كتب

مراجعة كتاب «السير بلا وقود للتغلب على الإهمال العاطفي في الطفولة» — جونيس ويب

1) بطاقة تعريف سريعة

اسم الكتاب: السير بلا وقود للتغلب على الإهمال العاطفي في الطفولة
العنوان الأصلي: Running on Empty: Overcome Your Childhood Emotional Neglect
المؤلف: جونيس ويب، بمساهمة كريستين موسيلو
التصنيف: علم نفس مبسط، مساعدة ذاتية، الصحة النفسية والعلاقات
سنة النشر الأصلية: 2012


2) لماذا ينجذب القرّاء إلى هذا الكتاب؟

هناك نوع من الأسئلة لا يبدأ بـ«ماذا حدث لي؟»، بل بـ«لماذا أشعر أن شيئًا ما ينقصني، رغم أن حياتي تبدو جيدة؟».

قد يكون الإنسان قد نشأ في بيت لم يعرف العنف الشديد، ولم يعانِ الحرمان المادي، وربما كان والداه يحبانه بطريقتهما، ومع ذلك يكبر وهو يشعر بصعوبة في فهم مشاعره، أو التعبير عنها، أو طلب احتياجاته، أو الشعور بالقرب الحقيقي من الآخرين.

من هذه المنطقة تحديدًا ينطلق كتاب جونيس ويب.

فالكاتبة، وهي طبيبة نفسية مارست العلاج النفسي لسنوات طويلة، تقول إنها بدأت تلاحظ لدى عدد كبير من مراجعيها عاملًا غير مرئي من الطفولة يؤثر في حياتهم اللاحقة، فأطلقت عليه اسم الإهمال العاطفي في الطفولة.

وهنا تكمن جاذبية الكتاب: إنه لا يبحث فقط في الأشياء السيئة التي حدثت للطفل، بل في الأشياء العاطفية المهمة التي لم تحدث.

لم يسأل أحد الطفل عما يشعر به.
لم يتعلم كيف يسمي مشاعره.
لم يجد من يلاحظ خوفه أو حزنه.
ربما كان يحصل على الطعام والتعليم والرعاية، لكن عالمه الداخلي ظل بلا لغة.

وهذا النوع من التجارب يصعب على الإنسان أحيانًا أن يراه في ماضيه؛ لأن تذكر شيء لم يحدث أصعب من تذكر حادثة وقعت بالفعل.


3) ما الذي يدور حوله الكتاب فعلًا؟

الفكرة المركزية في الكتاب بسيطة، لكنها ليست سطحية: قد يحمل الإنسان آثار إهمال عاطفي من طفولته حتى لو لم يستطع أن يشير إلى حادثة واضحة ويقول: هنا بدأ كل شيء.

تعرّف ويب الإهمال العاطفي بأنه عدم استجابة الوالد أو مقدم الرعاية بصورة كافية للاحتياجات العاطفية للطفل. وتفرق بذلك بين ما تعرض له الطفل من أذى مباشر، وبين ما كان يحتاجه ولم يحصل عليه بصورة متكررة وكافية.

والكتاب لا يتوقف عند تسمية المشكلة.

بحسب عرض المؤلفة لمحتواه، يناقش اثني عشر نمطًا من الوالدين الذين قد ينتهون، من دون قصد بالضرورة، إلى إهمال الاحتياجات العاطفية لأطفالهم، ثم يتناول عددًا من الصعوبات التي قد تظهر في مرحلة البلوغ، مثل الشعور بالفراغ، وصعوبة فهم المشاعر، وقلة التعاطف مع الذات، والشعور بالذنب والعار، ومشكلات الانضباط الذاتي.

ثم ينتقل إلى الجزء الأكثر أهمية بالنسبة للقارئ الذي لا يريد مجرد تفسير الماضي: ماذا يمكن أن أفعل الآن؟

يتناول الكتاب التعرف إلى المشاعر وتسميتها وفهمها والتعبير عنها، والعناية بالذات، وبناء قدر أكبر من التعاطف مع النفس، ومحاولة كسر دائرة الإهمال حتى لا تنتقل إلى الأبناء.

لذلك فالكتاب ليس سيرة ذاتية ولا دراسة أكاديمية متخصصة، بل كتاب نفسي موجه أساسًا إلى القارئ العام.


4) ماذا سيعيش القارئ داخل هذا الكتاب؟

الرحلة التي يقترحها الكتاب تبدأ من سؤال مؤلم لكنه هادئ: لماذا أشعر بما أشعر به؟

ثم يتحرك القارئ تدريجيًا من التعرف إلى المفهوم، إلى محاولة اكتشاف ما إذا كانت بعض جوانبه تنطبق على تجربته، ثم إلى فهم انعكاساتها على حياته الحالية.

ومن بنية الكتاب نفسها يمكن ملاحظة هذا التدرج بوضوح؛ فهو يبدأ بالسؤال عن سبب عدم امتلاء «الخزان»، ثم يتناول طرقًا مختلفة يمكن أن يحدث بها الإهمال العاطفي، وبعدها ينتقل إلى آثار ذلك على الطفل عندما يصبح بالغًا، قبل أن يصل إلى التغيير والعناية بالذات وكسر الدائرة مع الأبناء.

وهذا يجعل القراءة أقرب إلى رحلة اكتشاف ذاتي منها إلى محاضرة في علم النفس.

أسلوب ويب، وفق المواد المنشورة عنها وعن الكتاب، يتجه إلى الشرح المباشر والأمثلة العملية، بدل الغرق في المصطلحات المتخصصة. وهي تضع إلى جانب التفسير أدوات وتمارين وقوائم تساعد القارئ على التعامل مع مشاعره وفهمها.

وهذا مفيد للقارئ غير المتخصص، لكنه يعني في الوقت نفسه أن من يبحث عن دراسة علمية أكاديمية معمقة قد لا يجد ما يريده هنا.

فالكتاب يريد أن يقول للقارئ: افهم نفسك أولًا، ثم ابدأ العمل على ما فهمته.


5) القيمة الحقيقية للكتاب

أهم ما يمنحه الكتاب هو لغة لمشكلة يصعب وصفها.

وهذه ليست ميزة صغيرة.

أحيانًا لا يكون الإنسان محتاجًا إلى نصيحة جديدة بقدر حاجته إلى مفهوم يساعده على ترتيب أشياء مبعثرة في داخله. فإذا كان يشعر بالفراغ أو الانفصال أو صعوبة التعبير عن مشاعره، لكنه لا يجد سببًا واضحًا، فإن تسمية التجربة يمكن أن تكون خطوة أولى نحو فهمها.

وهنا نجحت ويب في اختيار مدخل شديد القابلية للفهم: ما الذي لم يحدث؟

فالكتب النفسية كثيرًا ما تبدأ من الصدمة أو الإساءة أو الحوادث الواضحة. أما هذا الكتاب فيلفت النظر إلى الفراغات العاطفية التي قد لا تترك ذكرى درامية، لكنها ربما تؤثر في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع نفسه والآخرين.

والقيمة الثانية هي أن الكتاب لا يكتفي بتفسير الماضي.

ففهرسه يخصص جزءًا كاملًا لما تسميه ويب «ملء الخزان»، ويتناول أهمية المشاعر، وكيفية التعرف إليها وتسميتها، ثم العناية بالنفس والانضباط الذاتي والتعبير عن الاحتياجات.

وهذا يجعله أكثر فائدة من كتاب يكتفي بقول: «هذه مشكلتك، وهذا سببها».

أما القيمة الثالثة فتتعلق بالأسرة.

فالكتاب لا ينظر إلى القارئ بوصفه نهاية سلسلة، بل يطرح أيضًا سؤالًا مهمًا: كيف يمكن ألا نكرر مع أطفالنا ما لم نعرف أننا افتقدناه؟

وهذه نقطة إنسانية قوية؛ لأن فهم الماضي يصبح ذا قيمة أكبر حين يساعد الإنسان على تغيير الحاضر.


6) أين ينجح الكتاب فعلًا؟

أولًا: في تسمية ما يصعب رؤيته

هذه هي أقوى نقاط الكتاب بلا شك.

فكرة الإهمال العاطفي تتيح للقارئ أن ينظر إلى طفولته بطريقة مختلفة: ليس فقط عبر سؤال «ما الذي حدث؟»، وإنما أيضًا عبر سؤال «ما الذي كنت أحتاجه ولم أجده؟».

ثانيًا: في الانتقال من الفهم إلى الممارسة

الكتاب يقدم تمارين وأدوات عملية مرتبطة بالتعرف إلى المشاعر والعناية بالذات والتعبير عنها، بدل أن يترك القارئ أمام تفسير نظري فقط. وتوضح المؤلفة أن من أهداف الكتاب منح القارئ «الكلمات» التي يستطيع بها الحديث عن تجربته، إلى جانب أدوات للتعامل معها.

وهذه ميزة مهمة في كتب المساعدة الذاتية؛ لأن المعرفة التي لا تغير طريقة النظر أو السلوك قد تكون ممتعة، لكنها لا تصبح بالضرورة نافعة.

ثالثًا: في عدم اختزال الإهمال في صورة الوالد القاسي

من الأفكار التي تجعل الكتاب أكثر تعقيدًا من مجرد خطاب اتهامي أن ويب تتحدث عن آباء قد يحبون أبناءهم، لكنهم لا يمتلكون الوعي أو القدرة الكافية للاستجابة لاحتياجاتهم العاطفية.

وهذه نقطة مهمة للقارئ الذي قد يرفض الفكرة كلها لأنه يقول: «والداي كانا يحباني».

الكتاب لا يجعل الحب وحده دليلًا على اكتمال الرعاية العاطفية.

رابعًا: في مخاطبة القارئ غير المتخصص

المادة المقدمة عن الكتاب وبنيته تشير إلى أنه مصمم ليكون مفهومًا للقارئ العام، مع وجود قسم منفصل للمعالجين والمتخصصين.

وهذا يضعه في منطقة وسطى مفيدة: ليس كتابًا أكاديميًا ثقيلًا، ولا مجرد عبارات تحفيزية.


7) أين يضعف أو يخيّب التوقعات؟

هنا يجب أن نكون منصفين.

الكتاب قوي بوصفه مدخلًا إلى مفهوم الإهمال العاطفي وأداة للتأمل الذاتي، لكنه ليس بديلًا عن العلاج النفسي، ولا ينبغي أن يتعامل القارئ معه كأنه تشخيص طبي لحالته.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

لأن طبيعة الكتاب قد تجعل بعض القراء يقرأون وصفًا لشعور أو سلوك مألوف لديهم، ثم يستنتجون بسرعة أنهم تعرضوا بالضرورة للإهمال العاطفي. لكن السلوك الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يفسر بسبب واحد.

كذلك، قد يجد القارئ المتخصص أن بعض الأفكار تحتاج إلى قراءة أوسع في علم النفس، خصوصًا أن الكتاب ينتمي إلى أدبيات المساعدة الذاتية وليس إلى مرجع أكاديمي متخصص. ويبدو هذا واضحًا من طبيعة الكتاب نفسها ومن كونها تركز على الشرح والتطبيق والأمثلة أكثر من بناء نظرية بحثية جديدة.

وقد يشعر بعض القراء أيضًا بأن الكتاب يكرر الفكرة الأساسية بأشكال مختلفة. لكن هذا العيب قد يكون في الوقت نفسه جزءًا من وظيفته؛ فالكتب التي تتناول خبرات نفسية غير واضحة تحتاج أحيانًا إلى إعادة الفكرة من زوايا متعددة حتى يستطيع القارئ إسقاطها على حياته.

لذلك لا أرى التكرار سببًا كافيًا لرفض الكتاب، لكنه قد يزعج القارئ الذي يفضل الكتب النفسية المكثفة والمختصرة.


8) لمن هذا الكتاب؟ ولمن قد لا يناسب؟

هذا الكتاب مناسب بدرجة خاصة للقارئ الذي يعيش واحدًا أو أكثر من الأسئلة التالية:

  • لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟
  • لماذا يصعب عليّ معرفة ما أشعر به؟
  • لماذا أشعر بالذنب عندما أطلب شيئًا لنفسي؟
  • لماذا أجد صعوبة في التعبير عن احتياجاتي؟
  • لماذا أشعر بانفصال عاطفي عن الآخرين؟
  • كيف يمكن أن أربي أبنائي بطريقة مختلفة عما عشته؟

وهو مناسب أيضًا للوالدين الذين يريدون فهم الاحتياجات العاطفية للأطفال، وللقارئ المهتم بعلم النفس والعلاقات الأسرية.

أما من يبحث عن دراسة علمية متخصصة أو مراجعة أكاديمية شاملة لأبحاث الإهمال العاطفي، فلن يكون هذا الكتاب خياره الأول.

وكذلك من يريد قراءة خفيفة لا تستدعي النظر إلى الماضي أو مراجعة بعض العادات العاطفية لديه، قد يجد الكتاب أثقل نفسيًا مما يتوقع.

فالكتاب ليس من النوع الذي تقرأه ثم تنساه بسهولة إذا لامست موضوعاته تجربتك الشخصية.


9) هل يستحق الشراء فعلًا؟

القرار: شراء، إذا كان موضوع الكتاب يمس سؤالًا حقيقيًا في حياتك.

أما إذا كان الفضول عامًا فقط، فربما تكون الاستعارة أو قراءة ملخص جيد كافية لمعرفة ما إذا كان طرح الكتاب يناسبك.

سبب ترشيحي للشراء للقارئ المهتم فعلًا هو أن قيمة الكتاب لا تكمن في المعلومة وحدها، وإنما في الطريقة التي يرتب بها تجربة قد تكون مبهمة.

إن كنت تشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا في علاقتك بمشاعرك أو بنفسك، فالكتاب يمكن أن يكون رفيقًا جيدًا للتأمل، خصوصًا أن المؤلفة لا تكتفي بتعريف الإهمال العاطفي، بل تقدم مسارًا لفهم المشاعر والتعامل معها والعناية بالذات وكسر بعض الأنماط الأسرية.

لكن لا أنصح بشرائه على أساس أنه سيقدم «حلًا نهائيًا» لمشكلات نفسية معقدة.

الكتاب أداة للفهم والمراجعة الذاتية، وليس تشخيصًا ولا علاجًا قائمًا بذاته.


10) الخلاصة قبل الشراء

«السير بلا وقود» من الكتب التي تستمد أهميتها من سؤال صغير في ظاهره، لكنه كبير في أثره: ماذا لو كان بعض ما يؤلمنا اليوم مرتبطًا بما لم نحصل عليه في طفولتنا، لا بما حدث لنا فيها فقط؟

قوته الأساسية أنه يمنح القارئ لغة لفهم الإهمال العاطفي، ثم يحاول ألا يتركه عند حدود اكتشاف الجرح، بل يدفعه نحو فهم المشاعر والعناية بالنفس وتغيير بعض الأنماط.

ليس كتابًا أكاديميًا نهائيًا، ولا ينبغي قراءته باعتباره تشخيصًا شخصيًا. لكنه، للقارئ المناسب، قد يكون من تلك الكتب التي تجعل تجربة قديمة تبدو للمرة الأولى قابلة للفهم.

نصيحتي لصديق يحب الكتب: إذا كان السؤال يمسك بك فعلًا، فلا تكتفِ بقراءة ملخص عنه. اقرأه ببطء، واحتفظ بمساحة للتوقف والتفكير. أما إذا كنت تبحث فقط عن كتاب نفسي عام، فهناك احتمال ألا تحتاج إلى 330 صفحة لهذا الموضوع تحديدًا.

لمعرفة المزيد: مراجعة كتاب «السير بلا وقود للتغلب على الإهمال العاطفي في الطفولة» — جونيس ويب

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى