جون روبرت شريفر.. الفيزيائي الذي كشف سر التوصيل الفائق وغيّر فهم العلماء للمادة

في عام 1972 أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الفيزياء إلى ثلاثة علماء هم جون باردين، وليون كوبر، وجون روبرت شريفر، تقديرًا لتطويرهم المشترك نظرية التوصيل الفائق المعروفة عالميًا باسم نظرية BCS. ووفقًا لمؤسسة نوبل، جاء قرار الجائزة “لإسهاماتهم المشتركة في تطوير نظرية التوصيل الفائق، المعروفة عادة باسم نظرية BCS”، وهي النظرية التي قدمت لأول مرة تفسيرًا ميكروسكوبيًا متماسكًا لواحدة من أكثر الظواهر الفيزيائية إثارة للحيرة في القرن العشرين.
لم يكن هذا الإعلان مجرد تكريم لثلاثة علماء، بل اعترافًا بتحول جذري في فهم المادة. فقد ظلت ظاهرة التوصيل الفائق، منذ اكتشافها عام 1911 على يد الفيزيائي الهولندي هايكه كامرلينغ أونس، لغزًا استعصى على التفسير لعقود طويلة. عرف العلماء أن بعض المواد تفقد مقاومتها الكهربائية تمامًا عندما تُبرَّد إلى درجات حرارة منخفضة جدًا، لكنهم لم يعرفوا كيف يحدث ذلك على المستوى الذري.
عندما ظهرت نظرية BCS عام 1957، تغير هذا الواقع بالكامل. فقد قدمت إطارًا رياضيًا وفيزيائيًا يفسر كيف تتصرف الإلكترونات داخل المادة بطريقة جماعية غير متوقعة، لتنشأ حالة كمية جديدة تسمح بمرور التيار الكهربائي دون أي فقد للطاقة. وبحسب مؤسسة نوبل وموسوعة بريتانيكا، أصبحت هذه النظرية أحد أهم الإنجازات في فيزياء المادة المكثفة خلال القرن العشرين، ولا تزال تمثل الأساس الذي تُبنى عليه أجزاء واسعة من أبحاث التوصيل الفائق حتى اليوم.
وسط هذه القصة العلمية برز اسم جون روبرت شريفر بوصفه أصغر أعضاء الفريق وأكثرهم إسهامًا في الصياغة الرياضية للنظرية. فقد كان لا يزال طالب دكتوراه عندما توصل إلى الدالة الموجية التي أصبحت قلب نظرية BCS، وهو إنجاز نادر في تاريخ الفيزياء، إذ استطاع باحث شاب أن يشارك في حل مشكلة حيّرت كبار العلماء لعشرات السنين.
النشأة… شغف مبكر بالعلوم والهندسة
وُلد جون روبرت شريفر في 31 مايو 1931 بمدينة أوك بارك في ولاية إلينوي الأمريكية، ونشأ في أسرة شجعت الفضول العلمي وحب الاستكشاف. وتشير المصادر الصادرة عن مؤسسة نوبل وجامعة ولاية فلوريدا إلى أن اهتمامه المبكر لم يكن منصبًا على الفيزياء النظرية، بل على أجهزة الراديو والإلكترونيات، حيث كان يقضي ساعات طويلة في تفكيك الأجهزة وإعادة تركيبها لفهم طريقة عملها.
هذا الشغف العملي قاده في البداية إلى التفكير في دراسة الهندسة الكهربائية، لكنه سرعان ما اكتشف أن الفيزياء تمنحه القدرة على فهم المبادئ الأساسية التي تقوم عليها التقنيات الحديثة. ومع انتقاله إلى الدراسة الجامعية، بدأ اهتمامه يتجه بصورة متزايدة نحو الفيزياء النظرية، وهو المجال الذي كان يعيش آنذاك عصرًا ذهبيًا بفضل التطورات الكبيرة في ميكانيكا الكم وفيزياء الجسيمات والمواد الصلبة.
التحق شريفر بمعهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) في بداية دراسته الجامعية، قبل أن ينتقل إلى جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، التي كانت آنذاك واحدة من أهم المراكز العالمية في أبحاث فيزياء المادة المكثفة. وهناك وجد البيئة العلمية التي ستحدد مستقبله بالكامل.
تحت إشراف جون باردين
في جامعة إلينوي التقى شريفر بالعالم الأمريكي جون باردين، أحد أعظم الفيزيائيين في القرن العشرين، والحائز سابقًا على جائزة نوبل لاختراعه الترانزستور. وبحسب جامعة إلينوي ومؤسسة نوبل، كان باردين يبحث منذ سنوات عن تفسير شامل لظاهرة التوصيل الفائق، بعدما أخفقت المحاولات السابقة في بناء نموذج قادر على تفسير جميع نتائج التجارب.
أصبح شريفر طالب دكتوراه تحت إشراف باردين، لينضم لاحقًا إلى فريق بحثي ضم أيضًا الفيزيائي ليون كوبر. ولم تكن العلاقة بين الثلاثة مجرد علاقة أستاذ وطلاب، بل تحولت إلى شراكة علمية تكاملت فيها الخبرات؛ إذ قدّم باردين الرؤية الفيزيائية العامة، واكتشف كوبر الآلية الأساسية لاقتران الإلكترونات، بينما نجح شريفر في بناء الصياغة الرياضية التي وحدت جميع عناصر النظرية في نموذج واحد متماسك.
لم يكن الطريق إلى هذا الإنجاز سهلًا، فقد كانت ظاهرة التوصيل الفائق آنذاك واحدة من أعقد المشكلات المفتوحة في الفيزياء الحديثة، حتى إن كثيرًا من العلماء اعتقدوا أن تفسيرها الكامل قد يحتاج إلى عقود أخرى.
العالم قبل نظرية BCS
لفهم أهمية إنجاز شريفر، لا بد من العودة إلى ما كان يعرفه العلماء قبل عام 1957.
فمنذ اكتشاف ظاهرة التوصيل الفائق، تأكد بالتجربة أن بعض المعادن، عند تبريدها إلى درجات حرارة منخفضة جدًا، تفقد مقاومتها الكهربائية بالكامل، بحيث يمكن للتيار الكهربائي أن يستمر في الدوران داخل حلقة معدنية سنوات طويلة دون أن يفقد جزءًا من طاقته.
لكن المشكلة كانت أن القوانين الفيزيائية المتاحة آنذاك لم تستطع تفسير هذه الظاهرة. فقد كانت الإلكترونات تُفهم باعتبارها جسيمات منفردة تتحرك داخل المادة، بينما أظهرت التجارب أن سلوكها في حالة التوصيل الفائق يبدو جماعيًا بصورة غير مألوفة.
توالت المحاولات النظرية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، إلا أنها لم تقدم تفسيرًا ينسجم مع جميع النتائج التجريبية. وبحسب موسوعة بريتانيكا، أصبحت ظاهرة التوصيل الفائق واحدة من أكبر التحديات المفتوحة أمام الفيزياء النظرية، لأن نجاح أي تفسير كان يعني فهمًا جديدًا لطبيعة المادة نفسها، وليس مجرد تفسير ظاهرة معملية.
في هذا السياق العلمي المعقد بدأ جون روبرت شريفر رحلته البحثية، ولم يكن يدرك أن مساهمته ستقود إلى واحدة من أهم النظريات الفيزيائية في القرن العشرين، وأن اسمه سيظل مقترنًا إلى الأبد بالأحرف الثلاثة BCS، التي أصبحت رمزًا لفهم جديد للعالم الميكروسكوبي.
التحول الذي صنع المكانة العلمية
في منتصف خمسينيات القرن العشرين كانت فيزياء المادة المكثفة تعيش مرحلة حاسمة. فقد تراكمت نتائج تجريبية كثيرة حول التوصيل الفائق، لكن الصورة النظرية بقيت ناقصة. كان العلماء يعلمون أن المادة تدخل عند درجات حرارة شديدة الانخفاض في حالة مختلفة تمامًا عن حالتها المعتادة، إلا أن الآلية الدقيقة لهذا التحول ظلت مجهولة.
في هذه الأثناء توصّل الفيزيائي الأمريكي ليون كوبر إلى فكرة ستصبح حجر الأساس في الحل. فقد أثبت أن الإلكترونين داخل البلورة يمكن أن يرتبطا في ظروف معينة ارتباطًا خاصًا رغم التنافر الكهربائي الطبيعي بينهما. ويحدث ذلك من خلال تفاعل غير مباشر مع اهتزازات الشبكة البلورية للمادة، وهي الاهتزازات التي تُعرف في الفيزياء باسم “الفونونات”. وقد أصبحت هذه الأزواج تُعرف لاحقًا باسم أزواج كوبر.
لكن اكتشاف هذه الأزواج لم يكن وحده كافيًا لتفسير التوصيل الفائق. فقد بقي السؤال الأهم: كيف تتحول ملايين أو مليارات الأزواج إلى حالة جماعية واحدة تسمح بمرور التيار الكهربائي بلا مقاومة؟
هنا ظهر الدور الحاسم لجون روبرت شريفر.
الدالة الموجية التي غيّرت الفيزياء
وفقًا لمؤسسة نوبل وجامعة إلينوي، توصّل شريفر عام 1957، وهو لا يزال طالب دكتوراه، إلى الصياغة الرياضية التي وصفت الحالة الجماعية للإلكترونات داخل الموصل الفائق.
وتروي المصادر التاريخية أن الفكرة الأساسية خطرت له أثناء رحلة بالقطار، حيث بدأ في تدوين معادلاته على أوراق كان يحملها معه، قبل أن يطوّرها لاحقًا بالتعاون مع جون باردين وليون كوبر. ورغم أن التفاصيل الرياضية للنظرية معقدة، فإن جوهرها يمكن تبسيطه للقارئ غير المتخصص.
ففي الظروف العادية تتحرك الإلكترونات بصورة مستقلة نسبيًا، وتصطدم بذرات المادة، وهو ما يسبب المقاومة الكهربائية وفقدان جزء من الطاقة على هيئة حرارة.
أما في حالة التوصيل الفائق، فإن الإلكترونات لا تتحرك منفردة، بل ترتبط في أزواج تتصرف بصورة جماعية وكأنها جسيمات كمية جديدة. وبدلًا من أن تتعرض هذه الأزواج للتشتت المستمر، تنتظم في حالة كمومية واحدة تمتد عبر المادة كلها، مما يسمح للتيار الكهربائي بالمرور دون فقد للطاقة.
كانت هذه الفكرة ثورية لأنها نقلت تفسير الظاهرة من حركة إلكترونات منفردة إلى سلوك جماعي تحكمه قوانين ميكانيكا الكم.
لماذا كانت نظرية BCS استثنائية؟
لم تُعد نظرية BCS إنجازًا مهمًا لأنها فسرت ظاهرة غامضة فحسب، بل لأنها استطاعت أيضًا التنبؤ بعدد من النتائج التي أثبتتها التجارب لاحقًا.
فقد فسرت سبب وجود فجوة طاقية داخل الموصلات الفائقة، وشرحت سبب اختفاء المقاومة الكهربائية تمامًا، كما قدمت تفسيرًا لتأثيرات كمية أخرى كانت قد رُصدت تجريبيًا دون فهم واضح.
وبحسب موسوعة بريتانيكا، سرعان ما أصبحت النظرية النموذج القياسي لفهم التوصيل الفائق التقليدي، واعتمدتها الجامعات ومراكز البحث في أنحاء العالم بوصفها أحد أعظم إنجازات الفيزياء النظرية في القرن العشرين.
ومن هنا يمكن فهم سبب فوز جون روبرت شريفر بجائزة نوبل؛ إذ لم يكن الأمر متعلقًا بمعادلات رياضية مجردة، بل بحل مشكلة علمية استعصت على الفيزيائيين قرابة نصف قرن، وفتح الباب أمام أبحاث وتطبيقات لا تزال تتطور حتى اليوم.
من النظرية إلى التطبيقات
قد يبدو التوصيل الفائق موضوعًا بعيدًا عن الحياة اليومية، لكنه أصبح أساسًا لتقنيات عديدة يعتمد عليها العالم الحديث.
فالمغانط فائقة التوصيل تُستخدم في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، وفي مسرعات الجسيمات العملاقة مثل مصادم الهادرونات الكبير، كما تدخل في كثير من الأبحاث المتعلقة بالحوسبة الكمية، وأنظمة الاستشعار فائقة الدقة، ونقل الطاقة الكهربائية بكفاءة عالية.
ومن المهم التمييز بين ما أثبتته المصادر العلمية وما يُعد تحليلًا لتأثير النظرية. فوفقًا لمؤسسة نوبل، جاءت الجائزة تقديرًا للنظرية نفسها، أما الامتداد الواسع لتطبيقاتها خلال العقود التالية فهو نتيجة مباشرة لاعتماد الباحثين على الأساس العلمي الذي وضعه باردين وكوبر وشريفر.
وهكذا لم تكن نظرية BCS نهاية رحلة علمية، بل كانت بداية مرحلة جديدة في دراسة المواد الكمومية، وهي مرحلة لا يزال أثرها حاضرًا في المختبرات ومراكز الأبحاث حول العالم.
استقبال المجتمع العلمي
استقبلت الأوساط العلمية النظرية الجديدة باهتمام بالغ، لكن قبولها لم يكن قائمًا على شهرة أصحابها، بل على قدرتها على تفسير النتائج التجريبية بدقة غير مسبوقة.
ومع تكرار الاختبارات والتجارب، ازداد اقتناع الفيزيائيين بأن النظرية تمثل خطوة حاسمة في فهم التوصيل الفائق. وسرعان ما أصبحت تُدرَّس في كبرى الجامعات، وأصبحت نقطة الانطلاق لأي باحث يعمل في فيزياء المادة المكثفة.
ورغم ظهور أنواع جديدة من الموصلات الفائقة في ثمانينيات القرن العشرين لا تفسرها نظرية BCS بالكامل، فإن العلماء لم يعتبروا ذلك إلغاءً للنظرية، بل دليلًا على أن الطبيعة أكثر تنوعًا مما كان متوقعًا. فما زالت BCS تفسر بدقة فئة واسعة من الموصلات الفائقة التقليدية، بينما واصل الباحثون تطوير نماذج جديدة لفهم المواد الأكثر تعقيدًا، مستندين إلى الأساس الذي وضعه شريفر وزميلاه.
ما بعد نوبل… عالم واصل البحث ولم يتوقف عند الإنجاز الأكبر
لم تكن جائزة نوبل نهاية المسيرة العلمية لجون روبرت شريفر، بل مثلت بداية مرحلة جديدة من التأثير الأكاديمي والبحثي. فبعد أن أصبح اسمه مرتبطًا بإحدى أشهر النظريات في الفيزياء الحديثة، واصل عمله في الجامعات ومراكز الأبحاث، وأسهم في إعداد أجيال جديدة من الفيزيائيين.
عمل شريفر أستاذًا في عدد من المؤسسات العلمية المرموقة، من أبرزها جامعة بنسلفانيا ثم جامعة ولاية فلوريدا، كما ارتبط اسمه بعدد من المختبرات والمراكز البحثية المتخصصة في فيزياء المادة المكثفة. ووفقًا لجامعة ولاية فلوريدا، ظل نشطًا في البحث والتدريس لعقود، وركز على موضوعات مثل الموصلية الفائقة، والأنظمة الإلكترونية المترابطة، والظواهر الكمومية في المواد.
ومن أهم أعمال جون روبرت شريفر أيضًا إسهامه في تأليف كتب ومراجع علمية أصبحت مصادر معتمدة لطلاب الفيزياء والباحثين، وفي مقدمتها كتابه عن نظرية التوصيل الفائق، الذي عرض فيه الأسس الفيزيائية والرياضية للنظرية بلغة علمية دقيقة، وأسهم في نقل المعرفة إلى أجيال لاحقة من العلماء.
إرث علمي يتجاوز النظرية
إذا كان الإنجاز الذي نال عنه شريفر جائزة نوبل قد ارتبط مباشرة بنظرية BCS، فإن تأثيره الحقيقي امتد إلى مجالات أوسع بكثير. فقد أصبحت النظرية نقطة انطلاق لآلاف الأبحاث في فيزياء المادة المكثفة، وأسهمت في تطوير فهم العلماء للأنظمة الكمومية الجماعية.
وبحسب موسوعة بريتانيكا ومؤسسة نوبل، فإن دراسة الموصلات الفائقة الحديثة، والمواد الكمومية، وبعض نماذج الحوسبة الكمية، استندت بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى المفاهيم التي أرستها نظرية BCS، حتى عندما سعى الباحثون إلى تطوير نماذج جديدة لتفسير أنواع أخرى من الموصلات الفائقة.
ولا يعني ذلك أن جميع الاكتشافات اللاحقة كانت تطبيقًا مباشرًا للنظرية، بل إن الإرث الحقيقي لشريفر تمثل في فتح باب علمي جديد، أصبحت أفكاره مرجعًا أساسيًا لكل من حاول فهم السلوك الجماعي للإلكترونات داخل المواد.
ومن منظور تاريخ العلوم، يمكن القول إن نظرية BCS لم تُنهِ البحث في التوصيل الفائق، وإنما غيّرت طبيعة الأسئلة التي يطرحها العلماء. فبعد أن كان السؤال هو: كيف يحدث التوصيل الفائق؟ أصبح السؤال: كيف يمكن توسيع هذا الفهم ليشمل مواد جديدة وظروفًا مختلفة؟ وهذا التحول الفكري يمثل أحد أهم أوجه الإرث العلمي الذي تركه شريفر.
حادث غيّر مسار حياته الشخصية
رغم مسيرته العلمية اللامعة، ارتبط اسم جون روبرت شريفر في سنواته الأخيرة بحادث مأساوي بعيد تمامًا عن إنجازاته البحثية.
فبحسب تقارير قضائية وصحفية أمريكية موثقة، تسبب عام 2004 في حادث سير بولاية كاليفورنيا أدى إلى وفاة شخصين وإصابة آخرين، بعدما فقد السيطرة على سيارته. وأُدين لاحقًا بتهم تتعلق بالقيادة المتهورة، وقضى فترة في السجن بين عامي 2005 و2007.
ويُعد هذا الحدث من الوقائع الثابتة في سيرته، لكنه لا يرتبط بإنجازه العلمي أو بجائزة نوبل. لذلك يتعامل المؤرخون والباحثون معه بوصفه فصلًا من حياته الشخصية، بينما يبقى تقييم أثره العلمي قائمًا على إسهاماته في الفيزياء، وهو ما تؤكده مؤسسة نوبل والمراجع الأكاديمية التي تواصل تناول أعماله بوصفها من المحطات المؤسسة في تاريخ فيزياء المادة المكثفة.
السنوات الأخيرة والرحيل
بعد خروجه من السجن، ابتعد شريفر نسبيًا عن الحياة العامة، لكنه ظل يحظى باحترام واسع داخل المجتمع العلمي بفضل إرثه البحثي. وفي 27 يوليو 2019 توفي في مدينة تالاهاسي بولاية فلوريدا عن عمر ناهز 88 عامًا.
وقد نعته جامعات ومؤسسات علمية عديدة، مؤكدة أن تأثيره تجاوز حدود إنجاز واحد، لأن أفكاره أصبحت جزءًا من البنية النظرية التي تقوم عليها مجالات كاملة في الفيزياء الحديثة.
سيرة جون روبرت شريفر… إرث لا يزال يتجدد
تكشف سيرة جون روبرت شريفر أن الاكتشافات العلمية الكبرى لا تأتي دائمًا بعد عقود طويلة من الخبرة، بل قد يولد بعضها من فكرة لامعة لدى باحث شاب يمتلك القدرة على الربط بين الملاحظة والتفسير.
لقد أسهم شريفر، بالتعاون مع جون باردين وليون كوبر، في حل واحدة من أعقد مشكلات الفيزياء في القرن العشرين، ولم يكن تأثير هذا الحل مقتصرًا على تفسير ظاهرة طبيعية، بل امتد إلى فتح مجالات بحثية كاملة ما تزال تتطور حتى اليوم.
وتوضح دراسة مسيرته أن قيمة الإنجاز العلمي لا تُقاس بعدد الجوائز وحدها، بل بقدرته على البقاء مرجعًا للأجيال اللاحقة. وبعد مرور عقود على ظهور نظرية BCS، لا يزال الباحثون يعودون إليها لفهم المواد فائقة التوصيل، كما لا تزال مفاهيمها حاضرة في كثير من الدراسات المتعلقة بفيزياء الكم والمواد المتقدمة.
وهكذا، فإن إنجازات جون روبرت شريفر في الفيزياء لم تتوقف عند لحظة تسلمه جائزة نوبل، بل تحولت إلى جزء من تاريخ العلم الحديث، وإلى أساس معرفي يبني عليه العلماء أبحاثًا جديدة في كل عام. وهذا الامتداد المستمر هو ما يجعل إرثه العلمي حيًا ومفتوحًا على المستقبل، لا صفحة أُغلقت بانتهاء حياته.



