بيوتر كابيتسا.. العالم الذي كشف أسرار الهيليوم وغيّر فهم الفيزياء عند درجات الحرارة القصوى

في عام 1978، مُنح العالم الروسي بيوتر ليونيدوفيتش كابيتسا نصف جائزة نوبل في الفيزياء، تقديرًا لاختراعاته واكتشافاته الأساسية في مجال فيزياء درجات الحرارة المنخفضة. أما النصف الآخر من الجائزة، فمُنح للعالمين أرنو بينزياس وروبرت ويلسون، تقديرًا لاكتشافهما إشعاع الخلفية الكونية الميكروي.
لم يكن تكريم كابيتسا تتويجًا لاكتشاف منفرد فحسب، بل اعترافًا بمسار علمي جمع بين الابتكار الهندسي والدقة التجريبية والقدرة على استكشاف الظواهر التي تظهر عندما تقترب المادة من درجات حرارة شديدة الانخفاض. فقد أسهم في تطوير وسائل إنتاج الهيليوم السائل بكميات كبيرة، ودرس خصائصه الفيزيائية، وقدم نتائج تجريبية أساسية حول ظاهرة الميوعة الفائقة، التي تكشف عن سلوك استثنائي للمادة لا يمكن تفسيره بالقواعد التقليدية لحركة السوائل وحدها.
والصفر المطلق، الذي تبلغ قيمته نحو 273.15 درجة مئوية تحت الصفر، يمثل الحد الأدنى لدرجة الحرارة على المقياس الحراري المطلق. وعندما تقترب المواد من هذه المنطقة، يمكن أن تظهر خصائص فيزيائية غير مألوفة، تكشف عن جوانب عميقة من العالم الذري والكمومي.
من هنا تكتسب سيرة كابيتسا أهميتها؛ فهو لم يكتفِ بمراقبة ظواهر غير مألوفة، بل ساعد على تطوير الأدوات التي أتاحت للعلماء الاقتراب منها ودراستها. وقد امتد أثر عمله من مختبرات جامعة كامبريدج إلى المؤسسات العلمية السوفيتية، ومن أبحاث الهيليوم السائل إلى مجالات أوسع في فيزياء المادة المكثفة والبلازما والطاقة.
النشأة والتكوين العلمي في روسيا
وُلد بيوتر ليونيدوفيتش كابيتسا في التاسع من يوليو عام 1894 بمدينة كرونشتادت، الواقعة بالقرب من سانت بطرسبرغ في روسيا. نشأ في أسرة ارتبطت بالمعرفة الهندسية؛ فقد كان والده مهندسًا عسكريًا، وهو ما وفر له بيئة تتقاطع فيها الخبرة التقنية مع الاهتمام بالتعليم.
درس كابيتسا الهندسة الكهربائية في معهد سانت بطرسبرغ للفنون التطبيقية، الذي عُرف لاحقًا باسم معهد بتروغراد للفنون التطبيقية. وخلال هذه المرحلة، بدأ يتجه نحو الفيزياء التجريبية، وهي المجال الذي سيصبح أساس مسيرته العلمية.
لم يكن طريقه إلى البحث العلمي منفصلًا عن الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي شهدتها أوروبا وروسيا في مطلع القرن العشرين. فقد أدت الحرب العالمية الأولى، ثم الثورة الروسية وما أعقبها من اضطرابات، إلى تغيير مسارات التعليم والعمل، وفرضت ظروفًا صعبة على العلماء الشباب.
وخلال الحرب، تطوع كابيتسا للعمل سائقًا لسيارة إسعاف على الجبهة، قبل أن يعود إلى دراسته. وبعد انتهاء الحرب، واصل تكوينه العلمي وعمل في معهد بتروغراد، حيث اقترب من البيئة البحثية التي كانت تشهد تطورًا متسارعًا في الفيزياء الحديثة.
وكان من الشخصيات المؤثرة في هذه البيئة الفيزيائي أبرام يوف، الذي أسهم في بناء مدرسة علمية روسية اهتمت بفيزياء الحالة الصلبة والأشعة السينية، واحتضنت عددًا من الباحثين الذين كان لهم دور بارز في تطور الفيزياء السوفيتية لاحقًا.
وضعت هذه المرحلة كابيتسا عند نقطة التقاء بين المعرفة النظرية والعمل التجريبي. فالفيزياء الحديثة لم تعد تعتمد على الملاحظة وحدها، بل أصبحت نتائجها مرتبطة بقدرة الباحثين على تصميم أجهزة دقيقة، والتحكم في الظروف التجريبية، وإنتاج مجالات ودرجات حرارة يصعب الوصول إليها في البيئة الطبيعية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم انتقاله لاحقًا إلى دراسة المغناطيسية ودرجات الحرارة المنخفضة بوصفه امتدادًا لاهتمامه بالعلاقة بين الفكرة العلمية والأداة التي تجعل اختبارها ممكنًا.
كامبريدج وإرنست رذرفورد.. بداية التحول الكبير
في عام 1921، انتقل كابيتسا إلى بريطانيا للعمل في مختبر كافندش بجامعة كامبريدج، تحت إشراف الفيزيائي النيوزيلندي إرنست رذرفورد، أحد أبرز علماء الفيزياء النووية في عصره.
وجاء انتقاله بعد فترة شخصية قاسية؛ إذ فقد زوجته الأولى وطفليه الصغيرين خلال وباء الإنفلونزا الذي اجتاح المنطقة في أعقاب الحرب والاضطرابات التي شهدتها روسيا. وكانت هذه الخسارة من الأحداث المؤلمة التي أحاطت بانتقاله إلى بريطانيا، لكنها لم تكن العامل الوحيد الذي رسم مساره العلمي.
كان مختبر كافندش آنذاك من المراكز الرائدة عالميًا في الفيزياء التجريبية. وفيه وجد كابيتسا بيئة تسمح له بتطوير مهاراته في بناء الأجهزة واختبار الأفكار الفيزيائية، والعمل مع باحثين يتعاملون مع الأسئلة الأساسية المتعلقة بالمادة والمجالات والطاقة.
لم يقتصر تأثير رذرفورد عليه على الإشراف الأكاديمي، بل عمل كابيتسا ضمن مؤسسة علمية تمنح التجربة مكانة مركزية، وتتعامل مع الأجهزة باعتبارها جزءًا من التفكير الفيزيائي نفسه. فعندما تكون الظاهرة المراد دراستها شديدة الدقة أو تحدث في ظروف غير مألوفة، قد يصبح تطوير أداة القياس خطوة علمية لا تقل أهمية عن تفسير النتيجة.
ركز كابيتسا في سنواته الأولى بكامبريدج على توليد المجالات المغناطيسية الشديدة ودراسة خصائص المواد في ظلها. وكان إنتاج هذه المجالات تحديًا هندسيًا كبيرًا، إذ يتطلب تمرير تيارات كهربائية عالية مع التحكم في الحرارة والإجهادات التي تتعرض لها المعدات.
أثمر هذا العمل عن تطوير تقنيات تجريبية مكّنته من إنتاج مجالات مغناطيسية قوية للغاية، وأسهم في ترسيخ سمعته باحثًا يجمع بين الابتكار الهندسي والدقة الفيزيائية.
وفي عام 1923، حصل على الدكتوراه من جامعة كامبريدج، ثم تولى مسؤوليات بحثية متقدمة، وانتُخب زميلًا في الجمعية الملكية البريطانية عام 1929.
وفي عام 1933، افتُتح مختبر مونْد الملكي في كامبريدج لدراسة الظواهر المرتبطة بالمجالات المغناطيسية والحرارة المنخفضة، وهو ما عكس المكانة العلمية التي بلغها كابيتسا داخل المؤسسة البريطانية.
لم تكن أهمية هذه المرحلة في الألقاب والمناصب وحدها، بل في أنها أتاحت له الانتقال من تطوير وسائل إنتاج المجالات المغناطيسية إلى معالجة مشكلة أخرى: كيف يمكن تبريد المادة إلى درجات شديدة الانخفاض بصورة فعالة ومستقرة، بما يسمح بدراسة خصائصها الأساسية؟
فيزياء درجات الحرارة المنخفضة قبل كابيتسا
لفهم إنجازات كابيتسا، ينبغي العودة إلى المشكلة العلمية التي واجهت الفيزيائيين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد اكتشف العلماء أن المواد لا تحتفظ دائمًا بخصائصها المعتادة عندما تنخفض درجة حرارتها بشدة؛ إذ تتغير قدرتها على توصيل الكهرباء والحرارة، كما تتبدل خواصها المغناطيسية وسلوكها الداخلي.
وكان الهيليوم ذا أهمية خاصة في هذا السياق، لأن تسييله يتيح الوصول إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض.
وقد نجح الفيزيائي الهولندي هايك كامرلينغ أونيس في تسييل الهيليوم عام 1908، ثم أجرى تجارب أساسية على المواد عند درجات الحرارة المنخفضة، من بينها اكتشاف الموصلية الفائقة في الزئبق عام 1911.
والموصلية الفائقة هي ظاهرة تختفي فيها المقاومة الكهربائية في مواد معينة عند تبريدها إلى درجات حرارة مناسبة. وقد أثبت هذا الاكتشاف أن انخفاض الحرارة ليس مجرد وسيلة لإبطاء حركة المادة، بل يمكن أن يغير طبيعة الظواهر الفيزيائية التي تظهر فيها.
حصل أونيس على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1913 تقديرًا لأبحاثه في خصائص المادة عند درجات الحرارة المنخفضة، والتي قادت إلى إنتاج الهيليوم السائل.
غير أن إنتاج هذا السائل بكميات مناسبة للأبحاث ظل عملية معقدة ومكلفة، وهو ما حد من إمكان إجراء التجارب المتكررة على هذه المادة.
كانت المشكلة مزدوجة: الوصول إلى درجات حرارة منخفضة للغاية، ثم توفير كمية كافية من الهيليوم السائل تسمح بإجراء التجارب واستكشاف خصائصه.
هنا برزت مساهمة كابيتسا، الذي تعامل مع التبريد باعتباره موضوعًا للابتكار الهندسي نفسه، لا مجرد خطوة تمهيدية للبحث. فإذا كان العلماء يحتاجون إلى الهيليوم السائل لفهم المادة، فإن تحسين طريقة إنتاجه يعني توسيع نطاق الأسئلة التي يمكن طرحها والإجابة عنها.
جهاز تسييل الهيليوم.. ابتكار فتح آفاقًا جديدة
في عام 1934، طوّر كابيتسا جهازًا جديدًا لإنتاج الهيليوم السائل بكميات كبيرة، معتمدًا على التمدد الدوري للغاز في عملية التبريد. وقد ساعد هذا التطور على تقليل الاعتماد على بعض الخطوات المعقدة المستخدمة في الطرق السابقة، وأتاح إجراء تجارب متكررة في ظروف أكثر ملاءمة.
قد تبدو هذه المساهمة أقرب إلى الهندسة الصناعية منها إلى الاكتشافات العلمية الكبرى، لكن تاريخ الفيزياء التجريبية يوضح أن هذا الفصل بين الهندسة والعلم ليس دقيقًا. فكثير من الاكتشافات لا تصبح ممكنة إلا عندما تتطور الأدوات التي تسمح بقياس الظواهر والتحكم فيها.
كان جهاز كابيتسا مهمًا لسببين مترابطين. أولهما أنه حسّن القدرة على إنتاج الهيليوم السائل بكميات كبيرة، وثانيهما أنه أتاح إجراء تجارب متكررة على هذه المادة في ظروف أكثر ملاءمة.
وبذلك لم يعد الهيليوم السائل مجرد مادة نادرة تُستخدم في تجارب محدودة، بل أصبح أساسًا لبرنامج بحثي يمكن توسيعه.
تظهر هنا إحدى السمات المركزية في إنجازات كابيتسا في الفيزياء: لم يكن يكتفي بتحسين رقم أو زيادة كفاءة جهاز، بل كان يسعى إلى تغيير حدود العمل التجريبي نفسه. فكل تحسن في عملية التبريد يتيح دراسة مواد وظواهر جديدة، وكل زيادة في استقرار المعدات ترفع إمكان التحقق من النتائج ومقارنتها.
وقد أسهم هذا التطور في تمهيد الطريق أمام التقدم الكبير الذي تحقق لاحقًا في دراسة خصائص الهيليوم، وهو ما جعل الابتكار الهندسي جزءًا أساسيًا من مكانته العلمية.
العودة إلى الاتحاد السوفيتي.. منعطف غيّر مساره
في عام 1934، سافر كابيتسا إلى الاتحاد السوفيتي في زيارة كان يتوقع بعدها العودة إلى بريطانيا، لكنه مُنع من الرجوع إلى كامبريدج وصودِر جواز سفره، فاضطر إلى مواصلة عمله في بلاده.
ارتبط هذا التحول بقرارات السلطات السوفيتية في عهد جوزيف ستالين، وأصبح نقطة فاصلة في حياته المهنية. فقد ترك وراءه مختبرًا متقدمًا في كامبريدج، واضطر إلى إعادة بناء بيئته البحثية في ظروف سياسية مختلفة.
ساعد إرنست رذرفورد في ترتيب نقل معظم المعدات البحثية اللازمة من مختبر كابيتسا في كامبريدج إلى موسكو، بما أتاح له مواصلة العمل.
وفي موسكو، أُنشئ معهد المشكلات الفيزيائية، وتولى كابيتسا بناءه وتطويره، مستفيدًا من خبرته السابقة في بريطانيا ومن المعدات التي أمكن نقلها.
لم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير جغرافي، بل تطلب منه تأسيس بيئة علمية متكاملة، تجمع بين الأجهزة والفنيين والباحثين والموارد والإدارة. فالعلم المتقدم يحتاج إلى أكثر من عالم بارع؛ إنه يحتاج إلى مؤسسة تسمح بتراكم النتائج واستمرار البحث.
وعلى الرغم من القيود السياسية، لم يتوقف برنامجه التجريبي، بل أصبح المعهد الجديد مركزًا رئيسيًا لأبحاث درجات الحرارة المنخفضة، ثم اتسع نطاق اهتماماته العلمية مع مرور الزمن.
الميوعة الفائقة.. اكتشاف تحدى القواعد التقليدية
كان الهيليوم السائل قد أظهر قبل أبحاث كابيتسا أنه يمر بتحول ملحوظ عند درجات حرارة منخفضة للغاية. فعندما يُبرّد الهيليوم-4 إلى ما دون درجة تقارب 2.17 كلفن، ينتقل إلى طور يُعرف باسم الهيليوم الثاني، وتظهر فيه خصائص غير مألوفة مقارنة بالسوائل العادية.
كان هذا التحول مثيرًا للاهتمام لأن المادة لم تعد تتصرف كما يتوقع المرء من سائل تقليدي. فقد أظهرت التجارب أن الهيليوم يستطيع التدفق عبر قنوات ضيقة بسهولة استثنائية، بما يشير إلى أن مقاومته الداخلية للحركة تكاد تنعدم في ظروف معينة.
في عام 1937، درس كابيتسا سلوك الهيليوم السائل عند درجات حرارة شديدة الانخفاض، مستخدمًا تجربة تعتمد على حركة السائل عبر فجوة ضيقة بين قرصين. وأظهرت القياسات أن سلوك المادة يتغير بوضوح عند عبور درجة الانتقال الحراري، إذ أصبح الهيليوم يجري بطريقة لا يمكن تفسيرها بقوانين اللزوجة المعتادة وحدها.
وفي يناير 1938، نشر كابيتسا نتائج أبحاثه في مجلة «نيتشر»، واقترح وصف الحالة الجديدة باسم «الميوعة الفائقة»، قياسًا على الموصلية الفائقة التي تُظهر اختفاء المقاومة الكهربائية في مواد معينة.
وفي الفترة نفسها، توصل الفيزيائيان جون فرانك ألن ودونالد ميسنر، في جامعة تورونتو، بصورة مستقلة إلى نتائج مماثلة باستخدام تجربة مختلفة. ونُشرت أبحاثهما وأبحاث كابيتسا في العدد نفسه من المجلة.
وتستحق هذه النقطة توضيحًا مهمًا: لم يكن كابيتسا الباحث الوحيد الذي اكتشف الميوعة الفائقة، فقد توصل ألن وميسنر إلى الظاهرة بصورة مستقلة. ولذلك فإن الدقة التاريخية تقتضي الاعتراف بالمساهمات المتوازية، مع الإشارة إلى أن مؤسسة نوبل منحته الجائزة عن اختراعاته واكتشافاته الأساسية في فيزياء درجات الحرارة المنخفضة.
أما ما جعل الظاهرة استثنائية، فهو أنها كشفت عن سلوك للمادة لا يمكن اختزاله في صورة سائل عادي ذي لزوجة منخفضة فحسب. فالميوعة الفائقة ظاهرة كمومية تظهر آثارها على المستوى العياني؛ أي إن الخصائص المرتبطة بالعالم الذري تنعكس في حركة السائل الذي يمكن قياس سلوكه وملاحظته.
في السوائل العادية، تنشأ مقاومة لحركة السائل نتيجة اللزوجة، وهي الخاصية التي تعبّر عن الاحتكاك الداخلي بين طبقاته أثناء التدفق. فالعسل، مثلًا، أكثر لزوجة من الماء، ولذلك يتدفق ببطء أكبر في الظروف نفسها.
أما في الهيليوم الفائق، فتظهر مكونات من الحركة السائلة يمكنها التدفق من دون اللزوجة التقليدية. ولا يعني ذلك أن كل حركة للهيليوم الفائق تخلو من القيود، بل إن الظاهرة تحتاج إلى وصف فيزيائي يأخذ في الاعتبار الطبيعة الكمومية للمادة.
كانت القيمة الاستثنائية لاكتشاف كابيتسا أنه نقل النقاش من ملاحظة اختلافات غامضة في سلوك السائل إلى توصيف تجريبي واضح لحالة فيزيائية جديدة. فقد أظهرت التجارب أن الهيليوم تحت درجة التحول لا يمكن فهمه بوصفه مجرد سائل تقليدي أصبح أقل لزوجة، بل إنه يدخل نظامًا فيزيائيًا مختلفًا يستدعي تفسيرًا أعمق.
من التجربة إلى النظرية.. كابيتسا وليف لانداو
لم يكن اكتشاف الميوعة الفائقة نهاية البحث، بل فتح سؤالًا جديدًا: ما التفسير النظري الذي يمكنه تفسير هذا السلوك الغريب للهيليوم؟
هنا تبرز العلاقة بين كابيتسا والفيزيائي السوفيتي ليف لانداو، أحد أبرز منظّري الفيزياء في القرن العشرين. فقد عمل لانداو في معهد المشكلات الفيزيائية، وقدم تفسيرًا نظريًا لخصائص الهيليوم الفائق، مستفيدًا من النتائج التجريبية التي أظهرت اختلاف سلوك السائل عن السوائل العادية.
طوّر لانداو تصورًا يصف الهيليوم الفائق بوصفه مزيجًا من مكوّنين: مكوّن عادي ومكوّن فائق، لكل منهما خصائصه في الحركة والاستجابة للحرارة. وقد أتاح هذا النموذج تفسير مجموعة من الظواهر التي لا يكفي وصف اللزوجة التقليدي لفهمها، ومنها بعض خصائص انتقال الحرارة في السائل.
ولا ينبغي الخلط بين إسهام العالمين؛ فكابيتسا ارتبط اسمه بالاكتشاف التجريبي للميوعة الفائقة، في حين ارتبط اسم لانداو بالتفسير النظري لخصائص الهيليوم الفائق.
وكان التفاعل بين التجربة والنظرية عاملًا أساسيًا في تقدم هذا الفرع من الفيزياء. فالتجربة تمنح النظرية الوقائع التي ينبغي تفسيرها، والنظرية تقدم للتجربة أسئلة جديدة وطرقًا لفهم نتائجها.
نال لانداو جائزة نوبل في الفيزياء عام 1962 تقديرًا لنظرياته الرائدة في المادة المكثفة، ولا سيما الهيليوم السائل. ويكشف هذا التسلسل التاريخي عن مسار علمي متصل: ظاهرة تكشفها التجربة، ثم نظرية تفسرها، ثم تجارب جديدة تختبر حدود التفسير وتوسع نطاقه.
وقد ساعد هذا التفاعل على ترسيخ مكانة معهد المشكلات الفيزيائية بوصفه مركزًا للبحث المتقدم في المادة المكثفة، وأصبحت أبحاث الهيليوم الفائق جزءًا من تقاليده العلمية.
إنجازات كابيتسا خارج الهيليوم.. المغناطيسية والتبريد والبلازما
على الرغم من أن الميوعة الفائقة ارتبطت مباشرة بجائزة نوبل التي حصل عليها كابيتسا، فإن مسيرته العلمية كانت أوسع من هذا الاكتشاف. فقد شملت أبحاثه المجالات المغناطيسية الشديدة، وتقنيات التبريد، وتطوير أنظمة إنتاج الأكسجين السائل، ثم دراسة البلازما والتفاعلات النووية الحرارية.
في مرحلة كامبريدج، أسهم في تطوير وسائل لإنتاج مجالات مغناطيسية شديدة، وهي مهمة تطلبت حلولًا هندسية دقيقة للتعامل مع التيارات الكهربائية والحرارة والإجهادات التي تتعرض لها الأجهزة.
ولم تكن هذه التجارب منفصلة عن بقية الفيزياء الحديثة؛ فالمجالات المغناطيسية القوية تتيح دراسة استجابة المواد والجسيمات في ظروف يصعب الوصول إليها باستخدام المجالات التقليدية.
كما ارتبط اسمه بأبحاث حول مقاومة المعادن في المجالات المغناطيسية، وهي أعمال عكست اهتمامه بالعلاقة بين الخصائص الكهربائية للمادة والظروف الفيزيائية المحيطة بها.
وفي أربعينيات القرن العشرين، اتجه اهتمامه إلى مشكلات صناعية تتعلق بإنتاج الأكسجين السائل بكميات كبيرة. وكانت هذه المسألة ذات أهمية اقتصادية وتقنية في الاتحاد السوفيتي، خصوصًا في سياق الحاجة إلى تطوير العمليات الصناعية التي تتطلب الأكسجين.
طوّر كابيتسا أنظمة تعتمد على التمدد التوربيني لتسييل الهواء، في اتجاه أسهم في جعل عمليات التبريد العميق أكثر ملاءمة للتطبيقات الصناعية. وهنا يظهر مجددًا أحد الخطوط الثابتة في أعماله: تحويل المبادئ الفيزيائية إلى أجهزة وعمليات يمكن استخدامها خارج حدود المختبر.
لكن اهتمامه لم يتوقف عند درجات الحرارة المنخفضة. ففي مرحلة لاحقة، انصرف إلى دراسة البلازما، وهي حالة من المادة تتكون من جسيمات مشحونة، مثل الإلكترونات والأيونات، وتظهر في النجوم والبرق والعديد من الأنظمة الفيزيائية عالية الطاقة.
أصبح التحكم في البلازما موضوعًا مهمًا في البحث عن الاندماج النووي، وهو تفاعل يمكن أن يحرر كميات هائلة من الطاقة عند اتحاد نوى ذرية خفيفة في ظروف ملائمة.
وكان التحدي العلمي يتمثل في الوصول إلى درجات حرارة مرتفعة جدًا، مع إبقاء البلازما في ظروف تسمح بحدوث التفاعلات المطلوبة.
درس كابيتسا إمكانات تسخين البلازما باستخدام الموجات الكهرومغناطيسية عالية التردد، وأسهم في تطوير مسار بحثي مختلف عن بعض الأساليب الأخرى المستخدمة في تجارب الاندماج.
وفي محاضرته التي ألقاها عند تسلمه جائزة نوبل في ديسمبر 1978، اختار أن يتحدث عن البلازما والتفاعل النووي الحراري المنضبط، بدل الاقتصار على أبحاث الهيليوم التي نال عنها الجائزة.
كان هذا الاختيار دالًا على طبيعة اهتمامه العلمي؛ فعلى الرغم من أن اللجنة كرمته على إنجازات سابقة في فيزياء درجات الحرارة المنخفضة، فإنه ظل مهتمًا بأسئلة جديدة اعتقد أنها مهمة لمستقبل العلم والطاقة.
سنوات الصراع السياسي.. استقلال العالم داخل الدولة السوفيتية
لم تتشكل حياة كابيتسا في المختبرات وحدها. فقد عمل طوال جزء كبير من حياته داخل نظام سياسي كانت الدولة فيه تتحكم في المؤسسات العلمية والموارد والوظائف، وتفرض قيودًا متفاوتة على حركة العلماء واتصالاتهم الدولية.
كان منعه من العودة إلى بريطانيا عام 1934 أحد أبرز التحولات في مساره. وبعد تأسيس معهد المشكلات الفيزيائية، أصبح مديرًا له، وواصل البحث في درجات الحرارة المنخفضة، لكنه اضطر إلى العمل ضمن بيئة تختلف عن بيئة كامبريدج التي عرفها في سنواته الأولى.
وفي عام 1946، دخل في خلاف مع السلطات السوفيتية بشأن مشاركته في برنامج الأبحاث المرتبط بالقنبلة الذرية. وتشير المصادر التاريخية إلى أنه رفض العمل في المشروع، ثم فقد منصبه القيادي في المعهد، وظل بعيدًا عن إدارته حتى عودته إليها بعد وفاة جوزيف ستالين.
تكشف هذه المرحلة عن جانب مهم في سيرته: لم يكن العالم منفصلًا عن السياسة، حتى عندما كان موضوع عمله يبدو نظريًا أو بعيدًا عن الصراعات اليومية. فالبحث العلمي يعتمد على المؤسسات والتمويل والموارد، لكن تلك العناصر قد تصبح أيضًا وسائل ضغط على الباحثين.
ومع ذلك، ينبغي تجنب اختزال مسيرة كابيتسا في صورة بطل سياسي أو معارض دائم؛ فالأدق أن نرى حياته باعتبارها مسارًا معقدًا حاول فيه المحافظة على استقلاله العلمي ضمن حدود دولة شديدة المركزية.
عاد كابيتسا إلى إدارة معهد المشكلات الفيزيائية عام 1955، واستمر في قيادة العمل العلمي فيه حتى وفاته عام 1984. وخلال هذه الفترة، واصل أبحاثه في الفيزياء، واهتم كذلك بمسائل الطاقة ومستقبل الاندماج النووي.
لماذا فاز بيوتر كابيتسا بجائزة نوبل؟
يقدم قرار مؤسسة نوبل الأساس الرسمي لتكريم كابيتسا، إذ مُنح نصف جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1978 «لاختراعاته واكتشافاته الأساسية في مجال فيزياء درجات الحرارة المنخفضة».
لم تكن الجائزة مخصصة لاكتشاف الميوعة الفائقة وحده، رغم مكانة هذا الاكتشاف، بل جمعت بين الابتكارات التقنية التي مكّنته من إنتاج الهيليوم السائل بكميات كبيرة، والاكتشافات التجريبية التي كشفت خصائصه غير العادية.
ومن المهم التمييز بين السبب الرسمي للجائزة والتفسير التاريخي الأوسع لأهمية أعماله. فمؤسسة نوبل تحدد الإنجاز الذي استحق التكريم، أما قراءة أثره في تاريخ العلم فتتطلب النظر إلى ما أتاحته تلك الإنجازات للباحثين اللاحقين، وإلى الطريقة التي تغير بها مجال فيزياء درجات الحرارة المنخفضة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن كابيتسا أسهم في ثلاثة تحولات مترابطة. أولها توسيع القدرة التقنية على إجراء تجارب التبريد العميق. وثانيها تقديم أدلة تجريبية على سلوك غير مألوف للهيليوم السائل. وثالثها تعزيز العلاقة بين الاكتشاف التجريبي والتفسير النظري، وهي علاقة ظهرت بوضوح في أبحاث لانداو اللاحقة.
كان حصوله على الجائزة عام 1978 تتويجًا لعمل بدأ قبل ذلك بعقود. وقد جاءت الجائزة في مرحلة متأخرة نسبيًا من حياته، بعد أن انتقل إلى مجالات أخرى، لكنه ظل مرتبطًا في تاريخ الفيزياء بالاكتشافات التي أنجزها في ثلاثينيات القرن العشرين.
الامتداد العلمي.. من الهيليوم الفائق إلى فيزياء المادة المكثفة
لا يمكن قياس أثر اكتشاف علمي بعدد الجوائز التي نالها صاحبه فقط؛ فالأهم هو ما إذا كان قد فتح أسئلة جديدة، وأتاح أدوات أفضل، وقدم ظواهر يمكن للأجيال التالية أن تبني عليها.
في حالة كابيتسا، كان اكتشاف الميوعة الفائقة جزءًا من تحول أوسع في فهم المادة عند درجات الحرارة المنخفضة. فقد ساعد على إثبات أن الخواص الكمومية يمكن أن تظهر على نطاق عياني، وأصبح الهيليوم الفائق نظامًا أساسيًا لدراسة العلاقة بين ميكانيكا الكم والسلوك الجماعي للمادة.
ويظهر التأثير المباشر لهذا الإنجاز في أبحاث لانداو النظرية حول الهيليوم السائل، كما يظهر في استمرار الدراسات التي تجريها المؤسسات العلمية المتخصصة في مجالات الميوعة الفائقة والتوصيل الفائق والمواد الكمومية.
أما التأثير غير المباشر، فيتجلى في تطور أدوات التبريد العميق وتقنيات القياس التي يحتاج إليها الباحثون لدراسة المواد في ظروف متطرفة. فكل تحسن في القدرة على الوصول إلى درجات حرارة منخفضة والتحكم فيها يوسع المجال أمام اكتشاف أطوار جديدة للمادة، ودراسة انتقالاتها وخصائصها الكهربائية والحرارية والمغناطيسية.
ولا يعني ذلك أن جميع التطبيقات الحديثة في فيزياء المادة المكثفة تعود مباشرة إلى كابيتسا، أو أن أبحاثه وحدها تفسر تطور هذا المجال. فقد شارك عدد كبير من العلماء والمؤسسات في بناء المعرفة الحالية، لكن عمله كان إحدى المحطات الأساسية في التاريخ الذي أتاح لهذا التقدم أن يحدث.
ويمثل التفاعل بين التجربة والنظرية أحد أهم الدروس المستمرة في إرثه. فالتجربة التي تكشف ظاهرة جديدة لا تكتمل أهميتها إلا عندما تسمح بتطوير أسئلة أكثر دقة، كما أن النظرية لا تكتسب قوتها الكاملة إلا حين تصمد أمام القياس والاختبار.
وقد قدمت أبحاث الهيليوم الفائق مثالًا واضحًا على هذا التفاعل، الذي لا يزال من أسس البحث في الفيزياء الحديثة.
كابيتسا والطاقة.. البحث العلمي واستشراف المستقبل
في السنوات الأخيرة من مسيرته، أصبح كابيتسا أكثر اهتمامًا بمسائل الطاقة وإمكانات الاندماج النووي المنضبط. وكان يرى أن البحث في مصادر الطاقة لا ينبغي أن يقتصر على تطوير وسيلة تقنية بعينها، بل يجب أن يتصل بالتفكير في احتياجات المجتمعات على المدى الطويل.
في محاضرته النوبلية عام 1978، ناقش مشكلات البلازما والاندماج، وقدم عرضًا لأعماله في التسخين المستمر للبلازما باستخدام الموجات عالية التردد. وقد مثّل هذا الاختيار انتقالًا واضحًا من المجال الذي ارتبطت به الجائزة إلى موضوع كان يعمل عليه في تلك المرحلة من حياته.
لم يكن الاندماج النووي في عصره تقنية مكتملة قابلة للاستخدام التجاري الواسع؛ فقد ظل مجالًا بحثيًا يواجه تحديات كبيرة في إنتاج البلازما الساخنة والتحكم فيها وتحقيق ظروف تفاعل مستقرة. وما زالت هذه التحديات حاضرة في البحث المعاصر، رغم ما تحقق من تقدم في التجارب والأجهزة.
ومن هنا، فإن أهمية اهتمام كابيتسا بالطاقة لا تكمن في أنه قدم حلًا نهائيًا لمشكلة الطاقة العالمية، بل في أنه تعامل معها بوصفها سؤالًا علميًا واستراتيجيًا يحتاج إلى أبحاث طويلة الأمد.
وكان انتقاله إلى البلازما امتدادًا لنهجه القائم على البحث عن مشكلات أساسية يمكن أن يؤدي فهمها إلى نتائج علمية وتقنية مهمة.
سنواته الأخيرة ووفاته
استمر كابيتسا في العمل العلمي والإشراف على معهد المشكلات الفيزيائية حتى السنوات الأخيرة من حياته. ولم ينه حصوله على جائزة نوبل نشاطه البحثي، بل ظل مهتمًا بقضايا الفيزياء والطاقة وبالمؤسسات التي أسهم في بنائها.
توفي بيوتر ليونيدوفيتش كابيتسا في موسكو في الثامن من أبريل عام 1984، عن عمر ناهز تسعين عامًا وفق الحساب بين تاريخي الميلاد والوفاة، ودُفن في مقبرة نوفوديفيتشي بموسكو.
وبقي اسمه مرتبطًا بمعهد المشكلات الفيزيائية وبعدد من المفاهيم والظواهر في الفيزياء، من بينها الميوعة الفائقة، وعدد كابيتسا، ومقاومة كابيتسا الحرارية، وغيرها من المصطلحات التي تحمل اسمه في فروع مختلفة من البحث العلمي.
غير أن القيمة الأعمق لإرثه لا تختصر في تسمية ظاهرة أو معادلة باسمه. فقد كان أحد العلماء الذين أدركوا أن حدود المعرفة لا تتقدم بالنظرية وحدها، ولا بالهندسة وحدها، بل بالتفاعل بينهما.
وحين طوّر وسائل إنتاج الهيليوم السائل، لم يكن يحسّن أداة فحسب، بل كان يوسع المجال الذي يمكن للعلم أن يختبر فيه قوانين الطبيعة.
الخاتمة.. إرث عالم فتح بابًا إلى العالم الكمومي
تقدم سيرة بيوتر كابيتسا نموذجًا للعالم الذي لم يفصل بين الابتكار التقني والاكتشاف الأساسي. فمنذ أبحاثه في المجالات المغناطيسية الشديدة، مرورًا بتطوير وسائل تسييل الهيليوم، وصولًا إلى اكتشاف الميوعة الفائقة والبحث في البلازما، ظل يجمع بين التفكير الهندسي والفضول الفيزيائي والقدرة على بناء مؤسسات علمية تستمر بعد انتهاء تجربة بعينها.
لقد كان سبب فوز بيوتر كابيتسا بجائزة نوبل مرتبطًا باختراعاته واكتشافاته في فيزياء درجات الحرارة المنخفضة، لكن الأثر التاريخي لهذه الإنجازات تجاوز لحظة التكريم. فقد ساعدت أعماله على جعل الهيليوم الفائق نظامًا تجريبيًا مهمًا لفهم الظواهر الكمومية الجماعية، وأسهمت في بناء تقاليد بحثية استمرت في دراسة المادة عند درجات الحرارة القصوى.
وتكشف أهم أعمال كابيتسا عن حقيقة أوسع في تاريخ العلم: أن الاكتشاف الكبير قد يبدأ من مشكلة تبدو تقنية، مثل إنتاج كمية أكبر من سائل شديد البرودة، ثم يقود إلى سؤال أساسي عن طبيعة المادة نفسها. ومن هذا النوع من الأسئلة تنشأ تحولات معرفية لا تنتهي بانتهاء حياة صاحبها، بل تستمر عبر الباحثين الذين يعيدون اختبار النتائج وتوسيع حدودها.
رحل كابيتسا عام 1984، لكن الميوعة الفائقة التي كشف عنها، والتقنيات التي أسهم في تطويرها، والمؤسسة التي بناها في موسكو، ظلت عناصر حية في تاريخ الفيزياء.
ولهذا فإن سيرته ليست مجرد قصة عالم نال جائزة نوبل، بل قصة مسار علمي يوضح كيف يمكن للتجربة الدقيقة أن تفتح نافذة على قوانين الطبيعة التي لا تظهر في الظروف العادية.



