غونار ميردال.. الاقتصادي الذي وسّع حدود الاقتصاد إلى المجتمع والدولة

لم تكن جائزة العلوم الاقتصادية لعام 1974 خاتمة مسيرة أكاديمية تقليدية، بل بدت في حالة غونار ميردال اعترافًا متأخرًا بمشروع فكري ظل طوال عقود يتجاوز الحدود المعتادة لعلم الاقتصاد. فقد تقاسم ميردال الجائزة مع الاقتصادي النمساوي فريدريك فون هايك، ومنحت لهما تقديرًا لأعمالهما الرائدة في نظرية النقود والتقلبات الاقتصادية، ولتحليلهما للترابط بين الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية.
كان ميردال قد أمضى قبل ذلك أكثر من نصف قرن وهو يحاول الإجابة عن سؤال يتجاوز الحسابات الاقتصادية الضيقة: لماذا لا تتحرك المجتمعات نحو التقدم بالطريقة نفسها، ولماذا يمكن للفقر وعدم المساواة والتمييز وضعف المؤسسات أن تعيد إنتاج نفسها؟ ومن هنا جاءت أهمية تجربته؛ إذ لم ينظر إلى الاقتصاد باعتباره عالمًا منفصلًا عن السياسة والمجتمع والتعليم والصحة والقيم والمؤسسات، بل رأى أن هذه المجالات تتفاعل باستمرار، وأن فهم أحدها يظل ناقصًا إذا عُزل عن البقية.
ولد كارل غونار ميردال في 6 ديسمبر 1898 في سكاتونغبين بالسويد، وتوفي في ستوكهولم في 17 مايو 1987. درس القانون في جامعة ستوكهولم، ثم اتجه إلى الاقتصاد، وحصل على الدكتوراه عام 1927. وفي الثلاثينيات أصبح أحد الأسماء المهمة في ما عُرف بمدرسة ستوكهولم الاقتصادية، قبل أن تتسع اهتماماته تدريجيًا لتشمل علم الاجتماع والسياسة وقضايا التنمية والتمييز والرفاه الاجتماعي.
لكن فهم سيرة ميردال لا يبدأ من الجائزة، بل من التحول الذي طرأ على مفهومه للاقتصاد نفسه.
النشأة والتكوين: من القانون إلى الاقتصاد
نشأ ميردال في السويد في مرحلة كانت فيها أوروبا تعيش تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. فقد كان الاقتصاد الصناعي يتوسع، وكانت قضايا العمل والفقر وتوزيع الدخل ودور الدولة تفرض نفسها على النقاش العام، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من اضطرابات اقتصادية وسياسية لتكشف حدود النظريات التي تتعامل مع السوق باعتباره نظامًا قادرًا على الوصول تلقائيًا إلى الاستقرار.
درس ميردال القانون في جامعة ستوكهولم، ثم اتجه إلى الاقتصاد. وكان من أبرز المؤثرين في تكوينه الاقتصادي كنوت فيكسل، أحد أهم الاقتصاديين السويديين في مطلع القرن العشرين. كما ارتبط تكوينه الفكري ببيئة فكرية ستصبح لاحقًا أساسًا لمدرسة ستوكهولم في الاقتصاد.
لم يكن الانتقال من القانون إلى الاقتصاد مجرد تغيير في التخصص؛ فقد ظل اهتمامه بالمؤسسات والسياسات العامة حاضرًا في أعماله اللاحقة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم مساره كله: الاقتصاد بالنسبة إليه لم يكن مجموعة معادلات فقط، وإنما أداة لفهم الطريقة التي تُنظم بها المجتمعات مواردها وفرصها ومشكلاتها.
حصل ميردال على درجة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1927، ثم بدأ مساره الأكاديمي الذي قاده إلى التدريس والبحث والعمل العام. وفي عام 1933 أصبح أستاذًا في كلية ستوكهولم الجامعية، وظل العمل الأكاديمي والسياسي متداخلين في حياته على نحو واضح.
قبل ميردال: اقتصاد يبحث عن التوازن
لفهم أهمية أفكار ميردال، ينبغي العودة إلى المناخ الاقتصادي الذي ظهر فيه.
كانت إحدى القضايا المركزية في الاقتصاد التقليدي هي كيفية وصول الأسواق إلى التوازن، وكيف يمكن للأسعار والدخل والاستثمار والاستهلاك أن تتفاعل بحيث يستقر النظام الاقتصادي. غير أن الأزمات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الكساد العظيم، أظهرت أن الاقتصادات لا تتحرك دائمًا نحو الاستقرار بطريقة بسيطة.
اهتم ميردال بهذه المشكلة من زاوية مختلفة. فقد رأى أن التوقعات والقرارات الحالية تؤثر في النتائج المستقبلية، وأن هذه النتائج بدورها يمكن أن تغير التوقعات والقرارات التالية. وبذلك يصبح الاقتصاد عملية متحركة، لا مجرد انتقال آلي من نقطة توازن إلى أخرى.
كان هذا التفكير من العناصر التي جعلته أحد المساهمين في مدرسة ستوكهولم الاقتصادية خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وقد أكدت جامعة ستوكهولم أن من مساهماته في تلك المرحلة إبراز أثر التوقعات في التقلبات الاقتصادية.
هنا بدأ أحد الخيوط الأساسية في فكر ميردال: الاقتصاد ليس ساكنًا، والنتيجة الاقتصادية ليست مجرد محصلة قوى منفصلة، بل يمكن أن تصبح النتيجة نفسها سببًا لجولة جديدة من التغير.
«التوازن النقدي»: الاقتصاد بوصفه عملية متحركة
من الأعمال المهمة في مسيرته المبكرة كتابه «التوازن النقدي» الذي صدر بالإنجليزية عام 1939. جاء الكتاب في سياق النقاشات الواسعة حول النقود والاستثمار والدخل والتقلبات الاقتصادية، وهي موضوعات كانت تحتل مركز الاهتمام الاقتصادي في فترة مضطربة عالميًا.
لم تكن قيمة ميردال في تقديم إجابة منفردة لمشكلة اقتصادية بقدر ما كانت في تطوير طريقة لتحليل العلاقة بين القرارات والتوقعات والنتائج. فقد اهتم بالفارق بين ما يتوقعه الفاعلون الاقتصاديون وما يحدث فعليًا، وبالطريقة التي يمكن أن تؤثر بها الاختلالات في سلوكهم اللاحق.
وهذه النقطة مهمة لفهم سبب فوزه بجائزة العلوم الاقتصادية عام 1974. فمؤسسة نوبل ربطت الجائزة مباشرة بأعماله في نظرية النقود والتقلبات الاقتصادية، إلى جانب تحليله للترابط بين الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية.
لكن ميردال لم يبق داخل هذه الدائرة.
مع مرور الوقت، أخذ السؤال الاقتصادي عنده يتغير من «كيف يعمل الاقتصاد؟» إلى «كيف يعمل الاقتصاد داخل المجتمع؟».
وهذا الانتقال هو الذي سيجعل اسمه حاضرًا في الاقتصاد وعلم الاجتماع ودراسات التنمية والسياسات العامة معًا.
من النظرية الاقتصادية إلى المجتمع
كان ميردال يرى أن الاقتصاد لا يستطيع أن يقدم تفسيرًا كافيًا لمشكلات المجتمع إذا تجاهل المؤسسات والقيم والسياسة والتعليم والصحة والتركيب السكاني.
وهذا المنظور ظهر بوضوح في أعماله الاجتماعية والسياسية، وأصبح أكثر اتساعًا في أبحاثه حول الولايات المتحدة وآسيا والدول النامية.
لم يكن هذا التوسع خروجًا عن الاقتصاد بقدر ما كان إعادة تعريف لمجاله. فإذا كان الفقر يؤثر في التعليم، والتعليم يؤثر في فرص العمل، وفرص العمل تؤثر في الدخل، والدخل يؤثر في الصحة، والصحة تؤثر بدورها في القدرة على العمل، فإن الفصل الصارم بين هذه الظواهر يخفي جزءًا من الحقيقة.
ومن هنا جاءت إحدى أهم أفكاره: السببية التراكمية الدائرية.
تعني الفكرة، بصورة مبسطة، أن بعض الظواهر الاجتماعية والاقتصادية لا تسير في خط مستقيم من سبب إلى نتيجة، بل يمكن أن تدخل في حلقات متبادلة. فقد يؤدي ضعف أحد العوامل إلى إضعاف عوامل أخرى، ثم تعود النتائج الجديدة لتقوي المشكلة الأصلية.
يمكن أن يبدأ الأمر بفقر منخفض الدخل، ثم ضعف في التعليم، ثم انخفاض في الإنتاجية، ثم محدودية في فرص العمل، ثم استمرار الفقر. وفي الاتجاه المقابل يمكن أن يؤدي تحسن التعليم والصحة والاستثمار والمؤسسات إلى حلقات تراكمية إيجابية.
لم يكن هذا مجرد وصف للفقر، بل طريقة لفهم لماذا يمكن لبعض الاختلالات أن تستمر وتتعمق ما لم يحدث تدخل يغير اتجاه العملية.
«معضلة أمريكية»: حين أصبح الاقتصاد أداة لفهم التمييز
كان من أكثر أعمال ميردال تأثيرًا كتابه الضخم «معضلة أمريكية: مشكلة الزنوج والديمقراطية الحديثة»، الذي صدر عام 1944.
جاء الكتاب نتيجة دراسة واسعة كلفته بها مؤسسة كارنيغي لدراسة أوضاع الأمريكيين من أصل أفريقي. وقد بدأت المهمة في أواخر الثلاثينيات، وكان الهدف الأول فهم مشكلات العلاقات العرقية في الولايات المتحدة، لكن المشروع تحول إلى دراسة اجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة.
أهمية الكتاب لا تكمن فقط في موضوعه، وإنما في الطريقة التي عالجه بها ميردال.
لم يتعامل مع التمييز العنصري بوصفه مشكلة اقتصادية منفصلة، بل درس علاقته بالقانون والسياسة والتعليم والصحة والدخل والعمل والهجرة والمؤسسات الاجتماعية. وهكذا أصبح الاقتصاد جزءًا من منظومة تفسيرية أوسع.
كان جوهر التحليل يتمثل في التناقض بين المبادئ الديمقراطية والمساواة التي تعلنها الولايات المتحدة، وبين واقع التمييز والفصل العنصري الذي كان قائمًا في الحياة اليومية والقانون والمؤسسات.
وقد جعل ذلك الكتاب أكثر من دراسة أكاديمية؛ فقد أصبح تدخلًا واسعًا في النقاش حول طبيعة المجتمع الأمريكي.
وبحسب مؤسسة كارنيغي، لم يكن للكتاب تأثير فوري حاسم في السياسات العامة عند صدوره، لكنه اكتسب لاحقًا أهمية كبيرة، واستُشهد به في الطعون القانونية ضد الفصل العنصري. وفي عام 1954 استندت المحكمة العليا الأمريكية إلى الكتاب في قضية «براون ضد مجلس التعليم»، وهي القضية التي شكل حكمها نقطة تحول تاريخية في إلغاء الفصل العنصري في المدارس العامة.
وهنا يظهر أحد أهم أمثلة الإرث المتصل في سيرة ميردال: دراسة اجتماعية أُنجزت في الأربعينيات تحولت، بعد عقد من الزمن، إلى مصدر فكري في معركة قانونية غيرت تاريخ الحقوق المدنية الأمريكية.
لم يكن تأثير الكتاب قانونيًا فقط. فقد رأت مؤسسة كارنيغي أن الدراسة أسهمت في بلورة الوعي بالتناقض بين المثل الديمقراطية والممارسة العنصرية، وأصبحت جزءًا من المناخ الفكري الذي دعم حركة الحقوق المدنية.
وبذلك تجاوز أثر «معضلة أمريكية» حدود الاقتصاد إلى علم الاجتماع والقانون والسياسة ودراسة العلاقات العرقية.
لماذا كانت «معضلة أمريكية» مختلفة؟
كان الجديد في عمل ميردال هو رفض التعامل مع المشكلة العرقية باعتبارها مشكلة تخص مجموعة سكانية وحدها.
فهو وضع المشكلة داخل بنية اجتماعية كاملة. وكان التعليم والصحة والدخل والسكن والعمل والسياسة والمؤسسات عناصر مترابطة في تفسير وضع الأمريكيين السود.
هذه الطريقة في التفكير تنسجم بصورة واضحة مع مفهوم السببية التراكمية الذي تطور في أعماله. فالتمييز يمكن أن يؤدي إلى تراجع فرص التعليم والعمل، وتراجع الفرص يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الدخل، وانخفاض الدخل يمكن أن يحد من فرص تحسين الظروف المعيشية، ثم تعود النتائج لتؤكد الصور النمطية التي أنتجها النظام أصلًا.
وبهذا يصبح الظلم الاجتماعي ليس مجرد موقف فردي أو حادثة منفصلة، بل عملية مؤسسية قابلة لإعادة إنتاج نفسها.
ولذلك كان عمل ميردال مؤثرًا في دراسات لاحقة تناولت الفقر وعدم المساواة والتمييز بوصفها ظواهر مترابطة.
بين الأكاديمية والسياسة
لم يكن ميردال باحثًا بعيدًا عن المجال العام.
فقد أصبح عضوًا في البرلمان السويدي عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ثلاثينيات القرن العشرين، وكان له تأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال فترة الكساد. كما شغل منصب وزير التجارة السويدي بين عامي 1945 و1947.
هذا الجانب من حياته مهم لفهم مشروعه الفكري. فقد كان يرى أن المعرفة الاقتصادية يمكن أن تكون ذات قيمة عملية في تصميم السياسات العامة.
وبالتعاون الفكري والسياسي مع زوجته ألفا ميردال، كان جزءًا من التيار الذي ارتبط بتطور دولة الرفاه السويدية. وكانت ألفا ميردال نفسها شخصية دولية بارزة، وستحصل لاحقًا على جائزة نوبل للسلام عام 1982.
وبذلك أصبح الزوجان حالة نادرة في تاريخ نوبل؛ فقد حصل كل منهما، بصورة مستقلة، على جائزة نوبل في مجال مختلف.
من السويد إلى الأمم المتحدة
بعد الحرب العالمية الثانية اتسع المجال الدولي لنشاط ميردال.
فبين عامي 1947 و1957 شغل منصب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة.
كانت هذه المرحلة ذات أهمية كبيرة في تطور اهتمامه بالاقتصاد الدولي والتنمية. فقد لم يعد السؤال متعلقًا بسياسة دولة واحدة، بل أصبح متعلقًا بالفوارق بين الدول وبمشكلات التجارة والتنمية والتخطيط الاقتصادي.
وهنا بدأ يظهر بوضوح الجانب الذي سيقوده لاحقًا إلى دراسة الدول النامية.
كان ميردال يرفض التفسير الذي يختزل التنمية في زيادة رأس المال أو الاستثمار فقط. فالدولة التي تعاني من ضعف التعليم والصحة والمؤسسات والإدارة لا تستطيع بالضرورة أن تحقق النتائج نفسها التي تحققها دولة تمتلك مؤسسات أكثر قدرة، حتى لو حصل البلدان على القدر نفسه من الاستثمار.
ومن هذا المنظور، تصبح التنمية عملية اجتماعية ومؤسسية بقدر ما هي عملية اقتصادية.
«النظرية الاقتصادية والمناطق المتخلفة»: توسيع فكرة السببية التراكمية
في عام 1957 نشر ميردال كتاب «النظرية الاقتصادية والمناطق المتخلفة»، الذي نقل فيه فكرة السببية التراكمية إلى مستوى أوسع، متناولًا العلاقة بين البلدان المتقدمة والمناطق الأقل نموًا.
كان السؤال المركزي هو: هل تؤدي قوى السوق وحدها إلى تقليل الفوارق بين الدول، أم يمكن أن تعمل أحيانًا على توسيعها؟
ذهب ميردال إلى أن قوى السوق قد لا تؤدي تلقائيًا إلى تقارب مستويات التنمية، لأن المناطق الأقوى يمكن أن تجذب العمالة ورأس المال والمهارات والأسواق، بما يزيد من قدرتها على النمو، بينما تفقد المناطق الأضعف بعض الموارد التي تحتاجها للحاق بها.
هذه الفكرة أصبحت من العناصر المؤثرة في اقتصاد التنمية.
وبهذا لم يعد «الفقر» عند ميردال حالة ساكنة تنتظر وصول رأس المال، وإنما نتيجة محتملة لمسار تراكمي تتفاعل فيه المؤسسات والموارد والسكان والأسواق والسياسات.
وكان لهذا التصور أثر مباشر في النقاش حول سياسات التنمية والتخطيط ودور الدولة.
«الدراما الآسيوية»: محاولة لفهم الفقر من الداخل
بلغ هذا الاتجاه ذروته في أحد أضخم مشروعات ميردال، «الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم»، الذي صدر عام 1968 في ثلاثة مجلدات.
كان الكتاب محاولة واسعة لدراسة الفقر والتنمية في جنوب آسيا، وخاصة الهند وباكستان وسيلان وغيرها من المجتمعات الآسيوية، من خلال الاقتصاد والسياسة والسكان والتعليم والصحة والزراعة والإدارة والمؤسسات الاجتماعية.
لم يكن الكتاب مجرد دراسة اقتصادية تقليدية. وقد أشارت جامعة ستوكهولم إلى أن «الدراما الآسيوية» كان له تأثير واسع في البحث والنقاش حول مشكلات الدول النامية.
كان ميردال يحاول أن يفسر لماذا لم تؤد السياسات التنموية والاستثمارات وحدها إلى النتائج المتوقعة. وكان يركز على ما سماه ضعف المؤسسات، ومشكلات الإدارة، وعدم المساواة، والنمو السكاني، ومستوى التعليم والصحة، إلى جانب العوامل الاقتصادية المباشرة.
وهنا يتضح خط فكري متصل في أعماله:
من النظرية النقدية إلى التقلبات الاقتصادية، ومن الاقتصاد إلى العلاقات الاجتماعية، ومن التمييز في الولايات المتحدة إلى التنمية في الدول الفقيرة، ظل السؤال واحدًا في جوهره: كيف تتفاعل العوامل المختلفة بحيث تعزز بعضها بعضًا وتعيد إنتاج نتائج معينة؟
قوة «الدراما الآسيوية» وحدودها
لم تمر «الدراما الآسيوية» دون نقد.
فالتنبؤات التي قدمها ميردال بشأن مستقبل بعض المجتمعات الآسيوية بدت لاحقًا متشائمة أكثر مما أثبتته التطورات الفعلية. فقد شهدت أجزاء من آسيا في العقود اللاحقة تحولات اقتصادية سريعة لم تكن منسجمة مع بعض توقعاته.
وتشير تحليلات للبنك الدولي إلى أن ميردال كان متشائمًا بشأن فرص التنمية الآسيوية، ولم يتوقع بصورة كافية أثر الثورة الخضراء والتحولات الزراعية التي بدأت في آسيا في الفترة نفسها تقريبًا التي صدر فيها كتابه.
هذه النقطة لا تلغي قيمة العمل، لكنها تضعه في سياقه التاريخي الصحيح.
فالقيمة العلمية لكتاب كبير لا تتحدد فقط بمدى صحة كل توقع مستقبلي فيه. أحيانًا تكون أهميته في الأسئلة التي طرحها، والأدوات التي طورها، والبيانات التي جمعها، والجدل الذي أثاره.
ومن هذه الزاوية، ظلت «الدراما الآسيوية» مصدرًا مهمًا في تاريخ دراسات التنمية، حتى عندما أصبح بعض استنتاجاته موضع مراجعة.
ميردال وجائزة نوبل عام 1974
في عام 1974 جاءت جائزة العلوم الاقتصادية لتضع الجانب الاقتصادي المبكر والمتأخر من مشروع ميردال في إطار واحد.
منحت الجائزة مناصفة بين غونار ميردال وفريدريك فون هايك، وكان السبب الرسمي هو عملهما الرائد في نظرية النقود والتقلبات الاقتصادية وتحليلهما للترابط بين الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية.
وقد يبدو الجمع بين ميردال وهايك مفارقة فكرية للوهلة الأولى؛ فالرجلان ارتبطا بتقاليد ومواقف مختلفة في عدد من القضايا الاقتصادية والسياسية.
لكن الجائزة نفسها كشفت نقطة مهمة: أن تاريخ الفكر الاقتصادي لا يُبنى دائمًا حول مدرسة واحدة، وأن الباحثين قد يصلون إلى قضايا مشتركة من مسارات فكرية مختلفة.
وبالنسبة إلى ميردال، كانت الجائزة اعترافًا بمشروع لم يكتفِ بتحليل السوق، وإنما حاول فهم الاقتصاد داخل المجتمع والمؤسسات.
إنجازات غونار ميردال في الاقتصاد والمجتمع
إذا أردنا تلخيص إنجازاته الأساسية، فإنها لا تقتصر على كتاب أو نظرية واحدة.
أولًا، أسهم في تطوير التفكير الاقتصادي حول النقود والتقلبات الاقتصادية والتوقعات، وهو الجانب الذي ارتبط مباشرة بسبب منح جائزة نوبل.
ثانيًا، وسّع التحليل الاقتصادي ليشمل المؤسسات والعوامل الاجتماعية والسياسية.
ثالثًا، طور مفهوم السببية التراكمية الدائرية، الذي أصبح أداة مهمة في تحليل عدم المساواة والتنمية.
رابعًا، قدم في «معضلة أمريكية» نموذجًا لدراسة التمييز باعتباره مشكلة اجتماعية واقتصادية ومؤسسية متشابكة.
خامسًا، أسهم في تطوير اقتصاد التنمية من خلال دراساته للمناطق الأقل نموًا، ولا سيما في آسيا.
وسادسًا، لم يفصل بين البحث والسياسة العامة، بل شارك في الحياة السياسية السويدية والعمل الدولي من خلال الأمم المتحدة.
التأثير اللاحق: من «معضلة أمريكية» إلى الحقوق المدنية
ربما يكون أوضح مثال على الامتداد التاريخي لأعمال ميردال هو «معضلة أمريكية».
فالكتاب الذي صدر عام 1944 لم يتوقف أثره عند الأوساط الأكاديمية. فقد استُشهد به في قضية «براون ضد مجلس التعليم» عام 1954، وهي واحدة من أهم القضايا في تاريخ المحكمة العليا الأمريكية، وأسهم الحكم الصادر فيها في إنهاء الفصل العنصري في المدارس العامة.
وبعد ذلك استمر الكتاب حاضرًا في الدراسات المتعلقة بالعرق وعدم المساواة والحقوق المدنية.
وفي عام 2019 دعمت مؤسسة كارنيغي مؤتمرًا أكاديميًا بمناسبة مرور 75 عامًا على صدور الكتاب، كما دعمت جهودًا لإتاحة أرشيف أبحاث ميردال رقميًا. وهذا يعني أن مشروعه لم يتحول إلى مادة تاريخية مغلقة، بل ظل موضوعًا لإعادة القراءة والبحث.
وهنا يظهر الإرث بوصفه خطًا متصلًا: بحث في الثلاثينيات، كتاب في الأربعينيات، قضية قضائية في الخمسينيات، ثم دراسات ومؤتمرات وأرشفة رقمية في القرن الحادي والعشرين.
التأثير في دراسات التنمية
أما في مجال التنمية، فكان أثر ميردال مختلفًا وأكثر تعقيدًا.
لم تنتقل أفكاره إلى مدرسة واحدة تحمل اسمه، لكنها أصبحت جزءًا من النقاش حول التنمية غير المتوازنة، والتفاوت بين المناطق، ودور المؤسسات في النمو.
وكان مفهوم السببية التراكمية مهمًا بصورة خاصة لأنه سمح بالنظر إلى الفقر باعتباره عملية يمكن أن تعزز نفسها بنفسها.
ويمكن رؤية صدى هذه الفكرة في الكثير من دراسات الاقتصاد التنموي الحديثة التي تبحث في «مصائد الفقر»، وعدم المساواة، وتراكم رأس المال البشري، والاختلافات المؤسسية بين الدول والمناطق.
ولا يعني ذلك أن كل هذه الاتجاهات تنحدر مباشرة من ميردال؛ فالتأثير هنا في كثير من الأحيان غير مباشر، عبر الأسئلة والمفاهيم التي ساعدت أعماله على ترسيخها في النقاش الاقتصادي والاجتماعي.
الجامعة التي حملت مشروعه إلى الأجيال التالية
ظل ارتباط ميردال بجامعة ستوكهولم جزءًا مهمًا من إرثه.
فقد كان أستاذًا للاقتصاد في كلية ستوكهولم الجامعية بين عامي 1933 و1950، ثم أسس عام 1962 معهد الدراسات الاقتصادية الدولية في جامعة ستوكهولم، وترأسه حتى عام 1967.
وقد تحول المعهد لاحقًا إلى مؤسسة بحثية مهمة في الاقتصاد الدولي، واستمر في استضافة أجيال من الاقتصاديين والباحثين.
وهنا أيضًا لا ينحصر الإرث في كتاب منشور؛ فالمؤسسات الأكاديمية التي ساهم في تأسيسها تصبح وسيلة لاستمرار البحث بعد رحيل صاحبها.
بين الاقتصاد وعلم الاجتماع
كان ميردال واحدًا من الاقتصاديين الذين رفضوا الفصل الصارم بين العلوم الاجتماعية.
فبالنسبة إليه، لا يمكن تفسير الاقتصاد من دون فهم البشر والمؤسسات والقيم، ولا يمكن فهم المجتمع إذا جرى تجاهل توزيع الموارد والفرص.
وقد ظهر هذا الموقف في كتاباته المنهجية، ومنها اهتمامه بمشكلة القيم في البحث الاجتماعي. ولم يكن المقصود أن يتحول البحث العلمي إلى خطاب سياسي، وإنما الاعتراف بأن اختيار المشكلات والبيانات والأسئلة نفسها يرتبط بالسياق الاجتماعي الذي يعيش فيه الباحث.
وهذا الجانب من فكره جعله شخصية مهمة ليس فقط في تاريخ الاقتصاد، بل أيضًا في تاريخ العلوم الاجتماعية.
الحياة الشخصية: شراكة فكرية وسياسية
تزوج غونار ميردال من ألفا رَيْمَر عام 1924، وأنجبا ثلاثة أبناء.
لكن أهمية ألفا ميردال في سيرته تتجاوز كونها زوجته. فقد كانت هي الأخرى شخصية سياسية ودبلوماسية بارزة، وحصلت عام 1982 على جائزة نوبل للسلام تقديرًا لجهودها في نزع السلاح والمفاوضات الدولية.
وبذلك أصبح الزوجان من الحالات النادرة في تاريخ جائزة نوبل؛ فقد حصل كل منهما على جائزة في مجال مختلف وبصورة مستقلة.
ولا يمكن فصل هذا الجانب من حياة غونار ميردال عن اهتمامه بقضايا الأسرة والسكان والرفاه الاجتماعي، وهي موضوعات شارك في مناقشتها مع ألفا في أعمال مبكرة، من بينها الكتاب السويدي «أزمة المسألة السكانية» الذي صدر عام 1934.
لكن من المهم ألا تتحول حياته الزوجية إلى محور السيرة؛ فالقيمة الأساسية في تجربته تكمن في المشروع الفكري الذي امتد من الاقتصاد إلى السياسة والمجتمع والتنمية.
ما الذي بقي من ميردال؟
ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: هل كانت كل توقعات ميردال صحيحة؟
فالجواب التاريخي واضح: لا.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل ما زالت طريقته في طرح المشكلات مفيدة؟
هنا تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا وإيجابية.
عندما يدرس الاقتصادي اليوم الفقر، فإنه يجد صعوبة في تجاهل التعليم والصحة ورأس المال البشري والمؤسسات وعدم المساواة. وعندما يدرس التمييز، لا يستطيع اختزاله في قرار فردي، لأن آثاره يمكن أن تنتقل عبر المدرسة وسوق العمل والسكن والدخل والمؤسسات. وعندما يحلل التنمية، يصبح من الضروري النظر في العلاقة بين السياسة والاقتصاد والإدارة والموارد البشرية.
هذه النظرة المركبة هي إحدى أهم الهدايا الفكرية التي تركها ميردال.
لقد كان يدفع الاقتصاد باستمرار إلى السؤال عما يوجد خلف الأرقام.
سيرة أفكار أكثر من كونها سيرة أحداث
تكشف سيرة غونار ميردال أن أهم ما في حياة المفكر لا يكون دائمًا في عدد المناصب التي شغلها أو الجوائز التي حصل عليها، وإنما في الأسئلة التي تركها مفتوحة بعد رحيله.
بدأ ميردال باحثًا في الاقتصاد النقدي والتقلبات، ثم أصبح اقتصاديًا اجتماعيًا، ثم باحثًا في العلاقات العرقية، ثم مفكرًا في التنمية، ثم مسؤولًا سياسيًا ودوليًا.
لكن هذه المسارات لم تكن منفصلة كما قد تبدو.
كان هناك خيط واحد يجمعها: البحث عن العلاقات المتبادلة بين الظواهر.
فالاقتصاد عنده لا يعمل في فراغ. والمؤسسة تؤثر في الاقتصاد، والاقتصاد يعيد تشكيل المجتمع، والمجتمع يؤثر في السياسة، والسياسة تعيد صياغة المؤسسات.
ومن هنا جاءت قوة مفهوم السببية التراكمية: لأن المجتمع لا يتحرك دائمًا في دوائر منفصلة، بل في عمليات متشابكة يستطيع بعضها أن يعزز بعضًا.
الخاتمة: الإرث الذي لم ينتهِ
توفي غونار ميردال في 17 مايو 1987، بعد حياة امتدت قرابة تسعة عقود، شهد خلالها تحولات كبرى في الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
كان عالمًا في الاقتصاد، لكنه لم يقبل أن يبقى الاقتصاد محصورًا في الكتب والمعادلات. وكان عالم اجتماع دون أن يتخلى عن أدوات الاقتصاد. وكان سياسيًا دون أن يحول البحث الأكاديمي إلى مجرد وسيلة سياسية.
ولهذا يصعب اختصار سيرة غونار ميردال في جائزة نوبل أو في كتاب واحد.
أما سبب فوز غونار ميردال بجائزة نوبل، وفق الصياغة الرسمية، فيرتبط بعمله الرائد في نظرية النقود والتقلبات الاقتصادية وتحليله للعلاقات المتبادلة بين الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية. لكن قراءة مسيرته كاملة تكشف أن هذا التكريم كان جزءًا من مشروع أوسع بكثير.
وإذا كانت أهم أعمال غونار ميردال تبدأ من أعماله الاقتصادية المبكرة، ثم تمتد إلى «معضلة أمريكية» و«النظرية الاقتصادية والمناطق المتخلفة» و«الدراما الآسيوية»، فإن أهم ما يجمع بينها ليس الموضوع، بل طريقة التفكير.
لقد حاول ميردال أن يرى الاقتصاد داخل الحياة.
ولهذا ظل أثره ممتدًا بعد وفاته: في دراسات عدم المساواة، وفي أبحاث التنمية، وفي فهم العلاقات العرقية، وفي التفكير حول المؤسسات والسياسات العامة.
أما إنجازات غونار ميردال في الاقتصاد، فلا تكمن فقط في نظرية أو نموذج، وإنما في إصراره على أن الظواهر الاقتصادية لا يمكن فهمها حقًا إذا جرى فصلها عن الإنسان والمجتمع والمؤسسة.
وهذه ربما تكون أكثر أفكاره استمرارًا: أن الفقر ليس رقمًا، وأن التمييز ليس حادثة منفردة، وأن التنمية ليست مجرد ارتفاع في الناتج، وأن الاقتصاد، في النهاية، هو أحد الأشكال التي نحاول بها فهم حياة البشر.



