حكاية العاشق الذي غلبه النوم… إشارات الحب التي لم يفهمها!.. الليلة ١١٧

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فقلت لابنة عمي: دلّيني على شيء أفعله، وارحميني يرحمك الله. وكانت تحبني محبةً عظيمة، فقالت: على رأسي وعيني، ولكن يا ابن عمي قد قلتُ لك مرارًا لو كنتُ أدخل وأخرج لكنتُ أجمع بينك وبينها في أقرب زمن، وأغطّيكما بذيلي، ولا أفعل معك هذا إلا لقصد رضاك، وإن شاء الله تعالى أبذل غاية الجهد في الجمع بينكما، ولكن اسمع قولي وأطع أمري، واذهب إلى نفس ذلك المكان واقعد هناك، فإذا كان وقت العشاء فاجلس في الموضع الذي كنتَ فيه، واحذر أن تأكل شيئًا؛ لأن الأكل يُجلب النوم، وإياك أن تنام، فإنها لا تأتي لك حتى يمضي من الليل ربعه، كفاك الله شرها. فلما سمعتُ كلامها فرحت، وصرت أدعو الله أن يأتي الليل، فلما أتى الليل أردتُ الانصراف، فقالت لي ابنة عمي: إذا اجتمعتَ بها فاذكر لها البيت المتقدم وقت انصرافك. فقلتُ لها: على الرأس والعين.
فلما خرجتُ وذهبتُ إلى البستان وجدتُ المكان مهيأً على الحالة التي رأيتُها أولًا، وفيه ما يُحتاج إليه من الطعام والشراب والنقل والمشموم وغير ذلك، فطلعتُ المقعد وشممتُ رائحة الطعام، فاشتاقت نفسي إليه فمنعتُها مرارًا، فلم أقدر على منعها، فقمتُ وأتيتُ إلى السفرة، وكشفتُ غطاءها فوجدتُ صحن دجاج وحوله أربع زبادي من الطعام، فيها أربعة ألوان، فأكلتُ من كل لون لقمة، وأكلتُ ما تيسر من الحلوى، وأكلتُ قطعة لحم، وشربتُ من الزردة وأعجبتني، فأكثرت الشرب منها بالملعقة حتى شبعتُ وامتلأت بطني، وبعد ذلك انطبقت أجفاني، فأخذتُ وسادة ووضعتها تحت رأسي وقلتُ: لعلّي أتكئ عليها ولا أنام. فأغمضتُ عيني ونمت، وما انتبهتُ حتى طلعت الشمس، فوجدتُ على بطني كعب عظم، وفردة طاب، ونواة بلح، وبذرة خروب، وليس في المكان شيء من فرش ولا غيره، وكأنه لم يكن فيه شيء بالأمس، فقمتُ ونفضتُ الجميع عني، وخرجت وأنا مغتاظ إلى أن وصلتُ إلى البيت، فوجدت ابنة عمي تصعد الزفرات، وتنشد هذه الأبيات:
جسدٌ ناحلٌ وقلبٌ جريحُ
ودموعٌ على الخدود تسيحُ
وحبيبٌ صعبُ التجني ولكنْ
كلُّ ما يفعل المليحُ مليحُ
يا ابن عمي ملأتَ بالوجد قلبي
إن طرفي من الدموع قريحُ
فنهرتُ ابنة عمي وشتمتها، فبكت ثم مسحت دموعها وأقبلت عليّ وقبّلتني، وأخذت تضمّني إلى صدرها وأنا أتباعَد عنها وأعاتب نفسي، فقالت لي: يا ابن عمي، كأنك نمتَ في هذه الليلة. فقلتُ لها: نعم، ولكنني لما انتبهت وجدتُ كعب عظم على بطني، وفردة طاب، ونواة بلح، وبذرة خروب، وما أدري لأي شيء فعلتْ هكذا. ثم بكيتُ وأقبلتُ عليها وقلتُ لها: فسّري لي إشارة فعلها هذا، وقولي لي ماذا أفعل، وساعديني على الذي أنا فيه. فقالت: على الرأس والعين؛ أما فردة الطاب التي وضعتها على بطنك، فإنها تشير لك بها إلى أنك حضرتَ وقلبك غائب، وكأنها تقول لك ليس العشق هكذا، أفلا تعدّ نفسك من العاشقين؟ وأما نواة البلح فإنها تشير لك بها إلى أنك لو كنت عاشقًا لكان قلبك محترقًا بالغرام، ولم تذق لذيذ المنام، فإن لذة الحب كتمرة ألهبت في الفؤاد جمرة؛ وأما بذرة الخروب فإنها تشير لك بها إلى أن قلب المحب مسلوب، وتقول لك اصبر على فراقنا صبر أيوب.
فلما سمعتُ هذا التفسير انطلقت في فؤادي النيران، وزادت بقلبي الأحزان، فصحتُ وقلت: قدّر الله عليّ النوم لقلة بخْتي. ثم قلت لها: يا ابنة عمي، بحياتي عندك تدبّري لي حيلة أتوصّل بها إليها. فبكت وقالت: يا عزيز يا ابن عمي، إن قلبي ملآن بالفكر، ولا أقدر أن أتكلم، ولكن رح الليلة إلى ذلك المكان، واحذر أن تنام؛ فإنك تبلغ المرام، هذا هو الرأي والسلام. فقلتُ لها: إن شاء الله لا أنام، وإنما أفعل ما تأمرينني به. فقامت بنت عمي، وأتت لي بالطعام، وقالت لي: كل الآن ما يكفيك حتى لا يبقى في خاطرك شيء. فأكلتُ كفايتي، ولما أتى الليل قامت بنت عمي وأتتني ببدلة عظيمة، وألبستني إياها، وحلفتني أن أذكر لها البيت المذكور، وحذّرتني من النوم. ثم خرجتُ من عند بنت عمي، وتوجّهت إلى البستان، وطلعت ذلك المقعد، ونظرت إلى البستان، وجعلت أفتح عيني بأصابعي، وأهز رأسي حين جنّ الليل. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.



