حيلة الدهاليز السبعة: حين قاد القدر عزيزًا إلى مصيره الغامض.. الليلة ١٢٣

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لتاج الملوك: فالتفتُّ فرأيتُ نفسي في وسط الدار من داخل الدهليز، ودخلت العجوز أسرع من البرق الخاطف، ولم يكن لها شغل إلا قفل الباب، ثم إن الصبية لما رأتني من داخل الدهليز أقبلت عليَّ وضمّتني إلى صدرها، ورمتني على الأرض وركبت فوق صدري، وعصرت بطني بيدها فغبتُ عن الوجود، ثم أخذتني بيدها ولم أقدر أن أتخلص منها من شدة ما حضنتني، ثم دخلت بي ودخلت العجوز قدامها والشمعة مضيئة معها، حتى قطعت سبعة دهاليز، وبعد ذلك دخلت بي ساحة كبيرة بأربعة لواوين يلعب فيها الخيال بالأكر، ثم أجلستني وقالت لي: افتح عينك. ففتحت عيني وأنا دايخ من شدة ما ضمتني وعصرتني، فرأيت جميع بناء القاعة من أبهج المرمر، وجميع فرشها من الديباج، وكذلك المخدات والمراتب، وهناك دكتان من النحاس الأصفر، وسرير من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر، لا يصلح إلا لملك مثلك، ثم قالت لي: يا عزيز، أي الحالتين أحب إليك؛ الموت أم الحياة؟ فقلت لها: الحياة. فقالت: إذا كانت الحياة أحب إليك فتزوج بي. فقلت: أنا أكره أن أتزوج بمثلك. فقالت لي: إن تزوجت بي تسلم من بنت الدليلة المحتالة. فقلت لها: ومن الدليلة المحتالة؟ فضحكت وقالت: كيف لا تعرفها وأنت لك في صحبتها اليوم سنة وأربعة شهور؟ أهلكها الله تعالى، والله ما يوجد أمكر منها، وكم قتلت شخصًا قبلك، وكم عملت عملة، وكيف سلمت منها ولم تقتلك أو تشوش عليك، ولك في صحبتها هذه المدة؟
فلما سمعتُ كلامها تعجبتُ غاية العجب، فقلت لها: يا سيدتي، ومن عرّفك بها؟ فقالت: أنا أعرفها مثل ما يعرف الزمان مصائبه، لكن قصدي أن تحكي لي جميع ما وقع لك منها حتى أعرف ما سبب سلامتك منها. فحكيتُ لها جميع ما جرى لي معها ومع ابنة عمي عزيزة، فترحمت عليها ودمعت عيناها، ودقت يدًا على يد لما سمعت بموت ابنة عمي عزيزة، وقالت: عوّضك الله فيها خيرًا يا عزيز؛ فإنها هي سبب سلامتك من بنت الدليلة المحتالة، ولولا هي لكنت هلكت، وأنا خائفة عليك من مكرها وشرها، ولكن ما أقدر أن أتكلم. فقلت لها: والله إن ذلك كله قد حصل. فهزّت رأسها وقالت: لا يوجد اليوم مثل عزيزة. فقلت: وعند موتها أوصتني أن أقول هاتين الكلمتين لا غير، وهما: الوفاء مليح، والغدر قبيح. فلما سمعت ذلك مني قالت لي: يا عزيز، والله إن هاتين الكلمتين هما اللتان خلّصتاك منها، وبسببهما ما قتلتك، فقد خلّصتك بنت عمك حيّة وميتة، والله إني كنت أتمنى الاجتماع بك ولو يومًا واحدًا، فلم أقدر على ذلك إلا في هذا الوقت حتى تحيّلت عليك بهذه الحيلة، وقد تمت وأنت الآن صغير لا تعرف مكر النساء، ولا دواهي العجائز. فقلت: لا والله. فقالت لي: طب نفسًا وقرّ عينًا، فإن الميت مرحوم، والحي ملطوف به، وأنت شاب مليح، وأنا ما أريدك إلا بسنة الله ورسوله ﷺ، ومهما أردت من مال وقماش يحضر لك سريعًا، ولا أكلّفك بشيء أبدًا، وأيضًا عندي دائمًا الخبز مخبوز، والماء في الكوز، وما أريد منك إلا أن تعمل معي كما يعمل الديك. فقلت لها: وما الذي يعمله الديك؟ فضحكت وصفّقت بيدها، ووقعت على قفاها من شدة الضحك، ثم إنها قعدت وقالت لي: أما تعرف صنعة الديك؟ فقلت: لا والله ما أعرف صنعة الديك. قالت: صنعة الديك أن تأكل وتشرب وتنيك. فخجلت أنا من كلامها، ثم إني قلت: أهذه صنعة الديك؟ قالت: نعم، وما أريدك الآن إلا أن تشد وسطك، وتقوّي عزمك، وتنيك جهدك. ثم إنها صفّقت بيدها وقالت: يا أمي، أحضري من عندك. وإذا بالعجوز قد أقبلت بأربعة شهود عدول، ثم إنها أوقدت أربع شمعات، فلما دخل الشهود سلّموا عليّ وجلسوا، فقامت الصبية وأرخت عليها أزارًا، ووكّلت بعضهم في ولاية عقدها، وقد كتبوا الكتاب وأشهدت على نفسها أنها قبضت جميع المهر مقدمًا ومؤخرًا، وأن في ذمتها لي عشرة آلاف درهم. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.



