سير

بيتي ويليامز.. سيرة امرأة جعلت السلام فعلًا شعبيًا وحصلت على نوبل

في 10 ديسمبر/كانون الأول 1977، وقفت بيتي ويليامز في قاعة مدينة أوسلو بالنرويج لتتسلّم، إلى جانب مايريد كوريجان، جائزة نوبل للسلام عن عام 1976. لم تكن الجائزة تكريمًا لاتفاق سلام أُبرم، ولا لمعاهدة أنهت حربًا، بل لجهد شعبي حاول أن يفتح طريقًا آخر أمام مجتمع أنهكته سنوات العنف في أيرلندا الشمالية.

كانت اللجنة النرويجية قد منحت الجائزة مناصفة إلى ويليامز وكوريجان «لجهودهما الشجاعة في تأسيس حركة لوضع حد للصراع العنيف في أيرلندا الشمالية». وتوضح مؤسسة نوبل أن الجائزة تخص عام 1976، لكن تسليمها تأخر إلى عام 1977 بعدما قررت اللجنة عدم منح الجائزة في موعدها المعتاد، وفقًا للنظام الذي يسمح بحجز الجائزة إلى العام التالي.

في تلك اللحظة لم تكن بيتي ويليامز تقدم للعالم نظرية سياسية جديدة بالمعنى التقليدي، ولم تكن تملك جيشًا أو سلطة حكومية أو موقعًا رسميًا. كانت ناشطة سلام خرجت من قلب المجتمع الذي مزقته الخصومة بين الكاثوليك والبروتستانت، واكتشفت أن ما يمكن أن يبدأ به التغيير أحيانًا ليس قرارًا صادرًا عن مؤسسة كبرى، بل موقفًا أخلاقيًا يتخذه أشخاص عاديون أمام العنف.

وهنا تكمن أهمية سيرتها: فهي ليست قصة امرأة حصلت على جائزة نوبل فحسب، وإنما قصة انتقال فكرة السلام من مستوى الاحتجاج إلى مستوى التنظيم الشعبي، ثم انتقالها لاحقًا من الصراع المحلي في أيرلندا الشمالية إلى قضايا الأطفال والعدالة والسلام العالمي.

النشأة في بلفاست.. هوية تشكلت بين الانقسامات

وُلدت إليزابيث «بيتي» ويليامز، واسمها قبل الزواج إليزابيث سميث، في بلفاست بأيرلندا الشمالية في 22 مايو/أيار 1943، وتوفيت في بلفاست في 17 مارس/آذار 2020 عن 76 عامًا. تلقت تعليمها في مدرسة سانت دومينيك النحوية للبنات في بلفاست، ثم عملت في بدايات حياتها موظفة استقبال مكتبية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى واحدة من أشهر الناشطات في مجال السلام.

لكن فهم شخصيتها لا ينفصل عن البيئة التي نشأت فيها. كان والدها بروتستانتيًا ووالدتها كاثوليكية، وهي خلفية عائلية قالت مصادر نوبل إنها أسهمت في تكوين نظرة تقوم على التسامح الديني واتساع الأفق. كما أن حياتها الشخصية نفسها حملت قدرًا من تجاوز الحدود الاجتماعية والدينية التي كانت حاضرة بقوة في أيرلندا الشمالية.

لم تكن هذه الخلفية مجرد تفصيل في سيرتها؛ فقد أصبحت لاحقًا جزءًا من الطريقة التي فهمت بها معنى السلام. فالانقسام الذي عاشه المجتمع لم يكن بالنسبة إليها خلافًا نظريًا بين هويتين سياسيتين، بل واقعًا يلامس العائلة والجيران والشارع والحياة اليومية.

ومن هنا يمكن فهم أحد العناصر الأساسية في مشروعها: رفض النظر إلى الطرف الآخر بوصفه كتلة بشرية مجهولة أو عدوًا مجردًا، ومحاولة استعادة فكرة الجوار والإنسان المشترك.

قبل بيتي ويليامز.. أيرلندا الشمالية التي كان العنف فيها لغة يومية

حين بدأت اضطرابات أيرلندا الشمالية، المعروفة باسم «The Troubles»، في أواخر ستينيات القرن العشرين، كانت البلاد تدخل مرحلة طويلة من الصراع السياسي والطائفي والعنف المسلح. وتداخل في الصراع سؤال وضع أيرلندا الشمالية وعلاقتها بالمملكة المتحدة مع الانقسام بين المجتمعات الكاثوليكية والقومية من جهة، والبروتستانتية والاتحادية من جهة أخرى.

وفي هذا المناخ لم يكن العنف حدثًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية لسنوات طويلة. كانت جماعات مسلحة جمهورية وموالين، إلى جانب قوات الدولة، جزءًا من مشهد بالغ التعقيد، وسقط آلاف القتلى خلال العقود التالية.

ولهذا فإن ما جاءت به ويليامز لم يكن مجرد دعوة عامة إلى «السلام» بالمعنى المجرد. كانت الفكرة الأكثر أهمية هي محاولة تحويل رفض العنف إلى قوة اجتماعية منظمة تستطيع أن تجمع أشخاصًا من المعسكرين المتخاصمين.

وكانت لديها بالفعل صلة مبكرة بنشاط مناهض للعنف في أوائل سبعينيات القرن العشرين، قبل أن تصبح لاحقًا إحدى الواجهات الرئيسية لحركة «شعب السلام». وتشير مؤسسة نوبل إلى أن ويليامز انضمت في تلك الفترة إلى حملة لمناهضة العنف قادها قس بروتستانتي، قبل أن تنخرط بصورة مكثفة في العمل الشعبي من أجل السلام.

كان هذا مهمًا لأن تجربتها لم تبدأ من فراغ في أغسطس/آب 1976؛ فقد كانت قد وصلت بالفعل إلى قناعة بأن العنف لا يمكن أن يكون طريقًا للخروج من الأزمة.

10 أغسطس 1976.. اللحظة التي غيّرت مسار حياتها

جاء التحول الحاسم في 10 أغسطس/آب 1976.

في ذلك اليوم وقع اشتباك بين جنود بريطانيين وأعضاء من الجيش الجمهوري الأيرلندي في غرب بلفاست. أُصيب سائق سيارة كان الجنود يطاردونه وقُتل، ثم انحرفت السيارة واصطدمت بعائلة كانت تسير في الطريق. أدى الحادث إلى مقتل ثلاثة أطفال وإصابة والدتهم بجروح خطيرة. وكان الأطفال الثلاثة من عائلة ماغواير، وكانوا أبناء أخت مايريد كوريجان.

كانت ويليامز شاهدة على المأساة، وأصبح المشهد نقطة تحول في حياتها.

لكن الأهمية التاريخية لا تكمن في الحادث وحده؛ فمقتل الأطفال جاء في لحظة كان فيها المجتمع يعيش أصلًا حالة من الإرهاق والرفض المتزايد لدائرة العنف. لذلك تحولت المأساة الفردية إلى لحظة سياسية وأخلاقية أوسع.

بدأت ويليامز تحركًا شعبيًا لجمع التوقيعات ضد العنف، وانضمت إليها مايريد كوريجان، قريبة الأطفال الذين قتلوا، ثم دخل الصحفي كياران ماكيوَن في العمل التنظيمي. وتطورت المبادرة إلى حركة عُرفت باسم «شعب السلام» أو «Community of Peace People».

في هذه النقطة تحديدًا أصبحت إنجازات بيتي ويليامز في مجال السلام مختلفة عن مجرد النشاط الاحتجاجي؛ فقد حاولت بناء حركة يستطيع الناس العاديون المشاركة فيها بصورة مباشرة.

من الغضب إلى التنظيم.. ولادة «شعب السلام»

كانت أولى الاستجابات جماهيرية وسريعة. خرجت مسيرات شارك فيها كاثوليك وبروتستانت معًا، وأصبحت الحركة خلال أسابيع ظاهرة عامة لافتة.

وتذكر المصادر أن إحدى المسيرات جمعت نحو عشرة آلاف امرأة كاثوليكية وبروتستانتية، بينما شارك في مسيرة لاحقة نحو 35 ألف شخص احتجاجًا على العنف ودعمًا للسلام.

لكن قيمة التجربة لم تكن في عدد المشاركين وحده. فالعدد الكبير كان دليلًا على وجود مشاعر سلام مكبوتة داخل المجتمع، إلا أن المشاعر وحدها لا تصنع سلامًا مستدامًا.

وهذا هو التحول الفكري الأهم في تجربة ويليامز: كيف يتحول رفض العنف إلى عمل منظم؟

في خطابها أمام نوبل عام 1977، أوضحت ويليامز أن الدعوة الأولى للسلام كشفت عن رغبة واسعة لدى سكان أيرلندا الشمالية في إنهاء العنف، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن إطلاق هذه الرغبة لم يكن كافيًا. كان لا بد من تنظيم الطاقة الشعبية وتحويلها إلى عمل مستمر.

ولهذا عمل المؤسسون على صياغة إعلان للحركة ووضع برنامج من المسيرات والأنشطة، ثم محاولة إنشاء مجموعات محلية تجمع أشخاصًا كانوا يقفون في معسكرات متعارضة.

كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها: السلام لا يبدأ بالضرورة من أعلى، بل يمكن أن يبدأ من الأحياء والمدارس والكنائس والجيران والأسر.

ما الذي أضافته ويليامز إلى مفهوم العمل من أجل السلام؟

قبل تجربة «شعب السلام»، كان السلام في كثير من التصورات السياسية يرتبط بالمفاوضات الرسمية، أو بقرارات الحكومات، أو بوقف إطلاق النار الذي تتفق عليه الأطراف المسلحة.

أما تجربة ويليامز وكوريجان فقد قدمت نموذجًا آخر: السلام بوصفه مشاركة شعبية.

لم يكن المقصود إلغاء السياسة، بل الضغط على المجتمع والسياسيين معًا لتغيير البيئة التي تجعل العنف مقبولًا أو مستمرًا.

وقد وصفت مؤسسة نوبل هذه الرؤية بأنها محاولة لتحريك عملية السلام «من الأسفل»، من خلال مجموعات محلية تضم خصومًا سابقين وتعمل على بناء الثقة.

ومن منظور تحليلي، يمكن القول إن هذه كانت الإضافة الأهم في مشروع ويليامز: جعل المصالحة اليومية جزءًا من صناعة السلام، لا مجرد نتيجة تنتظرها المجتمعات بعد انتهاء الحرب.

فإذا كان شخصان ينتميان إلى جماعتين متعاديتين قادرين على السير معًا في شارع واحد، فإن ذلك لا ينهي الصراع سياسيًا، لكنه يغيّر شيئًا في البنية الاجتماعية التي يستمر الصراع داخلها.

إعلان «شعب السلام».. السلام بوصفه ممارسة يومية

لم يكن للحركة برنامج أيديولوجي معقد. كان خطابها يقوم على رفض القتل والقنابل والرصاص، والدعوة إلى بناء مجتمع عادل وسلمي، والعمل مع الجيران يومًا بعد يوم.

وهذا المعنى ظهر بوضوح في محاضرة ويليامز أمام نوبل في أوسلو في 11 ديسمبر/كانون الأول 1977، حين تحدثت عن ضرورة الانتقال من الرغبة في السلام إلى العمل من أجله، مؤكدة أن الطريق يتطلب التفاني والعمل الشاق والشجاعة.

وتكشف المحاضرة أن مفهوم السلام لديها كان أوسع من مجرد غياب الرصاص. فقد ربطت بين العنف والحواجز النفسية والاجتماعية، مثل الخوف والشك والتحيز والعداء، ورأت أن التعارف والحوار وبناء الثقة يمكن أن يقلل من قدرة المجتمعات على رؤية الطرف الآخر بوصفه عدوًا مجهولًا.

وهنا يظهر أحد أهم أبعاد أهم أعمال بيتي ويليامز: لم يكن «عملًا» بالمعنى التقليدي، بل نموذجًا للحركة المدنية التي تجعل التواصل نفسه أداة لبناء السلام.

نوبل للسلام.. لماذا اختارتها اللجنة؟

كان سبب فوز بيتي ويليامز بجائزة نوبل واضحًا في قرار مؤسسة نوبل: «الجهود الشجاعة في تأسيس حركة لوضع حد للصراع العنيف في أيرلندا الشمالية». وقد حصلت ويليامز على نصف الجائزة، فيما حصلت مايريد كوريجان على النصف الآخر.

ومن المهم هنا ألا يُفهم التكريم على أنه إعلان بأن الصراع انتهى في 1976. فهذا لم يحدث.

بل إن المفارقة التاريخية أن «شعب السلام» تراجع لاحقًا من حيث العدد والنفوذ، واستمر الصراع في أيرلندا الشمالية سنوات طويلة. وتشير مؤسسة نوبل إلى أن الحركة تفككت بوصفها قوة جماهيرية خلال عام 1978، نتيجة خلافات داخلية وانتشار شائعات وتحريض من متطرفين من الجانبين.

لكن هذا لا يلغي قيمة التجربة.

فالجائزة لم تُمنح لويليامز لأنها أنهت الحرب، وإنما لأنها ساعدت في خلق حركة شعبية رافضة للعنف وأظهرت أن آلاف الأشخاص يمكن أن يخرجوا من مواقع الانقسام ليعلنوا أن الصراع ليس قدرًا أبديًا.

وهذا يفسر أيضًا لماذا كان اختيار اللجنة ذا دلالة تاريخية: فقد كان تكريمًا لفكرة أن الناس العاديين يستطيعون التدخل في مسار التاريخ.

التراجع الداخلي لا يعني نهاية الفكرة

لم تكن تجربة «شعب السلام» خالية من المشكلات. فالانتقال من لحظة جماهيرية هائلة إلى مؤسسة مستمرة كان تحديًا صعبًا. الحركات الشعبية التي تنشأ بسرعة حول حدث مأساوي تواجه دائمًا سؤالًا أصعب: كيف تتحول الطاقة الأخلاقية الأولى إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار؟

كما أن ويليامز وكوريجان اتجهتا لاحقًا في مسارين مختلفين نسبيًا. ففي عام 1978 أنهت ويليامز ارتباطها بالحركة، بينما واصلت كوريجان عملها المحلي من أجل السلام في أيرلندا الشمالية. وتذكر المصادر أن ويليامز نقلت تركيزها بصورة متزايدة إلى العمل الدولي من أجل السلام.

ومن المهم قراءة هذه المرحلة بعيدًا عن فكرة «النجاح» و«الفشل» بمعناهما المبسط. فالحركة لم تحقق كل أهدافها المباشرة، لكنها أسست تجربة بقيت حاضرة في تاريخ العمل المدني في أيرلندا الشمالية.

كما أن انخفاض العنف بعد عام 1976 أصبح موضع اهتمام لدى عدد من الباحثين والمراقبين، وإن كان من الصعب نسبة هذا الانخفاض إلى عامل واحد؛ فمسار الصراع كان معقدًا، وتداخلت فيه عوامل سياسية وأمنية واجتماعية متعددة. ولذلك من الأدق القول إن حركة «شعب السلام» كانت جزءًا من التحول في المناخ العام، لا أنها كانت العامل الوحيد الذي صنعه.

من أيرلندا الشمالية إلى العالم

بعد تجربتها في أيرلندا الشمالية، اتسع مجال نشاط ويليامز. انتقلت في مرحلة من حياتها إلى الولايات المتحدة، وأصبحت محاضرة دولية في موضوعات السلام والتعليم والتفاهم بين الثقافات والأديان ومكافحة التطرف وحقوق الأطفال. كما ارتبط اسمها بعدد من المؤسسات والمبادرات الدولية.

وهنا حدث تحول مهم في مشروعها.

ففي بداياتها كان السؤال: كيف يمكن إيقاف العنف في مجتمع محدد؟

أما في مراحلها اللاحقة فأصبح السؤال: كيف يمكن منع العنف من الوصول إلى الأطفال أصلًا، وكيف يمكن تحويل حماية الطفل إلى جزء من بناء السلام؟

قادها ذلك إلى العمل في مجال حقوق الطفل، وترأست «المركز العالمي للرحمة من أجل الأطفال» وارتبط اسمها بمؤسسات تسعى إلى حماية الأطفال في البيئات التي تتعرض للحروب والفقر والاضطرابات.

وهذا الامتداد ليس منفصلًا عن تجربتها الأولى. فمن منظور فكري، يمكن رؤية خط واضح يبدأ من الطفل الذي قُتل في أحد شوارع بلفاست، ثم ينتقل إلى فكرة أوسع: إذا كان العنف يدمر حياة الأطفال، فإن بناء السلام يجب أن يتعامل مع حماية الطفل باعتبارها هدفًا أساسيًا، لا نتيجة جانبية.

مبادرة نوبل للنساء.. تحويل الشهرة إلى شبكة تضامن

في عام 2006 أصبحت ويليامز إحدى المؤسسات لمبادرة نوبل للنساء، إلى جانب حائزات نوبل للسلام مايريد كوريجان ماغواير، وشيرين عبادي، ووانغاري ماثاي، وجودي ويليامز، وريغوبيرتا مينشو. وقد سعت المبادرة إلى استخدام المكانة الدولية التي اكتسبتها هؤلاء النساء لدعم ناشطات يعملن من أجل السلام والعدالة والمساواة وحقوق النساء.

وكان لهذه الخطوة معنى يتجاوز مجرد عضوية ويليامز في منظمة جديدة.

فهي تعني أن تجربتها انتقلت من نموذج «الناشطة التي تقود حركة في بلدها» إلى نموذج «الحائزة على نوبل التي تستخدم الاعتراف العالمي لرفع أصوات ناشطات أخريات».

وهذا أحد أشكال الإرث غير المباشر في سيرتها: لم تعد القضية أن تتحدث بيتي ويليامز نيابة عن الآخرين، بل أن تساعد النساء العاملات في مناطق الصراع على امتلاك مساحة أكبر للتعبير والتأثير.

وبذلك التقت تجربتها مع تطور عالمي أوسع في فهم دور النساء في عمليات السلام. فالمرأة لم تعد تُرى فقط بوصفها ضحية للحرب، بل بوصفها فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا قادرًا على التوسط وبناء الشبكات والمصالحة المجتمعية.

الأطفال.. الحلقة التي أعادت ويليامز إلى نقطة البداية

كان العمل من أجل الأطفال هو أحد أكثر خطوط تجربتها استمرارية.

فمنظمة «World Centers of Compassion for Children International» ارتبطت باسمها وبجهودها لتوفير الحماية والدعم للأطفال المتأثرين بالحروب والعنف والفقر. وتوضح المنظمة أن رؤيتها امتدت إلى إنشاء مساحات آمنة للأطفال، وتعزيز تعليم السلام، والدفاع عن حقوق الأطفال المتضررين من الأزمات.

ويمكن النظر إلى هذا المسار بوصفه امتدادًا منطقيًا لتجربتها في بلفاست.

فالمأساة التي دفعتها إلى النشاط السياسي كانت مأساة أطفال. وبعد عقود، ظل الطفل حاضرًا في قلب مشروعها، لكن من زاوية مختلفة: ليس فقط بوصفه ضحية يجب حمايتها، وإنما بوصفه جيلًا يجب أن يتعلم ثقافة مختلفة عن ثقافة الانتقام.

ومن هنا يصبح التعليم جزءًا من السلام، وليس نشاطًا منفصلًا عنه.

أثرها على الأجيال الجديدة

كان التعليم والحوار مع الشباب جزءًا من حضور ويليامز الدولي، ومن أبرز مسارات ذلك ارتباطها بمؤسسة «PeaceJam»، التي تجمع الحائزين على نوبل مع الشباب حول قضايا السلام والعدالة والعمل المجتمعي.

وتشير المؤسسة إلى أن ويليامز شاركت فيها لسنوات طويلة وألهمت آلاف الشباب، كما بقي إرثها حاضرًا بعد وفاتها من خلال البرامج والمواد التي تعرض تجربتها بوصفها نموذجًا للعمل الشعبي من أجل السلام.

وهذا التأثير يختلف عن تأثير القادة السياسيين التقليديين. فالقائد السياسي قد يترك اتفاقًا أو قانونًا أو مؤسسة، بينما تترك الناشطة الاجتماعية أحيانًا طريقة في التفكير والسلوك.

وفي حالة ويليامز كانت الرسالة الأساسية هي أن الإنسان العادي ليس عاجزًا بالضرورة أمام العنف المنظم، وأن بداية التغيير قد تكون في رفض المشاركة في دورة الانتقام، ثم تنظيم هذا الرفض في عمل جماعي.

ما الذي بقي بعد بيتي ويليامز؟

توفيت بيتي ويليامز في مارس/آذار 2020 في بلفاست، بعد حياة امتدت من سنوات الصراع الأولى إلى مرحلة شهدت توقيع اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 وما تبعه من تحولات سياسية واجتماعية في أيرلندا الشمالية.

لكن قياس إرثها بعدد المؤسسات التي شاركت فيها فقط سيكون قراءة ناقصة.

الإرث الأهم هو الفكرة التي ظلت تتحرك عبر مراحل حياتها: السلام ليس حدثًا واحدًا، وإنما ممارسة يومية تحتاج إلى بناء الثقة، وحماية الإنسان، وتغيير طريقة رؤية الخصم، وإشراك المجتمع في صناعة المستقبل.

لقد بدأت هذه الفكرة في شارع من شوارع بلفاست عام 1976، عندما تحولت مأساة ثلاثة أطفال إلى صرخة ضد العنف. ثم أصبحت حركة شعبية. وبعد ذلك صارت جائزة نوبل. ثم اتسعت إلى نشاط دولي في مجال السلام وحقوق الأطفال وتمكين النساء.

وبهذه الصورة يصبح خط حياتها أكثر وضوحًا: لم تنتقل ويليامز من قضية إلى أخرى بصورة عشوائية، بل ظلت تبحث عن الجذر نفسه؛ كيف يمكن تقليل قدرة العنف على إنتاج عنف جديد؟

سيرة أفكار لا سيرة شهرة

قد يكون من السهل اختزال بيتي ويليامز في صورة «الحائزة على نوبل للسلام»، لكن هذا الاختزال يحجب الجزء الأكثر أهمية من تجربتها.

فهي لم تحصل على الجائزة لأنها كانت صاحبة مشروع سياسي متكامل، ولا لأنها نجحت وحدها في إنهاء صراع أيرلندا الشمالية. حصلت عليها لأن مبادرتها استطاعت في لحظة تاريخية حرجة أن تكشف وجود رغبة شعبية واسعة في الخروج من دائرة العنف، وأن تمنح هذه الرغبة تنظيمًا وصوتًا عامًا.

وكان ذلك إنجازًا استثنائيًا في سياق كانت فيه الهوية والانتماء والخوف عناصر قوية في الحياة اليومية.

كما أن قصتها تكشف حدود العمل السلمي أيضًا. فالحركات الشعبية يمكن أن تتراجع، والخلافات الداخلية يمكن أن تضعفها، والصراعات السياسية لا تختفي بمجرد تنظيم المسيرات. لكن هذه الحدود لا تلغي قيمة المحاولة؛ بل تجعلها أكثر واقعية.

إن أهم ما تركته ويليامز هو تصور السلام باعتباره عملية تراكمية: مسيرة، وحوار، ومجموعة محلية، ومبادرة تعليمية، وحماية لطفل، ودعم لامرأة تعمل في منطقة نزاع، ثم شبكة دولية تتبادل الخبرات.

وهكذا انتقل أثرها من بلفاست إلى دوائر أوسع بكثير.

الخاتمة.. حين يصبح «الناس العاديون» جزءًا من صناعة التاريخ

في خطابها أمام نوبل عام 1977، لم تقدم بيتي ويليامز نفسها بوصفها صانعة سلام منفردة. على العكس، شددت على أن الحركة لم تكن ممكنة من دون آلاف الأشخاص الذين شاركوا فيها.

وهذه ربما كانت أكثر أفكارها اتساقًا مع تجربتها كلها.

فالسلام الذي دافعت عنه لم يكن بطولة فردية، بل فعلًا جماعيًا. ولهذا كان اسم الحركة نفسها «شعب السلام»: لأن الهدف لم يكن صناعة زعيم جديد، وإنما بناء مجتمع يرى في نبذ العنف مسؤولية مشتركة.

لقد جاءت بيتي ويليامز من مجتمع منقسم، وعاشت جزءًا من حياته في ظل العنف، ثم اختارت أن تجعل رفضها له مشروعًا عامًا. وعندما حصلت على نوبل، لم تكن أيرلندا الشمالية قد وصلت إلى السلام النهائي، لكن العالم كان قد رأى شيئًا مهمًا: آلاف الناس يمكن أن يعبروا عن رفضهم للعنف معًا، وأن السلام يمكن أن يبدأ من الشارع قبل أن يصل إلى غرف التفاوض.

ومن هذه الزاوية تظل سيرتها مفتوحة.

فكل جيل يواجه انقساماته الخاصة، وكل مجتمع يعيش لحظة يصبح فيها الانتقام أسهل من المصالحة. وما بقي من تجربة بيتي ويليامز ليس وصفة جاهزة لإنهاء الصراعات، بل مبدأ أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن رفض العنف لا يكفي ما لم يتحول إلى عمل، وأن العمل لا يستمر ما لم يتحول إلى مؤسسات، وأن المؤسسات لا تحمي السلام ما لم تنتقل قيمه إلى الأجيال التالية.

لهذا لم تنتهِ قصة بيتي ويليامز بقاعة أوسلو، ولم تنتهِ بوفاتها في بلفاست عام 2020؛ فقد ظل أثرها يتحرك بين مبادرات السلام، وحقوق الأطفال، ودور النساء، وتعليم الأجيال الجديدة، وبين كل محاولة تقول إن الخصومة ليست قدرًا نهائيًا، وإن الإنسان يستطيع أن يبدأ من النقطة التي يبدو فيها التغيير مستحيلًا.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى