لي دوك ثو: سيرة رجل الحرب والتفاوض الذي رفض جائزة نوبل للسلام

في 23 يناير 1973، وبعد سنوات طويلة من الحرب والمفاوضات والقطيعة والعودة إلى طاولة الحوار، توصّل المفاوض الأمريكي هنري كيسنجر والمفاوض الفيتنامي الشمالي لي دوك ثو إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في فيتنام. وبعد أربعة أيام، في 27 يناير، وُقّعت اتفاقيات باريس رسميًا. كانت تلك اللحظة ذروة مسار تفاوضي طويل، لكنه لم تكن تعني أن السلام قد استقر نهائيًا في فيتنام.
بعد أشهر، أعلنت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل للسلام منح الجائزة لعام 1973 مناصفةً إلى هنري كيسنجر ولي دوك ثو، بسبب ما وصفته مؤسسة نوبل رسميًا بأنهما «تفاوضا معًا على وقف إطلاق النار في فيتنام عام 1973». لكن المفارقة التي جعلت اسم لي دوك ثو يرتبط بتاريخ نوبل بطريقة استثنائية لم تكن حصوله على الجائزة، بل رفضه قبولها. فقد رأى أن الظروف في فيتنام لم تكن تسمح له بقبول جائزة سلام بينما لم يتحقق السلام الذي كان الاتفاق يفترض أن يمهّد له.
هنا تبدأ أهمية سيرة لي دوك ثو: فهي ليست سيرة دبلوماسي ظهر فجأة على مسرح المفاوضات، بل سيرة رجل تشكل داخل عقود من الصراع الاستعماري والثوري، ثم انتقل من السجن والعمل التنظيمي إلى القيادة السياسية والعسكرية، قبل أن يجد نفسه في مواجهة أحد أبرز الدبلوماسيين الأمريكيين في القرن العشرين.
كان لي دوك ثو، المولود باسم فان دينه خاي (Phan Đình Khải) في 14 أكتوبر 1911، وتوفي في هانوي في 13 أكتوبر 1990، ثوريًا ودبلوماسيًا وسياسيًا فيتناميًا. وتضعه مؤسسة نوبل ضمن الشخصيات التي امتلكت خبرة طويلة في مواجهة القوى الكبرى قبل أن يدخل مفاوضات باريس.
ولفهم الرجل، لا يكفي أن نتذكر أنه حصل على نوبل ثم رفضها. الأهم هو أن نفهم كيف أصبح قادرًا على التفاوض في نهاية المطاف بعد أن أمضى جزءًا كبيرًا من حياته داخل الصراع نفسه.
النشأة في فيتنام الاستعمارية
وُلد لي دوك ثو في مقاطعة نام دينه في الهند الصينية الفرنسية، في زمن كانت فيه فيتنام خاضعة للاستعمار الفرنسي. وكان اسمه عند الميلاد فان دينه خاي، قبل أن يصبح اسمه السياسي المعروف لاحقًا لي دوك ثو. وتشير المصادر التاريخية إلى أنه انخرط مبكرًا في النشاط الثوري المناهض للاستعمار، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله وسجنه من السلطات الفرنسية.
وهذه النقطة مهمة لفهم شخصيته السياسية.
فلي دوك ثو لم يبدأ حياته بوصفه دبلوماسيًا يجيد لغة التسويات الدولية، بل بوصفه ناشطًا سياسيًا في بيئة كان الصراع فيها مرتبطًا بسؤال أساسي: هل تستطيع فيتنام أن تتحرر من السيطرة الأجنبية؟
كان الجيل الذي ينتمي إليه يعيش في ظل نظام استعماري فرنسي، بينما كانت الأفكار القومية والثورية تنتشر في آسيا. ومع صعود الحركات الشيوعية في الهند الصينية، أصبح لي دوك ثو جزءًا من الحركة التي رأت أن التحرر الوطني لا يمكن فصله عن إعادة بناء النظام السياسي والاجتماعي.
وبحسب المصادر التاريخية، كان من المشاركين في الحركة الشيوعية الهندوصينية منذ شبابه، وتعرض للاعتقال والسجن أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي. ثم أصبح لاحقًا عضوًا في القيادة السياسية للحركة الفيتنامية.
وهكذا، فإن سنوات السجن لم تكن مجرد فصل شخصي مؤلم في حياته، بل كانت جزءًا من عملية التكوين السياسي التي صنعت رؤيته للصراع.
من السجن إلى القيادة
خلال الحرب العالمية الثانية، دخلت فيتنام مرحلة جديدة من الاضطراب. فقد تراجعت السيطرة الفرنسية أمام الاحتلال الياباني، ثم انهارت المنظومة الاستعمارية القديمة في نهاية الحرب.
كان لي دوك ثو قد أصبح بحلول تلك المرحلة شخصية مهمة داخل الحركة الشيوعية الفيتنامية. وتشير مؤسسة نوبل إلى أنه حصل على موقع في قيادة الحزب الشيوعي خلال فترة الاحتلال الياباني، ثم شارك في المقاومة ضد عودة الفرنسيين بعد إعلان استقلال فيتنام عام 1945.
لكن إعلان الاستقلال لم يضع حدًا للصراع.
فعودة فرنسا أدت إلى اندلاع حرب الهند الصينية الأولى، وأصبح الصراع الفيتنامي جزءًا من مواجهة أكبر حول مستقبل المنطقة. وفي هذه المرحلة تولى لي دوك ثو أدوارًا قيادية داخل الحركة، ولا سيما في جنوب فيتنام.
وتذكر مصادر فيتنامية رسمية أنه تولى بين عامي 1948 و1954 مسؤوليات قيادية في الجنوب، قبل أن ينتقل بعد انتهاء الحرب ضد فرنسا إلى مواقع أكثر تأثيرًا في القيادة المركزية.
كانت تلك الخبرة مهمة للغاية؛ لأنها جعلته يعرف الحرب ليس من الكتب أو التقارير، بل من داخل البنية التنظيمية والسياسية التي كانت تديرها.
ومن هنا يمكن تفسير جانب من أسلوبه التفاوضي اللاحق: كان يرى المفاوضات امتدادًا للصراع السياسي بوسائل أخرى، وليس انفصالًا كاملًا عنه.
وهذه قراءة تحليلية تستند إلى المسار التاريخي العام لحياته، وليست اقتباسًا مباشرًا منه.
ماذا كان موجودًا قبل لي دوك ثو؟
قبل أن يصبح لي دوك ثو أحد أشهر المفاوضين في القرن العشرين، كانت المفاوضات الدولية التقليدية تقوم غالبًا على افتراض أن الأطراف المتحاربة تجلس إلى طاولة واحدة عندما تصل الحرب إلى مرحلة يصبح فيها التفاوض أقل كلفة من استمرار القتال.
لكن حرب فيتنام جعلت هذه القاعدة أكثر تعقيدًا.
فالصراع لم يكن مجرد حرب بين دولتين بالمعنى التقليدي. كان في الوقت نفسه حربًا أهلية وصراعًا على الشرعية السياسية، وجزءًا من الحرب الباردة، ومواجهة بين مشروعين سياسيين، كما كان مرتبطًا بالتنافس بين القوى الكبرى.
ولهذا أصبحت قضية من يمثل من؟ واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في مفاوضات باريس.
لم تكن المشكلة فقط في وقف القتال، بل في طبيعة الدولة الفيتنامية ومستقبل الجنوب، والقوات الموجودة فيه، والعلاقة بين فيتنام الشمالية والجنوبية، والدور الأمريكي، وترتيبات الانسحاب، والأسرى، ومستقبل العملية السياسية.
في هذا السياق ظهر لي دوك ثو بوصفه كبير المفاوضين عن فيتنام الشمالية في المحادثات السرية مع هنري كيسنجر.
وتشير وثائق وزارة الخارجية الأمريكية المنشورة ضمن مجموعة Foreign Relations of the United States إلى أن مفاوضات كيسنجر ولي دوك ثو استمرت من 1969 حتى 1973، وشملت عشرات الاجتماعات الخاصة والمحادثات المطولة.
وهنا بدأ التحول الحقيقي في مسيرته.
باريس: عندما انتقلت الحرب إلى طاولة المفاوضات
كانت باريس المسرح الذي تحولت فيه خبرة لي دوك ثو الثورية إلى مهارة تفاوضية.
لم يكن مجرد ممثل رسمي يجلس أمام نظيره الأمريكي ليقرأ نصوصًا معدة مسبقًا. لقد كان جزءًا من استراتيجية تفاوضية واسعة، وكان عليه أن يتعامل مع خصم يملك قوة عسكرية واقتصادية وسياسية هائلة.
كان خصمه المباشر هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي ثم وزير الخارجية، الذي كان يعمل في إطار سياسة إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون الرامية إلى إنهاء التدخل العسكري الأمريكي المباشر في الحرب.
ومن اللافت أن الوثائق الأمريكية نفسها تكشف أن المفاوضات لم تكن سهلة أو خطية.
ففي نوفمبر 1972، مثلًا، سجلت محاضر الاجتماعات أن الجانبين كانا قد أمضيا أكثر من مئة ساعة في النقاشات، وأن المحادثات وصلت إلى مرحلة شديدة الحساسية، رغم وجود رغبة لدى الطرفين في إنهاء الحرب.
وفي ديسمبر من العام نفسه، كانت القضايا العسكرية والسياسية لا تزال عالقة، فيما كانت الضغوط العسكرية مستمرة.
وهنا تتضح إحدى السمات الأساسية لأسلوب لي دوك ثو: عدم فصل التفاوض عن ميزان القوى الموجود خارج غرفة الاجتماع.
فالمفاوضات لم تكن في نظر الأطراف عملية كلامية مستقلة عن الحرب. كان كل طرف يحاول تحسين موقعه السياسي والعسكري قبل العودة إلى الطاولة.
إنجازات لي دوك ثو في التفاوض: تحويل الحرب إلى صيغة قابلة للاتفاق
إذا كان لا بد من تحديد أهم ما صنع مكانة لي دوك ثو، فإن مفاوضات باريس تأتي في المرتبة الأولى.
لكن أهميتها لا تكمن فقط في أنه جلس مع كيسنجر، بل في الطريقة التي تعامل بها مع مجموعة شديدة التعقيد من القضايا.
كانت هناك قضايا تتعلق بوقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الأمريكية، والأسرى، والسيادة الفيتنامية، ومستقبل الجنوب، وطبيعة الاتفاق نفسه.
وتظهر وثائق المفاوضات الأمريكية أن الجانبين ناقشا تفاصيل دقيقة للغاية، وأن النص النهائي لم يكن نتيجة لقاء واحد، بل حصيلة عملية طويلة من التعديل والمراجعة والعودة إلى النقاط المختلف عليها.
وفي يناير 1973، دخلت المفاوضات مرحلتها النهائية.
وبحسب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية، عقد كيسنجر ولي دوك ثو اجتماعات حاسمة في يناير، وأصبح الاتفاق جاهزًا للتوقيع، قبل أن يُوقّع رسميًا في باريس في 27 يناير 1973.
وهذا هو سبب فوز لي دوك ثو بجائزة نوبل وفق الصياغة الرسمية لمؤسسة نوبل: التفاوض المشترك على وقف إطلاق النار في فيتنام عام 1973.
لكن من الضروري هنا التمييز بين أمرين:
الجائزة كافأت التوصل إلى وقف إطلاق النار، ولم تقل إن الحرب انتهت نهائيًا.
بل إن خطاب تقديم الجائزة نفسه أقر بوضوح بأن وقف إطلاق النار لم يكن سلامًا كاملًا، وأن اللجنة كانت تدرك أن الحرب لم تكن قد انتهت بصورة نهائية وأن الطريق إلى السلام الكامل لا يزال طويلًا.
وهذه النقطة هي مفتاح فهم المفارقة التي أحاطت بالجائزة.
نوبل 1973: الجائزة التي لم يقبلها
في أكتوبر 1973 قررت اللجنة النرويجية منح جائزة نوبل للسلام مناصفةً إلى هنري كيسنجر ولي دوك ثو.
كان القرار استثنائيًا منذ لحظة صدوره.
فاللجنة نفسها كانت تدرك أن الاتفاق لم يكن سلامًا نهائيًا. وفي خطابها الرسمي أوضحت أن وقف إطلاق النار كان خطوة مهمة على طريق طويل نحو السلام، وليس نهاية الصراع.
لكن لي دوك ثو رفض الجائزة.
ووفق مؤسسة نوبل، أبلغ اللجنة بأنه لم يكن في وضع يسمح له بقبولها بسبب الوضع القائم في فيتنام. وفي رواية مؤسسة نوبل عن الحدث، كان رفضه مرتبطًا بأن الطرف المقابل، في نظره، لم يلتزم بما تم الاتفاق عليه، وأن الحرب لم تصل إلى السلام الذي يفترض أن تمثله الجائزة.
وبذلك أصبح لي دوك ثو الشخص الوحيد الذي رفض جائزة نوبل للسلام بحسب مؤسسة نوبل.
لكن أهمية الرفض لا تكمن في غرابته فقط.
إنه يكشف التناقض الموجود في شخصية الرجل وفي طبيعة الحرب نفسها.
فالرجل الذي قضى سنوات في العمل الثوري والمقاومة لم ينظر إلى الجائزة باعتبارها نهاية لمسيرته. كان يرى أن المعيار الحقيقي للاتفاق ليس ما يُكتب في الاحتفالات الدولية، وإنما ما يحدث على الأرض.
وبهذا المعنى، فإن رفضه الجائزة أصبح جزءًا من إرثه السياسي بقدر ما أصبح التفاوض نفسه جزءًا منه.
لي دوك ثو وكيسنجر: خصومة سياسية واحترام تفاوضي
تاريخ المفاوضات بين لي دوك ثو وكيسنجر لا يمكن اختزاله في صورة رجلين متخاصمين.
فوثائق وزارة الخارجية الأمريكية تكشف أيضًا عن وجود مستوى من الاحترام المهني بينهما، حتى في أكثر اللحظات توترًا. وفي لقاء لاحق عام 1973، أشار كيسنجر إلى السنوات الطويلة التي قضياها في التفاوض وإلى أنه كان يشعر باحترام شخصي للمفاوض الفيتنامي.
وهذه المفارقة تستحق التأمل.
فالخصمان كانا يمثلان نظامين سياسيين متعارضين جذريًا، لكن التفاوض الطويل خلق بينهما معرفة عميقة بطريقة تفكير الآخر.
لم يكن هذا يعني اتفاقًا فكريًا أو سياسيًا، وإنما معرفة عملية بالحدود التي يمكن لكل طرف أن يتحرك داخلها.
ومن هذه الزاوية، كان لي دوك ثو مفاوضًا صعبًا لأنه لم يدخل المفاوضات بوصفها اختبارًا للبلاغة، بل بوصفها اختبارًا للإرادة السياسية.
الإنجاز الأكبر لم يكن ورقة واحدة
عند البحث عن أهم أعمال لي دوك ثو، قد يبدو الأمر مختلفًا عن سيرة عالم أو أديب؛ فلا توجد مؤلفات أدبية أو اكتشافات علمية يمكن ترتيبها في قائمة.
إن «أعماله» الأساسية كانت أعمالًا سياسية وتنظيمية وتفاوضية.
ومن أبرزها:
- المشاركة المبكرة في الحركة الشيوعية الفيتنامية.
- مقاومة الاستعمار الفرنسي والسجن بسبب النشاط السياسي.
- العمل القيادي في فيت منه وحركة المقاومة.
- تولي مسؤوليات قيادية في جنوب فيتنام خلال حرب الهند الصينية.
- العضوية في المكتب السياسي للقيادة الفيتنامية.
- الإشراف على العمل التنظيمي للحزب.
- المشاركة في مفاوضات باريس.
- العمل مستشارًا رئيسيًا للوفد الفيتنامي الشمالي في المفاوضات مع الولايات المتحدة.
- المشاركة في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار عام 1973.
- مواصلة دوره في القيادة السياسية الفيتنامية بعد اتفاق باريس.
وتشير مصادر فيتنامية رسمية إلى أنه شغل عضوية المكتب السياسي منذ 1955، وتولى رئاسة لجنة التنظيم المركزية في فترات مختلفة، كما أصبح سكرتيرًا دائمًا للأمانة العامة بين 1980 و1986، ثم مستشارًا للجنة المركزية حتى وفاته عام 1990.
وهذا التسلسل يوضح أن نوبل لم تكن حادثة منفصلة عن مسيرته.
لقد جاءت الجائزة بعد عقود من العمل السياسي والتنظيمي.
من الدبلوماسية إلى إدارة الدولة والحزب
بعد مفاوضات باريس، لم يختفِ لي دوك ثو من الحياة السياسية.
بل عاد إلى أدوار قيادية داخل النظام الفيتنامي.
وتظهر السجلات السياسية الفيتنامية أنه كان عضوًا في المكتب السياسي، وعضوًا في الأمانة العامة، وتولى مسؤوليات تنظيمية مركزية. كما أصبح سكرتيرًا دائمًا للأمانة العامة في الثمانينيات، ثم مستشارًا للجنة المركزية للحزب حتى وفاته.
وهذه المرحلة مهمة لأنها تكشف أن لي دوك ثو لم يكن متخصصًا في الدبلوماسية الخارجية فحسب.
كان أحد مهندسي العمل الداخلي للحزب والدولة.
ومن ثم فإن تأثيره لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد السنوات التي أمضاها في باريس، وإنما أيضًا بدوره في بناء الجهاز السياسي الذي أدار فيتنام خلال مراحل الحرب وإعادة بناء الدولة.
هل نجح اتفاق باريس في تحقيق ما وعد به؟
هنا تظهر إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في إرث لي دوك ثو.
فالاتفاق الذي حصل بسببه على نوبل لم يؤدِّ إلى سلام دائم في فيتنام.
وقد كانت اللجنة النرويجية نفسها واعية بهذه الحقيقة عندما أعلنت الجائزة. فقد أشارت في خطابها إلى أن وقف إطلاق النار كان خطوة أولى ومهمة، لكنها لم تعتبره حلًا نهائيًا لكل أسباب الحرب.
والتاريخ اللاحق يؤكد أن الصراع استمر.
ولهذا أصبح منح الجائزة لكيسنجر ولي دوك ثو من أكثر قرارات نوبل للسلام إثارةً للجدل. وتصف مؤسسة نوبل نفسها جائزة عام 1973 بأنها من أكثر جوائز السلام إثارة للجدل في تاريخها، وتشير إلى الانتقادات والاستقالات التي صاحبتها.
لكن الجدل لا يلغي أهمية الاتفاق نفسه.
فقد أدى الاتفاق إلى انسحاب القوات الأمريكية، ووضع إطارًا لوقف إطلاق النار وترتيبات سياسية وعسكرية، ومثّل نهاية مرحلة أساسية من التدخل الأمريكي المباشر في الحرب.
ومن ثم فإن تقييم لي دوك ثو يجب ألا يقوم على سؤال بسيط مثل: «هل صنع السلام؟»
السؤال الأدق هو:
ما الذي استطاع أن يحققه من خلال التفاوض، وما الذي بقي خارج قدرة الاتفاق؟
وهنا تصبح سيرته أكثر تعقيدًا من صورة «رجل السلام» التقليدية.
إرث لي دوك ثو: التفاوض بوصفه امتدادًا للصراع
ربما تكمن أهميته التاريخية في أنه يمثل نموذجًا مختلفًا للدبلوماسي.
فهو لم يكن رجل مؤتمرات دولية تقليديًا، ولم يصل إلى باريس بعد مسيرة أكاديمية في العلاقات الدولية.
وصل إليها بعد سنوات من السجن والعمل السري والحرب والتنظيم الحزبي.
لذلك كانت لديه رؤية مختلفة لمعنى التفاوض.
ومن خلال وثائق المفاوضات يمكن ملاحظة أن الحوار بينه وبين كيسنجر كان يتحرك باستمرار بين النصوص السياسية والواقع العسكري والشرعية السياسية. فكل مادة في الاتفاق كانت مرتبطة بالسؤال الأكبر: من يملك القدرة على الصمود بعد انتهاء المفاوضات؟
وهذا أحد أسباب أهمية تجربته في دراسة التفاوض السياسي الحديث.
فالمفاوضات ليست دائمًا بحثًا عن حل يرضي جميع الأطراف بالتساوي؛ أحيانًا تكون عملية لترجمة ميزان القوى إلى صيغة سياسية يمكن توقيعها.
وهذه قراءة تحليلية للتجربة، وليست ادعاءً بأن لي دوك ثو صاغ نظرية مكتوبة في التفاوض.
أثره اللاحق: من تجربة باريس إلى دراسات التفاوض
لم يترك لي دوك ثو «مدرسة» فكرية بالمعنى الذي تركه بعض المنظرين السياسيين، ولم يؤسس تيارًا أكاديميًا يحمل اسمه.
لكن تجربة مفاوضات باريس أصبحت مادة أساسية في دراسة الدبلوماسية والحرب الباردة والتفاوض بين الدول.
وتُعد مجموعة الوثائق الرسمية التي نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية عن مفاوضات كيسنجر ولي دوك ثو مثالًا مباشرًا على هذا الامتداد؛ إذ جُمعت المفاوضات في سلسلة تاريخية تمتد من أغسطس 1969 إلى ديسمبر 1973، وتقسمها الوثائق إلى مراحل تشمل محاولة الوصول إلى المستحيل، واكتشاف الممكن، والجمود، والتسوية، ثم محاولة تنفيذ الاتفاق.
وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الإرث.
فالأثر لا يعني دائمًا أن شخصًا آخر تبنى أفكار الشخصية حرفيًا.
أحيانًا يكون الإرث أن تتحول التجربة إلى حالة دراسية تستمر الأجيال في العودة إليها لفهم كيف تتحول الحرب إلى تفاوض، وكيف تتحول المفاوضات بدورها إلى اتفاق، ولماذا قد يفشل الاتفاق في تحقيق السلام الكامل.
وفي حالة لي دوك ثو، أصبح هذا السؤال أكثر أهمية لأن اتفاق باريس كان ناجحًا في جانب وفاشلًا أو محدودًا في جوانب أخرى.
السنوات الأخيرة: من رجل المفاوضات إلى رجل الدولة
بعد حرب فيتنام وتوحيد البلاد، استمر لي دوك ثو في العمل داخل القيادة السياسية.
لم تكن سنواته الأخيرة مجرد تقاعد لرجل أنهكته الحرب.
بل ظل في موقع استشاري داخل القيادة حتى عام وفاته.
وتشير السجلات الفيتنامية إلى أنه تولى خلال الثمانينيات مسؤوليات تتصل بالتنظيم والشؤون الداخلية والفكر والعلاقات الخارجية، قبل أن يصبح مستشارًا للجنة المركزية.
وفي 13 أكتوبر 1990، توفي في هانوي، قبل يوم واحد من عيد ميلاده التاسع والسبعين.
وبذلك انتهت حياة بدأت في الهند الصينية الفرنسية وانتهت في دولة فيتنامية موحدة، بعد أن مرت بالحرب والاستعمار والسجن والثورة والتفاوض وإعادة بناء الدولة.
لماذا بقي لي دوك ثو حاضرًا في التاريخ؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الإجابة سهلة: لأنه رفض جائزة نوبل.
لكن ذلك سيكون اختزالًا شديدًا.
إن رفض الجائزة هو أشهر لحظة في حياته بالنسبة إلى الجمهور العالمي، لكنه لم يكن بالضرورة أهم إنجازاته التاريخية.
الأهم هو المسار الذي قاده إليها.
كان شابًا في فيتنام الاستعمارية، أصبح ناشطًا ثوريًا، ثم سجينًا، ثم قياديًا في حركة مقاومة، ثم مسؤولًا في جهاز سياسي وعسكري، ثم مفاوضًا أمام قوة عظمى، ثم رجلًا يجلس في باريس أمام هنري كيسنجر بحثًا عن صيغة لإنهاء الحرب.
هذه الرحلة هي التي تعطي رفضه للجائزة معناها.
فلو كان لي دوك ثو مجرد دبلوماسي، لكان رفض نوبل موقفًا سياسيًا مثيرًا للجدل.
أما لأنه كان رجلًا عاش الحرب قبل أن يتفاوض على إنهائها، فقد بدا رفضه متسقًا مع رؤيته الخاصة لمعنى الاتفاق.
كان يرى، وفق الرواية التي توثقها مؤسسة نوبل، أن الظروف في فيتنام لم تكن تسمح له بقبول الجائزة.
وهنا تتضح المفارقة النهائية في سيرته:
لقد مُنح جائزة السلام لأنه ساعد في التفاوض على وقف الحرب، لكنه رفضها لأنه لم يرَ أن السلام قد تحقق.
الخاتمة: إرث مفتوح بين الحرب والسلام
يصعب وضع لي دوك ثو في خانة واحدة.
فهو ليس «رجل سلام» بالمعنى التقليدي للكلمة، لأن سيرته تشكلت داخل حركة ثورية وحرب طويلة.
وليس مجرد «رجل حرب»، لأن أهم لحظة دولية في مسيرته جاءت عندما انتقل من ساحات الصراع إلى طاولة المفاوضات.
وليس دبلوماسيًا تقليديًا، لأن تجربته السياسية سبقت دبلوماسيته بسنوات طويلة.
ربما يكون الوصف الأدق أنه كان رجل صراع عرف متى يستخدم التفاوض أداةً سياسية.
وهذا ما يجعل تجربته ذات قيمة تاريخية تتجاوز فيتنام نفسها.
فمفاوضات باريس تظل مثالًا على أن السلام لا يبدأ بالضرورة عندما يتوقف الخلاف، بل عندما يصبح الخصوم مستعدين لترجمة خلافاتهم إلى نصوص واتفاقات.
لكن تجربة لي دوك ثو تقدم درسًا أكثر تعقيدًا: الاتفاق ليس هو السلام دائمًا.
يمكن أن ينجح المفاوضون في صياغة اتفاق، ويمكن للجنة دولية أن ترى فيه خطوة تاريخية، ويمكن أن يحصل طرفا التفاوض على جائزة مرموقة، ومع ذلك تظل جذور الصراع قائمة.
ولهذا فإن إرث لي دوك ثو لا ينتهي عند يناير 1973، ولا عند إعلان نوبل في أكتوبر من العام نفسه.
إنه يمتد إلى كل دراسة لاحقة لمفاوضات فيتنام، وإلى كل محاولة لفهم العلاقة بين القوة والدبلوماسية، وبين الاتفاق والتنفيذ، وبين إنهاء الحرب وصناعة السلام.
لقد دخل التاريخ لأنه تفاوض.
لكنه بقي في الذاكرة العالمية لأنه رفض أن يساوي بين توقيع اتفاق وبين تحقق السلام.
ومن هذه الزاوية، فإن قصته ليست مجرد سيرة سياسي فيتنامي حصل على نوبل ثم رفضها، وإنما سيرة رجل تشكلت أفكاره في زمن الحرب، واختُبرت في أصعب طاولات التفاوض في القرن العشرين، وظل أثر تجربته مفتوحًا على السؤال الذي لم تستطع اتفاقيات باريس وحدها أن تحسمه: متى يتحول وقف إطلاق النار إلى سلام حقيقي؟



