قصص

قصة الشاب الحزين وبضاعة القلب المكسور بين يدي تاج الملوك.. الليلة 111

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن تاج الملوك لاحَتْ منه التفاتة إلى القافلة، فرأى شابًّا جميل الشباب، نظيف الثياب، ظريف المعاني، إلا أن ذلك الشاب قد تغيّرت محاسنه، وعلاه الاصفرار من فرقة الأحباب، وزاد به الأنين والانتحاب، وسالت من جفنيه العبرات، وهو ينشد هذه الأبيات:
طال الفراق ودام الهم والوجل، والدمع في مقلتي يا صاح منهل، والقلب ودعته يوم الفراق وقد بقيت فردًا فلا قلب ولا أمل، يا صاحبي قف معي حتى أودّع من من نطقها تشتفى الأمراض والعلل.

ثم إن الشاب بعدما فرغ من الشعر بكى ساعة وغُشي عليه، وتاج الملوك ناظر إليه وهو يتعجب من أمره، فلما أفاق رنَا بفواتك اللحظات، وأنشد هذه الأبيات:
خذوا حذركم من طرفها فهو ساحر، وليس بناجٍ من رمته المحاجر، فإن العيون السود وهي نواعس تقدّ السيوف البيض وهي بواتر، ولا تخضعوا من رقة في كلامها فإن الحمى للعقول تخامر، منعمّة الأطراف لو مس جسمها حرير لأدماه، وها أنت ناظر بعيدة ما بين المجلجل والطلا، وأين الشذا من طيبها وهو عاطر.

ثم شهق شهقة فغُشي عليه، فلما رآه تاج الملوك على هذه الحالة تحيّر في أمره وتمشّى إليه، فلما أفاق من غشيته نظر ابن الملك واقفًا على رأسه، فنهض قائمًا.

فقال: يا مولاي، إن بضاعتي ليس فيها شيء يصلح لسعادتك. فقال: لا بد أن تعرض عليّ ما معك، وتخبرني بحالك؛ فإني أراك باكي العين حزين القلب، فإن كنت مظلومًا أزلنا ظلمتك، وإن كنت مديونًا قضينا دينك، فإن قلبي قد احترق من أجلك حين رأيتك. ثم إن تاج الملوك أمر بنصب كرسيين، فنصبوا له كرسيًّا من العاج والأبنوس مشبكًا بالذهب والحرير، وبسطوا له بساطًا من الحرير، فجلس تاج الملوك على الكرسي، وأمر الشاب أن يجلس على البساط، وقال له: اعرض عليّ بضاعتك. فقال له الشاب: يا مولاي، لا تذكر لي ذلك؛ فإن بضاعتي ليست بمناسبة لك. فقال له تاج الملوك: لا بد من ذلك. ثم أمر بعض غلمانه بإحضارها فأحضروها قهرًا عنه، فلما رآها الشاب جرت دموعه وبكى، وأنّ واشتكى، وصعّد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات:
بما بجفنك من غنج ومن كحل، وما بقدك من لين ومن ميل، وما بثغرك من خمر ومن شهد، وما بطبعك من لطف ومن ملل، عندي زيارة طيف منك يا أملي أحلى من الأمن عند الخائف الوجل.

ثم إن الشاب فتح بضاعته وعرضها على تاج الملوك قطعة قطعة وتفصيلة تفصيلة، وأخرج من جملتها ثوبًا من الأطلس منسوجًا بالذهب يساوي ألفي دينار، فلما فتح الثوب وقعت من وسطه خرقة، فأخذها الشاب بسرعة ووضعها تحت وركه، وقد ذهل عن المعقول، وأنشد يقول:
متى يشتفي منك الفؤاد المعذّب، ونجم الثريا من وصالك أقرب، بعاد وهجر واشتياق ولوعة، ومطل وتسويف به العمر يذهب، فلا الوصل يحييني ولا الهجر قاتلي، ولا البعد يدنيني ولا أنت تقرب، وما منك إنصاف ولا لك رحمة، ولا منك إسعاف ولا عنك مهرب، وفي حبكم ضاقت جميع مذاهبي عليّ فلا أدري إلى أين أذهب.

فتعجّب تاج الملوك من إنشاده غاية العجب، ولم يعلم لذلك من سبب، ولما أخذ الخرقة ووضعها تحت وركه، قال له تاج الملوك: ما هذه الخرقة؟ فقال: يا مولاي، ليس لك بهذه الخرقة حاجة. فقال له ابن الملك: أرني إياها. قال له: يا مولاي، أنا ما امتنعت من عرض بضاعتي عليك إلا لأجلها، فإني لا أقدر على أنك تنظر إليها. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى