سير

أنتوني هيويش: الرجل الذي التقط نبض النجوم وغيّر صورة الكون

في 15 أكتوبر 1974، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الفيزياء إلى عالمَي الفلك الراديوي البريطانيين مارتن رايل وأنتوني هيويش، تقديرًا لأبحاثهما الرائدة في علم الفلك الراديوي. وكان نص سبب منح الجائزة واضحًا في تمييز إسهام كل منهما: رايل عن ملاحظاته واختراعاته، ولا سيما تقنية التركيب الفتحي، وهيويش عن «دوره الحاسم في اكتشاف النجوم النابضة».

كان ذلك التكريم تتويجًا لمسار علمي بدأ قبل الاكتشاف بسنوات طويلة، حين كان هيويش مهتمًا بمشكلة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن النجوم النابضة: لماذا تتلألأ بعض المصادر الراديوية القادمة من السماء؟ لم يكن السؤال مجرد مسألة تقنية في قراءة الإشارات؛ فقد قاده تدريجيًا إلى دراسة الطريقة التي تنتشر بها الموجات الراديوية عبر البلازما الموجودة بين الأرض والنجوم، ثم إلى بناء أدوات تستطيع التقاط التغيرات السريعة في هذه الإشارات. وفي النهاية، أصبح هذا الخط البحثي نفسه الطريق الذي قاد إلى واحد من أكثر الاكتشافات إثارة في علم الفلك الحديث: اكتشاف النجوم النابضة، أو البولسارات.

تلك هي قصة أنتوني هيويش؛ قصة عالم لم يبدأ بحثه بحثًا عن النجوم النابضة أصلًا، لكنه امتلك الأدوات النظرية والتجريبية التي جعلته قادرًا على التعرف إلى الظاهرة عندما ظهرت أمامه.

من كورنوال إلى كامبريدج: تكوين عالم الفلك الراديوي

وُلد أنتوني هيويش في 11 مايو 1924 في فوي بمقاطعة كورنوال في إنجلترا، ونشأ في نيوكواي على ساحل المحيط الأطلسي. كان الابن الأصغر بين ثلاثة أبناء، وكان والده يعمل مصرفيًا. ودرس في كلية الملك بمدينة تونتون قبل أن يلتحق بجامعة كامبريدج. وتكشف سيرته التي نشرتها مؤسسة نوبل عن اهتمام مبكر بالبحر والقوارب، لكن المسار الذي سيحدد حياته العلمية بدأ في بيئة مختلفة تمامًا: الفيزياء والإلكترونيات وعلم الفلك الراديوي.

تزامنت دراسته الجامعية مع الحرب العالمية الثانية، وهو ما جعل التكوين العلمي لهيويش مرتبطًا بصورة مباشرة بالتكنولوجيا التطبيقية. بين عامي 1943 و1946 خدم في مؤسسات بحثية بريطانية مرتبطة بالاتصالات والإلكترونيات، منها مؤسسة أبحاث الاتصالات في مالفيرن ومؤسسة الطائرات الملكية في فارنبورو. وعندما عاد إلى كامبريدج بعد الحرب، حصل على درجته الجامعية عام 1948، ثم انضم مباشرة إلى مجموعة مارتن رايل البحثية في مختبر كافنديش. حصل على الدكتوراه عام 1952.

كان هذا الاختيار حاسمًا؛ إذ كانت الفلكية الراديوية في تلك الفترة علمًا حديثًا نسبيًا، نشأ من اكتشاف أن الكون لا يرسل الضوء المرئي وحده، بل يبث أيضًا موجات راديوية يمكن استخدامها لاستكشاف أجسام وظواهر لا تكشفها المراصد البصرية بسهولة.

وهنا بدأت ملامح شخصية هيويش العلمية تتضح: لم يكن مهتمًا بمجرد تسجيل الإشارات، بل بالسؤال عن كيفية انتقالها، وما الذي يحدث لها أثناء رحلتها من المصدر الكوني إلى الأرض.

قبل هيويش: عندما كان الكون يُرى بالضوء فقط تقريبًا

حتى منتصف القرن العشرين، كان التصور التقليدي للسماء يعتمد بدرجة كبيرة على الضوء المرئي. لكن ظهور علم الفلك الراديوي وسّع معنى الرصد الفلكي نفسه.

فالنجوم والمجرات والمصادر الكونية لا تُفهم بالضرورة من خلال ما تراه العين أو التلسكوبات البصرية. ويمكن للموجات الراديوية أن تحمل معلومات عن عمليات في الكون لا تظهر في الطيف المرئي بالطريقة نفسها.

في هذا السياق، عمل مارتن رايل وفريقه على تطوير تقنيات رصد راديوي أكثر دقة، بينما ركز هيويش على مشكلة مختلفة لكنها شديدة الأهمية: التغيرات السريعة في شدة الإشارات الراديوية.

في محاضرته التي ألقاها بعد حصوله على نوبل، أوضح هيويش أن بداية الطريق الذي أدى في النهاية إلى اكتشاف النجوم النابضة تعود إلى عام 1948، عندما انضم إلى فريق رايل وبدأ دراسة انتشار الإشعاع عبر الأوساط الشفافة غير المنتظمة. وكان السؤال الأول متعلقًا بما يمكن تسميته «تلألؤ» النجوم الراديوية، أي التغيرات الظاهرية في شدة مصادر الراديو بسبب الوسط الذي تمر خلاله موجاتها.

وقد قاده هذا العمل إلى دراسة تأثير البلازما في الغلاف الجوي للأرض، ثم إلى دراسة الهالة الشمسية والوسط بين الكواكب.

هذه المرحلة مهمة لفهم إنجاز هيويش؛ لأن اكتشاف النجوم النابضة لم يكن حادثًا منفصلًا عن أعماله السابقة، بل كان نتيجة طبيعية لمسار بحثي طويل في فهم الإشارات المتغيرة القادمة من الفضاء.

من «تلألؤ» النجوم الراديوية إلى الوسط بين الكواكب

كان هيويش يرى أن التغيرات في شدة الإشارات الراديوية يمكن أن تكون وسيلة لدراسة المادة التي تعبرها الموجات أثناء رحلتها.

وبفضل دراسة ظاهرة التشتت والتذبذب الناتج عن البلازما، استطاع أن يربط التغيرات في الإشارات بخصائص الوسط الموجود بين مصدر الإشعاع والمراقب على الأرض. وقد أصبحت هذه الطريقة أداة لدراسة البلازما في الغلاف الجوي للأرض وفي البيئة المحيطة بالشمس.

ويذكر هيويش في محاضرته لنوبل أنه استفاد من تعليم عالم الفيزياء جاك راتكليف، الذي قدم له خلال سنته الجامعية الأخيرة دورة مؤثرة في النظرية الكهرومغناطيسية، كما تعلم منه قوة تقنيات فورييه في التعامل مع ظواهر الحيود.

وهنا يظهر أحد أهم ملامح منهجه العلمي: تحويل ظاهرة تبدو مزعجة للرصد إلى مصدر للمعلومات.

فبدل أن ينظر إلى تغير الإشارة باعتباره «ضوضاء» يجب التخلص منها، حاول أن يفهم مصدرها. وهذا التحول في طريقة التفكير كان بالغ الأهمية؛ لأن بعض الإشارات التي كان يمكن تجاهلها بوصفها اضطرابًا ستصبح لاحقًا مفتاحًا لاكتشاف أجرام جديدة.

مشروع المصفوفة التي مهّدت لاكتشاف النجوم النابضة

كان هيويش مقتنعًا بأن دراسة التغيرات السريعة في المصادر الراديوية تحتاج إلى أداة قادرة على مراقبة مساحات كبيرة من السماء بدقة زمنية عالية.

ومن هنا جاء اقتراحه بناء مصفوفة التلألؤ بين الكواكب في مرصد مولارد للفلك الراديوي بالقرب من كامبريدج. وكان الهدف الأصلي هو إجراء مسح راديوي عالي الدقة الزمنية لدراسة ظاهرة التلألؤ بين الكواكب.

توضح مصادر جامعة كامبريدج أن المصفوفة اكتمل بناؤها عام 1967، وكانت تتكون من بنية راديوية ضخمة امتدت على مساحة واسعة، وصُممت في الأساس للبحث عن المصادر الراديوية الصغيرة التي تظهر تغيرات سريعة في شدتها.

لم يكن أحد يبني هذه الأداة بحثًا عن «بولسار»؛ فالاسم نفسه لم يكن موجودًا بعد.

وهذه نقطة جوهرية في فهم اكتشاف هيويش: أحيانًا لا تأتي الاكتشافات الكبرى من الإجابة عن سؤال معروف، وإنما من بناء أداة قادرة على رؤية شيء لم يكن العلماء يعرفون أنهم يبحثون عنه.

جوسلين بيل والإشارة التي لم تشبه أي شيء معروف

في عام 1967، كانت جوسلين بيل بورنيل طالبة دراسات عليا تعمل مع هيويش في مرصد مولارد. وكانت مهمتها تتطلب فحص كميات هائلة من التسجيلات الراديوية الناتجة عن المصفوفة.

لم تكن الإشارة التي ستصبح أول نجم نابض واضحة أو كبيرة. بل كانت صغيرة جدًا وسط كمية هائلة من البيانات. وفي 28 نوفمبر 1967، ظهرت إشارة منتظمة على نحو استثنائي، تتكرر بفاصل يقارب ثانية وثلث الثانية. وقد أدركت بيل أن ما تراه ليس مجرد تشويش عابر.

كان دور هيويش في هذه المرحلة مهمًا بصورة مباشرة. فعندما لفتت بيل انتباهه إلى الإشارة، تعامل معها بحذر علمي. وكان من الضروري أولًا التأكد من أن مصدرها ليس خللًا في المعدات أو تدخلًا بشريًا.

وتروي جامعة كامبريدج، استنادًا إلى شهادة بيل، أن هيويش اقترح استخدام جهاز تسجيل أسرع بعد أن لفتت الإشارة انتباهه. ثم استمر البحث إلى أن ظهرت النبضات بصورة واضحة في 28 نوفمبر.

وفي البداية كان انتظام الإشارة شديد الغرابة حتى إن احتمال كونها إشارة من حضارة خارج الأرض لم يكن مستبعدًا تمامًا على سبيل المزاح والافتراض العلمي. وأطلقت بيل على بعض هذه الإشارات في سجلاتها اختصار «LGM»، أي «Little Green Men»، قبل أن يتضح أن مصدرها ظاهرة فلكية طبيعية.

كانت هذه اللحظة نقطة تحول.

فالإشارة المنتظمة للغاية لم تكن صادرة عن جهاز أرضي، ولم تكن مجرد تغير عشوائي في مصدر راديوي بعيد. كان هناك جرم كوني يرسل نبضات راديوية بدقة مذهلة.

ما النجم النابض؟

لكي نفهم حجم ما حدث، ينبغي العودة خطوة إلى الوراء.

قبل اكتشاف النجوم النابضة، كانت النجوم النيوترونية قد ظهرت بوصفها نتيجة نظرية محتملة لانهيار النجوم الضخمة. لكن العثور على جسم فلكي صغير وكثيف للغاية ويصدر إشعاعًا راديويًا دوريًا منح هذه الفكرة واقعًا رصديًا جديدًا.

النجم النابض هو نجم نيوتروني سريع الدوران، يمتلك مجالًا مغناطيسيًا قويًا، ويصدر حزمًا من الإشعاع. وعندما تمر إحدى هذه الحزم باتجاه الأرض مع دوران النجم، يسجل التلسكوب نبضة راديوية. ولهذا يمكن تشبيه النجم النابض، بصورة تقريبية، بمنارة كونية تدور في الفضاء.

وتوضح جامعة كامبريدج أن هذه الأجرام شديدة الصغر والكثافة، وأن النبضات التي نراها ترتبط بدوران النجم وبالحزمة الإشعاعية التي تمر عبر مجال رؤية التلسكوب. كما أصبحت النجوم النابضة لاحقًا أدوات مهمة في دراسة الجاذبية والمادة الكثيفة والبلازما وتطور النجوم واختبارات النسبية العامة.

ومن الناحية العلمية، لم يكن الاكتشاف مجرد العثور على نوع جديد من الأجرام.

لقد فتح نافذة جديدة على الفيزياء في ظروف لا يمكن تحقيقها على الأرض.

من الإشارة الغريبة إلى أداة لقياس الكون

تكمن أهمية النجوم النابضة في أن انتظام نبضاتها يمنح العلماء نوعًا من «الساعات الكونية» الطبيعية.

فالجسم الذي يدور بسرعة هائلة ويصدر نبضات متكررة يمكن قياس توقيتها بدقة كبيرة. وإذا تغير توقيت النبضات، أو وصلت الإشارة متأخرة أو مبكرة بصورة منتظمة، فإن هذه الاختلافات يمكن أن تكشف معلومات عن الوسط الذي عبرته الإشارة، أو عن حركة النجم، أو عن وجود جسم آخر يؤثر في مداره.

ولهذا لم يتوقف أثر اكتشاف هيويش عند سنة 1967.

لقد تحول البولسار من اكتشاف إلى أداة.

وهذا التحول هو أحد المعايير المهمة لقياس قيمة الاكتشافات العلمية الكبرى: هل يظل الإنجاز حقيقة محفوظة في الكتب، أم يصبح وسيلة لإنتاج اكتشافات جديدة؟

في حالة النجوم النابضة، كانت الإجابة واضحة.

من النجوم النابضة إلى اختبار أينشتاين

من أبرز الأمثلة على هذا الامتداد اكتشاف النجم النابض الثنائي PSR B1913+16، الذي رصده راسل هالس وجوزيف تايلور في السبعينيات. كان هذا النظام يتضمن نجمًا نابضًا في نظام ثنائي، وأصبح رصده طويل الأمد وسيلة لاختبار تنبؤات النظرية النسبية العامة.

وتشير مؤسسة نوبل إلى أن هذا النظام قدم أول دليل رصدي ملموس على فقدان الطاقة في صورة إشعاع جاذبي، وأن تغير الفترة المدارية للنظام توافق بدرجة كبيرة مع توقعات أينشتاين. وقد حصل هالس وتايلور على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1993 عن هذا العمل.

هنا يظهر الإرث الحقيقي لاكتشاف هيويش.

فجائزة نوبل لعام 1974 لم تكن نهاية قصة النجوم النابضة، بل كانت بداية سلسلة طويلة من الاستخدامات العلمية لهذه الأجرام.

اكتشاف هيويش جعل من الممكن لاحقًا استخدام النجوم النابضة في اختبار الجاذبية في ظروف قصوى، وفي دراسة المادة فائقة الكثافة، وفي مراقبة التغيرات الدقيقة في دوران النجوم النيوترونية، وفي فهم تطور النجوم.

أي أن التأثير اللاحق كان مباشرًا في بعض المجالات، لأن الباحثين استخدموا النجوم النابضة نفسها كأدوات رصد، وغير مباشر في مجالات أخرى، لأن اكتشافها غيّر الأسئلة التي أصبح من الممكن طرحها في الفيزياء الفلكية.

الإنجاز الذي سبق النوبل

رغم أن اسم هيويش ارتبط في الذاكرة العامة بالنجوم النابضة، فإن عمله العلمي لم يبدأ عام 1967.

في عام 1964، نشر هيويش مع سام أوكوي، وهو طالب نيجيري متقدم في كلية تشرشل، دراسة عن التغيرات المحيرة في الإشعاع القادم من منطقة سديم السرطان، وناقشا احتمال ارتباطها ببقايا انفجار نجمي عظيم. وتصف كلية تشرشل هذا العمل بأنه من المقدمات التي سبقت اكتشاف النجوم النابضة.

كما حصل هيويش عام 1969 على ميدالية إدينغتون من الجمعية الفلكية الملكية، وهي ميدالية تمنح تقديرًا للتحقيقات ذات الجدارة الاستثنائية في الفيزياء الفلكية النظرية. وتدرج الجمعية اسمه ضمن الحاصلين عليها في ذلك العام.

وتكشف هذه الجوائز المبكرة أن الوسط العلمي كان قد بدأ يقدر قيمة أبحاثه قبل أن يصبح اكتشاف النجوم النابضة حدثًا عالميًا.

لماذا كان دوره «حاسمًا» في نظر نوبل؟

قد يبدو السؤال بسيطًا: إذا كانت جوسلين بيل هي التي لاحظت الإشارة الأولى، فلماذا مُنح هيويش نصف جائزة نوبل؟

الإجابة تحتاج إلى النظر إلى الاكتشاف بوصفه عملية علمية متكاملة، لا لحظة واحدة.

كان هيويش صاحب البرنامج البحثي الذي قاد إلى بناء المصفوفة، وهو الذي طوّر المسار العلمي الذي جعل البحث عن التغيرات السريعة في الإشارات ممكنًا، وكان المشرف على بيل في مرحلة اكتشاف الإشارة وتحليلها والتحقق من طبيعتها.

وقد وصفت مؤسسة نوبل إسهامه رسميًا بأنه «الدور الحاسم في اكتشاف النجوم النابضة». وهذا التعبير مهم؛ لأنه لا يقول إن هيويش كان وحده صاحب الاكتشاف، بل يضعه داخل بنية العمل العلمي التي جعلت الاكتشاف ممكنًا.

وفي المقابل، أصبحت مساهمة جوسلين بيل لاحقًا جزءًا من نقاش أوسع حول الاعتراف بالعلماء الذين يعملون ضمن فرق بحثية، ولا سيما طلاب الدراسات العليا. وقد حصلت بيل في عام 2018 على جائزة الاختراق الخاصة في الفيزياء الأساسية تقديرًا لإسهاماتها الأساسية في اكتشاف النجوم النابضة، كما أسست من قيمة الجائزة منحة لدعم طلاب الدراسات العليا من الفئات الأقل تمثيلًا في الفيزياء.

ولا يلغي هذا الجدل القيمة العلمية لعمل هيويش، بل يجعل تاريخ اكتشاف النجوم النابضة أكثر ثراءً: إنه مثال على أن الاكتشاف العلمي غالبًا ما يكون نتاج شبكة من الأفكار والأدوات والطلاب والمشرفين والملاحظات الدقيقة، وليس فعلًا فرديًا معزولًا.

بعد نوبل: لم يتوقف البحث

بعد حصوله على الجائزة، واصل هيويش مسيرته في جامعة كامبريدج. كان محاضرًا جامعيًا بين 1961 و1969، ثم قارئًا في الجامعة بين 1969 و1971، وأصبح أستاذًا لعلم الفلك الراديوي منذ عام 1971 حتى تقاعده عام 1989. وفي عام 1977 تولى قيادة مجموعة الفلك الراديوي في كامبريدج، كما ترأس مرصد مولارد للفلك الراديوي بين 1982 و1988.

وهذه المواقع العلمية مهمة لأنها تكشف أن أثره لم يكن محصورًا في الورقة التي أعلنت اكتشاف البولسارات.

كان جزءًا من بناء مؤسسة علمية كاملة، ومن تدريب الباحثين الذين سيواصلون تطوير الفلك الراديوي.

وكان مرصد مولارد نفسه جزءًا من تحول أوسع في علم الفلك الراديوي في كامبريدج، حيث قادت تقنيات الرصد الجديدة إلى خرائط أكثر دقة للمصادر الراديوية داخل مجرتنا وخارجها.

وهكذا أصبح هيويش، إلى جانب كونه مكتشفًا مشاركًا في أحد أهم الاكتشافات الفلكية في القرن العشرين، جزءًا من الجيل الذي نقل الفلك الراديوي من علم ناشئ إلى أداة أساسية لفهم الكون.

العلم خارج المختبر

لم يكن هيويش يرى العلم نشاطًا مغلقًا داخل المؤسسات الجامعية.

شارك في عام 1965 في محاضرات عيد الميلاد التي تنظمها المؤسسة الملكية، كما قدم لاحقًا محاضرات عامة أخرى. ووفق كلية تشرشل، كان يرى أن على العلماء مشاركة الجمهور متعة العمل العلمي وإثارته، وكان يستمتع بتحدي شرح الأفكار الصعبة بطريقة مفهومة.

وهذا الجانب من مسيرته مهم عند الحديث عن إرثه.

فالعالم الذي يكتشف ظاهرة جديدة لا يغير العلم وحده؛ يمكنه أيضًا أن يغير الطريقة التي يتخيل بها المجتمع الكون.

والنجوم النابضة كانت مثالًا مثاليًا لذلك. فقد أصبحت صورة النبضات الراديوية المنتظمة جزءًا من الثقافة العلمية والشعبية على السواء. بل إن الرسم البياني الشهير لإشارة النجم النابض CP1919، الذي أعيد رسمه لاحقًا في صورة متراكبة، ألهم تصميم غلاف ألبوم Unknown Pleasures لفرقة Joy Division، وإن كان الرسم المستخدم في الغلاف قد ارتبط لاحقًا بعمل هارولد كرافت في مرصد أريسيبو.

وهكذا انتقلت إشارة فلكية كانت في الأصل مجرد خطوط على ورق إلى صورة ثقافية يعرفها الملايين.

أهم أعمال أنتوني هيويش: من دراسة الإشارات إلى اكتشاف البولسارات

إذا أردنا اختصار أهم أعمال أنتوني هيويش، فلا ينبغي أن نحصرها في «اكتشاف النجوم النابضة» وحده.

كان هناك أولًا اهتمامه بانتشار الموجات الراديوية في الأوساط غير المتجانسة، وهو العمل الذي قاده إلى دراسة تأثير البلازما في الغلاف الجوي والوسط بين الكواكب.

ثم جاء تطوير أساليب رصد ظاهرة التلألؤ بين الكواكب، وهي الظاهرة التي جعلت من الممكن استخدام التغيرات في شدة الإشارات للحصول على معلومات عن مصادر راديوية صغيرة جدًا وعن الوسط الذي تمر خلاله موجاتها.

ثم جاءت المصفوفة الراديوية التي بنيت في مرصد مولارد، والتي كانت الأداة التجريبية الكبرى التي احتضنت البحث وأنتجت البيانات التي قادت إلى اكتشاف النجوم النابضة.

وأخيرًا جاء الاكتشاف نفسه، الذي أعاد تعريف أهمية النجوم النيوترونية وفتح مجالًا واسعًا من الأبحاث التي امتدت إلى الجاذبية والمادة الكثيفة وتطور النجوم.

إذن، إنجازات أنتوني هيويش في علم الفلك الراديوي لا تكمن في نتيجة واحدة، بل في السلسلة التي تربط النظرية بالأداة، والأداة بالبيانات، والبيانات باكتشاف لم يكن متوقعًا.

من اكتشاف إلى مدرسة علمية

يمكن النظر إلى هيويش باعتباره جزءًا من تحول تاريخي أكبر: الانتقال من فلك يعتمد على تصوير السماء إلى فلك متعدد الأطوال الموجية، يستطيع فيه العلماء دراسة الكون من خلال الراديو والأشعة السينية وأشعة غاما وغيرها.

كان اكتشاف النجوم النابضة نموذجًا لهذا التحول.

فالأجرام التي لا تقدم صورتها المرئية معلومات كافية يمكن أن تصبح شديدة الوضوح عندما ندرس إشاراتها الراديوية. والانتظام الزمني للنبضات أضاف بُعدًا جديدًا إلى الرصد: لم يعد السؤال «أين يوجد الجرم؟» فقط، بل أصبح «كيف يتغير مع الزمن؟».

ومن هنا جاء تأثير الاكتشاف على أجيال لاحقة من علماء الفلك.

استخدم هالس وتايلور النجوم النابضة لاختبار النسبية العامة. وأصبح علماء الفلك يستخدمونها لدراسة النجوم النيوترونية والوسط بين النجوم، ثم توسع استخدامها لاحقًا في فيزياء الجاذبية واختبارات النظريات الأساسية.

هذا الامتداد هو السبب في أن قصة هيويش لا تنتهي عند جائزة نوبل.

سبب فوز أنتوني هيويش بجائزة نوبل

إذا كان لا بد من الإجابة المباشرة عن سبب فوز أنتوني هيويش بجائزة نوبل، فإن الإجابة الرسمية هي أنه حصل عليها عام 1974، مناصفة مع مارتن رايل، «عن أبحاثهما الرائدة في علم الفلك الراديوي»، مع تخصيص لجنة نوبل هيويش بـ«دوره الحاسم في اكتشاف النجوم النابضة».

لكن المعنى العلمي الأعمق للجائزة يتجاوز هذه العبارة.

فالجائزة كرمت قدرة هيويش على تحويل إشارات راديوية متغيرة إلى معرفة عن بنية الكون. لقد ساعد على تطوير الأدوات والأساليب التي جعلت من الممكن التقاط الظواهر السريعة، ثم شارك في تفسير واحدة من أكثر الإشارات انتظامًا وغرابة في تاريخ الرصد الفلكي.

لقد كان الإنجاز في جوهره درسًا في أهمية الانتباه إلى الاستثناء.

فوسط ملايين القياسات، ظهرت إشارة صغيرة لم تكن تنتمي إلى الأنماط المعروفة. وكان من الممكن أن تُهمل بوصفها تشويشًا أو خطأ تقنيًا. لكن وجود جهاز مصمم لدراسة التغيرات السريعة، ووجود باحثين قادرين على التوقف أمام الإشارة غير المألوفة، حوّل ما يبدو هامشيًا إلى اكتشاف يغير العلم.

نهاية حياة عالم وبقاء السؤال مفتوحًا

توفي أنتوني هيويش في 13 سبتمبر 2021 عن عمر 97 عامًا، بعد حياة علمية امتدت عبر مرحلة شهد فيها علم الفلك الراديوي تحولًا هائلًا. وتسجل قاعدة بيانات مؤسسة نوبل سنة وفاته 2021، كما تسجل أنه فاز بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1974.

لكن نهاية حياته لم تكن نهاية أثره.

فالنجوم النابضة التي ساعد في اكتشافها لا تزال تعمل بوصفها مختبرات طبيعية للفيزياء. وكلما تحسنت قدرة التلسكوبات على قياس النبضات، ازدادت قيمة هذه الأجرام في اختبار النظريات الأساسية وفهم النجوم النيوترونية والجاذبية والوسط بين النجوم.

وهنا تتضح طبيعة الإرث العلمي الحقيقي.

الإرث ليس تمثالًا أو ميدالية أو اسمًا في قائمة نوبل. إنه سؤال يستمر في إنتاج أسئلة أخرى.

بدأ سؤال هيويش من مشكلة فيزيائية عن تذبذب الإشارات الراديوية، ثم قاده إلى البلازما والوسط بين الكواكب، ومن هناك إلى أداة رصد جديدة، ثم إلى إشارة غامضة، ثم إلى النجوم النابضة، ثم إلى اختبارات للنسبية العامة وأبحاث في الفيزياء الفلكية الحديثة.

تلك السلسلة هي سيرة أنتوني هيويش الحقيقية.

لم يكن الإنجاز الأهم أنه رأى شيئًا لم يره الآخرون فحسب، بل أنه كان جزءًا من بناء الطريقة التي أصبح بها ذلك الشيء قابلًا للرؤية أصلًا.

ومن هذه الزاوية، تبدو قصة هيويش مثالًا بالغ الدلالة على طبيعة العلم: المعرفة لا تتقدم دائمًا بخط مستقيم، ولا تبدأ بالضرورة بسؤال يعرف الباحث جوابه. أحيانًا تبدأ بأداة جديدة، أو ظاهرة مزعجة، أو خط صغير على ورقة تسجيل، ثم يحتاج الأمر إلى عالم يعرف أن الخط الغريب قد لا يكون خطأ.

في عام 1967، كان ذلك الخط يحمل نبضًا.

وبعد عقود، أصبح ذلك النبض واحدًا من أكثر الأصوات انتظامًا التي عرفها الإنسان في الكون.

وهذا هو الإرث المفتوح لأنتوني هيويش: أن الكون الذي يبدو من بعيد صامتًا تمامًا، قد يكون ممتلئًا بإشارات دقيقة، وأن مهمة العلم ليست فقط أن يصنع أدوات لسماعها، بل أن يتعلم كيف يفهم ما تقوله.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى