قصص

الضحية.. حين يتحول الحب الصادق إلى خوفٍ من السقوط في هاوية العشق

نشأت مارغريت جوتييه فقيرةً، لا تملك مالًا تشتري به زوجًا، ولا تجد بين الرجال من يبيعها نفسه بلا مال، أو يُحسن إليها بما يسد خلتها ويستر عورتها. وكان لا بد لها أن تعيش، فلم تجد بين يديها سوى عرضها، فذهبت به إلى سوق الشقاء والآلام، فساومها فيه بعض المساومين بأبخس الأثمان، فباعته إياه كارهةً مرغمةً، وكانت من الخاسرين.

ولقد كان جمالها شؤمًا عليها؛ فلو أنها كانت شوهاء، لوجدت في الناس من يرحمها ويحنو عليها. ولكن الجمال سلعة من السلع النافقة، لا يستطيع صاحبها أن ينال ما في أيدي الناس إن كان فقيرًا معوزًا، إلا من طريق المساومة فيه.

لذلك نقمت تلك الفتاة المنكوبة على الرجال جميعًا، وأقسمت أن تتخذ من جمالها، الذي هو مطمع أنظارهم وقبلة آمالهم، آلةً للانتقام منهم، تنتقم بها لعرضها وشرفها.

ولقد برّت بيمينها برَّ الوفي بعهده؛ فعاشرت الرجال ولم تحبهم، ونكبتهم في أموالهم وأنفسهم ولم تأسف عليهم، ونظرت إلى دموع الباكين تحت قدميها نظرات الغبطة والسرور، وهي تقول:

«ويح لكم يا معشر الرجال! ما كنت أطلب منكم باسم الفضيلة والشرف إلا رغيفًا واحدًا لغدائي، وآخر لعشائي، فأبيتموهما عليَّ. فلما طلبت منكم باسم الرذيلة جميع ما تمتلك أيديكم من مال ومتاع، بذلتموه لي طائعين مختارين. فما أصغر نفوسكم، وأخس أقداركم!

ولقد كان في استطاعة أصغركم شأنًا، وأهونكم على نفسه وعلى الناس جميعًا، أن يشتري من جسمي وقلبي وحياتي، بلا ثمن سوى سد خُلَّتي وصيانة عرضي، فلم تفعلوا».

«فها هم أولاء اليوم عظماؤكم وأشرافكم يجثون تحت قدميَّ جثوَّ الكلب الذليل تحت مائدة سيده، فلا ينالون مني أكثر مما ينال منها!

أحببتم المال حبًّا جمًّا، فأبيتم إلا أن تتزوجوا ذات مال، لتضموا طارفها إلى تليدكم. فابذلوا اليوم لامرأة مومس، لا تمنحكم مالًا ولا حبًّا، جميع ما في أيديكم من فضة وذهب، حتى لا يبقى لكم طارف ولا تليد!».

ظهرت مارغريت في سماء باريس كوكبًا متلألئًا، يبعث الأنوار، ويبهر الأنظار، ويملأ أجواء الفضاء بهجةً وضياءً. فطارت حولها العقول طيران النحل حول الزهر، وسال النضار بين يديها سيلان الجدول المتدفق تحت أشعة الأصيل. وعنت لها الوجوه الكريمة، وتعفرت تحت قدميها الجباه الرفيعة، وأصبحت أعناق الرجال في يدها، كأنما قد سلكتهم جميعًا في سلك واحد، ثم أمسكت بطرف السلك تحركه فيتحركون، وتمسك عنه فيمسكون.

وكان شأنها معهم شأن صاحب الكلب مع كلبه؛ لا يشبعه فيستغني عنه، ولا يجيعه فييأس منه. فكانت تملأ نفس عاشقها أملًا ورجاءً، حتى إذا ظن أن حظه قد دنا، وأنه ليس بينه وبين أمله إلا أن يمد إليه يده فيناله، زادته في إبعاده عنه، وأدنت منه ما كان يتوق إليه حتى يكاد يبلغه. فإذا علمت أن اليأس قد بلغ من نفسه مبلغه، وأنه قد أزمع أن يمضي في طريقه إلى حيث لا رجعة له، بعثت وراءه شعاعًا من أشعة ابتسامتها العذبة الخلابة، فاستردته إليها صاغرًا مستسلمًا.

وهكذا أصبحت تلك الفتاة الجائعة العارية، التي كانت تعوزها بالأمس اللقمة وتعييها الخرقة، سيدة باريس وصاحبة عرشها، ومالكة أزمّة رجالها، وفاجعة قلوب نسائها، والنجم الخلّاب الذي تتطلع إليه العيون، والسر الغامض الذي تحار فيه الظنون.

ذلك ما يعلمه الناس من أمرها، أما ما تعلمه هي من أمر نفسها، فهو أن جميع ما يُبذل لها من فضة وذهب، وأثاث ورياش، وقصور ودور، وجياد ومركبات، لا يساوي دمعة واحدة من تلك الدموع التي سكبتها على نفسها يوم باعت عرضها. وأن جميع هذه اللآلئ والجواهر والأردية والتيجان التي يهبونها لها، إنما يهبونها لأنفسهم؛ ليتمتعوا بمنظرها فوق جسدها، كما يتمتع صاحب الكلب بمنظر القلادة في عنق كلبه، وليس لها من ذلك شيء. فكأنما باعت عرضها بلا ثمن ولا جزاء.

وكانت تخلو بنفسها أحيانًا، فتذكر أن جميع هذه القلوب الطائرة حولها إنما تطير حول جمالها، لا حولها هي؛ وأنها إن حُرمت هذا الجمال ساعة واحدة، انفضّ الناس جميعًا من حولها، وأصبحت وحيدة منقطعة في هذا العالم، لا يعطف عليها قلب، ولا تبكي عليها عين. فكانت تبكي بكاء الأشقياء على أنفسهم، إذ رأت أنها شقية مثلهم؛ لأنها تعاشر من لا تحب، وتحيا بين قوم لا يحبونها إلا حبًّا كاذبًا.

وربما مرت، في بعض غدواتها أو روحاتها، بغرفة حارس قصرها، وهو جالس بين زوجه وأولاده، يمنحهم حبه وإخلاصه، ويمنحونه من ذلك مثل ما يمنحهم. فتتمنى لو كان حظها من هذه الحياة غرفة كهذه الغرفة، وزوجًا وأولادًا كهذا الزوج وهؤلاء الأولاد، ثم لا تطلب من دهرها بعد ذلك شيئًا.

وما رآها الناس يومًا تستقبل في قصرها رجلًا متزوجًا أو خاطبًا. فكانوا يحملون هذا الأمر منها على محمل الأثرة، ويقولون إنها امرأة طامعة لا تحب إلا أن يكون عاشقها خالصًا لها. ولو أنهم عرفوا حقيقة أمرها، وألمّوا بسريرة نفسها، لعلموا أنها امرأة حزينة منكوبة، فجعها الدهر في سعادة الزوجية، فعرفت قيمتها، وأدركت ما تنطوي عليه من نعمة، فلم تحب أن تفجع فيها امرأة أخرى.

وقد تحدث بعض الذين ألمّوا بشؤون حياتها الخاصة بأنها وهبت، مرتين أو ثلاثًا، بعض الفتيات الفقيرات مهورًا يستعنّ بها على الزواج ممن يردن. فلم يصدق الناس هذا الخبر، وقالوا: إن السالب لا يكون واهبًا، وإن ينبوع الخير لا يمكن أن يتفجر في قلوب النساء الفاجرات. ولكن الحقيقة أنها فعلت ذلك، وربما فعلت أكثر منه.

هذا هو قلب مارغريت، وهذه هي سريرة نفسها؛ فهي فتاة فاسدة، ولكنها غير راضية عن فسادها، وساقطة، ولكنها لا تحب أن ترى الفتيات ساقطات مثلها. ولو كان في استطاعة المرأة الساقطة أن تسترجع بتوبتها وإنابتها مكانتها في قلوب الناس، وأن تمحو بصلاحها ما سلف من فسادها، لكانت هي أقرب النساء إلى التوبة والنزوع. ولكن المجتمع الذي أسقطها وسلبها ذلك الرداء من الشرف الذي كانت ترتديه، يأبى عليها أن يعيد إليها رداءه إن طلبته؛ فلا بد لها من الاستمرار في سقوطها، راضية أو كارهة. وكذلك كان شأنها.

ولم يمض على مارغريت في حياتها هذه أكثر من بضعة أعوام حتى نزل بها مرض حبسها في بيتها عدة أيام، ثم اشتد عليها، فأشار عليها الأطباء أن تذهب إلى حمامات «البانيير» للاستشفاء بمائها وهوائها. فسافرت إليها وحدها، لا تصحبها إلا خادمتها.

وكان في ذلك المصطاف، في ذلك العام، شيخ من الأثرياء يُدعى الدوق موهان، حضر إليه مع ابنته، وكانت مريضة بداء الصدر، على أمل أن تستشفي من دائها. ولكن العلاج لم يُجدِ نفعًا، وماتت الفتاة بين يديه، فدفنها هناك، ولبث بعد موتها عدة أيام يتردد على قبرها ويبكيها بكاءً شديدًا.

وكان عائدًا من المقبرة ذات يوم، إذ لمح في طريقه مارغريت سائرة وحدها. وكان ذلك في اليوم الثاني من وصولها إلى البانيير، فدهش لمنظرها دهشة عظمى، وخُيّل إليه أن الله قد بعث إليه ابنته من قبرها، أو أرسل إليه خيالها ليعزيه عنها، وذلك لشدة الشبه بين صورة هذه الفتاة وصورة ابنته.

فتقدم نحوها ذاهلًا مشدوهًا، وأمسك بطرف ردائها، وظل يحدق في وجهها طويلًا. فعجبت لشأنه وسألته ما باله، فقال لها:

«هل تأذنين لي يا سيدتي أن أقبّل يدك؟»

فمدت إليه يدها، وهي لا تعلم ماذا يريد ولا ما الذي أصابه، فلثمها، ثم اعتذر إليها عن جرأته، موضحًا أن الذهول والدهشة قد غلباه. ومشى معها يقص عليها قصته، وقصة مصابه في ابنته، وما راعه من الشبه بين صورتها وصورة ابنته. فرقّت لحاله وحزنت لحزنه، واستهلت دمعة من عينيها المبتلتين بالدموع، رآها الشيخ، فسقط على يدها يقبّلها، ويشكر لها تلك الدمعة التي جادت بها عليه في ساعة شقائه.

ولم يزل سائرًا معها حتى وصلا إلى النزل، فودعها ومضى، بعدما استأذنها أن يتردد عليها من حين إلى حين، فأذنت له بذلك، ثم صعدت إلى غرفتها.

فلما خلت بنفسها، أخذت تفكر في أمر تلك الفتاة المسكينة التي اختطفها الموت من يد أبيها في زهرة صباها، من حيث لم يستطع طبيب ولا عائد أن يرد عنها عادية القضاء. ثم خطر لها أنها مريضة بمثل المرض الذي ماتت به الفتاة، وأنها ربما لقيت المصير نفسه، فلا تجد بجانبها أبًا كهذا الأب يندبها ويبكي عليها. فأثر فيها هذا الخاطر تأثيرًا شديدًا، وبكت له بكاءً طويلًا، ولزمت غرفتها في ذلك اليوم لا تفارقها.

وظل الدوق يتردد عليها بعد ذلك، فيجالسها طويلًا، ويجد من الأنس بها والاغتباط بعشرتها ما تسكن له لوعة نفسه كلما شبّ الوجد في صدره. حتى أصبح لا يستطيع مفارقتها ساعة واحدة. وكأنما لذّ لها أن ترى ذلك الشيخ الثاكل المنكوب يجد في وجهها سلوته وعزاءه، فمنحته من عطفها وحبها ما لم تمنحه أحدًا من قبله، وأنست به أنسًا لم تأنسه بإنسان سواه.

وما هي إلا أيام قلائل حتى أبلّت من مرضها بعض الإبلال، وعاد إلى وجهها الجميل رونقه وبهاؤه، وإلى ثغرها البديع ابتسامه وافتراره. فلذّ لها المقام في البانيير أيامًا طوالًا، حتى شعرت بهبوب رياح الشتاء، فأزمعت العودة إلى باريس.

فشق ذلك على الدوق، وعلم أنها إن عادت إلى باريس، فلن يظفر منها، في ذلك المزدحم العظيم الحافل بخلّانها وأصدقائها بمثل ما كان يظفر به منها في البانيير، فخلا بها ليلة السفر، وحادثها حديثًا طويلًا انتهى بالاتفاق معها على أن تهجر حياتها الأولى، حياة المخالطة والمعاشرة، وأن تعيش في منزل يهيئه لها، ويتكفل بنفقاتها فيه، على أن تأذن له بزيارتها من حين إلى حين. ثم سافرا في اليوم التالي إلى باريس.

ومنذ ذلك اليوم، تغيرت صورة حياتها عما كانت عليه من قبل؛ فأصبحت تعيش في القصر الذي هيأه لها الدوق حياةً تجمع بين العزلة والاختلاط، فلا تستقبل الناس فيه إلا قليلًا، ولا تمتزج بمن تستقبلهم امتزاجًا كاملًا. وربما مرت بها أيام لا يراها الناس فيها خارج قصرها إلا نادرًا. فإذا خرجت، ركبت عربتها وحدها، دون رفيق أو رفيقة، ومضت في طريقها تقرأ كتابًا أو صحيفة. وربما مر بها كثير ممن تعرفهم فلا تراهم، فإذا وقع نظرها على أحدهم، ابتسمت له ابتسامة قصيرة مقتضبة، قلما يشعر بها أحد سواه، ثم واصلت سيرها حتى تصل إلى منتزه الشانزليزيه، فتنزل من عربتها وتمشي في الغابة على قدميها ساعة، ثم تعود إلى قصرها.

فإذا جاء الليل، ذهبت إلى المسرح وحدها، أو برفقة الرجل القائم على شؤونها، فتقضي فيه معظم وقتها، منصتة إلى ما يجري على خشبته، لا يشغلها كثرة الناظرين إليها أو المتهافتين على مقصورتها عن متابعة فصول الرواية والاهتمام بأحداثها حتى تنتهي.

ولم تمض أيام كثيرة حتى علم الناس جميعًا أن مارغريت قد تغيرت حالها، وتبدلت صورة حياتها، وأنها قنعت بهذه الحياة الجديدة، حياة الهدوء والسكينة والوحشة والانفراد، ورضيتها لنفسها، فلم يعد في وسع أحد أن يثنيها عنها. وهكذا خابت أطماعهم وانقطعت آمالهم، وظلوا يتلمسون الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة الغريبة التي طرأت عليها.

وقد ذهبوا في تفسير أمرها مذاهب شتى، إلا التفسير الصحيح، وهو أن الحادثة المحزنة التي أصابت ابنة الدوق، الشبيهة بها في صورتها ومرضها، قد أثرت في نفسها تأثيرًا شديدًا، وصورت لها الحياة على غير صورتها الأولى. فأصبحت تعاف الرجال لأنهم كانوا سبب سقوطها، وتستنكر سقوطها أكثر مما كانت تستنكره من قبل؛ لأنه كان سببًا في مرضها. ولم تعد تأسف على ما فاتها مما في أيدي الناس، لأنها تعيش من مال الدوق في نعمة لا يطمع طامع في أكثر منها.

وربما خطر لها أن حياتها مع هذا الشيخ الهرم، الذي لا يطمع منها في أكثر من أن يراها، تشبه حياة العذارى الطاهرات اللواتي ينعمْن بالشرف في ظلال آبائهن. فأعجبها هذا الخاطر، ومالت إليه نفسها، وكثيرًا ما بكت ذلك الشرف من قبل وحنّت إليه.

انقضت أيام الخريف وأقبل الشتاء، وانتشر البرد في الأجواء، فثار ما كان كامنًا من داء مارغريت، وعاد إليها نفث الدم والسعال. وظلت تكابد من مرضها آلامًا جسامًا؛ فما تكاد تفارقها يومًا حتى تعاودها أيامًا. فإذا اشتد عليها الألم، لزمت سريرها لا تفارقه، وإذا خف عنها، خرجت إلى الهواء الطلق في بكور الأيام وأصائلها، تلتمس الهواء النقي والجو الصحي. وربما ذهبت في بعض الليالي إلى المسرح لتتفرج، فتخلو بنفسها في مقصورتها ساعة أو ساعتين، ثم تعود إلى منزلها.

وكانت لا تزال ترى، في المقصورة المجاورة لمقصورتها، كلما ذهبت إلى المسرح، فتى في زي أبناء الأشراف وهيئتهم. وكان يخالسها النظر من حين إلى حين؛ فينظر إليها إن غضّت عنه، ويغض عنها إن نظرت إليه. ولا يلتقي نظرها بنظره حتى يتلهب وجهه احمرارًا، ويرشح جبينه عرقًا، كأنما اقترف ذنبًا لا سبيل له إلى الخلاص منه.

لم تحفل به كثيرًا؛ لأنها لم تر في أمره شيئًا جديدًا، إلا أنها كانت تعجب لسكونه وجموده، وطول إغضائه وإطراقه، ولأثر الحزن الذي يخيّم على وجهه. وكان أكثر ما يدهشها منه، وربما أثار إعجابها، أنه الفتى الوحيد في ذلك المجتمع الذي كانت تراه يبكي لمشاهد الشقاء التي تُعرض على خشبة المسرح. فقد كانت تعلم أن الفتيان الذين تغمرهم السعادة، ويغتبطون بشبابهم وصحتهم، لا يكترثون كثيرًا بمشاهد الشقاء الحقيقية، فكيف يكترثون بتمثيلها؟

وبينما كانت جالسة وحدها في مقصورتها ذات ليلة، وكان الجو باردًا شديد القسوة، فاجأتها نوبة سعال اشتدت عليها حتى كادت تسقط عن كرسيها من شدة الضعف والوهن. وفجأة شعرت بيد تمسك يدها، فاعتمدت عليها دون أن تستطيع الالتفات إلى صاحبها، حتى بلغت عربتها وركبتها.

ولما شعرت بشيء من الراحة، التفتت لتشكر صاحب تلك اليد، فلم تر أمامها أحدًا، وإنما رأت على بُعد خطوات منها شخصًا منصرفًا، لم تتمكن من تبيّن ملامحه، وإن خُيّل إليها أنها تعرف هيئته. فعجبت لأمره، ثم مضت في طريقها.

وما إن وصلت إلى منزلها حتى شعرت برعدة الحمى تسري في أعضائها، فلزمت سريرها بضعة أيام لا تفارقه، حتى بدأت تستعيد شيئًا من عافيتها.

وعندما تحسنت حالتها قليلًا، قدمت إليها خادمتها بطاقات الزيارة التي تركها الفتيان الذين زاروها في أثناء مرضها، مجاملةً وقيامًا بواجب الزيارة، فلم تقرأ واحدة منها.

ثم أخبرتها الخادمة أن فتى كان يأتي للسؤال عنها مرة أو مرتين كل يوم، دون أن يذكر اسمه أو يترك بطاقته، وأنه كان ينقبض انقباضًا شديدًا كلما أخبرته أنها لا تزال طريحة الفراش، تشكو وتتألم.

فطلبت منه وصفًا له، فوصفته لها، لكنها لم تعرفه، وعجبت لأمره.

كل العجب، وتمنت لو رأته فشكرت له هذا الإخلاص النادر، الذي لا عهد لها بمثله عند أحد من الناس.

وأمرت خادمتها أن تخبرها بأمره إن جاء للسؤال عنها مرة أخرى، فلم يلبث أن جاء. وكانت مرغريت جالسة في شرفة المنزل المطلة على الطريق، فرأته، فعرفت أنه ذلك الفتى الحزين الذي كانت تراه في المقصورة المجاورة لمقصورتها في ملعب التمثيل، وأنه صاحب تلك اليد التي امتدت إليها بالمعونة ليلة النازلة التي نزلت بها هناك. فأشارت إلى خادمتها بالنزول إليه واستدعائه، ففعلت.

فاضطرب الفتى لهذه الدعوة اضطرابًا شديدًا، حتى كاد يرفضها، ثم لمح مرغريت في الشرفة، فتشجع ومشى وراء الخادمة، حتى صعدت به إلى غرفة سيدتها، فتركته وانصرفت.

فدخل عليها، فحياها ووجهه يرشح عرقًا، ولسانه لا يكاد يبين. فمدت إليه يدها، فتناولها وقبّلها قبلة طويلة، فعرفت مرغريت سر ما أودعها من عواطف قلبه، وهي العالمة بأسرار القبلات. ثم أذنت له بالجلوس، فجلس، وأنشأت تسائله عن نفسه وعن قومه، وعن سبب اهتمامه بشأنها، وتبتسم له بين الحين والآخر ابتسامات تلاطفه بها، وتمسح عن فؤاده ما ألم به من الروع.

فحدثها أنه غريب عن باريس، وأنه وفد إليها منذ عشرين يومًا من بلدته «نيس»، ليقضي فيها ثلاثة أشهر أذن له أبوه بها، طلبًا لتغيير الهواء وترويح النفس، ثم يعود في نهايتها إلى وطنه.

فسألته:
«هل وجدت المقام حميدًا هنا؟»

فصمت هنيهة، ثم نظر إليها نظرة منكسرة، وقال:
«لا يا سيدتي».

قالت:
«لماذا؟»

فحارت بين شفتيه كلمة لم يستطع أن ينطق بها، فعاد إلى صمته وإطراقه، فأعادت عليه سؤالها.

فقال لها:
«هل تأذنين لي يا سيدتي أن أقول لك كل ما في نفسي؟»

فشعرت بما في نفسه قبل أن يقوله، وقالت له:
«قل ما تشاء، إلا أن تطارحني حبك وغرامك؛ فإنني امرأة مريضة لا أستطيع أن أحتمل الحياة وحدها خالصةً لا مؤونة فيها، فأحرى بي ألا أحتملها مثقلةً بالحب والغرام».

فاصفر وجهه اصفرارًا شديدًا، ومد يده إلى دمعة تترقرق في عينيه فمسحها، ثم قال لها:
«ذلك ما يحزنني يا سيدتي، ويبكيني، وينغص عليّ عيشي منذ هبطت باريس حتى اليوم؛ فإنني رأيتك فأحببتك من النظرة الأولى، ثم سألت عنك، فعرفت من أمرك كل شيء، وعلمت أنك تعيشين منذ شهور عيشةً لا مطمع فيها لطامع، ولا أمل لأمل، فانقطع أملي منك، إلا أن حبي إياك لم ينقطع. ثم رأيتك بعد ذلك في ملعب التمثيل، ورأيت هذا القناع الأصفر الذي نسجته يد المرض على وجهك الجميل، فاستحال حبي إياك رحمةً وشفقة. وأصبحت أبكي لمرضك أكثر مما أبكي لحبك، وأصبح كل ما أتمنى على الله في حياتي أن أراك بارئةً ناعمة، موفورًا لك حظك من سعادة العيش وهنائه، ثم لا أطمع بعد ذلك في شيء مما يطمع فيه المحبون المغرمون.

فأنا أقف الساعة بين يديك، لا لأطارحك الحب والغرام، بل لأسألك أن تأذني لي بالوقوف على بابك كلما جئته أسأل خادمتك عنك، ثم أمضي لسبيلي من حيث لا ترين وجهي، ولا تشعرين بمكاني».

فسرت في أعضائها رعدة غير الرعدة التي تعرفها من الحمى، وخُيّل إليها أنها تسمع نغمة في الحب غير التي كانت تسمعها قبل اليوم من أفواه الرجال. فنظرت إليه نظرة لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى، ثم قالت له:
«إني آذن لك بذلك يا سيدي، وأشكرك عليه شكرًا جزيلًا، بل آذن لك أن تزورني كلما شئت، على أن تفد إليّ صديقًا مساعدًا، لا محبًّا مغرمًا؛ فإني إلى الأصدقاء المخلصين أحوج مني إلى المحبين المغرمين».

ومدت إليه يدها، فعلم أنها قد أذنت له بالانصراف، فقبّلها وانصرف مسرورًا مغتبطًا. فأتبعته نظرها حتى غاب عنها، ثم سقطت على وسادة بجانبها، وقالت:
«رحمتك اللهم، فإني أخشى أن أحبه!»

لقد أحبته من حيث لا تدري؛ فإن الخوف من الحب هو الحب نفسه. بل شعرت في حبه بسعادة لم تشعر بمثلها من قبل، فأصبحت تستقبله كل يوم في منزلها، وتأنس به وبحديثه أنسًا كثيرًا، وتفضي إليه بذات نفسها إفضاء الصديق إلى صديقه، وتقص عليه قصة ماضيها وحاضرها، لا تكذب عليه في شيء، ولا تكتم عنه أمرًا.

ثم ترامى بها الأمر حتى أصبحت تشعر بالوحشة إن تخلف عن موعد زيارته بضع دقائق. ثم حدث أن انقطع عن زيارتها ثلاثة أيام، لأمر عرض له ولم يتمكن من إخبارها به، فحزنت لانقطاعه حزنًا عظيمًا، وذهبت بها الوساوس والظنون كل مذهب.

ثم ذكرت أن ذلك الحزن وهذا الوسواس ليسا من شأنها قبل اليوم، فقلقت لذلك قلقًا شديدًا، وخفق قلبها خفقة الرعب والخوف، وعلمت أنها قد وقفت على حافة الهوة، ولم يبق إلا أن تتردى فيها.

فسهرت ليلة طويلة، عالجت فيها من نوازع النفس وخوالجها ما عالجت، حتى أصبح الصباح، وقد أضمرت في نفسها أمرًا.

 

انتظر باقي القصة

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى