سير

كينيث آرو.. الاقتصادي الذي كشف حدود السوق والديمقراطية وصاغ لغة جديدة لفهم الاختيار الاجتماعي

في 25 أكتوبر 1972، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل، مناصفة بين الاقتصادي البريطاني جون ر. هيكس والأمريكي كينيث جوزيف آرو. وجاء القرار الرسمي تقديرًا لـ«إسهاماتهما الرائدة في نظرية التوازن الاقتصادي العام ونظرية الرفاهية». لم يكن التكريم إذن بسبب اكتشاف واحد منفصل، بل بسبب إعادة صياغة عميقة لأسئلة كانت تقف في قلب الاقتصاد الحديث: كيف تتوازن الأسواق؟ وهل يمكن تحويل اختيارات الأفراد المتعددة إلى اختيار اجتماعي عقلاني؟ ومتى يكون التوازن الاقتصادي كفؤًا؟

كان آرو، المولود في نيويورك في 23 أغسطس 1921، قد وصل إلى نوبل وهو يحمل وراءه مسارًا فكريًا غير عادي جمع بين الرياضيات والاقتصاد والإحصاء وبحوث العمليات ونظرية القرار. وكان قد درس الرياضيات قبل أن ينتقل إلى الاقتصاد، وهو انتقال لم يكن مجرد تغيير في التخصص، بل أصبح مفتاحًا لفهم شخصيته العلمية كلها: استخدام الأدوات الرياضية الدقيقة لفحص أسئلة تتعلق بسلوك البشر والأسواق والمجتمعات.

ومن هنا تأتي أهمية سيرة كينيث آرو؛ فهي ليست قصة أستاذ جامعي أمريكي حصل على جائزة نوبل، وإنما قصة عالم حاول أن يضع حدودًا دقيقة لما يمكن أن تفعله الأسواق وما يمكن أن تفعله آليات الاختيار الجماعي، وأن يبيّن في الوقت نفسه كيف يمكن للرياضيات أن تكشف مشكلات كانت تبدو في السابق فلسفية أو سياسية أكثر منها اقتصادية.

من نيويورك إلى الرياضيات ثم الاقتصاد

ولد كينيث جوزيف آرو في مدينة نيويورك عام 1921. التحق بكلية مدينة نيويورك، وتخرج عام 1940 بدرجة في العلوم الاجتماعية مع تخصص في الرياضيات. وقد وصف آرو نفسه لاحقًا هذا المزيج بأنه تركيبة تبدو متناقضة ظاهريًا، لكنها كانت نذيرًا واضحًا باهتماماته المستقبلية. فالاقتصاد بالنسبة إليه لم يكن منفصلًا عن الرياضيات، كما أن دراسة المجتمع لم تكن منفصلة عن البحث عن قواعد منطقية يمكن اختبارها.

انتقل بعد ذلك إلى جامعة كولومبيا، حيث حصل على درجة الماجستير في الرياضيات عام 1941. وهناك كان للقاء الاقتصادي والإحصائي هارولد هوتيلينج أثر مهم في مساره؛ إذ انتقل آرو تحت تأثيره إلى دراسة الاقتصاد في مرحلة الدراسات العليا. وأصبح هوتيلينج مشرفًا على دراسته، وهو ما ساعد على توجيه قدراته الرياضية نحو مشكلات اقتصادية أكثر عمقًا.

لكن مساره الأكاديمي انقطع بسبب الحرب العالمية الثانية. بين عامي 1942 و1946 خدم آرو ضابطًا للأرصاد الجوية في سلاح الجو التابع للجيش الأمريكي، ووصل إلى رتبة نقيب. ولم تكن خدمته العسكرية منفصلة تمامًا عن تكوينه العلمي؛ فقد عمل في مجال بحثي، وكانت إحدى أوراقه العلمية الأولى، المتعلقة بالاستخدام الأمثل للرياح في تخطيط مسارات الطيران، نتيجة مباشرة لهذا العمل.

هذه التجربة مهمة عند قراءة مسيرته اللاحقة؛ لأن آرو لم يكن اقتصاديًا يكتفي بالتجريد النظري. فمنذ بداياته ظهر اهتمامه بمشكلة القرار: كيف نختار المسار الأفضل عندما تكون لدينا معلومات ناقصة، أو احتمالات متعددة، أو قيود تجعل القرار المثالي غير ممكن؟

بعد الحرب عاد إلى الدراسات العليا في كولومبيا، وفي الوقت نفسه بدأ العمل البحثي في لجنة كاولز للأبحاث الاقتصادية بجامعة شيكاغو. كما عمل أستاذًا مساعدًا للاقتصاد هناك خلال عامي 1948 و1949. ويذكر آرو أن البيئة الفكرية في كاولز، حيث اجتمع الاقتصاديون ذوو التكوين الرياضي والاقتصادي القياسي، كانت من أهم التأثيرات التكوينية في حياته العلمية.

وفي هذه البيئة، بدأ الاهتمام الجاد بموضوعات الاختيار الاجتماعي وكفاءة تخصيص الموارد، وهي موضوعات ستصبح لاحقًا من أكثر بصماته شهرة.

ستانفورد.. المختبر الذي نضجت فيه أفكاره

في عام 1949 انتقل آرو إلى جامعة ستانفورد، حيث بقي قرابة عقدين، وتدرج من أستاذ مساعد في الاقتصاد والإحصاء إلى أستاذ للاقتصاد والإحصاء وبحوث العمليات. وقد ارتبط اسمه بالجامعة ارتباطًا عميقًا، وأسهم في تطوير مجال بحوث العمليات، الذي أصبح جزءًا مهمًا من علم الإدارة والهندسة الحديثة.

وخلال هذه الفترة لم يعمل في مجال واحد. فقد ارتبط بمؤسسات بحثية متعددة، وكان زميلًا في مركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية، كما عمل اقتصاديًا في مجلس المستشارين الاقتصاديين الأمريكي، وتولى مسؤوليات أكاديمية في ستانفورد، إلى جانب فترات بحثية في كامبردج وفيينا وغيرها.

وفي عام 1957 حصل على ميدالية جون بيتس كلارك من الجمعية الاقتصادية الأمريكية، وهي من أبرز الجوائز التي تمنح للاقتصاديين الأمريكيين الشباب، وتُظهر أن مكانته العلمية كانت قد ترسخت قبل حصوله على نوبل بسنوات.

لكن الأهم من المناصب والجوائز كان ما حدث داخل أعماله العلمية. فقد بدأ آرو في الخمسينيات في معالجة أسئلة أساسية في النظرية الاقتصادية باستخدام أدوات رياضية أكثر تطورًا، وفي مقدمتها نظرية المجموعات المحدبة والتحليل الرياضي الحديث.

وهنا بدأت المرحلة التي ستغير شكل نظرية التوازن الاقتصادي العام.

الاقتصاد قبل آرو.. سؤال التوازن الكبير

كانت نظرية التوازن الاقتصادي العام قد بدأت قبل آرو بعقود، وكان ليون فالراس من أبرز من وضعوا أساسها في القرن التاسع عشر. والفكرة الأساسية تبدو بسيطة في صياغتها العامة، لكنها شديدة التعقيد عند تحليلها: الاقتصاد ليس مجموعة أسواق منفصلة؛ فالأسواق مترابطة، وما يحدث في سوق واحد يمكن أن يؤثر في الأسعار والإنتاج والدخل والطلب في أسواق أخرى.

لكن المشكلة كانت: هل توجد بالفعل أسعار تستطيع جعل جميع الأسواق في حالة توازن في الوقت نفسه؟ وهل يمكن إثبات أن النموذج الاقتصادي الذي تصفه المعادلات يمتلك حلًا ذا معنى؟

كان جون هيكس قد أعاد إحياء النظرية في كتابه الشهير Value and Capital عام 1939، مستخدمًا أدوات التحليل التفاضلي لبناء نموذج أكثر ارتباطًا بسلوك المستهلك والمنتج. ثم جاء آرو في الخمسينيات ليستخدم أدوات رياضية حديثة ويعيد صياغة السؤال بطريقة أكثر صرامة.

كانت النتيجة واحدة من أهم المحطات في الاقتصاد الرياضي الحديث.

آرو ودوبرو.. إثبات أن للتوازن الاقتصادي أساسًا رياضيًا

في عام 1954 نشر كينيث آرو بالاشتراك مع الاقتصادي الفرنسي جيرار دوبرو بحثًا أصبح من كلاسيكيات الاقتصاد الحديث بعنوان Existence of an Equilibrium for a Competitive Economy، أي «وجود توازن لاقتصاد تنافسي».

كان السؤال الذي يحاول البحث الإجابة عنه محددًا: إذا افترضنا مجموعة من المستهلكين والمنتجين والأسعار والموارد والتفضيلات، فهل توجد مجموعة من الأسعار تحقق التوازن بين العرض والطلب في جميع الأسواق؟

لم يكن الهدف مجرد العثور على مثال عددي. كان المطلوب إثبات وجود التوازن بصورة عامة، ضمن شروط محددة.

اعتمد آرو ودوبرو على أدوات رياضية أكثر تجريدًا، وعلى رأسها نظرية المجموعات المحدبة. وبذلك تحولت نظرية التوازن العام من بناء نظري واسع إلى إطار يمكن التعامل معه بمستوى أعلى من الصرامة الرياضية. وقد وصف العرض الرسمي لجائزة نوبل هذا العمل بأنه نقطة انطلاق لجزء كبير من البحوث اللاحقة في هذا المجال.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص منهج آرو: لم يكن هدفه أن يجعل الاقتصاد أكثر تعقيدًا رياضيًا لمجرد التعقيد، بل أن يستخدم الرياضيات لاختبار ما إذا كانت الفرضيات الاقتصادية تقود بالفعل إلى النتائج التي يدعيها النموذج.

وقد أصبح عمل آرو ودوبرو لاحقًا حجر أساس في الاقتصاد الرياضي، حتى إن خطاب تقديم جائزة نوبل لجيرار دوبرو عام 1983 أشار صراحة إلى العمل المشترك مع آرو بوصفه إسهامًا أساسيًا في إثبات وجود أسعار التوازن.

وهكذا لم يكن آرو يثبت أن الأسواق دائمًا تعمل بكفاءة في الواقع؛ بل كان يحدد الشروط الرياضية التي تجعل نموذج السوق التنافسي قابلًا للتوازن.

وهذا فرق بالغ الأهمية.

من توازن السوق إلى رفاهية المجتمع

إذا كان السؤال الأول هو: «هل يمكن أن يتوازن الاقتصاد؟»، فإن السؤال التالي يصبح: «إذا تحقق التوازن، فهل يكون هذا التوازن جيدًا للمجتمع؟»

هنا انتقل آرو إلى نظرية الرفاهية الاقتصادية.

كانت النظرية الاقتصادية قد طورت قبل آرو فكرة أن التوازن التنافسي يمكن أن يكون كفؤًا وفق معيار باريتو، أي أنه لا يمكن تحسين وضع فرد من دون جعل فرد آخر أسوأ، في ظل شروط معينة. لكن آرو عمل على توسيع وتحليل هذه النتائج، وربطها بمشكلات تخصيص الموارد والمعلومات وعدم اليقين. وقد أشار قرار نوبل إلى أن من أهم مساهماته في نظرية الرفاهية تعميم النتائج المتعلقة بكفاءة التوازن التنافسي، إلى جانب إظهار اتجاهات عامة نحو عدم الكفاءة في تخصيص الموارد بين البحث والاستثمار في رأس المال الحقيقي.

وهنا بدأ يظهر وجه آخر من فكر آرو: السوق ليس آلة سحرية، لكنه أيضًا ليس نظامًا عديم القيمة. إنه نظام يعمل بكفاءة في ظل شروط معينة، ومهمة الاقتصادي هي اكتشاف تلك الشروط وحدودها.

هذه الطريقة في التفكير أصبحت واحدة من أهم سمات الاقتصاد الحديث.

«الاختيار الاجتماعي».. عندما لا تكفي الديمقراطية الحسابية

إذا كانت الأسواق تجمع قرارات الأفراد من خلال الأسعار، فإن المجتمعات تجمع تفضيلات الأفراد عبر التصويت والمؤسسات السياسية والقواعد الاجتماعية.

لكن هل يمكن بناء قاعدة عادلة ومنطقية تحول تفضيلات الأفراد إلى تفضيل اجتماعي واحد؟

هذا السؤال قاد آرو إلى أشهر أعماله وأكثرها تأثيرًا خارج الاقتصاد أيضًا.

في أطروحته للدكتوراه، التي تحولت إلى كتاب Social Choice and Individual Values عام 1951، وضع إطارًا رياضيًا لمشكلة الاختيار الاجتماعي. وكان السؤال في جوهره: إذا كان لكل فرد ترتيب خاص للبدائل، فهل توجد طريقة ديمقراطية ومنطقية في الوقت نفسه لتحويل هذه الترتيبات الفردية إلى ترتيب اجتماعي متسق؟

توصل آرو إلى نتيجة صادمة: في ظل مجموعة من الشروط المعقولة، ومع وجود ثلاثة بدائل أو أكثر، لا توجد قاعدة لاتخاذ القرار الاجتماعي يمكنها أن تحقق جميع هذه الشروط معًا.

أصبح هذا الاستنتاج معروفًا باسم نظرية استحالة آرو.

لكن كلمة «استحالة» قد تكون مضللة إذا فُهمت على أنها تعني أن الديمقراطية مستحيلة أو أن التصويت بلا قيمة. ما أثبته آرو كان أكثر تحديدًا: لا يمكن بناء نظام واحد لتجميع التفضيلات الفردية في تفضيل اجتماعي، إذا أردنا في الوقت نفسه الحفاظ على مجموعة معينة من الشروط المتعلقة بحرية التفضيلات، واتساق القرار، واحترام الإجماع، وعدم وجود ديكتاتور، واستقلال الاختيار بين البدائل عن البدائل غير ذات الصلة.

وهنا تكمن عبقرية النتيجة: لقد حوّل آرو سؤالًا فلسفيًا وسياسيًا إلى مسألة يمكن صياغتها في صورة شروط وقواعد وبرهان.

لم يعد السؤال: «ما النظام الديمقراطي العادل؟» فقط، بل أصبح أيضًا: «ما الخصائص التي نريدها في نظام الاختيار؟ وهل يمكن تحقيقها كلها في آن واحد؟»

وهذه النقلة أثرت لاحقًا في الاقتصاد السياسي والعلوم السياسية والفلسفة ونظرية التصويت والاختيار متعدد المعايير. وتؤكد جامعة ييل أن كتاب Social Choice and Individual Values أسس مجال نظرية الاختيار الاجتماعي الحديثة، بينما توضح موسوعة ستانفورد للفلسفة أن الإطار الذي قدمه آرو ظل أساسًا قياسيًا لدراسة تجميع التفضيلات.

المفارقة التي صنعت شهرة آرو

تكمن قوة نظرية آرو في أنها لم تقدم نظامًا بديلًا جاهزًا. لقد كشفت حدود المشكلة.

تخيل مجتمعًا يختار بين ثلاثة بدائل: «أ» و«ب» و«ج». قد يفضل جزء من المجتمع «أ» على «ب»، بينما يفضل جزء آخر «ب» على «ج»، ومع ذلك يمكن أن تنتهي المقارنة الجماعية إلى نتيجة تجعل «ج» يتفوق على «أ». ومن هنا يمكن أن تنشأ دورة في التفضيلات الجماعية.

المشكلة ليست أن الأفراد غير عقلانيين بالضرورة؛ فقد يكون كل فرد قادرًا على ترتيب خياراته بصورة منطقية. المشكلة أن جمع ترتيبات عقلانية فردية قد لا ينتج ترتيبًا اجتماعيًا عقلانيًا تحت الشروط التي درسها آرو.

وهذه النتيجة جعلت عمله يتجاوز الاقتصاد. فمنذ ذلك الوقت أصبحت نظرية الاختيار الاجتماعي مجالًا قائمًا بذاته، وتطورت حولها أبحاث واسعة حول التصويت، وتوزيع الموارد، وتصميم آليات القرار، والاختيار متعدد المعايير.

والأهم أن آرو نفسه لم يتعامل مع النتيجة بوصفها نهاية النقاش. فالأبحاث اللاحقة حاولت، ولا تزال تحاول، معرفة أي الشروط يمكن التخلي عنه أو تعديله لبناء قواعد أكثر ملاءمة لمواقف مختلفة.

وهكذا تحولت «الاستحالة» إلى برنامج بحثي طويل الأمد.

المعلومات.. سلعة لا تشبه بقية السلع

بعد أن أسهم آرو في إعادة صياغة نظرية التوازن والاختيار الاجتماعي، اتجه جزء مهم من اهتمامه إلى موضوع آخر سيصبح بالغ الأهمية في الاقتصاد الحديث: المعلومات.

كان السؤال هنا مختلفًا: ماذا يحدث عندما لا يعرف أحد أطراف السوق ما يعرفه الطرف الآخر؟

هذه المشكلة تبدو بسيطة، لكنها تمس أسواق التأمين والعمل والائتمان والصحة والابتكار. فإذا كانت المعلومات موزعة بصورة غير متساوية، فإن النموذج المثالي للسوق التنافسي قد لا يصف الواقع بصورة كافية.

وقد ذكر آرو في سيرته العلمية أن جزءًا كبيرًا من أبحاثه بعد نوبل، بل وقبلها أيضًا، كان يدور حول المعلومات باعتبارها متغيرًا اقتصاديًا، من حيث إنتاجها واستخدامها. كما درس آثار التعلم بالممارسة على النمو الاقتصادي، وخصائص الأسواق التي تشجع الابتكار.

هذا العمل ساعد في نقل الاقتصاد من عالم افتراضي تكون فيه المعلومات متاحة بصورة مثالية إلى عالم أكثر واقعية، حيث تكلف المعلومات وقتًا ومالًا، وقد لا تكون موزعة بالتساوي بين أطراف المعاملة.

الرعاية الصحية.. عندما يصبح نقص المعلومات مشكلة سوق

من أكثر التطبيقات شهرة لأفكار آرو بحثه عام 1963 بعنوان Uncertainty and the Welfare Economics of Medical Care، أي «عدم اليقين واقتصاديات رفاهية الرعاية الطبية».

لم ينطلق آرو من فكرة أن الرعاية الصحية مختلفة لأن المرض موضوع إنساني فقط، وإنما حاول تفسير خصوصية اقتصاديات الرعاية الطبية من خلال عدم اليقين والمعلومات. فالمريض لا يعرف عادةً كل ما يعرفه الطبيب عن حالته، كما أن نتائج العلاج ليست مؤكدة، والمرض نفسه لا يمكن التنبؤ بوقوعه في كثير من الحالات.

كان ذلك تحليلًا مهمًا لأن الاقتصاد التقليدي كثيرًا ما يبني نماذجه على افتراضات قوية تتعلق بالمعلومات والأسواق. وفي الرعاية الطبية، تصبح هذه الافتراضات أكثر صعوبة.

ولهذا رأى آرو أن خصائص سوق الرعاية الطبية يمكن فهمها باعتبارها استجابات لمشكلة عدم اليقين، لا باعتبارها مجرد انحراف عابر عن نموذج السوق.

وقد ترك هذا البحث أثرًا مستمرًا في اقتصاديات الصحة، وأسهم في تحويل المعلومات وعدم اليقين إلى عناصر أساسية عند تحليل أسواق التأمين والرعاية الصحية. وفي مقابلة مع مؤسسة نوبل، تحدث آرو عن تطور أفكاره في هذا المجال وعن الأثر الذي أحدثته في طريقة التفكير في مشكلة الصحة.

ومن اللافت أن هذا الخط من التفكير أصبح أكثر أهمية مع مرور الوقت، لأن الاقتصادات الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الخدمات المعرفية، والبيانات، والتخصص، والتكنولوجيا، وكلها تجعل مسألة توزيع المعلومات مركزية في فهم السوق.

التعلم بالممارسة والنمو الاقتصادي

من الموضوعات الأخرى التي تناولها آرو العلاقة بين الإنتاج والمعرفة.

في أعماله خلال الستينيات، درس كيف يمكن أن يؤدي القيام بالعمل والإنتاج نفسه إلى اكتساب معرفة ومهارات جديدة. وهذه الفكرة عُرفت في الاقتصاد بمفهوم التعلم بالممارسة.

أهميتها أنها تجعل المعرفة جزءًا من العملية الإنتاجية، لا مجرد شيء يأتي من خارج الاقتصاد. فحين ينتج العمال والشركات سلعًا وخدمات، فإنهم قد يتعلمون طرقًا أفضل وأسرع وأكثر كفاءة للعمل.

وبذلك يمكن أن تتحول الخبرة المتراكمة إلى عنصر من عناصر النمو الاقتصادي.

ويذكر آرو في سيرته العلمية أن أبحاثًا له في عام 1962 تناولت كفاءة السوق في تشجيع الابتكار، وآثار التعلم بالممارسة على النمو الاقتصادي.

وقد أصبح هذا المسار الفكري مهمًا لاحقًا في تطور نظريات النمو الاقتصادي التي أعطت المعرفة والتكنولوجيا والابتكار دورًا أكثر مركزية في تفسير النمو طويل الأجل.

وهنا مرة أخرى يظهر الخيط الذي يربط أعمال آرو: المعلومات والمعرفة ليستا مجرد إضافات إلى الاقتصاد؛ بل يمكن أن تغيرا طبيعة السوق نفسه.

من السوق إلى القرار تحت عدم اليقين

لم يقتصر عمل آرو على التوازن والرفاه والاختيار الاجتماعي. فقد اهتم كذلك بنظرية القرار في ظروف المخاطرة وعدم اليقين، وسعى إلى إدخال هذه المشكلات في إطار التوازن الاقتصادي العام.

وقد أشارت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم عند تقديم جائزة 1972 إلى مساهماته في تطوير نظرية عدم اليقين وإدخالها في نظرية التوازن العام، إضافة إلى عمله مع ليونيد هورفيتش حول إمكانات القرارات اللامركزية في مجتمع تحدد فيه سلطة مركزية نظام الأسعار.

ومن الناحية الفكرية، كان هذا امتدادًا طبيعيًا لمشروعه. فإذا كانت الأسواق تعمل عبر قرارات ملايين الأفراد والشركات، فإن دراسة القرار تحت المخاطرة وعدم اليقين تصبح جزءًا أساسيًا من فهم كيفية عمل النظام الاقتصادي.

الصحة والتمييز والمجالات الاجتماعية

لم يتوقف اهتمام آرو عند حدود النظرية الرياضية. ففي مراحل لاحقة، اتجه إلى مجموعة واسعة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، بينها اقتصاديات الصحة، والتأمين، والمعلومات، والتمييز العنصري.

وتشير سيرته المنشورة لدى مؤسسة نوبل إلى أنه درس لاحقًا الطلب على المعلومات وآثار المعلومات باعتبارها مدخلًا اقتصاديًا، كما تناول اقتصاديات التمييز العنصري.

وهذا الاتساع يوضح أن آرو لم يرَ النظرية الاقتصادية باعتبارها غاية مستقلة، بل أداة لفهم مشكلات العالم الواقعي.

ولهذا نجد أثره في مجالات لا تبدو للوهلة الأولى متصلة بنظرية التوازن: الصحة، التأمين، الابتكار، التعليم، النمو، السياسة العامة، والاختيار الجماعي.

نوبل 1972.. تكريم لمسار كامل

في 1972 كان آرو أستاذًا في جامعة هارفارد، بعد انتقاله إليها عام 1968. وهناك حصل مع جون هيكس على جائزة العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل.

كان سبب فوز كينيث آرو بجائزة نوبل أوسع من نظرية واحدة: «الإسهامات الرائدة في نظرية التوازن الاقتصادي العام ونظرية الرفاهية».

وقد أوضحت الأكاديمية الملكية السويدية أن هيكس وآرو ينتميان إلى جيلين مختلفين نسبيًا في تطور نظرية التوازن؛ إذ أعاد هيكس إحياء النظرية في ثلاثينيات القرن العشرين، بينما قدم آرو في الخمسينيات والستينيات أدوات وصياغات جديدة أعادت بناء أجزاء أساسية منها.

وكانت مساهمة آرو في هذا السياق مرتبطة خصوصًا بإدخال أساليب رياضية حديثة لدراسة وجود واستقرار التوازن، ثم توسيع التحليل ليشمل عدم اليقين والرفاه والقرار.

وفي محاضرته التي ألقاها بمناسبة الجائزة عام 1972، حمل عنوانها دلالة واضحة على اتساع مشروعه: «التوازن الاقتصادي العام: الهدف، التقنيات التحليلية، الاختيار الجماعي».

فلم تكن الجائزة تتويجًا لورقة منفردة، بل اعترافًا بمشروع فكري متكامل.

ما بعد نوبل.. لم يتعامل مع الجائزة باعتبارها نهاية

من السمات اللافتة في حياة آرو أنه واصل البحث بعد حصوله على نوبل.

بقي في هارفارد حتى عام 1979، وحصل هناك على لقب أستاذ جامعي متميز، ثم عاد إلى ستانفورد، حيث شغل منصب أستاذ الاقتصاد وأستاذ بحوث العمليات، واستمر في العمل الأكاديمي حتى تقاعده عام 1991، ثم ظل أستاذًا فخريًا. كما ارتبط بمعهد سانتا فيه منذ أواخر الثمانينيات، واستمر في العمل البحثي والاستشاري في مجالات متعددة.

وحصل خلال مسيرته على تكريمات أخرى، من بينها جائزة فون نيومان عام 1986، كما انتُخب لعضوية الأكاديمية الوطنية للعلوم وغيرها من المؤسسات العلمية.

لكن القيمة الحقيقية لمرحلة ما بعد نوبل لم تكن في عدد الجوائز، بل في استمرار أسئلته.

فالمشكلات التي درسها لم تختفِ: المعلومات غير المتكافئة ما زالت موجودة، والأسواق لا تعمل دائمًا في ظل شروط المنافسة المثالية، والمجتمعات ما زالت تحاول تحويل تفضيلات الأفراد إلى قرارات جماعية، والاقتصادات ما زالت تبحث عن العلاقة بين المعرفة والابتكار والنمو.

الإرث.. من آرو إلى أجيال جديدة

ربما يكون أفضل مقياس لأهمية عالم اقتصادي ليس عدد المرات التي يُذكر فيها اسمه، وإنما عدد المجالات التي أصبح من الصعب دراستها من دون المرور بالأفكار التي ساهم في تأسيسها.

في حالة آرو، يمكن تتبع خط تاريخي واضح.

في البداية جاء التوازن الاقتصادي العام، حيث ساعد مع جيرار دوبرو في تقديم صياغة رياضية صارمة لمسألة وجود التوازن. ثم جاءت نظرية الاختيار الاجتماعي، التي نقلت سؤال القرار الجماعي إلى إطار رياضي جديد. وبعد ذلك اتسعت أبحاثه في المعلومات وعدم اليقين لتشمل الصحة والتأمين والابتكار والنمو.

وكانت هذه المجالات تتداخل بصورة مستمرة.

فالمعلومات تؤثر في القرار، والقرار يؤثر في السوق، والسوق يؤثر في الرفاه، والرفاه لا يمكن تقييمه من دون التفكير في تفضيلات الأفراد والمجتمع.

ولهذا يصعب وضع آرو داخل صندوق ضيق اسمه «الاقتصاد الرياضي». كان مشروعه أوسع: استخدام النظرية للكشف عن شروط إمكان القرارات الاقتصادية والاجتماعية وحدودها.

وقد استمر تأثير نظرية الاختيار الاجتماعي تحديدًا في الاقتصاد والعلوم السياسية والفلسفة، كما تطورت حول نظرية آرو مدارس وأبحاث جديدة حاولت تعديل الشروط التي تؤدي إلى النتيجة السلبية، أو البحث عن قواعد بديلة في ظروف مختلفة.

أما عمله في التوازن العام فقد أصبح جزءًا من الأساس النظري للاقتصاد الحديث، وامتد أثره إلى الاقتصاد الرياضي ونظرية الأسواق وتصميم السياسات.

وفي مجال الصحة، أصبح تحليل عدم تماثل المعلومات وعدم اليقين جزءًا من الأدوات التي يستخدمها الباحثون لفهم أسواق الرعاية الطبية والتأمين.

وبذلك لم يكن إرث آرو مجموعة من النظريات المغلقة، وإنما شبكة من الأسئلة التي استمرت في توليد أبحاث جديدة.

كينيث آرو.. حين تكشف الرياضيات حدود الممكن

توفي كينيث جوزيف آرو في بالو ألتو، كاليفورنيا، في 21 فبراير 2017، عن 95 عامًا.

لكن نهاية حياته لم تكن نهاية مشروعه الفكري.

فالاقتصاد الذي تركه آرو وراءه أكثر تواضعًا في ادعاءاته وأكثر دقة في تحديد شروط نجاح النماذج. لقد ساعد على إثبات أن التوازن يمكن أن يوجد في نموذج اقتصادي عندما تتوافر شروط معينة، لكنه أظهر في الوقت نفسه أن الوصول إلى الرفاه الأمثل يحتاج إلى شروط إضافية. وبيّن أن تجميع تفضيلات الأفراد يواجه حدودًا منطقية عميقة. وأظهر أن المعلومات وعدم اليقين يمكن أن يغيرا طريقة عمل الأسواق.

وهذه ربما تكون الرسالة الأعمق في إرثه: ليست مهمة الاقتصاد أن يخبرنا فقط بما يمكن أن يحدث، وإنما أن يحدد أيضًا ما الذي لا يمكن تحقيقه إذا أصررنا على مجموعة معينة من القواعد والشروط.

لقد بدأ آرو من الرياضيات، لكنه لم ينته إليها. استخدمها لطرح أسئلة عن الإنسان والمجتمع والسوق والدولة والديمقراطية والمرض والمعرفة والقرار.

ولهذا بقي اسمه حاضرًا بعد رحيله في أكثر من فرع من فروع العلوم الاجتماعية.

ففي نظرية التوازن، ساعد على جعل النموذج أكثر صرامة.

وفي نظرية الرفاه، كشف العلاقة بين الكفاءة والظروف التي تجعلها ممكنة.

وفي الاختيار الاجتماعي، أظهر أن حسن النوايا الديمقراطية لا يكفي وحده لصناعة قاعدة مثالية لاتخاذ القرار.

وفي اقتصاديات المعلومات، كشف أن السوق لا يعمل في الفراغ، وأن المعرفة التي يمتلكها كل طرف قد تغير نتيجة المعاملة.

وفي اقتصاديات الصحة، أوضح أن عدم اليقين والمعلومات غير المتساوية يمكن أن يفسرا لماذا تختلف الرعاية الطبية عن السوق التنافسي البسيط.

وهكذا يمكن النظر إلى أهم أعمال كينيث آرو بوصفها حلقات في مشروع واحد: فهم كيفية اتخاذ القرارات الفردية والجماعية، وكيف تتفاعل هذه القرارات داخل نظام اقتصادي، وما الشروط التي تجعل النتائج كفؤة أو عادلة أو قابلة للتحقق.

لم يكن آرو اقتصاديًا يقدم إجابات سهلة. بل كان من أولئك العلماء الذين يجعلون السؤال نفسه أكثر دقة، ثم يكتشفون أن الدقة قد تقود أحيانًا إلى إجابة مريحة، وأحيانًا أخرى إلى حد لا يمكن تجاوزه.

وهنا تكمن قيمة إرثه.

فقد علّم الاقتصاد الحديث أن النظرية ليست وعدًا بأن العالم يعمل بصورة مثالية، وإنما أداة لمعرفة متى يمكن أن يعمل، ولماذا، وما الذي يمنعه من ذلك.

ومن نيويورك، حيث بدأ طفل مولود عام 1921 دراسة الرياضيات، إلى قاعات ستانفورد وهارفارد، ومن أبحاث التوازن إلى نظرية الاختيار الاجتماعي، ومن الأسواق إلى الصحة والمعلومات، ترك كينيث آرو وراءه مسارًا فكريًا لا ينتهي عند جائزة نوبل عام 1972؛ بل يستمر كلما حاول مجتمع أن يقرر، أو سوق أن يتوازن، أو صانع سياسة أن يوزع الموارد، أو باحث أن يسأل عن حدود المعلومات والاختيار.

وهذا هو الإرث المفتوح الذي يجعل آرو واحدًا من أكثر اقتصاديي القرن العشرين تأثيرًا: لم يكتفِ بتطوير إجابات الاقتصاد، بل أعاد صياغة الأسئلة التي يستطيع الاقتصاد أن يطرحها على نفسه.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى