كتب

الشرطة.. هل يستحق 614 صفحة من وقت القارئ؟

1) بطاقة تعريف سريعة

اسم الكتاب: الشرطة
المؤلف: ممدوح الغالي
التصنيف: كتب عامة
الناشر: المكتب العربي للمعارف
عدد الصفحات: 614 صفحة
مدة القراءة المقدّرة: من 15 إلى 16 ساعة

الكتاب، وفق المقتطف المتاح، يدخل في مساحة فكرية تتقاطع فيها موضوعات الدين والسحر والعلم والتقنية، ويستند في جزء من طرحه إلى أفكار عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس، ولا سيما ما ارتبط ببحثه حول السحر والعلاقة بينه وبين الدين.

وهذه نقطة مهمة قبل الشراء: نحن أمام كتاب طويل نسبيًا، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط «ما موضوعه؟»، بل: هل يستحق هذا الموضوع أن يمنحه القارئ 15 أو 16 ساعة من عمره؟

2) لماذا ينجذب القرّاء إلى هذا الكتاب؟

هناك نوع من الكتب يجذب القارئ لأنه يفتح بابًا على منطقة ظلت غامضة في ذهنه.

العلاقة بين الدين والسحر واحدة من هذه المناطق. فهما مفهومان متجاوران في تاريخ المجتمعات الإنسانية، لكن التمييز بينهما ليس دائمًا بسيطًا. أين ينتهي الاعتقاد الديني ويبدأ السحر؟ وهل يمكن النظر إلى السحر باعتباره ممارسة تختلف عن الدين في الغاية والوظيفة؟ وماذا يحدث عندما نقارن ذلك كله بالعلم والتقنية؟

المقتطف المتاح من الكتاب يطرح هذه المساحة بوضوح، من خلال الإشارة إلى مارسيل موس ومحاولته التمييز بين الدين والسحر استنادًا إلى أهداف كل منهما.

هذا النوع من الأسئلة هو ما يمكن أن يدفع القارئ إلى الكتاب؛ ليس بحثًا عن إجابة سريعة، وإنما رغبة في فهم ظاهرة رافقت الإنسان طويلًا.

لكن الفضول وحده لا يكفي لكتاب من 614 صفحة.

3) ما الذي يدور حوله الكتاب فعلًا؟

من المعلومات المتاحة، يبدو أن الكتاب ينشغل بتحليل مفاهيم وممارسات تقع عند تقاطع الدين والسحر، مع محاولة وضعها داخل إطار فكري أوسع.

والمقتطف الذي يربط بين السحر والدين، ثم يستحضر التشبيه بالفارق بين العلم والتقنية، يكشف أن المؤلف لا يكتفي، على الأقل في الجزء المتاح، بسرد معلومات عن الظاهرة، بل يحاول تقديم تفسير لها.

وهذا فارق مهم.

فالكتاب الذي يتحدث عن السحر يمكن أن يكون كتابًا تاريخيًا، أو أنثروبولوجيًا، أو دينيًا، أو اجتماعيًا، أو مجرد عرض للمعتقدات والممارسات. أما حين يدخل مارسيل موس في النقاش، فإن القارئ يتوقع مساحة أكبر للتحليل المفاهيمي والاجتماعي.

ومع ذلك، لا تكفي البيانات المتاحة للحكم على البناء الكامل للكتاب أو على مدى اتساع مناقشته لهذه الموضوعات في جميع فصوله. لذلك سيكون من غير المنصف أن ننسب إليه تفاصيل لم تظهر في المادة المقدمة.

4) ماذا سيعيش القارئ داخل هذا الكتاب؟

القراءة هنا تبدو أقرب إلى رحلة فكرية طويلة منها إلى قراءة سريعة.

614 صفحة ليست رقمًا عابرًا. والقارئ الذي يقتني الكتاب يحتاج إلى الاستعداد لقراءة ممتدة، خصوصًا إذا كان المحتوى يعتمد على المفاهيم والمقارنات والتحليل.

المقتطف المتاح يوحي بلغة ذات طابع فكري، وهو أمر قد يكون مناسبًا للقارئ الذي يستمتع بالتوقف عند المصطلح ومناقشة الفكرة، لكنه قد يصبح أكثر إرهاقًا لمن يبحث عن كتاب سريع ومباشر.

ومن الناحية الشعورية، من المرجح أن تكون التجربة قائمة على إثارة الأسئلة أكثر من تقديم المتعة السردية؛ فالموضوع نفسه يدعو إلى التأمل في كيفية تفسير البشر للعالم من حولهم، وكيف نشأت أنماط مختلفة من الاعتقاد والممارسة.

لكن هناك فارقًا بين كتاب طويل يبرر طوله، وكتاب طويل يطلب من القارئ صبرًا أكبر مما تمنحه الفكرة.

وهذا تحديدًا من الأمور التي ينبغي أن يضعها القارئ في حسابه قبل الشراء.

5) القيمة الحقيقية للكتاب

القيمة الأساسية التي يمكن استنتاجها من المادة المتاحة تكمن في موضوعه وطموحه التحليلي.

فالكتاب يقترب من سؤال إنساني قديم: كيف فهم الإنسان القوى التي لا يستطيع تفسيرها؟ وكيف تشكلت الحدود بين ما يعتقده دينيًا، وما يمارسه سحريًا، وما يفسره علميًا؟

والاستناد إلى مارسيل موس يمنح الموضوع مدخلًا من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، بدل الاقتصار على الحديث عن المعتقدات بوصفها ظواهر منفصلة عن المجتمع.

هذه قيمة حقيقية للقارئ الذي يريد أن يتعلم كيف ينظر إلى الأفكار داخل سياقها الإنساني.

لكن هل يقدم الكتاب جديدًا بصورة مؤكدة؟

هنا يجب أن نكون أكثر تحفظًا. المعلومات المقدمة لا تكشف بما يكفي عن منهج الكتاب كاملًا، ولا عن مقدار الإضافة التي يقدمها المؤلف إلى الدراسات السابقة، ولذلك لا يمكن الجزم بأنه يطرح رؤية جديدة أو أنه مجرد إعادة عرض لأفكار معروفة.

وبالنسبة إلى القارئ، هذه ليست ملاحظة هامشية؛ فكتاب من 614 صفحة يحتاج إلى قيمة معرفية تتناسب مع حجمه.

6) أين ينجح الكتاب فعلًا؟

أبرز نقاط القوة التي يمكن الحديث عنها بثقة، استنادًا إلى المعلومات المتاحة، هي:

أولًا: اختيار موضوع مثير للأسئلة.
العلاقة بين الدين والسحر والعلم من الموضوعات التي تسمح بفتح نقاش واسع حول الإنسان والمجتمع والمعرفة.

ثانيًا: الحضور الفكري لمارسيل موس.
الإشارة إلى أحد أعلام الأنثروبولوجيا الاجتماعية تعني أن الكتاب، في الجزء الذي ظهر لنا، لا يتعامل مع الموضوع بطريقة سطحية تمامًا، وإنما يستعين بإطار فكري معروف.

ثالثًا: إمكانية القراءة التأملية.
مثل هذه الموضوعات لا تمنح القارئ معلومة فقط؛ يمكنها أن تجعله يعيد النظر في مفاهيم كان يتعامل معها باعتبارها واضحة وبسيطة.

رابعًا: اتساع المساحة.
614 صفحة تمنح المؤلف، من حيث المبدأ، مساحة كافية للتفصيل والمناقشة والمقارنة. لكن هذه الميزة تتحول إلى عيب إذا لم تكن الصفحات موظفة بكفاءة.

7) أين يضعف أو يخيّب التوقعات؟

هنا تظهر المشكلة الأولى قبل أن يبدأ القارئ القراءة: حجم الكتاب كبير.

15 إلى 16 ساعة ليست مدة قصيرة بالنسبة إلى كتاب واحد، ولذلك يحتاج القارئ إلى سبب قوي للاستمرار.

كما أن البيانات المتاحة لا تقدم لنا ما يكفي للحكم على جودة بناء الكتاب بالكامل، أو مدى تماسك فصوله، أو مقدار التكرار فيه. ومن ثم لا يصح إصدار حكم قاطع على هذه الجوانب.

لكن القارئ العام ينبغي أن يعرف أن الكتاب قد لا يكون الاختيار الأنسب لمن يريد مدخلًا مبسطًا وسريعًا إلى موضوع الدين والسحر.

أما تقييم الصفحة في المتجر، والبالغ 1.0 من 5 في البيانات التي أرسلتها، فهو إشارة تستحق الانتباه، لكنه لا يكفي وحده للحكم على الكتاب. ومن دون معرفة عدد التقييمات وأسبابها، لا يمكن تحويل الرقم إلى حكم نقدي نهائي.

وهذه نقطة مهمة في مراجعة الشراء: التقييم الرقمي يخبرك بوجود تجربة سلبية لدى بعض القراء، لكنه لا يخبرك بالضرورة لماذا كانت سلبية.

8) لمن هذا الكتاب؟ ولمن قد لا يناسب؟

هذا الكتاب قد يناسب القارئ الذي:

  • يهتم بالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع.
  • ينجذب إلى دراسة الدين والسحر والمعتقدات من منظور فكري.
  • يستمتع بالكتب التي تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات جاهزة.
  • لديه استعداد لقراءة كتاب طويل نسبيًا.
  • لا يبحث بالضرورة عن قراءة خفيفة أو سريعة.

أما القارئ الذي يريد كتابًا تمهيديًا بسيطًا، أو عرضًا مختصرًا لمفهوم السحر وتاريخه، فقد يجد أن 614 صفحة أكثر مما يحتاج إليه.

كذلك قد لا يكون الخيار الأفضل لمن يفضل الكتب التي تقدم نتائج عملية مباشرة؛ فالموضوع، بحسب المتاح، أقرب إلى المعرفة والتحليل منه إلى الإرشاد العملي.

9) هل يستحق الشراء فعلًا؟

الاختيار الأقرب: استعارة أولًا، ثم تقرير الشراء.

ليس لأن الكتاب عديم القيمة، ولا لأن تقييمه المنخفض يعني بالضرورة أنه كتاب سيئ، وإنما لأن المعلومات المتاحة لا تمنح سببًا كافيًا للمجازفة بشراء كتاب من 614 صفحة قبل معرفة أسلوبه الكامل ومستوى تحليله.

إذا كان القارئ مهتمًا تحديدًا بالعلاقة بين الدين والسحر والأنثروبولوجيا، فمن المنطقي أن يمنحه فرصة، والأفضل أن تكون البداية من خلال الاستعارة أو الاطلاع على عينة من الكتاب.

أما إذا كان الدافع مجرد الفضول العام، فقد يكون من الأجدى اختيار كتاب أقصر وأكثر وضوحًا في الموضوع.

وبعبارة عملية: لا أنصح بالشراء الأعمى، لكنني لا أنصح أيضًا بتجاوز الكتاب لمجرد أن تقييمه الرقمي منخفض.

10) الخلاصة قبل الشراء

هناك كتب نشتريها لأن موضوعها يشبه سؤالًا ظل في أذهاننا طويلًا. ويبدو أن «الشرطة» ينتمي إلى هذا النوع من الكتب، على الأقل وفق المقتطف المتاح منه.

لكن الكتاب الطويل يحتاج إلى علاقة واضحة بين حجمه وقيمته. وفي حالة هذا الكتاب، لا تكفي المعلومات المتاحة للحكم بأن الصفحات الـ614 كلها ضرورية، كما لا تكفي لإدانته بسبب التقييم المنخفض.

لذلك، لو كان الكتاب أمام صديق مهتم بالثقافة والأنثروبولوجيا، فسأقول له: استعره أولًا، واقرأ منه ما يكفي لتعرف إن كان أسلوب المؤلف وطريقته في التفكير يناسبانك. إذا وجدت نفسك مستمتعًا بالأسئلة التي يفتحها، فحينها قد يكون الشراء مبررًا. أما إذا كنت تبحث عن إجابة سريعة، فهناك كتب أقصر ستؤدي الغرض.

فالكتاب الجيد لا يُقاس بعدد صفحاته، وإنما بما يجعلنا نفكر فيه بعد أن نغلقه.

 

لمعرفة المزيد: الشرطة.. هل يستحق 614 صفحة من وقت القارئ؟

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى