قصص

حين يتحول طلب التعويض إلى خسارة للجميع.. قصة الجرد الناكر للجميل

في سقف منزلٍ قديم، داخل حيزٍ مظلمٍ دامس، كان يعيش جرد.

وفي أحد الأيام، كان الجرد يسير في ممرٍ تحت الأرض، يتلفت حوله، عندما أقبل ابن عرس من الاتجاه المقابل مسرعًا، وهو يحمل أشياءً كثيرة تبدو ثمينة. وما إن رآه حتى توقف لحظة وقال على عجل:

— مرحبًا أيها الجرد! لقد سقطت كرات كثيرة من السكر من الفتحة الموجودة في الخزانة التي تسكن أسفلها. إذا أسرعت، فستحصل على نصيبك منها.

اهتزت شوارب الجرد فرحًا، وانطلق مسرعًا دون أن يشكر ابن عرس.

لكن عندما وصل إلى أسفل الخزانة، شعر فجأة بشيءٍ يلسعه في ساقه، ثم سمع صوتًا حادًا رقيقًا يقول:

— قف مكانك!

نظر الجرد إلى أسفل بدهشة، فرأى نملة. وكان جنود النمل قد أقاموا بالفعل طوقًا حول كرات السكر، وهم يلوحون بفؤوسهم السوداء الصغيرة في وجه كل من يقترب. وكان عشرات منهم منشغلين بتفتيت كرات السكر أو إذابتها تمهيدًا لنقلها إلى مستعمرتهم.

ارتجف الجرد من الخوف.

ثم تقدمت نملة برتبة رقيب أول، وقالت بصوتٍ صارم:

— تراجع! هذه منطقة ممنوع الاقتراب منها. عد إلى منزلك.

استدار الجرد وعاد مسرعًا إلى مكانه المظلم في سقف المنزل، ودخل جحره واستلقى صامتًا وهو في غاية الانزعاج.

لم يكن يستطيع أن يفعل شيئًا أمام جنود النمل؛ فهم أقوياء ومنظمون. لكن ما أغضبه أكثر هو شعوره بأن ابن عرس قد خدعه. فقد قطع كل تلك المسافة بلا فائدة، ثم عاد خالي الوفاض بسبب المعلومات التي تلقاها.

وبعد قليل، خرج من جحره واتجه إلى مسكن ابن عرس خلف سقيفة الأخشاب.

ولما رآه ابن عرس، وكان يطحن بعض حبات الذرة بأسنانه، قال:

— حسنًا، هل حصلت على شيء من كرات السكر؟

قال الجرد غاضبًا:

— أظن أنها كانت خدعة! لقد ضللتني.

تعجب ابن عرس وقال:

— ماذا تعني بكلمة «ضللتك»؟ لقد كانت كرات السكر هناك بالفعل.

— نعم، لكنها كانت قد وقعت في يد النمل.

— هل وصلوا إليها بهذه السرعة؟ إنهم حقًا أسرع المخلوقات.

قال الجرد بعصبية:

— لقد أخذوا كل شيء. يجب أن تعوضني لأنك أرسلتني إلى هناك.

ابتسم ابن عرس وقال:

— ليس ذنبي أنك تأخرت قليلًا.

رد الجرد:

— لا يهم. لا ينبغي أن تجعل من هم أضعف منك يثقون بك ثم يخيب أملهم. أريد تعويضًا!

هز ابن عرس رأسه وقال:

— يا لك من غريب! بدلًا من أن تشكر من أراد مساعدتك، تطالبه بالتعويض. حسنًا، إذا كان هذا يرضيك فسأعطيك حصتي من كرات السكر.

لكن الجرد ظل يردد:

— تعويض… أريد تعويضًا!

تنهد ابن عرس وقال:

— حسنًا، خذها كلها. احمل ما تستطيع منها، ثم غادر. لقد سئمت من شكواك وتذمرك.

وفي نوبة غضب، رمى إليه كرات السكر.

جمع الجرد أكبر قدر استطاع حمله، ثم انحنى استعدادًا للرحيل.

وصاح ابن عرس وهو يزداد غضبًا:

— اخرج! حتى ما تبقى منها لا أريده. سأرميه ليرقات الذباب.

عاد الجرد إلى جحره في سقف المنزل، وأكل كرات السكر جميعها في سرور.

لكن الأيام كشفت نتيجة تصرفه.

فشيئًا فشيئًا، بدأ الجميع ينفرون منه، حتى لم يعد أحد يرغب في مصادقته أو التعامل معه. وحين وجد نفسه وحيدًا، ولم يبقَ له صديق واحد، أخذ يصادق الأعمدة الخشبية، والجواريف المكسورة، والدلاء، والمقشات، وكل ما يقع أمامه من أشياء جامدة.

وكان أكثرها قربًا إلى قلبه عمودٌ خشبي قديم، اتخذه صديقًا يؤنس وحدته.

في أحد الأيام قال له العمود:

— أيها الجرد، سيحل الشتاء قريبًا، ونحن الأعمدة سنبدأ بالصرير من شدة البرد. ينبغي أن تصنع لنفسك فراشًا دافئًا قبل أن يفوت الأوان. ولحسن الحظ، يوجد فوق رأسي كثير من الريش وغيره من الأشياء التي تركتها العصافير في الربيع. لماذا لا تأخذ بعضها إلى منزلك ما دام الجو مناسبًا؟ ربما أشعر بقليل من البرد حول رأسي، لكنني سأتحمل ذلك.

رأى الجرد أن الفكرة جيدة، فشرع في اليوم نفسه، دون تأخير، في نقل الريش إلى جحره. لكن لسوء حظه، كان في الطريق منحدر شديد الانحدار، وفي رحلته الثالثة انزلق وسقط.

ارتبك العمود وصاح منحنياً محاولًا أن يرى ما حدث:

— هل تأذيت، أيها الجرد؟ هل أصابك مكروه؟

وبعد لحظات نهض الجرد، وقد بدا الغضب على وجهه، وقال:

— أيها العمود، لقد صدمتني! كيف تسمح بحدوث شيء كهذا لشخص مثلي؟

قال العمود، وهو يشعر بالذنب:

— أنا آسف، أيها الجرد… سامحني.

لكن الجرد استغل الموقف وقال:

— ليست المسألة مسألة اعتذار. لو لم تنصحني بنقل هذا الريش لما سقطت. لذلك أريد تعويضًا… ادفع حالًا!

أجابه العمود بحزن:

— لكنك تعلم أنني لا أملك شيئًا أعوضك به.

صرخ الجرد:

— ادفع! لن أسمح لأحد أن يستغلني. لن أتراجع عن طلبي.

ولم يجد العمود ما يفعله، فبكى في صمت، بينما عاد الجرد إلى منزله خالي الوفاض. ومنذ ذلك اليوم، صار العمود يخشى حتى أن يوجه إليه كلمة واحدة.

وبعد فترة، قدم الجاروف للجرد نصف كعكة كان أحدهم قد تركها. وفي اليوم التالي، صادف أن أصيب الجرد بألم في معدته، فأخذ يطالب الجاروف، مرة بعد أخرى، بتعويض، متهمًا إياه بأنه السبب فيما أصابه. ولم يجد الجاروف سوى أن يشعر بالاشمئزاز من تصرفه، ويقرر ألا يصادقه مرة أخرى.

ثم جاء دور الدلو، الذي أعطى الجرد قطعة من صودا الغسيل، ونصحه بأن يغسل بها وجهه كل صباح.

فرح الجرد بالنصيحة، وبدأ يستخدمها بالفعل. لكن بعد أيام قليلة سقطت عشر شعرات من شاربيه، فذهب غاضبًا إلى الدلو، وظل يطالبه، مرارًا وتكرارًا، بدفع تعويض.

ولأن الدلو لم يكن يملك شوارب، ولا أي شيء يمكن أن يعوضه به، لم يجد سوى أن يعتذر ويبكي في حيرة. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد يتحدث إلى الجرد مطلقًا.

وهكذا، واحدًا تلو الآخر، مر جميع سكان المطبخ بالتجربة نفسها، حتى تعلموا أن يتجنبوا الجرد. وأصبحوا، ما إن يلمحوه، يبتعدون عنه مسرعين.

في الحقيقة، لم يبقَ سوى شيء واحد لم تكن له أي علاقة بالجرد، وهي مصيدة الجرذان المصنوعة من شبكة سلكية.

ومن المفترض أن تكون هذه المصيدة في صف البشر، لكنها كانت تشعر بالضيق في الآونة الأخيرة بسبب الإعلانات التي تُنشر في الصحف، والتي تظهر فيها إلى جانب قطة، مع عبارة توحي بأنها أداة تُستخدم مرة واحدة ثم تُلقى جانبًا.

ولم يكن البشر، في نظرها، قد أحسنوا معاملتها يومًا؛ فقد كانوا يتجنبون لمسها، وكأنها شيء منفر. لذلك أصبحت أقل تعاطفًا مع البشر، وأكثر ميلًا إلى الجرذان، رغم أن معظم الجرذان كانوا يخافون الاقتراب منها.

وكانت تناديهم كل ليلة بصوت لطيف:

— تعالوا أيها الجرذان! لدينا الليلة رأس سمكة ماكريل شهي. سأبقي المزلاج ممسكًا حتى تنتهوا من الطعام، فلا تخافوا. أنا لست ممن يغلق الباب خلف ضيوفه، كما أنني لا أحب البشر أكثر مما تحبونهم.

لكن الجرذان كانت ترد دائمًا بحذر:

— ها! لن أقع في هذا الفخ.

أو يقول أحدهم:

— حقًا؟ حسنًا… سأستشير بقية أفراد عائلتي أولًا.

وفي صباح اليوم التالي، كان الخادم يأتي ليتفقد المصيدة، ثم يقول متذمرًا:

— لا شيء مرة أخرى! يبدو أن الجرذان تعرف أمر هذه المصيدة. لا بد أنهم يتعلمون ذلك في مدرسة الجرذان! حسنًا، سأجرب يومًا آخر.

ثم يغيّر الطُعم وينصرف.

وفي إحدى الليالي، عادت المصيدة تنادي:

— تعالوا… تعالوا! لدينا الليلة قطعة لذيذة من كعك السمك الطري. خذوا الطُعم فقط، فهو آمن تمامًا… أسرعوا!

وتصادف أن الجرد، الذي كان يعيش في سقف المنزل، مر من هناك في تلك اللحظة، فتوقف وسألها:

— هل تسمحين لي حقًا أن آخذ الطُعم؟

قالت المصيدة:

— حسنًا، مرحبًا. أنت جرد جديد هنا، أليس كذلك؟

قال الجرد:

— نعم، بالطبع.

قفز الجرد إلى داخل المصيدة، والتهم كعكة السمك بأكملها، ثم قفز خارجها مرة أخرى وقال:

— كان ذلك لذيذًا جدًا، شكرًا لك.

قالت المصيدة:

— هل أعجبك؟ أنا سعيدة بذلك. تعال غدًا أيضًا.

وفي صباح اليوم التالي، جاء الخادم ليتفقد المصيدة، فقال غاضبًا:

— اللعنة! لقد اختفى الطُعم. يبدو أن هذا الجرد ماكر. لكن الأمر الجيد أنه دخل المصيدة. حسنًا… سأضع له اليوم نصف سمكة سردين.

ووضع نصف سمكة سردين طُعمًا، ثم غادر.

أغلقت المصيدة بابها برفق، وأخذت تنتظر وصول الجرد.

وما إن حل الظلام حتى ظهر.

قال الجرد، بنبرة متعالية:

— مساء الخير. لقد جئت كما طلبتِ مني.

شعرت المصيدة بشيء من الضيق، لكنها كتمت انزعاجها وقالت بهدوء:

— تفضل… الطعام في الداخل.

قفز الجرد إلى داخل المصيدة، وأكل قطعة السردين، ثم خرج مرة أخرى وقال باستعلاء:

— سأعود غدًا أيضًا، وآكل من أجلك مرة أخرى.

تمتمت المصيدة في ضيق:

— يا لهذا الوقح!

وفي صباح اليوم التالي، جاء الخادم ليتفقد المصيدة، فازداد غضبه وقال:

— يا له من حيوان ماكر! لكنني لا أفهم كيف ينجح في أكل الطُعم كل ليلة ثم يهرب! يبدو أن هذه المصيدة قد أخذت منه رشوة!

صرخت المصيدة في استياء، لكن الخادم لم يكن قادرًا على سماعها:

— لم أفعل شيئًا من هذا القبيل! يا لها من إهانة!

ثم وضع الخادم طُعمًا جديدًا، لكنه هذه المرة كان قطعة من كعك السمك المتعفن.

وظلت المصيدة طوال النهار غاضبة من الاتهام الظالم الذي وُجه إليها.

وحين أقبل الليل، جاء الجرد مرة أخرى، وقال وكأن الأمر كله يثقل عليه:

— آه… ليس من السهل أن آتي إلى هنا كل يوم، وكل ذلك من أجل قطعة صغيرة من السمك! لقد سئمت. لكن بما أنني حضرت، فسوف أسدي لك معروفًا وآكل الطُعم… مساء الخير أيتها المصيدة.

كانت المصيدة تغلي من الغضب، ولم تستطع أن تقول إلا:

— تفضل… افعل ما تشاء.

قفز الجرد إلى داخلها، لكنه ما إن رأى قطعة كعك السمك حتى صرخ:

— هذا لا يُطاق! إنها متعفنة! كيف تجرئين على تقديم شيء كهذا لمخلوق ضعيف مثلي؟ أريد تعويضًا… تعويضًا!

بلغ غضب المصيدة حدًّا جعل أسلاكها ترتجف بعنف، ومن شدة الاهتزاز انفلت المزلاج الذي كان يثبت الباب، فانغلق باب المصيدة فجأة.

وهكذا انحبس الجرد في الداخل.

أصابه الذعر، فأخذ يعض الأسلاك، ويدور في دوائر، ويضرب الأرض بعنف، وهو يصرخ ويبكي:

— أيتها الكاذبة! أيتها المخادعة!

ضج المكان بصراخه، لكنه هذه المرة لم يفكر في المطالبة بأي تعويض.

أما المصيدة، فقد كانت ترتجف هي الأخرى من شدة الألم والسخط، ولم تستطع أن تفعل شيئًا سوى الاهتزاز في صمت.

واستمر الحال كذلك حتى الصباح.

ولما جاء الخادم، وفتح الباب ليتفقد المصيدة، تهلل وجهه، وأخذ يقفز من الفرح وهو يصيح:

— لقد أمسكت به! أخيرًا وقع في الفخ! يا له من حيوان مزعج!

ثم قال وهو يفتح باب المصيدة:

— هيا… اخرج الآن، أيها الصغير.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى