات مختلفة لفكرة واحدة: أن الموارد المحدودة تجعل الاختيار الاقتصادي مسألة يمكن تحليل بنيتها، وأن فهم هذا الاختيار يحتاج إلى الجمع بين النظرية والرياضيات والبيانات.
وقد كان من نتائج هذا النهج أيضًا أنه أسهم في تكوين بيئة علمية تركت آثارًا بعيدة المدى. فقد شارك في مجتمع كاولز البحثي عدد من الاقتصاديين الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز علماء الاقتصاد في القرن العشرين، وهو ما جعل تأثيره يتجاوز أعماله الفردية إلى الثقافة البحثية التي ساعد على تشكيلها (Dimand & Rivot, 2024).
من عالم الفيزياء إلى عالم الاقتصاد
تبدو حياة كوبمانز، عند النظر إليها بأثر رجعي، كأنها سلسلة من التحولات المتصلة.
بدأ بالرياضيات، ثم انجذب إلى الفيزياء النظرية، ونشر في ميكانيكا الكم، ثم اكتشف أن أسئلة الاقتصاد التي فرضها الكساد الكبير أقرب إلى القضايا التي يريد فهمها. ومن الاقتصاد انتقل إلى الإحصاء والاقتصاد القياسي، ثم قادته ظروف الحرب إلى مشكلات النقل، ومنها إلى التخصيص وتحليل النشاط، ثم إلى النمو والموارد الطبيعية.
حتى اهتمامه المبكر بالفيزياء لم يختفِ تمامًا من طريقته في التفكير. فقد ظل يميل إلى البحث عن البنية الرياضية العامة وراء المشكلات المتنوعة.
وهذا يفسر لماذا كان كوبمانز قادرًا على الانتقال بين مجالات تبدو للوهلة الأولى متباعدة. بالنسبة إليه لم تكن المشكلة الاقتصادية مجرد قصة عن الأسعار والأسواق، بل نظامًا من القيود والخيارات والعلاقات يمكن صياغته وتحليله.
السنوات الأخيرة والتكريم العلمي
انتُخب كوبمانز عضوًا في الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم عام 1969، وكان عضوًا في عدد من الجمعيات العلمية، وتولى رئاسة الجمعية الاقتصادية القياسية، كما أصبح أستاذًا في جامعة ييل وظل ناشطًا في البحث العلمي لسنوات طويلة (National Academy of Sciences, 1995; Cowles Foundation, n.d.).
وفي 1975 جاء التتويج الأكبر بجائزة العلوم الاقتصادية، التي تقاسمها مع ليونيد كانتوروفيتش. وكان التكريم اعترافًا بمساهمتهما في تجديد النظرية الاقتصادية الخاصة بالتخصيص الأمثل للموارد، مع تركيز خاص في حالة كوبمانز على تحليل النشاط وعلاقته بالكفاءة وأنظمة الأسعار (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، 1975).
وفي خطاب مأدبة نوبل، لم يحصر كوبمانز اهتمامه في النظرية الاقتصادية المجردة. تحدث عن الحاجة إلى تعاون العلوم الطبيعية والاجتماعية في مواجهة مشكلات مثل الطاقة والتغير المناخي وتأثير القرارات الاقتصادية في الأنظمة الطبيعية. كان ذلك امتدادًا طبيعيًا لفكرته الأساسية: القرارات لا تحدث في فراغ، والموارد والنتائج مرتبطة ضمن أنظمة واسعة من العلاقات (Koopmans, 1975).
توفي تجالينج كوبمانز في 26 فبراير 1985 في نيو هيفن بولاية كونيتيكت، عن 74 عامًا (Nobel Prize, 2026; National Academy of Sciences, 1995).
خاتمة: إرث لا يزال يعمل
لم يكن كوبمانز من الاقتصاديين الذين تركوا وراءهم نظرية مغلقة على نفسها. القيمة الأهم في مشروعه أنه أعاد صياغة أسئلة الاقتصاد بحيث يمكن الانتقال من السؤال العام إلى الشروط الدقيقة التي تجعل القرار ممكنًا أو كفؤًا.
كان سؤاله عن الموارد النادرة سؤالًا قديمًا، لكن أدواته جعلته أكثر تحديدًا: ما الذي نعنيه بالكفاءة؟ كيف نعرف أن تخصيصًا معينًا أفضل من آخر؟ ماذا تخبرنا الأسعار عن ندرة الموارد؟ كيف ننتقل من تخصيص الموارد اليوم إلى تخصيصها عبر الزمن؟ وكيف يمكن تحويل هذه الأسئلة إلى نماذج قابلة للتحليل والاختبار؟
من هنا يمكن فهم أهمية إنجازات تجالينج كوبمانز في الاقتصاد بعيدًا عن الاختزال الذي يجعله مجرد حائز لجائزة نوبل. فقد ساهم في تغيير طريقة بناء النماذج الاقتصادية، وفي تطوير الاقتصاد القياسي، وفي تحليل النقل والإنتاج، وفي نظرية النمو، وفي التفكير الاقتصادي حول الموارد النادرة.
والأهم أن تأثيره لم يتوقف عند أعماله الأصلية. فقد واصل باحثون من بعده تطوير نماذج النمو الديناميكي، واقتصاديات الموارد، وتحليل الكفاءة، والاقتصاد القياسي، مستفيدين بدرجات مختلفة من الأدوات والمفاهيم التي أسهم كوبمانز في ترسيخها.
وهكذا تبدو سيرته، في نهايتها، أقل ارتباطًا بلحظة نوبل وأكثر ارتباطًا بسؤال ظل مفتوحًا: كيف يمكن لعقل محدود، أمام موارد محدودة واحتياجات متزايدة، أن يميز بين استخدام ممكن للموارد واستخدام أفضل؟
كانت إجابة كوبمانز أن الاقتصاد يستطيع أن يجعل هذا السؤال أكثر وضوحًا إذا جمع بين النظرية والرياضيات والبيانات. وربما كان هذا هو جوهر إرثه: لم يقدم إجابة واحدة نهائية عن كيفية إدارة الموارد، بل ساعد على بناء اللغة والأدوات التي يستطيع بها الاقتصاديون مواصلة طرح السؤال نفسه، بصورة أكثر دقة، على مشكلات جديدة لم تكن موجودة في زمنه.
ومن قرية هولندية صغيرة، مرورًا بجامعات أوروبا ومراكز البحث الأمريكية، وصولًا إلى كاولز وشيكاغو وييل وجائزة نوبل، بقي خط واحد يربط المراحل كلها: الرغبة في تحويل التعقيد إلى بنية يمكن فهمها، والاختيار إلى مسألة يمكن تحليلها، والندرة إلى سؤال يمكن للعقل أن يتعامل معه دون أن يفقد صلته بالواقع.



