نيكولاس تينبيرجين: العالم الذي علّمنا كيف نسأل عن سلوك الحيوان

في ديسمبر/كانون الأول 1973، وقف عالم الحيوان الهولندي نيكولاس «نيكو» تينبيرجين في ستوكهولم ليلقي محاضرته بمناسبة حصوله على جائزة نوبل في وظائف الأعضاء أو الطب. وكان في الأمر مفارقة لافتة: الرجل الذي قضى معظم حياته يراقب الطيور والأسماك والحشرات، ويجلس في الحقول وبين المستعمرات والبرك والكثبان، أصبح فجأة صاحب جائزة في مجال كان يبدو، للوهلة الأولى، بعيدًا عن الطب.
لكن قرار نوبل كان واضحًا في دلالته. فقد مُنحت الجائزة عام 1973 بصورة مشتركة إلى تينبيرجين وكونراد لورنز وكارل فون فريش «لاكتشافاتهم المتعلقة بتنظيم واستثارة أنماط السلوك الفردي والاجتماعي». ولم تكن الجائزة تكريمًا لمجرد جمع معلومات عن الحيوانات، وإنما اعترافًا بأن سلوك الكائن الحي يمكن أن يصبح موضوعًا لعلم تجريبي دقيق، شأنه شأن وظائف الأعضاء الأخرى.
ومن هنا تبدأ أهمية سيرة نيكولاس تينبيرجين: فهي ليست قصة عالم أحب الطبيعة فحسب، بل قصة انتقال في طريقة النظر إلى السلوك نفسه؛ من ظاهرة تُرى وتوصف إلى مشكلة علمية يمكن تفكيك أسبابها، ودراسة تطورها، وقياس وظيفتها، ومقارنتها بتاريخ الأنواع.
طفل اختار الطبيعة على الفصل الدراسي
وُلد نيكولاس تينبيرجين في لاهاي بهولندا في 15 أبريل/نيسان 1907، ونشأ في أسرة ذات اهتمام واضح بالثقافة والعلم. كان ثالث خمسة أبناء، وكان شقيقه الأكبر يان تينبيرجين سيصبح لاحقًا اقتصاديًا بارزًا ويحصل عام 1969 على أول جائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل. وهكذا أصبح الشقيقان أول شقيقين يفوز كل منهما بجائزة نوبل في مجال مختلف.
غير أن شخصية نيكو في طفولته لم تكن صورة مبكرة للباحث الأكاديمي التقليدي. فقد كان شديد الانجذاب إلى الطبيعة والرياضة والمشي والتخييم والتصوير ومراقبة الحيوانات، بينما لم يكن التعليم المدرسي الرسمي يستحوذ على اهتمامه بالقدر نفسه. وتذكر مؤسسة نوبل أن اهتمامه بالحياة البرية قاده في سنواته المبكرة إلى الانضمام إلى مجموعة كانت تدرس الحيوانات في بيئاتها الطبيعية.
كانت هذه النزعة المبكرة أكثر من هواية. فقد أصبح «النظر» بالنسبة إليه، مع مرور الوقت، طريقة في التفكير. لم يكن يكتفي بأن يرى طائرًا يفعل شيئًا، بل بدأ يسأل: لماذا يفعل ذلك؟ ما الذي يثير الاستجابة؟ هل يحتاج الحيوان إلى التعلم حتى يقوم بها؟ وما فائدتها بالنسبة إلى بقائه وتكاثره؟
وفي خريف عام 1925، جاءت تجربة ميدانية لعبت دورًا في تحديد اتجاهه العلمي. فقد أمضى فترة في محطة رصد الطيور في روسيتن بشرق بروسيا، حيث اطلع على العمل الميداني المنظم في دراسة هجرة الطيور. وتشير محفوظات جامعة أكسفورد إلى أن هذه التجربة ساعدته على اتخاذ قرار دراسة علم الحيوان في جامعة لايدن.
وهكذا بدأت الهواية تتحول إلى علم.
من مراقبة الحيوان إلى تأسيس علم السلوك
حين دخل تينبيرجين الحياة العلمية، لم يكن علم سلوك الحيوان بالشكل الذي نعرفه اليوم قد اكتمل بعد. كانت هناك اتجاهات متنافسة في تفسير السلوك. فبعض التصورات أعطت «الغريزة» مكانة تكاد تجعلها قوة غامضة تتحكم في الكائن، بينما ركزت مدارس أخرى على المنعكسات أو التعلم، بحيث بدا السلوك أحيانًا وكأنه نتيجة آلية أو مكتسبة يمكن تفسيرها من زاوية واحدة.
وكانت المشكلة أن هذه الاتجاهات لم تكن تمنح الباحث إطارًا متكاملًا يربط بين ما يفعله الحيوان وبين تطوره وبيئته ووظيفته. وتصف مؤسسة نوبل هذا الوضع بأنه كان يقود أبحاث السلوك الحيواني إلى طريق مسدود نسبيًا، قبل أن تبرز المدرسة التي أعادت السلوك إلى سياق التطور والانتخاب الطبيعي، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأهمية الخبرة والتعلم.
هنا ظهر تينبيرجين، إلى جانب لورنز وغيرهما، بوصفه واحدًا من مؤسسي علم السلوك الحيواني الحديث، أو «الإيثولوجيا»؛ أي دراسة سلوك الحيوان من منظور بيولوجي، مع الاهتمام بالحيوان في سياقه الطبيعي وبالسلوك بوصفه جزءًا من تكيف الكائن مع بيئته.
كان الفارق في المنهج قبل أن يكون في النتائج.
لم يكن تينبيرجين يرى أن مراقبة الحيوان في الطبيعة تتعارض مع التجربة العلمية. على العكس، كان يرى أن الملاحظة الدقيقة يمكن أن تولد فرضية، ثم تأتي التجربة لاختبارها. وقد لخصت الجمعية الملكية البريطانية هذا الجانب من منهجه بعبارة «المراقبة والتساؤل»، مؤكدة أن تينبيرجين جعل من هذا الأسلوب أساسًا مهمًا في دراسة السلوك، ثم دعمه بالتجريب.
وهذا هو أحد المفاتيح لفهم إنجازه: لم يكن مجرد «مراقب طيور»، كما كان يمكن أن يبدو لمن ينظر إلى عمله من الخارج، بل كان يحاول تحويل التفاصيل الصغيرة في حياة الحيوان إلى تجارب قابلة للاختبار.
أطروحة قصيرة عن دبور حفّار صنعت بداية كبيرة
كان من أوائل أعماله العلمية دراسة سلوك الدبابير الحفارة وقدرتها على العودة إلى جحورها بعد مغادرتها للبحث عن الغذاء.
قد تبدو المسألة صغيرة مقارنة بما سيأتي لاحقًا، لكنها تكشف مبكرًا عن طريقة تينبيرجين. فكيف يعرف الحيوان موقع عشه بعد أن يبتعد عنه؟ وما العلامات التي يستخدمها في البيئة؟ وهل يعتمد على معالم بعينها؟
وقد أصبحت أطروحته للدكتوراه مثالًا طريفًا على الفرق بين حجم النص وحجم الفكرة. كانت الأطروحة قصيرة جدًا، نحو 32 صفحة، لكنها قدمت دراسة دقيقة لسلوك الدبور في تحديد طريق العودة إلى جحره. وتذكر الجمعية الملكية أن هذه الأطروحة كانت الأقصر في تاريخ الجامعة بحسب وصفها لموروث تينبيرجين الأكاديمي.
المهم هنا أن السؤال لم يكن: «هل يمتلك الدبور غريزة للعودة؟» بصيغة عامة ومغلقة، وإنما: ما المعلومات التي يستخدمها الحيوان، وما الآليات السلوكية التي تمكنه من العثور على المكان؟
هذا التحول من تسمية السلوك إلى تحليله سيصبح لاحقًا إحدى سمات الإيثولوجيا.
الأسماك والطيور: حين أصبحت الحركة رسالة
خلال ثلاثينيات القرن العشرين، توسعت أبحاث تينبيرجين لتشمل أنواعًا متعددة من الحيوانات، وكان من أبرزها أسماك أبو شوكة ثلاثية الأشواك، والطيور، وخاصة النوارس. وتذكر الجمعية الملكية أن أعماله في تلك المرحلة شملت أيضًا طيور الثلج والإوز وغيرها.
كانت أسماك أبو شوكة مهمة لأنها كشفت له أن السلوك الاجتماعي ليس مجرد مجموعة من الحركات العشوائية. فالذكر، في موسم التكاثر، يستجيب لإشارات معينة، ويتخذ أوضاعًا محددة، ويدافع عن منطقة، ويقوم بسلسلة من السلوكيات المرتبطة بالتكاثر.
وهنا بدأ تينبيرجين يفكر في السلوك بوصفه منظومة منظمة، لا مجرد ردود منفردة.
كان السؤال: ما الذي يجعل الحيوان ينتقل من حالة سلوكية إلى أخرى؟ وما الإشارة التي تستدعي الاستجابة؟ وهل يمكن فصل عناصر السلوك واختبارها؟
هذه الأسئلة ستقود إلى مفهوم بالغ الأهمية في عمله: المثير المفتاحي، أو الإشارة التي تستطيع إطلاق استجابة سلوكية محددة.
وقد سجلت وثيقة انتخابه زميلًا في الجمعية الملكية عام 1962 أن أبحاثه حول «المثيرات الإشارية»، وتسلسل السلوك، وسلوك الأسماك التناسلي، كانت من بين أسباب الاعتراف العلمي الكبير به.
النورس الذي قاد إلى واحدة من أشهر تجارب علم السلوك
لكن ربما كانت النوارس هي المختبر الطبيعي الأشهر في مسيرة تينبيرجين.
كان فرخ النورس حديث الفقس ينقر على منقار أمه، وهو سلوك يساعد في استثارة عملية إطعامه. والسؤال الذي طرحه تينبيرجين وزملاؤه كان بسيطًا في ظاهره: ما الذي يجعل الفرخ ينقر على المنقار؟
هل يحتاج إلى رؤية رأس أمه كاملًا؟ أم أن هناك علامة بصرية محددة تكفي لإطلاق الاستجابة؟
بدل الاكتفاء بالمراقبة، صمم الباحثون نماذج مختلفة لرأس النورس ومنقاره، وغيروا عناصر الشكل واللون والتباين، ثم قاسوا عدد استجابات الفراخ لكل نموذج. وفي إحدى الدراسات المنشورة عام 1951، تناول تينبيرجين وأب بيرديك الظروف المثيرة لاستجابة طلب الطعام لدى فراخ النورس حديثة الفقس.
كشفت التجارب أن عناصر محددة من المنقار، ولا سيما العلامة اللونية المتباينة، تؤدي دورًا مهمًا في استثارة النقر. والأهم من ذلك أن التلاعب بالمثيرات أظهر إمكانية أن يكون الشيء الاصطناعي أكثر قدرة على إثارة الاستجابة من النموذج الطبيعي.
هنا ظهر مفهوم المثير فائق القوة أو «المثير فوق الطبيعي»؛ أي أن المبالغة في بعض خصائص الإشارة الطبيعية يمكن أن تنتج استجابة أقوى من تلك التي ينتجها المثير الطبيعي نفسه. وتوثق الأدبيات العلمية اللاحقة هذه التجارب بوصفها من أشهر أعمال تينبيرجين في تحليل المثيرات التي تستدعي السلوك.
وهذه الفكرة تجاوزت النورس نفسه.
فإذا كان الحيوان مهيأ للاستجابة لخاصية معينة، فإن زيادة تلك الخاصية بصورة اصطناعية قد تجعل الاستجابة أقوى. ومن هنا أصبحت تجارب تينبيرجين نموذجًا لفكرة أوسع في علم السلوك: لا يكفي أن نعرف أن الحيوان يستجيب، بل يجب أن نعرف لأي جزء من الإشارة يستجيب تحديدًا.
ومن الناحية المنهجية، كان هذا إنجازًا مهمًا لأنه نقل دراسة السلوك من الانطباع إلى القياس.
«دراسة الغريزة»: الكتاب الذي جعل الإيثولوجيا قابلة للانتشار
في عام 1951 نشر تينبيرجين كتابه الشهير The Study of Instinct، أو «دراسة الغريزة». ولم يكن الكتاب مجرد تجميع لأبحاثه السابقة، بل محاولة لصياغة إطار متكامل لدراسة السلوك الحيواني.
وقد بني الكتاب على محاضرات ألقاها تينبيرجين في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي عام 1947، ثم ظهر في صورته المنشورة عام 1951. وتصفه محفوظات مكتبة بودليان في أكسفورد بأنه أكثر كتبه تأثيرًا، بينما تشير مصادر تاريخية إلى أنه ساعد على نشر الإيثولوجيا على نطاق دولي.
تكمن أهمية الكتاب في أنه حاول أن يجيب عن سؤال كان يبدو بسيطًا ولكنه في الواقع معقد: كيف نفهم السلوك الغريزي؟
لم يعد السلوك، في التصور الذي طوره تينبيرجين، شيئًا غامضًا يُسمى «غريزة» ثم ينتهي البحث. بل صار بنية يمكن دراسة تنظيمها، ومثيراتها، وتسلسلها، وقيمتها بالنسبة إلى بقاء الحيوان وتكاثره.
وهنا تظهر إحدى أهم إنجازات نيكولاس تينبيرجين في علم السلوك: أنه لم يضف إلى العلم نتائج ميدانية فقط، بل ساعد على بناء لغة ومفاهيم وأسئلة يمكن للباحثين الآخرين استخدامها.
الحرب: انقطاع في الحياة واستمرار في المشروع العلمي
لم تكن حياة تينبيرجين العلمية خطًا مستقيمًا. فقد أدت الحرب العالمية الثانية والاحتلال الألماني لهولندا إلى اعتقاله واحتجازه خلال الحرب، وهو ما أثر في حياته وفي علاقاته العلمية بعد الحرب. وتشير المصادر إلى أنه احتاج سنوات حتى يستعيد تواصله الطبيعي مع بعض زملائه الألمان.
لكن ما حدث بعد الحرب كان حاسمًا في انتشار أفكاره خارج هولندا.
في عام 1949 انتقل تينبيرجين إلى إنجلترا والتحق بجامعة أكسفورد، حيث أصبح لاحقًا أستاذًا لسلوك الحيوان، وبنى هناك مجموعة أبحاث سلوك الحيوان التي كان لها تأثير واسع في تطور الإيثولوجيا عالميًا.
لم تكن أهمية أكسفورد بالنسبة إليه مجرد منصب جامعي. لقد تحولت الجامعة إلى مركز لتكوين جيل جديد من الباحثين.
ومن بين الذين ارتبطوا بمجموعته أسماء أصبحت لاحقًا معروفة في علم الأحياء والسلوك، ومنها ريتشارد دوكينز، وماريان دوكينز، ودزموند موريس، وإيان دوغلاس-هاملتون، وتوني سنكلير وغيرهم.
وهكذا بدأ الإرث يأخذ شكلًا مختلفًا: لم تعد أفكار تينبيرجين موجودة فقط في كتبه وتجاربه، بل أصبحت موجودة في طلابه وفي المؤسسات العلمية التي ساهموا هم أنفسهم في بنائها.
الأسئلة الأربعة: أعظم إرث منهجي
إذا كان لا بد من اختيار فكرة واحدة تفسر استمرار حضور تينبيرجين في العلم حتى اليوم، فهي غالبًا ليست تجربة بعينها، بل الأسئلة الأربعة لدراسة السلوك.
في مقاله المنشور عام 1963 بعنوان «حول أهداف وأساليب علم السلوك»، دعا تينبيرجين إلى دراسة السلوك من مستويات تفسيرية متكاملة. وقد أصبحت هذه الرؤية معروفة لاحقًا باسم «أسئلة تينبيرجين الأربعة». وتؤكد الجمعية الملكية أن هذا الإطار، المنشور عام 1963، لا يزال مستخدمًا في دراسة السلوك الحيواني.
السؤال الأول هو السبب المباشر أو الآلية: ما المثيرات والآليات التي تجعل الحيوان يؤدي السلوك؟
والثاني هو التطور الفردي: كيف يتغير السلوك مع نمو الحيوان؟ وما دور الخبرة والتعلم والظروف المبكرة؟
والثالث هو الوظيفة: ما الفائدة التي يحققها السلوك بالنسبة إلى البقاء أو التكاثر؟
والرابع هو التاريخ التطوري: كيف ظهر السلوك عبر تاريخ النوع؟ وكيف يقارن بسلوك الأنواع القريبة؟
أهمية هذه الأسئلة أنها لا تتنافس فيما بينها.
فإذا سألنا لماذا يأكل طائر معين، يمكن أن تكون هناك إجابة عن الآلية الفسيولوجية التي تدفعه إلى البحث عن الطعام، وإجابة عن التطور الذي جعل هذا السلوك يظهر، وإجابة عن فائدته في البقاء والتكاثر، وإجابة عن كيفية تشكل هذا السلوك خلال نمو الفرد.
وهكذا رفض تينبيرجين ضمنيًا فكرة أن تفسيرًا واحدًا يستطيع أن يستوعب الظاهرة السلوكية كلها.
وقد أثبت هذا الإطار قدرته على البقاء. فدراسات حديثة في علم السلوك وعلم البيئة السلوكي والعلوم التطورية لا تزال تستخدم المستويات الأربعة لتنظيم الأسئلة والفرضيات، كما أن مراجعات علمية حديثة ترى أن الإطار ساعد على الربط بين التحليل من أسفل، مثل الجزيئات والآليات العصبية، والتحليل من أعلى، مثل التكيف والتاريخ التطوري.
وهنا يمكن فهم سبب فوز نيكولاس تينبيرجين بجائزة نوبل بصورة أدق: لم يكن الإنجاز مجرد اكتشاف سلوك خاص بطائر أو سمكة، بل تطوير طريقة تجريبية ومنهجية لفهم كيفية تنظيم السلوك واستثارته، ثم وضعه داخل إطار بيولوجي أوسع. وهذا يتفق مباشرة مع الصياغة الرسمية لجائزة نوبل لعام 1973.
من النوارس إلى نظرية السلوك المقارن
لم يكتف تينبيرجين بدراسة نوع واحد. فقد قادته أبحاث النوارس إلى المقارنة بين أنواع متعددة، محاولًا معرفة أي عناصر السلوك مشتركة وأيها يختلف من نوع إلى آخر.
وفي دراسة منشورة عام 1960 حول سلوك النوارس، تناول الاختلافات في إشارات التواصل بين الأنواع، وربطها بالبيئة والتطور، وناقش وظائف الإشارات وأسبابها وآثارها التطورية.
هذه المقارنة مهمة لأنها تجعل السلوك شبيهًا بصفة بيولوجية أخرى يمكن مقارنتها بين الأنواع.
فكما يقارن عالم التشريح بين الأطراف والهياكل، يستطيع عالم السلوك أن يقارن بين إشارات التزاوج والدفاع والتغذية والتواصل. وإذا ظهرت أنماط مشتركة بين أنواع متقاربة، فقد توفر هذه الأنماط أدلة على تاريخها التطوري.
بهذا المعنى، أصبح سلوك الحيوان جزءًا من التفكير التطوري، وليس هامشًا وصفيًا في علم الحيوان.
العلم في الحقل، والعلم أمام الكاميرا
كان تينبيرجين أيضًا من العلماء الذين فهموا أن العلم لا يعيش داخل المختبرات والجامعات وحدها.
في الستينيات تعاون مع صانع الأفلام هيو فالكوس في إنتاج أفلام عن الحياة البرية، من بينها Signals for Survival، الذي تناول الحياة الاجتماعية للنوارس، وقد فاز بجائزة إيطاليا للأفلام الوثائقية عام 1969. وتوضح دراسات تاريخية للإنتاج التلفزيوني البريطاني أن الفيلم سعى إلى تقديم سلوك الحيوان بوصفه موضوعًا علميًا، لا مجرد مشاهد طبيعية للفرجة.
وهذا جانب مهم في شخصية تينبيرجين: كان يريد أن يوسع دائرة الجمهور الذي يرى في سلوك الحيوان علمًا حقيقيًا.
فالكاميرا، بالنسبة إليه، لم تكن مجرد وسيلة لتسجيل الجمال الطبيعي. كانت أداة لإظهار التواصل والصراع والتزاوج والرعاية والتنافس كما تحدث في العالم الطبيعي.
وبذلك ساعدت أعماله المصورة في تقريب الإيثولوجيا من الجمهور العام، وهي مهمة ستصبح أكثر أهمية في العقود التالية مع انتشار أفلام الطبيعة والبرامج العلمية التلفزيونية.
من نوبل إلى الطب: لماذا مُنحت جائزة في مجال وظائف الأعضاء؟
كان اختيار تينبيرجين لجائزة نوبل في وظائف الأعضاء أو الطب عام 1973 إشارة إلى توسع مفهوم «الطب» و«وظائف الأعضاء» في رؤية الجهة المانحة.
فمؤسسة نوبل نفسها تشير إلى أن جائزة 1973 يمكن وصفها بأنها جائزة في العلوم السلوكية؛ لأن دراسة تنظيم السلوك واستثارته تقع عند نقطة التقاء علم الحيوان وعلم وظائف الأعضاء والسلوك.
وفي محاضرته النوبلية التي ألقاها في 12 ديسمبر/كانون الأول 1973، بعنوان «الإيثولوجيا وأمراض الإجهاد»، حاول تينبيرجين أن يوضح كيف يمكن لطريقة «المراقبة والتساؤل» عن سلوك الحيوان أن تساعد أيضًا في التفكير في بعض أوجه المعاناة الإنسانية المرتبطة بالإجهاد.
وهذا لا يعني أن أبحاثه الحيوانية تحولت ببساطة إلى علاج طبي، وإنما يعكس اتساع رؤيته: السلوك ظاهرة بيولوجية، وفهمه يمكن أن يفتح أبوابًا للتفكير في العلاقة بين البيئة والجسم والسلوك.
جدل العلم وحدوده
لم يكن مشروع تينبيرجين بمنأى عن النقد.
فالإيثولوجيا نفسها تطورت بعده، وأصبحت بعض مفاهيم «الغريزة» و«الأنماط الثابتة» أكثر تعقيدًا مع تقدم علم الأعصاب وعلم الوراثة والسلوك والبيئة التطورية. كما أن بعض تجاربه الشهيرة أعيد فحصها تاريخيًا ومنهجيًا.
ومن الأمثلة اللافتة دراسة لاحقة أعادت النظر في تجربة تينبيرجين المتعلقة بتفضيل فراخ النورس للألوان والعلامات على المنقار، وأظهرت أن بعض التفاصيل في الروايات اللاحقة للتجربة لم تتطابق تمامًا مع البيانات الأصلية، ثم أجرت إعادة للتجربة ووجدت نتائج تساعد على فهم المسألة بصورة أكثر دقة.
وهذا لا يقلل من قيمة تينبيرجين؛ بل يوضح طبيعة العلم نفسه. فالتجربة العلمية لا تصبح مقدسة لأنها ارتبطت بعالم حائز نوبل. بل تظل قابلة لإعادة الفحص والتكرار والنقد.
وهنا تظهر إحدى نقاط القوة الحقيقية في إرثه: لقد أعطى الأجيال اللاحقة أدوات يمكن استخدامها لتصحيح نتائجه هو نفسه.
إرث يتجاوز صاحبه
كان انتخاب تينبيرجين زميلًا في الجمعية الملكية عام 1962 اعترافًا بمكانته المتزايدة. وقد أشارت وثيقة انتخابه إلى مجموعة واسعة من إسهاماته: دراسة المثيرات الإشارية، وتنظيم السلوك، وسلوك الطيور والحشرات والأسماك، إضافة إلى كتابه «دراسة الغريزة».
لكن أهم من التكريمات هو ما حدث في أكسفورد.
هناك تشكلت مجموعة بحثية أصبحت مركزًا لتدريب علماء السلوك. ومن خلال الطلاب والباحثين الذين مروا بها، انتقلت منهجية تينبيرجين إلى مجالات جديدة. وتذكر سجلات الجمعية الملكية عددًا من الأسماء البارزة التي تدربت في بيئته البحثية، ومن بينها ريتشارد دوكينز وماريان دوكينز ودزموند موريس وإيان دوغلاس-هاملتون وغيرهم.
ولم يكن التأثير هنا «مباشرًا» بالضرورة في كل حالة؛ فبعض هؤلاء العلماء طوروا أفكارًا خاصة بهم وذهبوا إلى أسئلة لم تكن جزءًا من مشروع تينبيرجين الأصلي. لكن الإطار الذي وضعه — دراسة السلوك في الطبيعة، وطرح الأسئلة المتعلقة بالآلية والتطور والوظيفة والنمو — أصبح جزءًا من البنية الفكرية التي نشأت فيها أجيال لاحقة من علم السلوك.
وهكذا تحول الإرث من «أعمال تينبيرجين» إلى طريقة تينبيرجينية في طرح السؤال.
العلم الذي يبدأ من سؤال صغير
ربما تكمن عبقرية تينبيرجين في أنه لم يبدأ بأسئلة ضخمة.
بدأ من دبور يجد طريقه إلى جحره.
ومن سمكة تدافع عن منطقتها.
ومن فرخ نورس ينقر منقار أمه.
ومن بيضة يزيلها طائر من عشه.
ومن إشارة صغيرة تجعل حيوانًا ينتقل من سلوك إلى آخر.
لكن هذه التفاصيل قادته إلى أسئلة كبيرة عن طبيعة السلوك، وعن العلاقة بين الحيوان وبيئته، وعن أثر التطور في تشكيل الاستجابات، وعن الطريقة التي يمكن بها تحويل الملاحظة الطبيعية إلى علم تجريبي.
ومن هنا جاءت قيمة أهم أعمال نيكولاس تينبيرجين: أنها لم تكن منفصلة عن بعضها. فقد كانت أطروحته عن الدبور بداية لمنهج يقوم على اختبار فرضيات السلوك، وكانت تجاربه على الأسماك والطيور تطبيقًا لهذا المنهج، وكان «دراسة الغريزة» محاولة لصياغته، ثم جاءت أسئلته الأربعة عام 1963 لتمنحه صورة أكثر اتساعًا واستمرارًا.
نيكولاس تينبيرجين بعد نصف قرن من نوبل
توفي نيكولاس تينبيرجين في أكسفورد في 21 ديسمبر/كانون الأول 1988، عن عمر 81 عامًا. وتؤكد سجلات الجمعية الملكية تاريخ ميلاده ووفاته ومكان وفاته، كما توثق مكانته بوصفه عالم أحياء وسلوك حيوانات وعلم سلوك الحيوان.
لكن تاريخ وفاته لم يكن نهاية المشروع الذي أسهم في بنائه.
فالإيثولوجيا الحديثة امتدت إلى علم البيئة السلوكي، وعلم السلوك المعرفي، ودراسة التواصل الحيواني، وعلم الأعصاب السلوكي، ودراسة التطور، بل وإلى أسئلة تتعلق بالسلوك الإنساني. وأصبحت الأسئلة الأربعة التي صاغها جزءًا من التعليم الأساسي في كثير من مسارات دراسة سلوك الحيوان، كما استمر الباحثون في مناقشة كيفية الجمع بين المستويات الآلية والتطورية والتنموية والوظيفية.
ومن المفارقات الجميلة أن إرث تينبيرجين لا يطلب من الباحث أن يوافق عليه، بل أن يسأل أفضل.
فالسؤال الذي تركه ليس «ما السلوك؟» فقط، وإنما: كيف يحدث؟ كيف يتطور لدى الفرد؟ ما فائدته؟ وكيف نشأ في تاريخ النوع؟
وهذه الأسئلة الأربعة تجعل الحيوان أكثر من كائن نراقبه. إنها تجعله نظامًا حيًا يمكن فهمه عبر الزمن: لحظة بلحظة، ومن جيل إلى جيل، ومن نوع إلى نوع.
خاتمة: إرث مفتوح لا ينتهي عند جائزة
حين نال نيكولاس تينبيرجين جائزة نوبل عام 1973، كان قد وصل بالفعل إلى مكانة علمية استثنائية. لكن الجائزة لم تكن ذروة أفكاره بقدر ما كانت اعترافًا بأن علم السلوك أصبح علمًا قائمًا على الملاحظة والتجربة والمقارنة والتفسير.
لقد جاء تينبيرجين من عالم مراقبة الطيور والطبيعة، لكنه لم يبقَ فيه بوصفه هاويًا محترفًا. لقد أخذ من الطبيعة تفاصيلها، ثم أعاد صياغتها في صورة أسئلة علمية.
ومن دبور صغير في الرمال إلى مستعمرة نوارس، ومن سمكة تدافع عن منطقتها إلى إطار نظري يدرس السلوك عبر أربعة مستويات، امتد خط واحد: أن نفهم الكائن الحي من خلال ما يفعله، ولماذا يفعله، وكيف تعلمه، وكيف تطور، وما الذي يعنيه ذلك لبقائه.
لهذا فإن مكانة تينبيرجين لا تختصر في كونه واحدًا من مؤسسي علم السلوك الحيواني الحديث، ولا في جائزة نوبل التي تقاسمها مع لورنز وفون فريش. الأهم أنه ساعد على تغيير السؤال نفسه.
فبعده لم يعد سلوك الحيوان مجرد شيء يُشاهد.
أصبح شيئًا يمكن أن نختبره، ونقيسه، ونقارنه، ونختلف حول تفسيره، ثم نعود إلى الطبيعة مرة أخرى بحثًا عن إجابة أفضل.
وهذا، في العلم، إرث أطول عمرًا من أي جائزة.



