أود هاسل: الرجل الذي كشف كيف تتخذ الجزيئات شكلها في الخفاء

في أكتوبر 1969، أعلنت The Nobel Prize منح جائزة نوبل في الكيمياء إلى العالم النرويجي Odd Hassel، تقديرًا لـ”إسهاماته في تطوير مفهوم التحليل الشكلي (Conformation Analysis) وتطبيقه”. وفقًا لمؤسسة نوبل، لم يكن هذا الإنجاز مجرد تفصيل تقني في الكيمياء، بل تحولًا جوهريًا في فهم بنية الجزيئات وسلوكها.
في الظاهر، تبدو الجزيئات كيانات ثابتة، أشكالًا جامدة مرسومة في الكتب. لكن هاسل كان من الذين ساعدوا العالم على إدراك حقيقة مختلفة: أن الجزيئات تتحرك، تنثني، وتتخذ أوضاعًا متغيرة، وأن هذا التغير ليس تفصيلًا عابرًا، بل مفتاح لفهم الكيمياء نفسها.
وهنا تبدأ سيرة أود هاسل؛ لا كسيرة رجل فقط، بل كسيرة فكرة غيّرت العلم.
البدايات: من أوسلو إلى برلين
وُلد أود هاسل في 17 مايو 1897 في كريستيانية، الاسم القديم لمدينة أوسلو في Norway. نشأ في بيئة أوروبية كانت تعيش ذروة التحول العلمي في بدايات القرن العشرين، حيث بدأت الفيزياء والكيمياء تعيدان تعريف العالم على مستوى الذرة.
التحق بـ University of Oslo عام 1915، وهناك درس الكيمياء والفيزياء في فترة كانت الكيمياء البنيوية ما تزال في طور التأسيس النظري.
لكن المحطة الفاصلة جاءت في عام 1922، حين سافر إلى ألمانيا، التي كانت آنذاك قلب البحث الكيميائي الأوروبي. عمل في مختبر العالم الهولندي كازيمير فيانس، ثم انتقل إلى Kaiser Wilhelm Institute في برلين.
في تلك البيئة، بدأ احتكاكه الحقيقي بالمناهج الحديثة في دراسة البنية الجزيئية.
حصل على الدكتوراه عام 1924، ثم عاد إلى النرويج بعد عام واحد، ليبدأ رحلته الطويلة في التدريس والبحث في جامعة أوسلو.
الكيمياء قبل هاسل: الجزيء بوصفه شكلًا ثابتًا
لفهم سبب فوز أود هاسل بجائزة نوبل، يجب أولًا فهم المشهد العلمي قبله.
حتى بدايات القرن العشرين، كان تصور الكيميائيين للبنية الجزيئية يعتمد غالبًا على الرسوم المسطحة أو النماذج الثابتة. كانت الروابط معروفة، والزوايا مقدرة، لكن فكرة أن الجزيء يمكن أن يغيّر شكله باستمرار لم تكن قد نضجت بالكامل.
كانت هناك إشارات مبكرة من علماء مثل Jacobus Henricus van ‘t Hoff، لكن ما كان ناقصًا هو الإثبات الدقيق، والتفسير العملي.
هنا ظهر هاسل.
اللحظة التي صنعت مكانته
ركز هاسل على مركبات حلقية، خصوصًا السيكلوهكسان (Cyclohexane)، وهو مركب بسيط ظاهريًا، لكنه معقد هندسيًا.
السؤال الذي شغله كان:
كيف تتوزع الذرات في الفراغ داخل الحلقة؟
باستخدام تقنيات حيود الإلكترونات، وهي من أكثر الأدوات تطورًا في عصره، استطاع أن يثبت أن السيكلوهكسان لا يكون مسطحًا، بل يتخذ أشكالًا فراغية متعددة، أهمها الشكل المعروف باسم “الكرسي” (Chair conformation).
هذا الاكتشاف بدا صغيرًا لغير المتخصصين، لكنه غيّر الكيمياء العضوية بالكامل.
لأن شكل الجزيء يحدد:
- استقراره
- تفاعله
- سرعته
- نواتجه
وهذا هو جوهر التحليل الشكلي.
التحليل الشكلي: الإنجاز الذي قاد إلى نوبل
يُعد تطوير Conformation Analysis أهم إنجازات أود هاسل في الكيمياء.
الفكرة الأساسية بسيطة في ظاهرها:
الجزيء ليس صورة ثابتة، بل كيان ديناميكي.
لكن هذه الفكرة فتحت أبوابًا هائلة.
قبل هاسل، كان الكيميائيون يفهمون التركيب الكيميائي من خلال “من يرتبط بمن”.
بعد هاسل، صار السؤال: “كيف يرتبط؟ وفي أي وضع؟”
هذا التحول أنتج علمًا جديدًا تقريبًا داخل الكيمياء العضوية.
بحسب مؤسسة نوبل، فإن هذا العمل أسهم في تفسير سلوك آلاف المركبات العضوية، من السكريات إلى الستيرويدات.
السيكلوهكسان: المعمل الصغير للفكرة الكبرى
من بين أهم أعمال أود هاسل، يظل بحثه حول السيكلوهكسان الأكثر تأثيرًا.
قد يبدو غريبًا أن مركبًا بهذه البساطة صار أساس جائزة نوبل، لكن العلم كثيرًا ما يغيّر العالم عبر أشياء صغيرة.
أثبت هاسل أن الشكل “الكرسي” أكثر استقرارًا من الشكل “القارب” (Boat form)، بسبب تقليل التنافر بين الذرات.
هذا الفهم لم يكن نظريًا فقط.
بل أصبح أساسًا في:
- تصميم الأدوية
- فهم التفاعلات الحيوية
- تطوير الكيمياء الصناعية
كل هذه التطبيقات الحديثة تقف جزئيًا على هذا الأساس.
التحديات: الحرب والعزلة العلمية
لم تكن حياة هاسل مستقرة بالكامل.
خلال الاحتلال النازي للنرويج في الحرب العالمية الثانية، اعتُقل عام 1943 بسبب موقفه المعارض للاحتلال.
وبقي أسيرًا حتى نوفمبر 1944.
هذه التجربة قطعت عمله العلمي مؤقتًا، لكنها لم توقفه.
عاد بعد الحرب إلى أوسلو، وأكمل أبحاثه، وواصل بناء مدرسة علمية نرويجية قوية في الكيمياء الفيزيائية.
هنا تظهر قيمة أخرى في إنجازات أود هاسل في الكيمياء: أنها لم تُبنَ في مراكز القوة الكبرى فقط، بل من جامعة في بلد صغير نسبيًا في المشهد العلمي العالمي.
من بنى على عمله؟
الإرث الحقيقي لأي عالم يظهر فيمن جاء بعده.
وهنا يبدو أثر هاسل واضحًا جدًا.
العالم الأمريكي Derek Barton، الذي شاركه جائزة نوبل عام 1969، أخذ التحليل الشكلي إلى مستوى أوسع بكثير.
بارتون استخدم أفكار هاسل لفهم تفاعلات أكثر تعقيدًا في الكيمياء العضوية، خصوصًا الستيرويدات.
هذا تأثير مباشر.
أما التأثير غير المباشر، فيظهر في مجالات مثل:
- الكيمياء الدوائية
- الكيمياء الحيوية
- تصميم الجزيئات الحيوية
- النمذجة الجزيئية الحاسوبية
حتى اليوم، تعتمد برامج المحاكاة الجزيئية على المبادئ التي ساعد هاسل في ترسيخها.
لماذا كان هذا الإنجاز استثنائيًا؟
لأن هاسل لم يكتفِ بوصف الجزيئات.
بل غيّر طريقة التفكير فيها.
هناك فرق عميق بين أن تعرف البنية، وأن تفهم الحركة داخلها.
هذا ما فعله.
لقد نقل الكيمياء من رسم ثابت إلى تصور حي.
وهذا الانتقال يشبه، في قيمته الفكرية، انتقال الفلك من تصور مدارات مثالية جامدة إلى فهم ديناميكي للحركة.
الاستقبال العلمي
لم يكن استقبال أفكار هاسل فوريًا.
كثير من التحولات العلمية تحتاج وقتًا لتترسخ.
في البداية، بدت أفكاره تقنية ومحدودة التطبيق.
لكن مع توسع الكيمياء العضوية بعد الحرب العالمية الثانية، صار واضحًا أن التحليل الشكلي ليس مجرد فرع صغير، بل لغة كاملة لفهم التفاعلات.
بحلول الستينيات، أصبح تأثيره واسعًا بما يكفي ليُتوَّج بجائزة نوبل.
الإرث المفتوح
توفي أود هاسل في 11 مايو 1981 في أوسلو.
لكن موته لم يغلق أثره.
كل مرة يدرس فيها طالب كيمياء الشكل الفراغي لجزيء، فهو يمر بطريقة أو بأخرى عبر أفكار هاسل.
كل مرة يُصمم فيها دواء بناءً على الشكل الفراغي للمركب، هناك خيط تاريخي يعود إليه.
هذه هي طبيعة الإرث العلمي الحقيقي:
لا يعيش في التماثيل أو الاحتفالات، بل في الأفكار التي تواصل العمل بعد أصحابها.
وهذا ما يجعل سيرة أود هاسل ليست مجرد سيرة عالم نال جائزة نوبل، بل سيرة رجل غيّر الطريقة التي ترى بها الكيمياء العالم الخفي للمادة.
ربما لم يكن اسمه مشهورًا خارج المختبرات، لكن أثره يسكن في كل مختبر حديث.
وهذه، في النهاية، هي أكثر صور الخلود هدوءًا.



