برايان جوزيفسون: من عبور الحاجز الكمومي إلى حدود العقل والمادة

في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1973، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم أسماء الفائزين بجائزة نوبل في الفيزياء. كان بين الأسماء في ذلك العام ثلاثة علماء ارتبطت أعمالهم بظاهرة واحدة واسعة الأهمية في فيزياء المادة الصلبة: ليو إساكي، وإيفار جيايفر، وبرايان ديفيد جوزيفسون. لكن نصيب جوزيفسون كان مختلفًا؛ فلم يكن تكريمه عن تجربة مخبرية مباشرة، وإنما عن تنبؤات نظرية سبقت التجربة وأخبرت الفيزيائيين بما ينبغي أن يجدوه عند عبور تيار فائق لحاجز نفقي رقيق.
كان جوزيفسون في الثالثة والثلاثين من عمره عندما أُعلنت الجائزة، وكان قد بدأ التفكير في الظاهرة التي حملت اسمه عام 1962، وهو لا يزال باحثًا شابًا في مختبر كافنديش بجامعة كامبريدج. وبحسب جامعة كامبريدج، فإن عمله النظري قاد إلى التنبؤ بأن تيارًا فائقًا يمكن أن يعبر حاجزًا رقيقًا يفصل بين موصلين فائقين، ثم تأكدت هذه التنبؤات تجريبيًا في مختبرات بِل عام 1963.
هنا تكمن المفارقة الجميلة في قصة جوزيفسون: لقد بدأ من مسألة دقيقة جدًا في الفيزياء النظرية، ثم انتهى أثرها إلى أدوات للقياس فائق الدقة، ومغناطيسية الكم، وأجهزة التداخل فائقة الحساسية، وإلى أسئلة أوسع حول طبيعة الظواهر الكمومية نفسها. وفي الوقت ذاته، ابتعد جوزيفسون في مراحل لاحقة من حياته العلمية عن التيار السائد، وراح يبحث في العلاقة بين العقل والمادة والوعي، ويدافع عن موضوعات أثارت جدلًا واسعًا داخل المجتمع العلمي.
لذلك فإن سيرة برايان جوزيفسون ليست قصة عالم حصل على نوبل ثم توقف عند إنجازه الأشهر؛ بل هي قصة عقل علمي بدأ من قلب الفيزياء الحديثة، ثم ظل يدفع حدود الأسئلة التي يعتقد أن العلم يستطيع طرحها.
النشأة في كارديف وبداية عقل يميل إلى السؤال
وُلد برايان ديفيد جوزيفسون في 4 يناير 1940 في كارديف بويلز. التحق بجامعة كامبريدج عام 1957، وبدأ دراسته في الرياضيات قبل أن ينتقل إلى الفيزياء. حصل على درجة البكالوريوس عام 1960، ثم واصل دراسته العليا حتى حصل على الدكتوراه عام 1964.
لم يكن انتقاله إلى الفيزياء مجرد تغيير أكاديمي عابر؛ فقد أظهر منذ سنواته الجامعية قدرة استثنائية على التعامل مع المسائل النظرية. وتشير جامعة كامبريدج إلى أنه نشر، وهو لا يزال طالبًا جامعيًا، بحثًا مؤثرًا حول تأثير موسباور، وهو أحد الظواهر التي كانت تمثل آنذاك مجالًا نشطًا في الفيزياء الحديثة.
وكانت بيئة كافنديش التي دخلها جوزيفسون بيئة علمية استثنائية. فقد كان المختبر أحد المراكز الكبرى لتطور الفيزياء في القرن العشرين، وضم سلسلة طويلة من العلماء الذين غيّروا فهم البشر للمادة والإشعاع والذرة والنواة. وفي هذا المناخ العلمي بدأ جوزيفسون أبحاثه تحت إشراف الفيزيائي البريطاني برايان بيبارد، الذي كان من المتخصصين البارزين في فيزياء المادة المكثفة.
وقد أصبح جوزيفسون زميلًا في كلية ترينيتي عام 1962، وهي السنة نفسها التي نشر فيها العمل النظري الذي سيغير مسار حياته العلمية.
ماذا كان يعرف الفيزيائيون قبل جوزيفسون؟
لفهم أهمية إنجاز جوزيفسون، لا يكفي أن نقول إنه اكتشف “تأثير جوزيفسون”. الأهم هو أن نفهم السؤال الذي كان الفيزيائيون يحاولون الإجابة عنه.
كانت الموصلية الفائقة قد أصبحت واحدة من الظواهر الكبرى في فيزياء المادة. ففي درجات حرارة منخفضة للغاية تستطيع بعض المواد أن تفقد مقاومتها الكهربائية وتدخل في حالة كمومية جماعية مميزة. أما النفق الكمومي فكان ظاهرة أخرى من الظواهر التي أظهرت أن عالم الكم لا يخضع للمنطق الذي نستخدمه في الفيزياء الكلاسيكية.
في الفيزياء الكلاسيكية، إذا واجه جسيم حاجزًا لا يمتلك الطاقة الكافية لتجاوزه، فإن عبوره يبدو مستحيلًا. أما في ميكانيكا الكم، فإن الدالة الموجية للجسيم يمكن أن تمتد داخل الحاجز وإلى الجانب الآخر منه، فتظهر إمكانية العبور التي لا تسمح بها الصورة الكلاسيكية. وتصف مؤسسة نوبل هذا السلوك باعتباره من النتائج المباشرة للطبيعة الموجية للجسيمات في ميكانيكا الكم.
كانت أعمال ليو إساكي عام 1958 قد قدمت أساسًا مهمًا لفهم ظواهر النفق في أشباه الموصلات، ثم جاء عمل إيفار جيايفر عام 1960 ليكشف عن النفق عبر طبقة رقيقة من الأكسيد في أنظمة معدنية، بما فيها الأنظمة فائقة التوصيل. وقد شكلت تجربة جيايفر نقطة انطلاق مباشرة للتحليل النظري الذي أجراه جوزيفسون.
وهنا ظهر السؤال الذي قاد إلى التحول:
ماذا يحدث إذا كان النفق الكمومي لا يتعلق بإلكترونات منفردة، بل بالحالة الجماعية لموصل فائق؟
كان هذا السؤال صغيرًا في صياغته، لكنه كان كبيرًا في نتائجه.
1962: اللحظة التي حملت اسم جوزيفسون
في عام 1962، حلل جوزيفسون نظريًا ظاهرة النفق بين موصلين فائقين تفصل بينهما طبقة رقيقة. وكانت النتيجة مفاجئة: لا يلزم وجود فرق جهد لكي يمر تيار فائق عبر الحاجز.
أي أن هناك إمكانية لمرور تيار بين الموصلين حتى عندما يكون فرق الجهد بينهما صفرًا.
وهذه هي الصورة الأساسية لما يعرف باسم تأثير جوزيفسون المستمر أو تأثير التيار المستمر.
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك.
تنبأ جوزيفسون أيضًا بأن تطبيق فرق جهد ثابت عبر الوصلة يؤدي إلى ظهور تيار متذبذب عالي التردد. وبحسب بيان نوبل الرسمي، كان هذا التيار يقع في نطاق ترددات الموجات الميكروية.
كان ذلك مثالًا قويًا على قدرة النظرية الكمومية على التنبؤ بسلوك لم يكن واضحًا من التجربة وحدها.
وتكمن أهمية الفكرة في أن الوصلة بين موصلين فائقين ليست مجرد سلك صغير أو اتصال كهربائي عادي. إنها بنية تسمح بظهور علاقة دقيقة بين فرق الطور الكمومي، والتيار، والجهد.
ومن هنا أصبح اسم جوزيفسون مرتبطًا بما يعرف اليوم باسم وصلة جوزيفسون.
لم تكن النظرية مقبولة بسهولة
لم يكن الطريق إلى الاعتراف العلمي سلسًا تمامًا. فقد أثارت نتائج جوزيفسون اعتراضات من علماء بارزين، وكان من بينهم جون باردين، أحد واضعي نظرية BCS للموصلية الفائقة.
وتشير مواد مختبر كافنديش إلى أن باردين نشر عام 1962 اعتراضًا قويًا على نظرية جوزيفسون، بينما كان الفيزيائي فيليب أندرسون من الذين أدركوا أهمية الفكرة ودافعوا عن أساسها النظري. كما يذكر تاريخ كافنديش أن بيبارد شجع جوزيفسون على مناقشة فكرته مع أندرسون.
هذه المرحلة مهمة لأنها تكشف شيئًا عن طبيعة الاكتشافات النظرية الكبرى: ليست المشكلة دائمًا في أن الحسابات صعبة، بل أحيانًا في أن النتيجة نفسها تبدو غريبة إلى درجة تجعل المجتمع العلمي يتساءل عما إذا كان هناك خطأ في الفرضيات أو الحساب.
وقد روى جوزيفسون نفسه في محاضرته لنوبل كيف وصل إلى نتيجة التيار عند الجهد الصفري، وكيف احتاج إلى وقت كي يقتنع بأن النتيجة لم تكن مجرد خطأ في الحساب.
وبعد ذلك بوقت قصير، جاءت التجربة لتمنح النظرية سندًا حاسمًا.
من الورق إلى المختبر
في عام 1963، أكدت تجارب في مختبرات بِل التنبؤات الأساسية لجوزيفسون. وتذكر جامعة كامبريدج أن هذا التأكيد التجريبي جاء بعد نحو عام من نشر النظرية.
وهنا اكتملت الحلقة العلمية:
إساكي درس النفق في أشباه الموصلات، وجيايفر كشف النفق في الأنظمة فائقة التوصيل، ثم أخذ جوزيفسون هذه النتائج وحاول أن يفهمها من منظور نظري أعمق، فخرج بتنبؤات جديدة عن سلوك الموصلات الفائقة.
ولهذا لم تكن جائزة نوبل لعام 1973 تكريمًا لاكتشافات منفصلة تمامًا، بل كانت اعترافًا بسلسلة مترابطة من الإنجازات حول ظواهر النفق في المواد الصلبة.
وقد أوضحت مؤسسة نوبل أن نصف الجائزة ذهب بالتساوي إلى إساكي وجيايفر عن اكتشافاتهما التجريبية، بينما حصل جوزيفسون على النصف الآخر عن تنبؤاته النظرية المتعلقة بتيار فائق يعبر حاجزًا نفقيًا.
لماذا كان تأثير جوزيفسون استثنائيًا؟
يمكن فهم سبب فوز برايان جوزيفسون بجائزة نوبل من خلال نقطة واحدة: لقد كشف أن التأثيرات الكمومية يمكن أن تظهر على مستوى نظام مادي كبير نسبيًا، وليس فقط في عالم الجسيمات الفردية.
الموصل الفائق ليس إلكترونًا منفردًا؛ إنه نظام جماعي تحكمه حالة كمومية متماسكة. وعندما يسمح الحاجز الرقيق لهذه الحالة بالاقتران بين موصلين، تظهر آثار يمكن قياسها في صورة تيار وجهد وتردد.
وهذا جعل وصلة جوزيفسون أداة ذات قيمة استثنائية.
فقد أشار بيان نوبل إلى أن تأثيرات جوزيفسون أسهمت في تطوير طريقة دقيقة لقياس الجهد، كما أدت إلى أسلوب تداخلي شديد الحساسية للقياسات الدقيقة.
ثم جاءت التطبيقات اللاحقة لتجعل الفكرة أكثر أهمية.
من تأثير كمومي إلى جهاز لقياس المغناطيسية
من أهم التطبيقات التي ارتبطت بتأثير جوزيفسون أجهزة SQUID، أي أجهزة التداخل الكمومي فائقة التوصيل.
هذه الأجهزة تستفيد من خصائص الوصلات فائقة التوصيل للكشف عن مجالات مغناطيسية بالغة الصغر. وتوضح الجمعية الملكية البريطانية أن نتائج جوزيفسون مهدت لتطوير هذه المغناطيسات فائقة الحساسية، وأن تأثير جوزيفسون أصبح أساسًا لتقنيات دقيقة في قياس المجالات المغناطيسية.
وهنا يتحول الإنجاز من معادلة في الفيزياء النظرية إلى أداة عملية.
فالفكرة التي بدأت بسؤال حول ما إذا كان التيار الفائق يستطيع عبور حاجز رقيق أصبحت جزءًا من تكنولوجيا تسمح للعلماء برصد تغيرات مغناطيسية شديدة الصغر.
وهذه إحدى السمات الأساسية في أعمال جوزيفسون: لم يكن الأثر التطبيقي هو الهدف المباشر من التنبؤ النظري، لكنه ظهر لاحقًا عندما تعلم الباحثون كيف يوظفون الظاهرة.
الجهد والتردد: علاقة صنعت معيارًا جديدًا للدقة
هناك جانب آخر بالغ الأهمية من تأثير جوزيفسون يتعلق بالعلاقة بين الجهد والتردد.
عندما يُطبَّق فرق جهد مناسب على وصلة جوزيفسون، يظهر سلوك دوري يمكن ربطه بترددات دقيقة للغاية. وهذه الخاصية جعلت الوصلة أداة مناسبة للقياسات المعيارية.
وقد أشارت مؤسسة نوبل إلى أن تأثير جوزيفسون أنشأ علاقة بين مقاييس الجهد والتردد، وأن ذلك كان ذا أهمية كبيرة في القياسات الدقيقة.
وهذا يوضح لماذا لا ينبغي اختزال إنجاز جوزيفسون في عبارة “اكتشاف تأثير يحمل اسمه”. فالتأثير لم يكن مجرد ظاهرة غريبة؛ لقد أصبح وسيلة للربط بين مفاهيم فيزيائية أساسية وتحويلها إلى معيار قابل للقياس.
من شاب في كافنديش إلى أصغر وجوه نوبل في الفيزياء
واصل جوزيفسون مسيرته الأكاديمية في كامبريدج، مع مرحلة قصيرة في الولايات المتحدة.
فبعد حصوله على الدكتوراه، عمل أستاذًا مساعدًا للبحث في جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين خلال عامي 1965 و1966، ثم عاد إلى كامبريدج عام 1967 ليصبح مساعد مدير البحث في مختبر كافنديش. وفي عام 1970 انتُخب زميلًا في الجمعية الملكية، ثم أصبح قارئًا في الفيزياء عام 1972، وأستاذًا للفيزياء عام 1974، وهو المنصب الذي شغله حتى تقاعده عام 2007.
وكانت جائزة نوبل تتويجًا مبكرًا جدًا في مسيرته؛ فقد حصل عليها عام 1973 وهو في الثالثة والثلاثين.
لكن اللافت أن الجائزة لم تجعل مسيرته العلمية أكثر تقليدية. ربما حدث العكس تمامًا.
فبعد أن أصبح اسمه جزءًا من تاريخ فيزياء الموصلية الفائقة، بدأ اهتمامه يتسع نحو أسئلة تقع عند الحدود بين الفيزياء وعلم الأحياء والوعي وفلسفة العلم.
حين خرج جوزيفسون من قلب الفيزياء إلى حدودها
منذ سبعينيات القرن العشرين، بدأ جوزيفسون يهتم بالتأمل التجاوزي وبموضوعات تتجاوز نطاق الفيزياء السائدة. وتذكر الجمعية الملكية أنه انخرط لاحقًا في دراسة الباراسيكولوجيا، ثم أسس في كامبريدج مشروع توحيد العقل والمادة.
وتؤكد جامعة كامبريدج وجود هذا المشروع، الذي حمل اسم Mind–Matter Unification Project، وكان جوزيفسون مديره. وقد ركز المشروع على محاولة فهم ما يمكن وصفه بـ”العمليات الذكية في الطبيعة” من وجهة نظر الفيزيائي النظري.
وهنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة للجدل في سيرته.
فجوزيفسون لم يكتف بالسؤال عن المادة والطاقة والقوى الأساسية، بل بدأ يتساءل عن إمكانية أن تكون مفاهيم مثل المعنى والوعي والتنظيم الذاتي جزءًا من الصورة الأوسع لفهم الطبيعة.
وفي إحدى محاضراته المنشورة عبر جامعة كامبريدج، طرح تصورًا يرى أن الفيزياء التقليدية تفترض ضمنيًا أن الأساس في الطبيعة مادي، بينما يمكن لنموذج مختلف أن يضع العمليات ذات الطابع البيولوجي أو المعرفي في مستوى أعمق من الوصف.
لكن من الضروري هنا الفصل بين إنجازاته المثبتة في الفيزياء وبين آرائه اللاحقة. فالتنبؤات التي قادته إلى نوبل خضعت للحساب النظري والتجربة والتكرار، بينما كثير من الأفكار التي تبناها في العقود التالية ظلت خارج الإجماع العلمي.
العلم غير السائد: بين الفضول والجدل
كان جوزيفسون من العلماء الذين لم يروا أن الإجماع العلمي ينبغي أن يكون نهاية النقاش. وهذا الموقف دفعه إلى الاهتمام بموضوعات مثل الباراسيكولوجيا، وذاكرة الماء، والاندماج النووي منخفض الطاقة، وغيرها من القضايا المثيرة للجدل.
وتصف الجمعية الملكية هذا التحول بوضوح، فتذكر أن جوزيفسون أصبح في أواخر السبعينيات نشطًا في التحليل العلمي للباراسيكولوجيا، ثم أنشأ مشروع توحيد العقل والمادة في كامبريدج.
كما تشير مؤسسة لينداو لنوبل إلى أن اهتماماته اللاحقة كانت مثيرة للجدل بدرجة كبيرة، وأنه دافع عن فرضيات ونتائج تجريبية مثل “ذاكرة الماء” والاندماج البارد، وهي موضوعات اعتبرها التيار العلمي السائد غير مثبتة أو زائفة علميًا.
لكن من المهم ألا تتحول هذه المرحلة إلى محاكمة شخصية لجوزيفسون، كما لا يصح تقديمها باعتبارها امتدادًا مثبتًا لتأثير جوزيفسون.
فلا توجد علاقة علمية مباشرة مثبتة تجعل نظرية النفق الكمومي التي حصل بسببها على نوبل دليلًا على صحة أفكار مثل التخاطر أو ذاكرة الماء. إنما الرابط التاريخي الحقيقي هو أن العالم نفسه الذي صنع اكتشافًا راسخًا في الفيزياء اختار لاحقًا أن يوجه فضوله إلى مناطق أكثر هامشية وأقل اتفاقًا داخل العلم.
وهذا الفصل من سيرته مهم تحديدًا لأنه يكشف أن جائزة نوبل لا تحول العالم إلى مرجع معصوم في كل المجالات.
من الموصلات الفائقة إلى الوعي: اتساع السؤال
في العقود اللاحقة، واصل جوزيفسون طرح أسئلة حول العلاقة بين الفيزياء والوعي والمعنى والعمليات المعقدة.
وتُظهر أرشيفات جامعة كامبريدج سلسلة من المحاضرات المرتبطة بمشروع توحيد العقل والمادة، من بينها محاضرات عن الطبيعة الديناميكية للفيزياء، وإدخال المعنى في الفيزياء الأساسية، والعقل الإبداعي والواقع الفيزيائي، وأصول الظواهر الطبيعية.
كما نشر جوزيفسون أعمالًا حاول فيها ربط بعض أفكاره حول التنظيم الذاتي والوعي والتفسير الكمومي بمشكلات أوسع في فلسفة الفيزياء.
هذه الأعمال لا تحتل المكانة نفسها التي يحتلها تأثير جوزيفسون في الفيزياء التجريبية والتطبيقية، لكنها تكشف استمرار نمط فكري ظهر مبكرًا في حياته: الرغبة في معرفة ما إذا كانت النظرية الحالية تصف الطبيعة كاملة أم أنها مجرد طبقة من طبقات الوصف.
ما الذي بقي من جوزيفسون داخل الفيزياء الحديثة؟
إذا فصلنا الجدل عن الإنجاز الأساسي، فإن إرث جوزيفسون العلمي واضح وممتد.
فوصلة جوزيفسون أصبحت جزءًا أساسيًا من فيزياء الموصلية الفائقة. ومنها تطورت تقنيات القياس فائقة الحساسية، وعلى رأسها أجهزة SQUID. كما أصبحت الوصلات الجوزيفسونية أدوات مهمة في دراسة الظواهر الكمومية على نطاقات يمكن الوصول إليها تجريبيًا.
وتكشف التطورات الحديثة أن إرثه لم يتحول إلى فصل تاريخي مغلق.
ففي المواد العلمية التي نشرتها مؤسسة نوبل حول جوائز الفيزياء الحديثة، ما زالت وصلة جوزيفسون تظهر في سياق دراسة النفق الكمومي، والظواهر الكمومية العيانية، والأنظمة فائقة التوصيل. وتشير مؤسسة نوبل إلى أن أعمالًا لاحقة في النفق الكمومي العياني، ومنها أعمال أنطوني ليغيت، استفادت من المنظومة الفيزيائية التي توفرها وصلات جوزيفسون.
وهذا هو الامتداد الحقيقي للإنجاز: ليس أن العلماء استمروا في استخدام اسم جوزيفسون فحسب، وإنما أن الأداة النظرية التي صاغها أصبحت بنية تحتية لأسئلة جديدة لم تكن مطروحة بصورتها الحالية عام 1962.
من تنبؤ نظري إلى بنية تحتية للفيزياء الكمومية
يمكن ترتيب أهم أعمال برايان جوزيفسون من حيث أثرها في ثلاثة مستويات.
المستوى الأول هو التنبؤ النظري الأصلي بتأثير جوزيفسون. وهو الأساس الذي منح صاحبه نوبل، وأثبت أن الحالة الكمومية الجماعية للموصلات الفائقة تستطيع أن تؤدي إلى سلوك نفقي غير متوقع.
المستوى الثاني هو الاستخدامات التقنية التي ظهرت نتيجة فهم هذا التأثير، خصوصًا القياسات الدقيقة للجهد والتردد وأجهزة الكشف المغناطيسي فائقة الحساسية. وقد أكدت مؤسسة نوبل والجمعية الملكية أهمية هذه التطبيقات.
أما المستوى الثالث فهو الإرث البحثي طويل المدى في دراسة الظواهر الكمومية العيانية. فوصلة جوزيفسون وفرت نظامًا يمكن فيه اختبار أفكار كمومية دقيقة باستخدام أجهزة يمكن للعلماء التحكم فيها وقياسها.
وهنا يصبح اكتشاف عام 1962 نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية.
بين الإجماع العلمي وحرية السؤال
ربما يكون أكثر ما يميز جوزيفسون، بعد تأثيره الفيزيائي، هو موقفه من حدود الإجماع.
العلم الحديث يقوم على التجربة، وإعادة الإنتاج، والنقد، والمراجعة. ولهذا كان من الطبيعي أن يواجه جوزيفسون انتقادات عندما دعم موضوعات لم تجد قبولًا واسعًا في المجتمع العلمي.
وفي المقابل، كان جوزيفسون يرى أن رفض فكرة لأنها لا تتفق مع المألوف لا يكفي وحده لإغلاق باب البحث.
المشكلة هنا ليست في حق العالم في طرح الأسئلة؛ فهذا جزء أصيل من تاريخ العلم. لكن الفرق كبير بين طرح فرضية تستحق الاختبار وبين اعتبارها حقيقة علمية مثبتة.
وهذا التمييز مهم جدًا عند قراءة المرحلة الثانية من حياة جوزيفسون.
فإذا كانت نظرية تأثير جوزيفسون مثالًا كلاسيكيًا على فرضية نظرية تحولت إلى حقيقة تجريبية، فإن بعض اهتماماته اللاحقة تمثل العكس تقريبًا: فرضيات مثيرة للجدل لم تنل الإجماع التجريبي نفسه.
وهذا يجعل سيرته مفيدة ليس فقط بوصفها سيرة عالم، وإنما بوصفها درسًا في حدود السلطة العلمية وحدودها المضادة أيضًا.
الإرث الذي لا ينتهي عند جائزة نوبل
عندما أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة الفيزياء لعام 1973، كانت تكرم اكتشافات في ظواهر النفق داخل المواد الصلبة. وقد أكدت المؤسسة أن أعمال إساكي وجيايفر وجوزيفسون فتحت مجالًا بحثيًا واسعًا ونشطًا، وأسهمت في نتائج أساسية وتطبيقات تقنية متعددة.
لكن مسار التاريخ العلمي أظهر أن أهمية جوزيفسون تجاوزت لحظة الجائزة.
ففي عام 1962 كان السؤال: كيف يمكن للتيار الفائق أن يعبر حاجزًا؟
ثم أصبح السؤال: كيف يمكن استخدام هذا السلوك لقياس الجهد والمجالات المغناطيسية بدقة؟
ثم اتسع السؤال إلى: ماذا تكشف الأنظمة فائقة التوصيل عن الطبيعة الكمومية للعالم؟
ثم، في المسار الشخصي لجوزيفسون، تحول السؤال إلى نطاق أكثر اتساعًا: هل تستطيع الفيزياء أن تقول شيئًا عن العقل والوعي والمعنى والعمليات المنظمة في الطبيعة؟
ليست هذه الأسئلة كلها متساوية في درجة الإثبات العلمي، ولا ينبغي وضعها في مرتبة واحدة. لكن تسلسلها يكشف سمة فكرية ثابتة لدى صاحبها: عدم الاكتفاء بالحدود التي وصل إليها السؤال، ومحاولة دفعه إلى منطقة جديدة.
برايان جوزيفسون: عالم داخل العلم وخارجه
تحتفظ الفيزياء باسم برايان جوزيفسون لأسباب محددة وقابلة للاختبار: التنبؤ بتأثير جوزيفسون، وفهم النفق الكمومي بين الموصلات الفائقة، والمساهمة في بناء جسر بين النظرية الكمومية والقياسات الدقيقة.
وقد أصبح تأثيره جزءًا من اللغة العلمية نفسها؛ فـ”وصلة جوزيفسون” و”تأثير جوزيفسون” لم يعودا مجرد اسمين مرتبطين بسيرة عالم، بل مصطلحين فيزيائيين يشيران إلى ظاهرة ذات أهمية نظرية وتطبيقية.
لكن جوزيفسون نفسه لم يتوقف عند هذا الحد. فبعد نوبل استمر في البحث عن أسئلة أخرى، حتى عندما أخذته هذه الأسئلة إلى مناطق لم تحظ بإجماع زملائه.
وهنا تصبح سيرته أكثر تعقيدًا من صورة “العالم العبقري الذي اكتشف شيئًا ثم حصل على نوبل”.
إنها سيرة عالم نجح نجاحًا استثنائيًا في منطقة من العلم، ثم اختار أن يغامر فكريًا في مناطق أخرى. والدرس الأهم ليس أن كل ما قاله لاحقًا صحيح، ولا أن كل ما خالف التيار كان خاطئًا، بل أن العلم الحقيقي يظل في حاجة إلى التمييز الصارم بين الفكرة والبرهان، وبين الجرأة على السؤال والقدرة على إثبات الإجابة.
لقد عبر جوزيفسون حاجزًا كموميًا في عام 1962، ومنحته تلك النتيجة نصف جائزة نوبل بعد أحد عشر عامًا. لكن الأثر الأعمق في قصته ربما يكمن في أنه لم يتعامل مع ذلك الحاجز بوصفه آخر حاجز.
فبعد أن درس حاجزًا من العازل بين موصلين فائقين، بدأ يسأل عن حواجز أخرى: بين الكم والعالم الكبير، وبين المادة والعقل، وبين ما يعرفه العلم وما لم يجد بعد لغة مناسبة لوصفه.
قد تكون بعض هذه الأسئلة قد بقيت خارج التيار العلمي، وقد أثبت بعضها قيمته التقنية والعلمية على نحو لا جدال فيه. غير أن الخط التاريخي الذي يجمع حياته واضح: الفضول الذي بدأ بمعادلة في فيزياء المادة المكثفة لم يتوقف عند حدود الجائزة، بل استمر في البحث عن معنى أوسع لما يمكن أن تكون عليه الطبيعة.
وهذا هو الإرث الأكثر دقة لبرايان جوزيفسون: ليس فقط تأثيرًا يحمل اسمه، بل مثالًا على أن تاريخ العلم يُكتب أحيانًا عندما ينجح عالم في إثبات فكرة، ويظل مفتوحًا عندما يقرر بعد ذلك أن يسأل سؤالًا جديدًا.



