كتب

مراجعة كتاب «شمعة الميلاد» لسعيد الدرمكي: حين تصبح الأسطورة ذاكرةً لا ماضيًا

هناك كتب نلتقطها لأن عنوانها يلفت النظر، وكتبًا أخرى لأن موضوعها يوقظ فضولًا قديمًا في داخلنا. أما «شمعة الميلاد» فسحرها يبدأ من منطقة ثالثة: الرغبة في العودة إلى مجتمع كانت الأسطورة فيه جزءًا من تفسير العالم، قبل أن تتراجع أمام التعليم والتحولات الاجتماعية الحديثة، لكنها لم تختفِ تمامًا من الذاكرة.

المهم هنا أن الكتاب لا يبدو، بحسب ما هو منشور عنه، محاولة لتوثيق التراث العُماني توثيقًا مباشرًا، ولا دراسة اجتماعية جافة للمعتقدات؛ بل هو مجموعة قصصية تستعيد بعضًا من الواقع الاعتقادي والأسطوري في المجتمع العُماني، وتحوله إلى مادة سردية. وقد صدرت المجموعة عن «الآن ناشرون وموزعون»، وتضم 13 قصة في نحو 72 صفحة وفق المصادر المنشورة عن الكتاب.

1) بطاقة تعريف سريعة

  • اسم الكتاب: شمعة الميلاد
  • المؤلف: سعيد الدرمكي
  • التصنيف: مجموعة قصصية / أدب عربي معاصر
  • الناشر: الآن ناشرون وموزعون
  • عدد الصفحات: 72 صفحة في بعض بيانات الطبعة المنشورة، بينما تعرض بعض المنصات 75 صفحة؛ لذلك يُفضّل اعتماد عدد صفحات النسخة التي سيشتريها القارئ.
  • سنة النشر: 2022 بحسب بعض بيانات البيع، بينما يسجل الناشر المجموعة ضمن إصداراته لعام 2023؛ ويبدو أن هناك اختلافًا بين تاريخ الإتاحة/الطبعة وتاريخ إدراج الإصدار.
  • عدد القصص: 13 قصة بحسب المصادر الصحفية التي تناولت المجموعة.

أما المؤلف، سعيد الدرمكي، فهو حاصل على الدكتوراه في الفلسفة والماجستير في إدارة الأعمال، وله تجربة في الكتابة الثقافية والمسرحية إلى جانب عمله الأكاديمي.

2) لماذا ينجذب القرّاء إلى هذا الكتاب؟

ربما لأننا جميعًا، بدرجات مختلفة، نعيش بين عالمين: عالم نعرفه بالعقل، وعالم آخر تركته لنا الحكايات القديمة.

في طفولة كثير من المجتمعات العربية، لم تكن الأسطورة مجرد قصة للتسلية. كانت وسيلة لتفسير المرض والموت والخصوبة والطبيعة والمجهول. وكانت الحكاية الشعبية قادرة على أن تمنح الأشياء الغامضة أسماءً وصورًا يمكن للناس احتمالها.

من هنا تأتي جاذبية «شمعة الميلاد».

الكتاب يفتح بابًا على المجتمع العُماني في لحظة انتقال؛ حين بدأت بعض الأعراف والمعتقدات والأساطير تواجه التحولات الاجتماعية والفكرية. وتذكر المصادر التي تناولت المجموعة أن القرية العُمانية تحضر بقوة في عدد من القصص، وأن الأسطورة لا تظهر بوصفها عنصرًا خارجيًا عن الحياة، بل جزءًا من الطريقة التي يرى بها الناس عالمهم.

وهذا تحديدًا قد يجذب القارئ الذي لا يبحث عن قصة فقط، وإنما يريد أن يرى كيف يمكن للأدب أن يحفظ شيئًا من ذاكرة مجتمع دون أن يتحول إلى كتاب تاريخ.

3) ما الذي يدور حوله الكتاب فعلًا؟

جوهر المجموعة هو العلاقة بين المعتقد والأسطورة والواقع الاجتماعي.

لكن الجميل في الفكرة أن الدرمكي لا يضع الأسطورة في متحف أدبي، بل يجعلها تتحرك داخل حياة الشخصيات. فالواقع قد يبدأ بسيطًا، ثم تتدخل المخيلة الجمعية في تفسيره، فتضيف إليه وتعيد تشكيله حتى يصبح الحدث نفسه حكاية قابلة للتداول.

في قصة «القرية الظالمة» مثلًا، يظهر هذا الاشتباك بوضوح من خلال شجرة «الغافة» التي يتبرك بها الناس، بينما ينظر إليها بطل القصة نظرة مختلفة، ويرى فيها «شجرة إبليس». هنا لا تعود الشجرة مجرد شجرة؛ إنها تصبح نقطة صراع بين تصورين للعالم.

وهذه واحدة من الأفكار الأكثر أهمية في المجموعة: الخرافة لا تعمل فقط عندما يصدقها الإنسان؛ بل عندما تؤثر في سلوكه وعلاقته بالآخرين وطريقته في تفسير الواقع.

لذلك لا تبدو «شمعة الميلاد» معنية بالماضي وحده. الماضي هنا مرآة للحاضر أيضًا.

4) ماذا سيعيش القارئ داخل هذا الكتاب؟

إذا كنت تبحث عن سرد قصصي واقعي مباشر، يسير من الحدث إلى النتيجة بأقل قدر من الالتواء، فقد تجد بعض نصوص المجموعة مختلفة عن توقعك.

فبحسب القراءات المنشورة عنها، يستخدم الدرمكي الاسترجاع والاستباق والرمز والأحلام والكوابيس، ويدفع بعض القصص نحو مناطق نفسية أكثر تعقيدًا.

وهذا يعني أن تجربة القراءة ليست كلها حكايات عن قرية وماضٍ ومعتقدات قديمة. هناك طبقة أخرى تحت الأحداث: الخوف، الذاكرة، الصراع بين الموروث والرغبة في التغيير، وحنين الإنسان إلى مكان لم يعد موجودًا تمامًا.

ومن أكثر ما يمكن أن يمنح المجموعة نكهتها الخاصة حضور المكان العُماني، خصوصًا القرية والطبيعة والبحر والجبل والشجرة. أحد النصوص التي نُشرت عن المجموعة يستعيد حنين شخصية إلى طفولة مرتبطة بالبحر والأشجار والجبال وصيادي القرية، فيبدو المكان نفسه جزءًا من الذاكرة وليس مجرد خلفية للأحداث.

ولهذا أتصور أن إيقاع الكتاب سيكون أقرب إلى قراءة متأنية لمجموعة من الذاكرات المتجاورة، لا إلى رواية طويلة ذات حبكة واحدة تنتظر معرفة نهايتها.

5) القيمة الحقيقية للكتاب

القيمة الأساسية لـ«شمعة الميلاد» ليست في أنها تخبر القارئ أن الأساطير كانت موجودة؛ فهذه فكرة معروفة.

قيمتها في سؤال أكثر عمقًا:

ماذا تفعل الأسطورة بالإنسان عندما تصبح جزءًا من وعي المجتمع؟

هذه النقطة تمنح المجموعة قيمة تتجاوز حدود البيئة العُمانية، حتى لو بقيت جذورها واضحة فيها.

فالقارئ العربي يستطيع أن يرى شيئًا مألوفًا في هذه التجربة: مجتمع يتغير، لكن ذاكرته لا تتغير بالسرعة نفسها. معتقدات تتراجع، لكنها لا تختفي بالضرورة. حكايات قديمة تتبدل أشكالها، لكنها تستمر في اللغة والخوف والعادات والخيال.

ومن هذه الزاوية، لا تقدم المجموعة معرفة «عملية» بالمعنى المعتاد، لكنها تمنح القارئ معرفة إنسانية وثقافية: فهمًا أفضل لكيفية تشكل الوعي الجمعي، وكيف يمكن للمكان والذاكرة والمعتقد أن تتحول جميعًا إلى مادة أدبية.

لكن من المهم ألا نحمّل الكتاب أكثر مما يحتمل. فهو في النهاية مجموعة قصصية، وليس دراسة أنثروبولوجية أو بحثًا أكاديميًا في الأسطورة العُمانية.

6) أين ينجح الكتاب فعلًا؟

أولًا: في اختيار منطقة سردية واضحة

المجموعة لا تبدو مشتتة بين موضوعات لا علاقة بينها؛ فالمعتقد والأسطورة والمجتمع العُماني تشكل محورًا واضحًا في عدد كبير من نصوصها.

ثانيًا: في تحويل الموروث إلى سؤال إنساني

حين تصبح الأسطورة سببًا للصراع أو الخوف أو الحنين، فإن القارئ لا يتعامل معها بوصفها معلومة عن الماضي، بل بوصفها تجربة بشرية.

ثالثًا: في حضور المكان

القرية والطبيعة والبحر ليست مجرد أسماء جغرافية في الصورة المنشورة عن المجموعة؛ إنها مرتبطة بذاكرة الشخصيات وماضيها. وهذا يجعل البيئة العُمانية جزءًا من هوية السرد.

رابعًا: في المساحة التي تتركها الرموز

استخدام الأحلام والكوابيس والاستعارات والرموز يسمح للقارئ بألا يأخذ القصة على مستوى واحد فقط.

وهنا تحديدًا قد يجد القارئ الذي يحب القصص القابلة للتأويل متعة إضافية؛ لأن بعض النصوص لا تنتهي بالضرورة عند آخر سطر فيها.

7) أين يضعف أو يخيّب التوقعات؟

هنا ينبغي أن نكون منصفين: المعلومات المنشورة المتاحة عن المجموعة لا تكفي لإصدار حكم تفصيلي على كل قصة أو على البناء الكامل للكتاب، ولذلك لا يصح أن ننسب إلى المجموعة عيوبًا محددة لم نقرأها في نصوصها كاملة.

لكن يمكن الإشارة إلى بعض التوقعات التي ينبغي أن يعرفها القارئ قبل الشراء.

أولها أن الاشتغال الكثيف على الأسطورة والمعتقد قد لا يناسب كل القراء. من يفضل القصة الواقعية الحديثة ذات المشكلات اليومية المباشرة ربما يجد هذا النوع من السرد أكثر اعتمادًا على الرمز والموروث.

وثانيها أن توظيف الأحلام والاسترجاعات والرموز قد يجعل بعض القصص أقل مباشرة. وهذه ليست مشكلة فنية في ذاتها، لكنها تصبح كذلك إذا كان القارئ يريد حكايات سريعة ذات دلالة واضحة منذ البداية.

وثالثها أن حجم المجموعة الصغير نسبيًا يعني أن من يدخل إليها منتظرًا عالمًا روائيًا واسعًا وشخصيات ممتدة عبر مئات الصفحات قد يخرج بشعور أن التجربة انتهت قبل أن يأخذ منها ما يكفي.

وهذا في الحقيقة ليس عيبًا بالضرورة؛ لكنه فرق بين ما يعد به الكتاب وما يتوقعه القارئ منه.

8) لمن هذا الكتاب؟ ولمن قد لا يناسب؟

أرشحه خصوصًا للقارئ الذي يحب:

  • القصة القصيرة العربية.
  • الأدب العُماني والخليجي.
  • الحكايات الشعبية والموروث الثقافي.
  • العلاقة بين الأسطورة والواقع.
  • الأدب الذي يستخدم الرمز بدل التصريح الدائم.
  • القصص التي تجعل المكان جزءًا من الشخصية.
  • الأعمال القصيرة التي يمكن قراءتها على مهل ثم التفكير فيها بعد إغلاقها.

أما إذا كنت تبحث عن رواية أحداث متسارعة، أو قصة حب تقليدية، أو حبكة بوليسية، أو كتاب يقدم معلومات مباشرة عن التاريخ العُماني، فربما توجد خيارات أنسب لك.

كذلك لن تكون المجموعة أفضل اختيار لمن يريد قراءة خفيفة لا تتطلب منه التفكير في معنى ما وراء الحدث.

9) هل يستحق الشراء فعلًا؟

الحكم: شراء، إذا كنت من محبي القصة القصيرة والأدب المرتبط بالموروث.

السبب بسيط: الكتاب قصير نسبيًا، وفكرته محددة، وله خصوصية ثقافية واضحة. كما أن المصادر المنشورة تؤكد أنه يتكون من 13 قصة، ما يجعل قراءته قابلة للتقسيم دون أن تتحول إلى التزام طويل.

أما إذا كنت مترددًا لأنك لا تعرف مدى توافق أسلوب الدرمكي مع ذائقتك، فهنا أقول: استعره أولًا إن أمكن.

لا أنصح بالاكتفاء بملخص؛ لأن قيمة المجموعة، على الأرجح، ليست في معرفة «ماذا يحدث»، وإنما في الطريقة التي تُروى بها الحكايات، وفي الجو الذي تصنعه اللغة والمكان والأسطورة.

وهذا فرق مهم جدًا في الكتب القصصية: يمكن أن يخبرك شخص بكل أحداث قصة في دقيقتين، لكنه لا يستطيع أن يمنحك تجربة قراءتها.

10) الخلاصة قبل الشراء

«شمعة الميلاد» ليست كتابًا أشتريه لمن يريد أن يعرف عن عُمان من خلال المعلومات، بل لمن يريد أن يقترب من عُمان من خلال الذاكرة والحكاية والأسطورة.

ما يلفت فيها أنها لا تتعامل مع الماضي باعتباره زمنًا انتهى، بل باعتباره شيئًا يمكن أن يبقى حيًا داخل المخيلة حتى بعد أن تتغير الحياة من حوله.

هل هي مجموعة لا يمكن تفويتها لكل قارئ؟ لا.

لكنها تبدو اختيارًا جديرًا بالوقت لقارئ يحب القصة القصيرة، ويستمتع عندما تفتح الحكاية بابًا على سؤال أكبر منها.

وبالنسبة لي، هذه هي العلامة التي تجعل كتابًا قصيرًا يستحق القراءة: ألا ينتهي أثره تمامًا عند الصفحة الأخيرة. أن تغلقه، ثم تجد نفسك للحظة تفكر في تلك المسافة الغريبة بين ما نؤمن به، وما ورثناه، وما نحاول أن نتحرر منه.

وهذه المسافة تحديدًا هي المنطقة التي يبدو أن «شمعة الميلاد» تحاول أن تضيء عليها.

لمعرفة المزيد: مراجعة كتاب «شمعة الميلاد» لسعيد الدرمكي: حين تصبح الأسطورة ذاكرةً لا ماضيًا

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى