كتب

نحن والعلم.. هل نكتفي باستهلاك المعرفة أم نصنعها؟ | مراجعة كتاب علي مصطفى مشرفة

1) بطاقة تعريف سريعة

  • اسم الكتاب: نحن والعلم
  • المؤلف: علي مصطفى مشرفة
  • التصنيف: فكر علمي وثقافة علمية
  • الناشر: دار كنزي للنشر والتوزيع، وفق المعلومات المرفقة
  • مدة القراءة: نحو ساعتين إلى ثلاث ساعات، وفق بيانات الإصدار المتاحة
  • عدد الصفحات: 85 صفحة، وفق البيانات المرفقة.

2) لماذا ينجذب القرّاء إلى هذا الكتاب؟

هناك كتب نفتحها لأننا نريد أن نعرف شيئًا، وكتب أخرى نفتحها لأننا نشعر بأن شيئًا ما في طريقة تفكيرنا يحتاج إلى مراجعة.

يبدو أن «نحن والعلم» ينتمي إلى النوع الثاني.

فالسؤال الذي يقف خلف الكتاب ليس: ما هو العلم؟ فقط، وإنما سؤال أكثر قربًا من حياتنا: لماذا تحتاج المجتمعات إلى العلم؟ ولماذا لا يكفي أن نستخدم نتائج الاكتشافات التي صنعها الآخرون، بينما نظل بعيدين عن إنتاج المعرفة بأنفسنا؟

هذه الفكرة تمنح الكتاب راهنيته، رغم أن مشرفة كتب في زمن مختلف تمامًا عن زمننا.

فالقارئ العربي الذي يشعر اليوم بأن الفجوة العلمية بين المجتمعات ليست مجرد مسألة جامعات ومختبرات، قد يجد في هذا الكتاب سؤالًا قديمًا لكنه لم يفقد حساسيته: هل يمكن لأمة أن تتقدم إذا اكتفت باستهلاك المعرفة بدلًا من إنتاجها؟

وهنا يصبح الإقبال على الكتاب مفهومًا. القارئ لا يبحث بالضرورة عن درس في تاريخ العلوم، وإنما عن تفسير أعمق لعلاقة العلم بالمجتمع وبنهضة الأمم.

3) ما الذي يدور حوله الكتاب فعلًا؟

بحسب الوصف المتاح، ينطلق علي مصطفى مشرفة من محاولة تحديد معنى العلم وقيمته، ثم ينتقل إلى قضية أوسع: حاجة المجتمع العربي إلى البحث العلمي وإلى تكوين بيئة قادرة على إنتاج المعرفة.

ومن الأفكار اللافتة في الكتاب مقارنته بين مراحل ازدهار العلوم عند العرب والمسلمين وبين انتقال المعرفة لاحقًا إلى أوروبا، بما يسمح له بطرح سؤال لا يتعلق بالماضي وحده: ما الذي يجعل مجتمعًا قادرًا على إنتاج العلم، وما الذي يجعله يتحول إلى مجرد متلقٍّ له؟

لكن «نحن والعلم» لا يبدو كتابًا في تمجيد العلم بمعناه المجرد.

فمشرفة يهتم أيضًا بالعلاقة بين العلم والمجتمع، وبكيفية تنظيم البحث العلمي، وبالمسؤولية التي تقع على الباحث والمؤسسات تجاه المعرفة.

وهذه نقطة مهمة للقارئ المعاصر؛ لأن الكتاب، وفق مادته المتاحة، لا ينظر إلى العلم على أنه مجموعة معلومات أو اختراعات، بل باعتباره طريقة في التفكير والعمل وتنظيم المعرفة.

ومن هنا يمكن فهم عنوانه نفسه: «نحن والعلم».

ليس «العلم» وحده هو الموضوع، وإنما العلاقة بيننا وبينه.

4) ماذا سيعيش القارئ داخل هذا الكتاب؟

تجربة القراءة المتوقعة هنا مختلفة عن قراءة كتاب علمي حديث مكتوب بهدف تبسيط الفيزياء أو الأحياء أو الفلك.

مشرفة عالم فيزياء، لكنه في هذا الكتاب يتحرك في مساحة أوسع من تخصصه. لذلك يبدو الأسلوب أقرب إلى المقالة الفكرية والمحاضرة الثقافية منه إلى الكتاب الأكاديمي المتخصص.

وهذا يمنح القراءة ميزة واضحة: القارئ غير المتخصص يستطيع الاقتراب من أفكار العلم دون أن يجد نفسه أمام سلسلة طويلة من المعادلات أو المصطلحات التقنية.

وفي المقابل، فإن القارئ الذي ينتظر منهجًا علميًا حديثًا في البحث أو دليلًا عمليًا خطوة بخطوة قد لا يجد كل ما يتوقعه.

الإيقاع، بحسب طبيعة المادة المعروضة، قائم على الفكرة والحجة والمثال أكثر من اعتماده على السرد.

وقد يحتاج القارئ إلى التمهل قليلًا؛ فبعض الأفكار لا تستهدف أن تمنحه معلومة سريعة، بل أن تدفعه إلى إعادة التفكير في موقفه من العلم والتعليم والبحث.

وهذه من القراءات التي ربما لا تترك أثرها الأكبر أثناء الصفحة نفسها، وإنما بعد إغلاق الكتاب، حين يجد القارئ نفسه يقارن بين ما قرأه وبين الواقع الذي يعيشه.

5) القيمة الحقيقية للكتاب

القيمة الأهم في «نحن والعلم» ليست في أن القارئ سيخرج منه بمعلومات علمية جديدة بالمعنى الذي نفهمه اليوم.

وهذا تمييز ضروري.

فالكتاب، بحكم موضوعه وطبيعته، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مرجعًا علميًا معاصرًا. قيمة مشرفة الأساسية هنا فكرية وثقافية.

إنه يذكّر القارئ بأن العلم ليس ترفًا ثقافيًا، وأن البحث العلمي ليس نشاطًا منفصلًا عن مستقبل المجتمع.

والأهم أنه يضع إصبعه على الفرق بين امتلاك المعرفة واستخدامها، وبين امتلاك القدرة على إنتاجها.

هذه الفكرة تحديدًا يمكن أن تبقى مع القارئ بعد القراءة.

فحين يتحدث الكتاب عن تاريخ العلوم عند العرب ثم عن انتقال الريادة العلمية إلى أوروبا، فإن الفائدة لا تكمن في الحنين إلى الماضي، بل في السؤال الذي يفرضه هذا التاريخ: كيف تنتقل الأمم من مرحلة الإبداع إلى مرحلة التراجع، ثم كيف يمكنها أن تستعيد قدرتها على الإبداع؟

وهذه أسئلة تتجاوز عمر الكتاب.

كما أن حديث مشرفة عن البحث العلمي يضيف قيمة عملية من نوع آخر؛ إذ يلفت النظر إلى أن البحث ليس مجرد جمع للمعلومات، وإنما يحتاج إلى تنظيم ومنهج وبيئة تساعد الباحث على العمل.

لذلك، إذا كان القارئ يبحث عن «معلومة» فهناك كتب أحدث وأكثر تخصصًا.

أما إذا كان يبحث عن طريقة للنظر إلى العلم ودوره في المجتمع، فالكتاب أكثر إثارة للاهتمام.

6) أين ينجح الكتاب فعلًا؟

أولًا: في اختيار السؤال

أقوى ما في الكتاب، كما يظهر من مادته، أنه لا يكتفي بالسؤال عن العلم، وإنما يسأل عن علاقتنا نحن به.

وهذا يجعل الموضوع شخصيًا ومجتمعيًا في الوقت نفسه.

ثانيًا: في الجمع بين العلم والثقافة

مشرفة لا يتعامل مع العلم باعتباره جزيرة منفصلة عن بقية المجتمع. وهذه النظرة تمنح الكتاب اتساعًا يتجاوز تخصص مؤلفه العلمي.

ثالثًا: في استدعاء التاريخ دون الوقوف عنده

الاستشهاد بماضي العلوم العربية لا يبدو غايته مجرد الاحتفاء بالماضي، بل استخدامه لفهم الحاضر.

وهذا فارق كبير.

فالكتاب لا يكون مفيدًا إذا قال لنا فقط إن العرب ساهموا في العلم، وإنما يصبح أكثر أهمية حين يجعلنا نسأل: لماذا نجحوا في مرحلة؟ ولماذا انتقلت الريادة إلى غيرهم؟

رابعًا: في وضوح القضية

الفكرة المركزية يمكن الوصول إليها دون حاجة إلى خلفية علمية متخصصة.

وهذه ميزة مهمة للقارئ العام.

خامسًا: في قيمة المؤلف نفسه

عندما يتحدث عالم بارز مثل علي مصطفى مشرفة عن ضرورة البحث العلمي، فإن حديثه يأتي من داخل التجربة العلمية لا من موقع المراقب الخارجي.

وهذا يعطي الفكرة وزنًا خاصًا، حتى عندما تختلف بعض تفاصيل رؤيته عن واقع العلم المعاصر.

7) أين يضعف أو يخيّب التوقعات؟

هنا يحتاج القارئ إلى قدر من الواقعية.

أول ما ينبغي الانتباه إليه أن الكتاب قديم في سياقه العلمي والفكري. وهذا يعني أن بعض الأفكار المتعلقة بتنظيم البحث العلمي أو علاقة الأمم بالعلم قد تبدو للقارئ المعاصر عامة أو مألوفة، خصوصًا بعد عقود طويلة من تطور مؤسسات البحث والجامعات.

كما أن القارئ الذي يدخل الكتاب بحثًا عن تفسير تفصيلي للثورة العلمية الحديثة أو عن أحدث نماذج البحث العلمي لن يجد ذلك، ببساطة لأن هذا لم يكن هدف الكتاب الأصلي.

وهناك نقطة أخرى: الكتب الفكرية التي تقوم على المقالات والأفكار العامة قد تتطلب من القارئ قدرًا أكبر من الصبر مقارنة بالكتب التي تقدم حجتها في بناء متدرج شديد الوضوح.

لكن هذه ليست بالضرورة عيوبًا خالصة؛ فهي جزء من طبيعة الكتاب وزمنه.

المشكلة الحقيقية تظهر فقط إذا اشترى القارئ الكتاب بتوقع خاطئ.

فمن ينتظر كتابًا حديثًا في العلوم والتكنولوجيا قد يشعر بخيبة.

أما من يقرأه باعتباره وثيقة فكرية عن نظرة عالم مصري إلى العلم والبحث العلمي ودور المعرفة في نهضة المجتمع، فسيكون أكثر استعدادًا لتقدير قيمته.

8) لمن هذا الكتاب؟ ولمن قد لا يناسب؟

هذا الكتاب مناسب بدرجة خاصة للقارئ الذي يحب الكتب التي تقع في المنطقة بين العلم والفكر والثقافة.

يناسب طالب الجامعة الذي بدأ يتساءل عن معنى البحث العلمي، والقارئ المهتم بتاريخ النهضة العلمية العربية، وكل من يحب أن يقرأ لعالم لا يتحدث فقط عن تخصصه، وإنما يحاول التفكير في أثر العلم على المجتمع.

وهو مناسب أيضًا لمن يستمتع بالكتب القصيرة التي تحمل فكرة أكبر من حجمها.

85 صفحة ليست رحلة طويلة، وهذه ميزة إذا كان القارئ يريد مدخلًا مركزًا إلى الموضوع دون الالتزام بكتاب ضخم.

لكنه قد لا يناسب القارئ الذي يبحث عن كتاب علمي حديث قائم على البيانات والإحصاءات والدراسات المعاصرة.

ولا يناسب من يريد إجابات تقنية مباشرة عن أسئلة مثل: كيف أصبح باحثًا؟ كيف أنشئ مختبرًا؟ كيف أكتب ورقة علمية وفق المعايير الحديثة؟

فالكتاب أوسع وأقدم وأكثر فكرية من ذلك.

9) هل يستحق الشراء فعلًا؟

الاختيار: شراء، إذا كنت من القراء المهتمين بالفكر العلمي وتاريخ المعرفة.

أما إذا كان هدفك مجرد معرفة أفكار الكتاب، فقد تكون قراءة عرض أو ملخص كافية لمعرفة محاوره الأساسية.

لكن إذا كنت تحب اقتناء الكتب الفكرية القصيرة التي يمكن العودة إليها بعد سنوات، فالكتاب يستحق أن يكون على الرف.

والسبب ليس أنه يقدم أحدث ما وصل إليه العلم؛ لا يفعل ذلك، ولا ينبغي الحكم عليه بهذا المعيار.

قيمته في شيء آخر: أنه يضع أمام القارئ سؤالًا لا يشيخ بسهولة:

هل نريد أن نكون مجتمعًا يعرف العلم، أم مجتمعًا ينتج العلم؟

وهذا سؤال يستحق أن يعيش معه القارئ أكثر من ساعتين.

بل ربما يكون أفضل ما في الكتاب أنه لا يقدم للقارئ شعورًا زائفًا بأنه أصبح عالمًا بعد الانتهاء منه. وإنما يترك وراءه نوعًا من القلق الصحي: لماذا لا تكون المعرفة جزءًا أصيلًا من طريقة بناء المجتمع؟

وهذا النوع من القلق قد يكون إحدى العلامات الجيدة على أن كتابًا ما أدى وظيفته.

10) الخلاصة قبل الشراء

لو كنت سأقترح «نحن والعلم» على صديق يحب الكتب، فلن أقول له: اقرأه لأن فيه معلومات علمية لا يعرفها أحد.

سأقول شيئًا أبسط:

اقرأه إذا كنت تريد أن تعرف كيف كان عالم مصري كبير ينظر إلى العلم باعتباره قضية مجتمع، لا مجرد تخصص أكاديمي.

لا تدخل الكتاب بحثًا عن كتاب علوم حديث، ولا تقارنه بما كتب اليوم عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز الأبحاث.

اقرأه باعتباره حوارًا فكريًا مع زمن آخر، يحمل أسئلة ما زالت حاضرة.

إنه كتاب قصير، وربما لن يغير حياتك، ولا ينبغي أن نطلب من كل كتاب هذا الدور. لكنه قد يغير سؤالًا واحدًا في ذهنك، وهذا في بعض الأحيان يكفي.

الحكم النهائي: يستحق القراءة والاقتناء للقارئ المهتم بالعلم والفكر وتاريخ المعرفة، مع قراءة واعية بسياقه التاريخي.

لمعرفة المزيد: نحن والعلم.. هل نكتفي باستهلاك المعرفة أم نصنعها؟ | مراجعة كتاب علي مصطفى مشرفة

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى