سير

كارل ريتر فون فريش: الرجل الذي فكّ شيفرة رقص النحل

في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول 1973، كان كارل ريتر فون فريش غائبًا عن قاعة المحاضرة في مستشفى كارولينسكا في ستوكهولم، لكن اسمه كان حاضرًا في واحدة من اللحظات التي توّجت مسارًا علميًا امتد أكثر من نصف قرن. ففي ذلك اليوم أُلقيت محاضرته الخاصة بجائزة نوبل، بعنوان «فكّ شيفرة لغة النحل»، نيابة عنه على يد ابنه أوتو فون فريش، بعدما تعذر على العالم النمساوي حضور المناسبة بنفسه.

قبل ذلك بأشهر، كانت مؤسسة نوبل قد أعلنت منح جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 1973 إلى كارل فون فريش، وكونراد لورنتس، ونيكولاس تينبرغن، تقديرًا لاكتشافاتهم المتعلقة بتنظيم واستثارة أنماط السلوك الفردي والاجتماعي. وقد حصل كل واحد منهم على ثلث الجائزة.

لكن اسم فون فريش ارتبط على نحو خاص بمشهد يبدو بسيطًا للعين، بالغ التعقيد بالنسبة إلى العلم: نحلة تعود إلى خليتها، ثم تبدأ في أداء سلسلة من الحركات على قرص الشمع. لم يكن السؤال الذي شغل فون فريش هو: لماذا تتحرك النحلة بهذه الطريقة؟ فحسب، بل سؤال أكثر جرأة: هل تحمل هذه الحركات معلومات يمكن أن تنقلها نحلة إلى أخرى؟

كان جوهر اكتشافه أن سلوكًا حركيًا داخل خلية النحل يمكن أن يؤدي وظيفة اتصالية دقيقة؛ فالنحلة الباحثة عن الغذاء تستطيع، من خلال الرقص، أن تنقل إلى زميلاتها معلومات عن موقع مصدر الطعام، بما في ذلك اتجاهه ومسافته في نمط الرقص المتمايل. وهنا تحولت الخلية، في التجربة العلمية، من تجمع من الحشرات إلى نظام اجتماعي تتبادل أفراده المعلومات وفق قواعد يمكن اختبارها وقياسها. وهذا هو المدخل الحقيقي إلى سيرة كارل ريتر فون فريش: سيرة عالم لم يكتفِ بمراقبة الحيوان، بل حاول أن يفهم العالم الحسي والمعلوماتي الذي يعيش فيه الحيوان.

من الطب إلى علم الحيوان

وُلد كارل ريتر فون فريش في فيينا في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1886، في أسرة علمية؛ كان والده أنطون فون فريش طبيبًا وأستاذًا جامعيًا، وكانت والدته ماري إكسنر. بدأ كارل دراسته الجامعية في الطب بجامعة فيينا، لكنه سرعان ما اتجه إلى علم الحيوان والعلوم الطبيعية. وتُظهر سيرته الأكاديمية أنه درس علم الحيوان في ميونيخ أيضًا، قبل أن يحصل على الدكتوراه من جامعة فيينا عام 1910.

كان هذا التحول مهمًا في تكوينه العلمي. فالطب منحه تدريبًا في الملاحظة والتجريب والفسيولوجيا، بينما أتاح له علم الحيوان أن يطرح أسئلة تتعلق بالحواس والسلوك والتكيف. وبعد حصوله على الدكتوراه، عمل في المعهد الحيواني بجامعة ميونيخ تحت إشراف عالم الحيوان ريتشارد فون هرتفيغ، وحصل على التأهيل الجامعي في علم الحيوان والتشريح المقارن عام 1912.

ولم يكن اهتمامه بالنحل منفصلًا عن اهتمام أوسع بالحواس الحيوانية. فقد درس الأسماك، وتناول السمع والإدراك البصري والتكيف اللوني، ثم جعل من النحل أحد أهم النماذج التي يمكن من خلالها اختبار السؤال الأكبر: كيف يدرك الحيوان بيئته، وكيف يحول ما يدركه إلى سلوك؟

خلال الحرب العالمية الأولى عمل في فيينا في المجال الطبي، قبل أن يعود إلى ميونيخ ويستأنف مساره الأكاديمي. ثم انتقل عام 1921 إلى جامعة روستوك أستاذًا لعلم الحيوان ومديرًا للمعهد الحيواني، وانتقل عام 1923 إلى بريسلاو، قبل أن يعود إلى ميونيخ عام 1925. وبعد الحرب عمل في جامعة غراتس، ثم عاد إلى ميونيخ عام 1950.

وهذه المحطات لم تكن مجرد انتقالات وظيفية. فقد كان فون فريش يبني، في كل مرحلة، مختبرًا فكريًا يقوم على المقارنة بين الحواس والسلوك، وعلى اختبار ما يبدو للإنسان بديهيًا لكنه قد يكون مختلفًا جذريًا في عالم الحيوان.

ماذا كان يعرف العلماء قبل فون فريش؟

لفهم أهمية عمل فون فريش، ينبغي ألا نبدأ من النحلة، بل من المشكلة التي كانت تواجه علم سلوك الحيوان في مطلع القرن العشرين.

كان تفسير السلوك الحيواني موزعًا بين اتجاهات مختلفة. ووفقًا لبيان لجنة نوبل عام 1973، كان علماء السلوك يواجهون آنذاك تناقضًا بين تفسيرات غريزية ترى السلوك نتيجة قوى داخلية غامضة، وتفسيرات ميكانيكية، وأخرى ركزت على التعلم. وقد أسهم فون فريش ولورنتس وتينبرغن في ترسيخ اتجاه جديد عُرف باسم علم السلوك الحيواني المقارن، أو الإيثولوجيا، يقوم على دراسة السلوك في سياقه الطبيعي وعلى فهم قيمته التكيفية.

في هذا السياق، كان النحل موضوعًا مثاليًا للتجربة.

فالنحلة لا تعيش منفردة. إنها عضو في مجتمع يعتمد بقاؤه على توزيع العمل، وجمع الغذاء، والدفاع، ورعاية الحضنة، والقدرة على العثور على الموارد. ومن ثم فإن فهم سلوك النحلة الفردية لا يكفي؛ يجب فهم الطريقة التي يصبح بها السلوك الفردي جزءًا من نظام اجتماعي.

هنا ظهر السؤال الذي سيصبح محور حياة فون فريش العلمية: كيف تعرف النحلات الأخريات أين يوجد الطعام؟

قبل «لغة النحل»: العين واللون والحواس

لم يصل فون فريش إلى الرقص من فراغ. فقد سبقت أبحاثه عن التواصل سلسلة من الدراسات المتعلقة بإدراك النحل.

أثبتت تجاربه أن النحل يستطيع التمييز بين الألوان، واهتم بالطريقة التي تستقبل بها الحشرة العالم البصري. كما بحث في حاسة الشم والتذوق، وفي قدرة النحل على توجيه نفسه أثناء الطيران. وتشير المصادر العلمية إلى أن حساسية النحل البصرية تمتد إلى الأشعة فوق البنفسجية، وهو أمر مهم لفهم كيفية إدراكه للزهور والسماء.

لم تكن هذه الدراسات هامشية بالنسبة إلى اكتشافه الأشهر. فالرقص نفسه لا يمكن فهمه إلا إذا عرفنا أن النحلة لا تعيش في العالم البصري والشمّي نفسه الذي يعيشه الإنسان.

ومن أهم ما كشفه فون فريش أن النحل يستطيع استخدام الشمس بوصفها مرجعًا اتجاهيًا، وأنه يستطيع أيضًا الاستفادة من نمط استقطاب الضوء في السماء عندما لا تكون الشمس مرئية بصورة مباشرة. وتوضح محاضرته لنوبل أن دراسة الاتجاه كانت جزءًا أساسيًا من مشروعه لفهم الطريقة التي تحدد بها النحلة موقع الغذاء وتنقله إلى أفراد الخلية.

وهنا بدأ معنى الرقص يتغير.

فإذا كانت النحلة قادرة على تحديد الاتجاه والمسافة في أثناء بحثها عن الغذاء، فمن المعقول علميًا أن نسأل ما إذا كانت قادرة على نقل هذه المعلومات إلى غيرها.

لحظة التحول: عندما أصبح الرقص معلومة

كان فون فريش قد درس رقص النحل قبل أن يصل إلى تفسيره النهائي. وفي عام 1923 نشر دراسة عن «لغة» النحل، ثم لخّص جانبًا من أبحاثه في كتابه Aus dem Leben der Bienen عام 1927، الذي عُرف بالإنجليزية باسم The Dancing Bees. لكن فهمه للرقص لم يكن قد اكتمل بعد.

واللافت أن أهم تحول جاء بعد عقدين تقريبًا.

في محاضرته لنوبل، وصف فون فريش كيف أعاد إجراء التجارب على مسافات مختلفة. فوضع مصدرًا للغذاء قريبًا من الخلية، وآخر بعيدًا عنها، ولاحظ اختلاف نمط الرقص. وفي تجربة ضمت مصدرًا على مسافة 12 مترًا وآخر على مسافة 300 متر، كانت النحلات العائدة من المصدر القريب تؤدي الرقص الدائري، بينما كانت النحلات القادمة من المصدر البعيد تؤدي الرقص المتمايل. وعندما نُقل المصدر القريب تدريجيًا إلى مسافات أكبر، حدث الانتقال بين النمطين عند مسافة تقارب 50 مترًا في السلالة التي درسها.

لم تكن أهمية التجربة في اكتشاف وجود رقصين فحسب، بل في اكتشاف أن الحركة يمكن أن تكون متغيرة بصورة منتظمة تبعًا للمعلومة التي يُفترض أنها تنقلها.

في الرقص المتمايل، تتحرك النحلة في مسار مستقيم نسبيًا، وتهتز بجسدها، ثم تعود في مسار منحني إلى نقطة البداية، وتكرر الحركة. وتبيّن من التجارب أن اتجاه الجزء المستقيم من الرقص يرتبط بالاتجاه الذي ينبغي للنحلات أن تطير فيه بالنسبة إلى موضع الشمس، بينما ترتبط خصائص الحركة بالمسافة. وقد وصف بيان نوبل هذه النتيجة بوصفها أساس اكتشاف فون فريش للكيفية التي تتواصل بها النحلات بشأن مصادر الغذاء.

وهكذا لم يعد الرقص حركة غريبة داخل الخلية، بل أصبح نظامًا لنقل المعلومات.

لماذا كان الاكتشاف استثنائيًا؟

تكمن ثورة فون فريش في أنه نقل دراسة السلوك من مستوى الوصف إلى مستوى فك الشفرة.

كان من الممكن أن يقول عالم: «النحلة ترقص عندما تعود إلى الخلية». أما فون فريش فسأل: ما المتغير الذي يتغير في الرقص؟ وما المتغير البيئي الذي يقابله؟ وهل تستطيع النحلات الأخرى استخدام هذه المعلومة؟

هذا النوع من الأسئلة حول سلوكًا يبدو عفويًا إلى مسألة تجريبية قابلة للقياس.

وقد اعتمدت تجاربه على وسائل بسيطة لكنها شديدة الفعالية: خلايا مراقبة، ونحلات يمكن تمييزها، ومصادر غذاء موضوعة في مواقع معروفة، ومقارنة دقيقة بين المسافة والاتجاه ونمط الحركة. وتصف جامعة ولاية كارولاينا الشمالية، في عرضها العلمي الحديث للرقص، كيف استُخدمت خلايا المراقبة والنحلات المعلّمة ومصادر الغذاء ذات المسافات المعروفة لقياس عناصر الرقص وربطها بموقع المصدر.

بهذه الطريقة، أصبح بالإمكان تحويل حركة الحيوان إلى بيانات.

وهذا ربما هو أهم درس منهجي في إنجازات كارل ريتر فون فريش في علم السلوك الحيواني: أن الحيوان لا يحتاج إلى امتلاك لغة بشرية كي ينقل معلومات معقدة، وأن مهمة الباحث ليست إسقاط اللغة الإنسانية على الحيوان، بل اكتشاف نظام الإشارات الذي يعمل داخل عالمه الخاص.

الرقص الدائري والرقص المتمايل

ارتبط اسم فون فريش تاريخيًا بتمييزه بين نمطين أساسيين من رقص النحل.

الرقص الدائري يرتبط بالمصادر القريبة من الخلية، وكان فون فريش يرى أن وظيفته الأساسية هي تنبيه أفراد الخلية إلى وجود مصدر غذائي قريب. أما الرقص المتمايل فيحمل معلومات أكثر تفصيلًا عن المصادر البعيدة، ومنها الاتجاه والمسافة.

غير أن العلم اللاحق أظهر أن الصورة أكثر مرونة من التقسيم المبسط إلى «رقص دائري» و«رقص متمايل». فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن الأمر لا يمثل بالضرورة لغتين منفصلتين أو نظامين مستقلين بصورة صارمة، وأن عناصر الرقص تتغير بحسب المسافة والسياق وقيمة المصدر الغذائي.

وهذا التفصيل مهم عند قراءة إرث فون فريش اليوم. فالعظمة العلمية لا تعني أن كل صياغة أولى تبقى نهائية. القيمة الحقيقية في اكتشافه كانت في فتح باب التجريب الذي سمح للأجيال اللاحقة بتصحيح التفاصيل وتطوير النموذج.

من «لغة» إلى نظام اتصال

كلمة «لغة» نفسها كانت مثارًا للجدل.

فإذا استخدمت كلمة اللغة بمعناها الإنساني الصارم، فإن رقص النحل ليس لغة بشرية. لا توجد فيه حرية تركيب الجمل ولا الثروة الرمزية الموجودة في اللغة الإنسانية. لكن إذا كان المقصود نظامًا من الإشارات ينقل معلومات محددة عن العالم الخارجي، فإن الرقص يمثل ظاهرة استثنائية في علم سلوك الحيوان.

وقد أظهرت الدراسات أن النحلة لا تعتمد على الرقص وحده. فرائحة المصدر الغذائي، ورائحة الزهرة أو الرحيق، وغيرها من الإشارات الحسية، تشارك في عملية العثور على الغذاء. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن رقص النحل يجمع بين معلومات مرتبطة بالموقع وبين إشارات شمية وغيرها.

وهذا يضيف طبقة أخرى إلى إرث فون فريش: لقد علّم العلماء أن الاتصال الحيواني لا ينبغي أن يُختزل في سؤال واحد من نوع «هل يملك الحيوان لغة؟»، بل ينبغي أن يُدرس بوصفه شبكة من الإشارات الحسية والحركية والسلوكية.

الاكتشاف لم يأتِ بلا مقاومة

كان من الممكن أن تنتهي قصة فون فريش عند لحظة الشهرة، لكنها في الحقيقة أصبحت أكثر إثارة عندما دخلت مرحلة الاختبار والاعتراض.

في ستينيات القرن العشرين، تحدى الباحث الأمريكي أدريان وينر وعدد من زملائه تفسير فون فريش لرقص النحل. وكان اعتراضهم الأساسي أن النحلات قد تعتمد بدرجة أكبر على الرائحة بدلًا من المعلومات الاتجاهية التي ينقلها الرقص. ونُشرت عام 1973 في مجلة Nature دراسة تشكك في تفسير الرقص، وتقترح أن النتائج يمكن تفسيرها بإشارات شمية.

وهذا الجدل لم يكن تفصيلًا في تاريخ النحل؛ فقد أصبح مثالًا مهمًا على طبيعة العلم نفسه. فالسؤال لم يعد: «هل فون فريش عالم عظيم؟» بل: هل تكفي تجاربه لإثبات أن النحلات تستخدم المعلومات التي يحملها الرقص بالطريقة التي افترضها؟

كانت المشكلة أكثر تعقيدًا لأن الرقص والرائحة يعملان معًا. فالنحلة العائدة إلى الخلية تحمل معها آثارًا شمية مرتبطة بمصدر الغذاء، وفي الوقت نفسه تؤدي الرقص. لذلك كان من الصعب تصميم تجربة تفصل بين الإشارتين تمامًا.

لكن الدراسات اللاحقة دعمت، في جوهرها، فكرة أن الرقص ينقل بالفعل معلومات مكانية، مع التأكيد على أن الرائحة تؤدي أيضًا دورًا مهمًا. وقد خلصت مراجعات لاحقة إلى أن الاعتراضات التي ظهرت في الستينيات والسبعينيات ساعدت على تحسين التصميم التجريبي، بدلًا من إسقاط الفكرة الأساسية.

وهنا تكمن إحدى أكثر الصفحات قيمة في سيرة فون فريش: إنجاز العالم لا يقاس فقط بقدرته على طرح نظرية، بل أيضًا بقدرة النظرية على البقاء بعد تعرضها لأقسى الاختبارات.

الحرب والسلطة والبحث العلمي

لم تجرِ حياة فون فريش العلمية في فراغ سياسي. فقد عاش انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية، والحربين العالميتين، وصعود النازية، وإعادة تشكيل الجامعات الأوروبية.

وتشير الأكاديمية الألمانية للعلوم «ليوبولدينا» إلى أن فون فريش كان ذا أصول يهودية جزئيًا، وأن وجود جدة يهودية في أسرته جعل احتفاظه بمنصبه الجامعي خلال الحقبة النازية أمرًا صعبًا. كما أن أبحاثه المتعلقة بتربية النحل وإنتاج العسل، ودراسته لمرض النوزيما الذي يصيب مستعمرات النحل، ساعدتا في إبقائه داخل المؤسسة العلمية لأن للنحل أهمية مباشرة بالنسبة إلى الإنتاج الغذائي.

وتكشف هذه المرحلة أن تاريخ العلم ليس دائمًا تاريخ مختبرات هادئة وأفكار مجردة. فالعالم قد يجد نفسه مضطرًا إلى العمل داخل مؤسسات تخضع لضغوط سياسية، وقد تتداخل قيمة البحث العلمية مع حاجات الدولة والمجتمع.

بعد تدمير معهد فون فريش في ميونيخ خلال الحرب العالمية الثانية، انتقل جزء من نشاطه إلى النمسا، ثم تولى كرسي علم الحيوان في غراتس عام 1946، قبل أن يعود إلى ميونيخ عام 1950.

هذه التفاصيل لا تغير قيمة اكتشافاته، لكنها تضعها في سياقها الحقيقي: لقد استمر مشروعه العلمي رغم الاضطرابات التي أحاطت بأوروبا، وتحوّل النحل بالنسبة إليه إلى موضوع بحث طويل الأمد يتجاوز تغير الأنظمة والمؤسسات.

الكتاب الذي جعل النحل موضوعًا عالميًا

لم يكن فون فريش عالم مختبر فقط؛ كان أيضًا كاتبًا علميًا قادرًا على نقل نتائج البحث إلى جمهور واسع.

صدر كتابه Aus dem Leben der Bienen عام 1927، ثم ظهرت له ترجمات إنجليزية عُرفت باسم The Dancing Bees. وفي عام 1965 أصدر كتاب Tanzsprache und Orientierung der Bienen، الذي تُرجم إلى الإنجليزية بعنوان The Dance Language and Orientation of Bees عام 1967.

كان لهذه الكتب دور في ترسيخ صورة النحلة بوصفها كائنًا يستحق الدراسة الدقيقة، لا مجرد حشرة نافعة تنتج العسل.

والأهم أن الكتابة لم تكن منفصلة عن البحث. فالعمل المنشور كان بالنسبة إلى فون فريش وسيلة لتجميع عشرات السنين من الملاحظات والتجارب في نموذج يستطيع العلماء الآخرون اختباره.

ومن هنا أصبحت أعماله نقطة انطلاق لأجيال لاحقة من علماء سلوك الحيوان وعلم الأعصاب الحسي ودراسة الاتصال الحيواني.

من النحلة إلى علم السلوك الحديث

في عام 1973، لم تكن جائزة نوبل تكريمًا لاكتشاف منفرد بمعزل عن سياق علمي. فقد جمعت الجائزة فون فريش مع كونراد لورنتس ونيكولاس تينبرغن، لأن أعمالهم أسهمت، كل من زاويته، في تأسيس علم السلوك الحيواني المقارن.

كان فون فريش يدرس الاتصال والحواس، بينما ركز لورنتس وتينبرغن على جوانب أخرى من تنظيم السلوك ودوافعه وتطوره. ولذلك يمكن قراءة الجائزة بوصفها اعترافًا بتحول أوسع في طريقة دراسة الحيوان.

لم يعد الحيوان مجرد نموذج تشريحي أو فسيولوجي. أصبح سلوكه نفسه موضوعًا علميًا يمكن وصفه وتحليله ومقارنته وفهم قيمته التكيفية.

وهذا ما يجعل سبب فوز كارل ريتر فون فريش بجائزة نوبل أكثر دقة من عبارة «اكتشف لغة النحل». فقرار الجائزة الرسمي لم يقل ذلك بهذه الصيغة؛ بل منح الجائزة للعالمين الثلاثة عن اكتشافاتهم المتعلقة بتنظيم واستثارة أنماط السلوك الفردي والاجتماعي. أما بيان نوبل فقد خص فون فريش ببحوثه حول «لغة» النحل وشرح كيف كشفت تجاربه آليات نقل المعلومات بين أفراد الخلية.

التكريم قبل نوبل وبعدها

كانت نوبل تتويجًا لمسيرة لم تبدأ عام 1973.

حصل فون فريش على جائزة ليبن عام 1921، ثم جائزة ماجلان بريميوم عام 1956، وجائزة كالينغا عام 1958، وجائزة بالزان في علم الأحياء عام 1962. وفي تكريم بالزان، وُصف عمله بأنه تكريس طويل للتجارب على آلاف النحل واكتشاف لغة حقيقية من الإشارات الحركية، وما فتحه ذلك من آفاق جديدة في فهم سلوك الحشرات.

كما انتُخب عضوًا أجنبيًا في الجمعية الملكية البريطانية عام 1954، وهو اعتراف دولي بمكانته العلمية.

لكن اللافت أن هذه الجوائز لم تكن تكريمًا لنتيجة واحدة فقط. كانت تكريمًا لبرنامج بحثي كامل: الحواس، والإدراك، والتوجيه، والتواصل، والسلوك الاجتماعي.

الأثر الذي امتد إلى ما بعد فون فريش

أحد أهم مؤشرات قوة اكتشاف ما هو مقدار ما يستطيع الآخرون البناء عليه.

وفي حالة فون فريش، جاء هذا البناء على أكثر من مستوى.

أولًا، استمر تلاميذه وزملاؤه في اختبار تفاصيل رقص النحل. ومن بين الأسماء المرتبطة بهذا المسار مارتن لينداور، الذي شارك فون فريش في دراسات عن «لغة» النحل وتوجيهه، ثم واصل البحث في التنظيم والسلوك الاجتماعي للنحل. وقد ظهرت أبحاث مشتركة بين فون فريش ولينداور في هذا المجال منذ خمسينيات القرن العشرين.

ثانيًا، تطورت دراسة الرقص إلى مجال واسع يربط السلوك بالملاحة والإدراك. وأصبحت أسئلة مثل: كيف تترجم النحلة موقع الشمس إلى زاوية على قرص العسل؟ وكيف تستخدم المعلومة التي حصلت عليها في الطيران؟ وكيف تتغير دقة الإشارة بحسب المسافة؟ موضوعات لأبحاث لاحقة.

ثالثًا، امتد الأثر إلى دراسة الاتصال الحيواني عمومًا. فبدلًا من افتراض أن التواصل المعقد خاص بالإنسان، أصبح العلماء يبحثون بصورة أكثر دقة في أنظمة الإشارة لدى الطيور والثدييات والحشرات والكائنات البحرية.

وتوضح المصادر التعليمية والعلمية الحديثة أن رقص النحل لا يزال يستخدم نموذجًا لفهم كيفية ترميز المسافة والاتجاه في السلوك الحيواني.

بل إن الجدل نفسه أصبح جزءًا من الإرث. فقد تناول مؤرخو العلم وعلماء الاجتماع والخبراء في سلوك الحيوان «معركة النحل» بوصفها حالة تكشف كيف تتطور النظريات العلمية تحت ضغط التجربة والاعتراض والتفسير البديل.

وهكذا لم يترك فون فريش نتيجة علمية فحسب؛ ترك مشكلة علمية خصبة ظل العلماء يعودون إليها.

ما الذي بقي صحيحًا بعد قرن؟

قد يبدو من السهل اليوم أن ننظر إلى رقص النحل باعتباره حقيقة مدرسية مستقرة، لكن هذا سيحجب القيمة التاريخية للاكتشاف.

لقد احتاج الأمر إلى عقود من الملاحظة والتجربة حتى أصبح من الممكن القول إن النحلة تستطيع نقل معلومات مكانية إلى أفراد مستعمرتها.

وحتى اليوم، لا تُقرأ نظرية فون فريش باعتبارها وصفًا نهائيًا مغلقًا. فقد أضافت الأبحاث الحديثة تفاصيل حول دور الرائحة، وتقييم جودة الغذاء، ومرونة الرقص، وكيفية تفسير النحلات للإشارة. وبعض المصطلحات التي كانت تبدو واضحة في القرن العشرين، مثل الفصل الصارم بين «الرقص الدائري» و«الرقص المتمايل»، أصبحت موضع إعادة تفسير.

لكن هذا لا يقلل من الاكتشاف؛ بل يوضح قوته.

فالفرضية العلمية الجيدة ليست تلك التي تمنع الأجيال التالية من السؤال، وإنما التي تجعل أسئلتهم أكثر دقة.

عالمٌ جعل من الملاحظة علمًا

توفي كارل ريتر فون فريش في ميونيخ في 12 يونيو/حزيران 1982، عن عمر ناهز 95 عامًا.

كان قد أمضى أكثر من ستة عقود تقريبًا في دراسة الحيوان، متنقلًا بين الأسماك والحشرات والحواس والسلوك والتوجيه والاتصال. لكنه بقي في الذاكرة العلمية مرتبطًا قبل كل شيء بالنحلة.

وربما ليس من المصادفة أن يكون هذا الارتباط قد نشأ من كائن صغير جدًا. فقد كان السؤال الذي طرحه فون فريش في جوهره سؤالًا عن حدود المعرفة: كيف يمكن لإنسان أن يفهم عالمًا حسيًا مختلفًا جذريًا عن عالمه؟

النحلة لا ترى السماء كما نراها، ولا تستقبل الألوان بالطريقة نفسها، ولا تحدد الاتجاه بالوسائل البشرية، ولا تتحدث باللغة التي نعرفها. ومع ذلك فهي قادرة على العمل داخل مجتمع منظم، وعلى تبادل معلومات عن الموارد، وعلى تحويل تجربة فرد واحد إلى سلوك جماعي.

لقد جعل فون فريش هذه الظاهرة قابلة للرؤية العلمية.

وهنا تكمن قيمة أهم أعمال كارل ريتر فون فريش: لم تكن في إخبار البشر بأن النحل «ذكي» أو «يتكلم» بالمعنى العاطفي للكلمتين، وإنما في إثبات أن السلوك الحيواني يمكن أن يحمل بنية ومعلومة، وأن هذه البنية يمكن تفكيكها بالتجربة.

الخاتمة: الإرث الذي لم ينتهِ

تبدو قصة كارل فون فريش، للوهلة الأولى، قصة عالم اكتشف أن النحل يرقص. لكنها، عند النظر إليها من مسافة تاريخية أطول، تصبح قصة مختلفة تمامًا.

إنها قصة انتقال علم الحيوان من وصف الحركة إلى تحليل معناها؛ ومن النظر إلى الحيوان بوصفه مجموعة من الغرائز إلى محاولة فهم علاقته بالبيئة؛ ومن دراسة الفرد إلى دراسة المجتمع؛ ومن مراقبة السلوك إلى السؤال عن المعلومات التي يحملها السلوك.

ولهذا كان قرار نوبل لعام 1973 أوسع من اكتشاف «لغة النحل». فقد وضع فون فريش في قلب تأسيس علم السلوك الحيواني الحديث، إلى جانب لورنتس وتينبرغن.

أما النحل، فقد واصل بعده أداء الرقص نفسه، لكن العلم لم يعد ينظر إليه بالطريقة نفسها.

كل نحلة تعود إلى خليتها وتحرك جسدها على قرص الشمع تحمل معها سؤالًا فتحه فون فريش منذ أكثر من قرن: كيف تتحول تجربة فردية إلى معرفة جماعية؟

وما يزال هذا السؤال مفتوحًا، لأن كل اكتشاف جديد في حواس النحل وملاحتها واتصالها يضيف طبقة إلى الصورة التي بدأ هو في رسمها.

لهذا فإن إرث كارل فون فريش ليس مجرد «لغة النحل». إرثه الحقيقي هو منهج النظر: أن نأخذ سلوك الكائن الصغير على محمل الجد، وأن نبحث داخله عن نظام، وأن نقبل أن العالم الطبيعي أكثر تنوعًا في طرق الاتصال والإدراك مما تسمح به المقاييس البشرية وحدها.

وبذلك لم تنتهِ قصة فون فريش بوفاته عام 1982، ولا حتى عند لحظة نيله نوبل عام 1973. لقد انتقلت من خلايا النحل إلى مختبرات علم السلوك، ومن دراسات الحواس إلى أبحاث الاتصال الحيواني، ومن سؤال قديم عن «رقص» الحشرة إلى سؤال حديث عن المعلومة والإدراك والقرار في المجتمعات الحيوانية.

وهذا هو الإرث المفتوح الذي يجعل سيرة كارل ريتر فون فريش أكثر من سيرة عالم نال جائزة كبرى: إنها سيرة فكرة بدأت من حركة صغيرة على قرص شمع، وانتهت إلى تغيير الطريقة التي يفهم بها العلم سلوك الكائنات الحية.

 

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى