قصص

فيلياس فوج وباسبارتو.. بداية رحلة الرجل الأكثر دقة في العالم.. الليلة(١)

كان السيد فيلياس فوج يعيش في 7 شارع سافيل رو، بلندن في إنجلترا. ومنذ أمدٍ بعيد، كان شاعرٌ مشهور يقطن في ذلك المنزل، وقال البعض إن فيلياس يشبه ذلك الشاعر، لكن لم تكن تجمعهما صلة قرابة.

كان فيلياس رجلًا طويل القامة، أسود الشعر، ترتسم الجدية على ملامحه. وقد بلغ الأربعين من عمره في آخر عيد ميلاد له، وبدأ الشيب يخط شعر رأسه ولحيته. ولم يكن أحد يعرف عن فيلياس فوج شيئًا سوى ملامحه، وأنه كان ثريًّا.

عاش فيلياس وحده في المنزل الواقع في شارع سافيل رو، ومعه خادمه. وإذا لم يكن فيلياس موجودًا في المنزل، فإنه عادةً ما يكون موجودًا في نادي ريفورم كلوب؛ إذ كان ذلك هو المكان الذي اعتاد أن يتناول فيه معظم وجباته.

ومع تغيّب سيد المنزل وقتًا طويلًا من النهار، لم تكن لدى الخادم قائمة طويلة من المهام اليومية، غير أن قائمة المهام القصيرة كانت شديدة الأهمية.

كان فيلياس فوج شديد الاعتناء بالطريقة التي يريد بها تنفيذ الأمور؛ إذ لا بد أن يتم كل شيء على نحو شديد الدقة.

وفي ذلك الصباح، طرد فيلياس خادمه جيمس فورستر؛ لأنه أحضر له ماء الحلاقة أبرد بدرجتين مما يُفترض!

كان فيلياس جالسًا على أريكة في غرفة معيشته، منتظرًا وصول خادمه الجديد. وفي أحد أركان الغرفة، كانت هناك ساعة حائط غريبة، تظهر بها الساعات والدقائق والثواني والأيام والأشهر والسنوات.

وكان فيلياس يضبط حياته على عقارب تلك الساعة، وكان تحرك عقارب الساعة جميعها في وقت واحد مشهدًا رائعًا.

كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف إلا بضع دقائق فقط، وكان فيلياس في سبيله إلى مغادرة المنزل متجهًا إلى نادي ريفورم كلوب في تمام الحادية عشرة والنصف.

وفي ذلك الوقت، طرق جيمس باب الغرفة، ثم دخل. وكان قد انتهى لتوه من حزم أمتعته، وكان في طريقه إلى خارج المنزل.

قال جيمس:

— الخادم الجديد، يا سيدي.

ثم استدار وغادر الغرفة مسرعًا.

تقدّم شاب يقترب عمره من الثلاثين، وانحنى قائلًا:

— اسمي جان باسبارتو.

سأله فيلياس:

— كم الساعة الآن؟

أخرج باسبارتو ساعة جيبه، ونظر فيها بإمعان، وقال:

— الحادية عشرة واثنتان وعشرون دقيقة، يا سيدي.

رد فيلياس:

— إن ساعتك متأخرة.

قال باسبارتو:

— عذرًا يا سيدي، لكن ذلك مستحيل.

كرر فيلياس:

— إن ساعتك متأخرة أربع دقائق.

ثم قال:

— حسنًا، بدءًا من هذه اللحظة، الحادية عشرة وست وعشرون دقيقة من يوم الأربعاء الموافق الثاني من أكتوبر لعام 1867، أنت الآن خادمي.

وبمجرد الانتهاء من هذه العبارة، هبَّ فيلياس فوج واقفًا على قدميه، ثم ارتدى قبعته وغادر المنزل.

تردّد صوت إغلاق الباب في الردهات الخالية، وحينئذٍ همس باسبارتو لنفسه:

— يا إلهي! لقد رأيت أشخاصًا في متحف شمع مدام تيسو أكثر حيويةً من سيدي الجديد!

كان باسبارتو يبحث عن المكان الأمثل ليعمل فيه منذ أن غادر باريس قبل خمس سنوات. وعندما علم أن فيلياس فوج يبحث عن خادم جديد، اغتنم الفرصة على الفور ليعمل لديه.

كان يعلم أن السيد فوج رجل شديد التنظيم، ويحب تنفيذ كل شيء على نحو معين. وكان باسبارتو يبحث عن نظام عمل جيد وثابت، وفي حقيقة الأمر، كان ما يريده باسبارتو قبل أي شيء آخر هو حياةً منظمة.

وبينما كان باسبارتو يخرج من الغرفة، ومنها إلى الرواق، فكّر فيما حدث قبل وقت قصير. كان من الصعب التنبؤ بكيفية سير الأمور بينه وبين السيد فوج من خلال هذا اللقاء القصير، فتساءل باسبارتو:

— هل سأتمكن من أداء هذه الوظيفة على النحو الذي يرجوه؟

بدأ باسبارتو في استكشاف المنزل استكشافًا تامًّا، فوجده منزلًا شديد النظافة، حتى إنه كان يلمع، وكان كل شيء في مكانه.

وبينما كان ينظر حوله في الطابق الثاني، وجد غرفة نومه، وكانت بها أجراس كهربائية وأنابيب تخاطب تساعده على البقاء متصلًا بالطوابق السفلية.

كما كانت هناك ساعة كهربائية فوق رفّ المدفأة، وكانت شديدة الشبه بالساعة الموجودة في غرفة معيشة السيد فوج، بل وكانت تُظهر التوقيت نفسه.

قال باسبارتو:

— سيكون ذلك مُجديًا… سيكون مُجديًا!

ثم ألقى نظرة خاطفة على الساعة، ولاحظ أن قطعةً من الورق معلّقة على الحائط، وكانت تتضمن جدولًا بجميع مهامه الروتينية.

فكّر باسبارتو:

— عظيم! يمكنني الآن أن أتعلم النظام المعتاد أيضًا.

كان اليوم بأكمله منظمًا؛ إذ يستيقظ السيد فوج في تمام الثامنة صباحًا، ويجب أن يُحضَر له طعام الإفطار بعد ثلاث وعشرين دقيقة بالضبط من ذلك الوقت. وفي الساعة التاسعة وسبع وثلاثين دقيقة، كان يحب أن يحلق ذقنه.

وهكذا عرف باسبارتو ما يجب أن يفعله في كل لحظة من لحظات اليوم. فقد كان هناك، في الحقيقة، نظام لكل شيء؛ حتى ملابس السيد فوج وأحذيته كانت مُرقَّمة وفقًا للوقت الذي يرتديها فيه، صيفًا كان أم خريفًا.

وبعد أن انتهى باسبارتو من رؤية كل كبيرة وصغيرة في المنزل، قال بصوت مرتفع:

— ستسير الأمور بيني وبين السيد فوج على خير ما يُرام. هذا ما كنت أريده بالضبط.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى