الضحية.. رسالة وداع تمزّق قلب أرمان وتبدّد أحلام الحب والسعادة

جاء «آرمان» في صباح اليوم الرابع، فوجدها طريحة فراشها، وفي عينيها حمرة البكاء والسهر، فارتاع لمنظرها، وقال لها:
«لعلك سهرتِ بالأمس كثيرًا يا سيدتي، أو بكيتِ، فإني أرى في عينيك أثرًا لأحد الأمرين».
قالت: «بل هما معًا يا آرمان».
قال: «وهل حدث شيء جديد؟».
قالت: «اجلس بجانبي قليلًا، أيها الصديق، أحدثك حديثًا قصيرًا، وربما كان آخر حديث بيني وبينك، ثم لا أراك بعد ذلك ولا تراني».
فذُعر ذعرًا شديدًا، وداخله من الرعب والهول ما ملك عليه عقله ولسانه، فلم يستطع أن يقول شيئًا، وسقط بجانبها واهيًا متضعضعًا، وظل ينظر إلى وجهها نظر المتهم إلى وجه قاضيه ساعة النطق بالحكم.
فأقبلت عليه تحدثه قائلة:
«عرفتك يا آرمان، فعرفت فيك الرجل الكريم الذي أحبني لنفسي أكثر مما أحبني لنفسه، والصديق الوفي الذي امتزجت في قلبه عاطفة الحب بعاطفة الرحمة والحنان؛ فآوى إلى مريضة حينما جفاني الناس المرضى، وعاش معي بلا أمل حينما انقطع الناس عني لانقطاع أملهم مني. فأضمرت لك في قلبي من الحب والاحترام ما لم أضمره لأحد سواك، وسعدت بك سعادة لم أشعر بمثلها في يوم من أيام حياتي.
ولكن الله الذي كتب لي الشقاء في لوح مقاديره، من ضجعة المهد إلى رقدة اللحد، لم يشأ أن يمتعني طويلًا بهذه السعادة، وأبى إلا أن يسلبني إياها وشيكًا؛ فقد أصبحت أشعر منذ أيام أن تلك العاطفة الشريفة المقدسة التي كنت أستمد منها سعادتي وهنائي قد أخذت تستحيل في أعماق قلبي إلى عاطفة أخرى غيرها، لا أريدها لنفسي، ولا أرى إلا أنها ستكون سبب شقائي وبلائي.
فخادعت نفسي عنها حينًا، أكذّبها مرة وأصدّقها أخرى، حتى كان ما كان من انقطاعك عني تلك الأيام الثلاثة، فشعرت لغيابك بحزن أقلقني وأمضّني، وملك عليّ جميع عواطفي ومشاعري. ولو شئت أن أقول لقلت إنه أبكاني كثيرًا، وأسهرني طويلًا.
فعلمت، وا أسفاه، أنني قد أصبحت عاشقة، وأن هذا الذي يختلج في قلبي، ويقيمني ويقعدني، إنما هو الحب والغرام. فقضيت ليلة الأمس كلها أفكر في طريق الخلاص من هذه النكبة العظمى التي نزلت بي، فلم أجد أحدًا يخلصني منها سواك.
فأنا أسألك يا آرمان، باسم الصداقة والود الذي تعاقدنا عليه بالأمس، بل باسم الدموع التي طالما كنت تسكبها رحمة بي وإشفاقًا عليّ، أن تنقطع عن زيارتي منذ اليوم، وأن تسافر إلى أهلك الليلة إن استطعت، ثم لا تعد إليّ بعد ذلك، فأحمل نفسي على الصبر عنك حتى يمنّ الله عليّ براحة اليأس منك!».
ثم نظرت إليه لترى ما يقول، فإذا هو جامد مصفرّ الوجه، كأن وجهه وجه تمثال منحوت، وإذا عيناه شاخصتان إليها شخوص العين القائمة التي تنظر إلى الشيء ولا تراه. وبعد لأيٍ، استطاع أن يحرك شفتيه ويقول لها بصوت خافت كصوت الضمير:
«وما يخيفك من الحب يا مرغريت؟».
قالت:
«يخيفني منه العقاب الأليم الذي أتوقع أن يعاقبني به الله على ما اقترفت من الذنوب والآثام في فاتحة حياتي. فقد كتب الله لنا، معشر النساء الساقطات، في لوح مقاديره، ألا نزال نعبث بقلوب الرجال وعقولهم، ونبتليهم بصنوف العذاب وأنواع الآلام، حتى يغضب الله لهم ويغار عليهم، فيبتلينا بحب نحمل فيه من العذاب جميع ما حملناه للناس من قبل، ونشقى فيه شقاءً لا ينتهي إلا بانتهاء حياتنا، فنموت بين يدي أنفسنا مهملات مغفلات، لا ينعانا ناعٍ، ولا يبكي علينا باكٍ. فهذا الذي أخافه وأخشاه، وأحب أن يسبق أجلي قبل أن أراه.
أنا لا أتهمك بالخيانة والغدر يا آرمان، فأنت أجلّ من ذلك عندي، ولكني أعلم أنك باقٍ في هذا البلد إلى أجل، فإذا انقضى الأجل سافرت إلى أهلك سفرًا لا تملك بعده العودة إليّ. فإن أبيت إلا البقاء بجانبي، حال أهلك بينك وبين ذلك؛ لأنهم قوم شرفاء يضنّون بك وبشرفك أن تلوّثهما امرأة مومس بعارها وشنارها، فلا تجد لك بدًّا من الخضوع لهم والنزول على حكمهم.
وهنالك أقف موقف الحيرة واللوعة، أطلب السبيل إليك فلا أجدك، وأحاول السلوّ عنك فلا أستطيعه. وربما حاولت بعد ذلك العودة إلى كنف ذلك الشيخ الكريم الذي أحسن إليّ إحسانًا كبيرًا، فطردني من بين يديه عقابًا لي على خيانة عهده وكفر نعمته، فلا أجد لي بدًّا من الرجوع إلى حياتي الأولى؛ حياة الشرور والآثام، والهموم والآلام، التي أبغضها بغض الأرض للدم. وهنالك العذاب الدائم والشقاء الطويل.
إني أعلم يا آرمان أنك تحبني حبًّا جمًّا، وأنك ستكابد في ابتعادك عني عذابًا كثيرًا، ولكني أعلم أن لك قلبًا شريفًا يحتمل العذاب في سبيل الرحمة. فاحتمل هذا العذاب من أجلي، فإنك أقدر مني على احتمال الآلام والأوجاع.
وسأدعو الله تعالى ليلي ونهاري أن يمنحني الصبر عنك، ويرزقني راحة النفس وسكونها من بعدك، وأن يمنحك من ذلك مثل ما يمنحني، فلعله يرحمنا جميعًا».
فلم يكن له جواب على كلمتها هذه سوى أن نهض من مكانه متضعضعًا متهالكًا، ومشى إلى باب القاعة يسوق نفسه سوقًا حتى بلغه، فوقف على عتبته، والتفت إلى «مرغريت»، وألقى عليها تلك النظرة التي يلقيها المحتضر على أهله في آخر لحظات حياته، وقال لها: «الوداع يا مرغريت»، ومضى.
فما غاب شخصه عن عينيها حتى نهضت من فراشها هائمة مختبلة، واندفعت إلى الباب تريد اللحاق به، ثم تراجعت، ثم حاولت ذلك مرة أخرى، فأدركها رشدها وأَناتُها، فعادت إلى فراشها تبكي وتنتحب، وتعول إعوالًا شديدًا، وتدور في أنحاء الغرفة دوران الثكلى المفجوعة، وهي تصيح: «أرجعوه إليَّ، لا أستطيع فراقه، سأموت من بعده!».
وإنها لكذلك، إذ سمعت صرخة عظيمة آتية من ناحية الحديقة، فخرجت تعدو إلى حيث سمعت الصوت، حتى بلغت باب المنزل، فرأت «أرمان» ساقطًا تحت عتبته مغشيًّا عليه، فرفعت طرفها إلى السماء وقالت: «ليكن ما أراد الله». ثم ألقت نفسها عليه، ولثمت ثغره لثمة هي أول لثمة ذاقت فيها لذة العيش في حياتها، فشعر بها «أرمان»، فاستفاق وضمها إلى صدره ضمةً لو مات على أثرها، لما بكى على شيء من نعيم الدنيا وهنائها!
انقضى الشتاء، فانقضى بانقضائه شقاء «مرغريت» وعناءها، فقد أبلَّت من مرضها، وأصبحت سعيدة بحبها، فلم يبقَ أمامها إلا أن تبلغ من تلك السعادة منتهاها. فاقترحت على «أرمان» أن يتركا باريس وضوضاءها ومزدحم الحياة فيها، وينتقلا إلى مصيف يختارانه لأنفسهما في بعض الأماكن الخالية. فقبل مقترحها، وسافرا معًا يفتشان عن المكان الذي يريدانه، حتى بلغا قرية «بوجيفال»، وهي ضاحية من ضواحي باريس، على بُعد ساعتين منها. فوجدا في بعض رياضها منزلًا صغيرًا منفردًا، واقعًا على رأس هضبة عالية في سفح جبل مخضر، تجري من تحته بحيرة صافية بديعة، كأنما بناه بانيه لهما، فاكترياه، ونقلت «مرغريت» إليه من منزلها في باريس بعض ما يحتاجان إليه من أثاث ومتاع.
ثم عاشا فيه بعد ذلك عيشًا ناعمًا هنيئًا، لا تضطرب في سمائه غيمة، ولا تمر بصفحته غبرة، ولا يكدر عليهما صفو حياتهما مكثرٌ من خواطر الشقاء ووساوسه. فكانا يقضيان نهارهما صاعدين إلى قمة الجبل، أو منحدرين إلى سفحه، أو راكبين زورقًا صغيرًا يسبح بهما على صفحة البحيرة جيئةً وذهابًا، أو جالسين تحت شجرة فرعاء تظللهما من لفحات الهجير وتضمهما إليها كما تضم ثمارها، أو مضطجعين على بساط من العشب الممتد في تلك البطحاء الفسيحة، يتناجيان ويلهوان بمنظر الجمال الماثل في الشاطئ والأمواه والأخاديد والوديان والغابات والحرجات، والكهوف والأغوار والغيوم والسحب والأضواء في تشكلها وتلونها، والظلال في تحولها وانتقالها، وفي رؤوس الجبال اللاصقة بجلدة السماء كأنها بعض سحبها، وفي قطع الصخور المبعثرة على جوانب الغدران كأنها بعض أمواجها، وفي تلك المعركة التي تدور كل يوم مرتين بين جيشي الأنوار والظلمات؛ فينتصر في صدر النهار أولهما، ثم تدال في آخره ثانيهما.
حتى إذا جاء الليل، عادا إلى منزلهما، فنعما فيه بألوان النعيم وضروبه، ورشفا من كل ثغر من ثغور السعادة رشفةً تسري حلاوتها في قلبيهما حتى تصيب صميمهما.
مرَّ بهما على ذلك عام كامل، هو كل ما استطاعا أن يختلساه من يد الدهر في غفلته، ثم انتبه لهما بعد ذلك. وويل للسعداء من انتباهه بعد إغفائه! فقد نضب، أو أوشك أن ينضب، ما كان في يد «أرمان» من المال، وكان في يده الكثير منه. فكتب إلى أبيه يطلب إليه أن يبعث إليه بما يستعين به على البقاء في باريس مدة أخرى، زاعمًا أنه لا يزال مريضًا متألمًا لا يستطيع السفر. وكذلك كان يفعل من حين إلى حين، فلم يأته الرد، فأقلقه ذلك قلقًا شديدًا، وظل يختلف إلى المدينة كل يوم، يسأل في فندق «تورين»، الذي كان ينزل به قبل اتصاله بـ«مرغريت»، عن الكتاب الذي ينتظره، فلا يجده، فيعود حزينًا منقبضًا. حتى إذا وصل إلى «بوجيفال»، ورأى «مرغريت» بين يديه، أطلق وجهه وابتسم، كأنه لا يضمر في نفسه همًّا قاتلًا.
ولكن عين «مرغريت» كانت أقدر من أن يعجزها النفاذ إلى أعماق قلبه، فاكتنهت سرَّه، فكاشفته به وقالت: «لا يحزنك شأن المال يا أرمان، فإن عندي منه ما يكفينا لنعيش معًا سنين طوالًا».
ولم تكن صادقة فيما تقول؛ لأن الدوق قاطعها ومنع عنها رفده بعدما عرف قصتها مع «أرمان»، وعلم أنها خانته وخانت عهده. بل كانت مدينة بمال كثير لبعض تجار الجواهر والثياب، حتى أصبح دائنوها يتقاضونها ديونهم بعدما علموا أن الدوق قاطعها ونفض يده منها.
ولكنها خاطرت بكلمتها مخاطرةً لم تفكر في عاقبتها، فأكبر «أرمان» ذلك وأعظمه، وأنف منه أنفةً شديدة، وأبى أن يعيش معها بمال غير ماله، وعزم على أن يسافر إلى «نيس» ليأتي منها بالمال الذي يريده. فأزعجها عزمه هذا إزعاجًا شديدًا، وخافت عاقبته، فجثت بين يديه تستعطفه وتسترحمه، وتبذل في ضراعتها ورجائها في سبيل بقائه أكثر مما بذلت قبل اليوم في سبيل رحيله، حتى أذعن واستكان، ورضي بما لم يكن ليرضى به من قبل.
ولولا لهفة الحب وضراعة الدموع، لما رضي بمثلها. وقد أضمر في نفسه أن يتنازل لها عن نصيبه في الميراث الذي ورثه من أمه، مكافأةً لها ووفاءً بحقها. فلم يكن أمام «مرغريت» بعد ذلك بدٌّ من أن تمد يدها إلى جواهرها وذخائرها، فأنشأت تبيع القطعة بعد القطعة لتسد بعض ديونها، وتقوم بنفقة بيتها، من حيث لا يعلم «أرمان». واستمرّا على ذلك بضعة أشهر، حتى دخل عليهما، في يوم من الأيام، وفي أثناء ساعات أنسهما وصفائهما، خادمُ فندق «تورين»، الذي كان ينزل به «أرمان» في باريس، وقال له إن والده قد وصل الساعة إلى الفندق، وإنه ينتظره هناك.
قال «دوفال» لولده:
«لقد كذبت عليَّ كثيرًا يا أرمان، وما كنت قبل اليوم كذابًا ولا خادعًا، ورضيت لنفسك بحياة كنت أضنّ الناس بنفسك على مثلها من قبل، ومزقت بيدك ذلك القناع الجميل من الحياء الذي لا يزال مُسبلًا على وجهك، وأصبحت تتبذل في العيش مع امرأة عاهرة، كل ما لها من الشأن عند نفسها وعند الناس جميعًا أنها نفاية من نفايات الرجال، وفضلة من فضلات الفساق، وفتات المائدة العامة التي يجلس عليها الناس جميعًا صباحهم ومساءهم. فحسبك هذا، وقم الساعة لتُعِدَّ نفسك للسفر معي إلى «نيس»، فلست بتاركك بعد اليوم في هذا البلد ساعة واحدة».
فرفع «أرمان» رأسه إلى أبيه وقال له بصوت هادئ مطمئن:
«لا أستطيع يا أبتاه!».
فنظر إليه أبوه نظرة شزراء، وقال له:
«وتلك سيئة أخرى، فقد أصبحت لا تعبأ بي، ولا تبالي بمخالفة أمري من أجل امرأة ساقطة، لا شأن لها معك إلا أن تعبث بعقلك، وتسلبك مالك وشرفك، وتفسد عليك حاضرك ومستقبلك».
قال «أرمان»:
«لا يا أبتاه، إنها ليست بعابثة ولا خادعة، ولكنها تحبني حبًّا جمًّا لم يحبّه أحدٌ أحدًا من قبل، وأحسب أني إن فارقتها قتلتها، وجنيت عليها جناية لا يفارقني الندم عليها حتى الموت».
قال أبوه:
«ذلك ما يخدع به أمثالها أمثالك، فليس للنساء العاهرات قلوب يحببن بها، بل لهن ألسن يختلن بها الرجال، ويسدلنها حجبًا بين بعضهم وبعض، حتى يظن كل واحد منهم أنه الأثير عندها، وصاحب الحظوة لديها من دون أصحابه جميعًا».
قال «أرمان»:
«ربما كان ذلك شأنها قبل اليوم، أما اليوم فهي لا تحب أحدًا غيري، بل لا تعرف أحدًا سواي. فهي تعيش عيشة تشبه عيشة النساء الشريفات، بل أشرف من عيشة الكثيرات منهن؛ لأن الخليلة التي تخلص لخليلها أشرف من الزوجة التي تخون زوجها. وأخشى إن فارقتها أن تثور في نفسها ثورة اليأس، فتردها إلى تلك الحياة الأولى؛ حياة الشر والفساد والشقاء والعذاب، بعدما استنقذت نفسها!».
قال أبوه:
«وهل ترى أن وظيفة الرجل الشريف في هذه الحياة إصلاح النساء الفاسدات؟».
قال «أرمان»:
«ذلك خير له من أن تكون وظيفته إفسادهن؛ فإن الأشراف في هذا العصر يفخرون بإفساد النساء الصالحات، واستدراجهن إلى مواطن الفسق والفجور، وإصلاح المرأة الفاسدة أدنى إلى الشرف من إفساد المرأة الصالحة».
قال أبوه:
«لقد أصبحت كثير الرحمة يا أرمان!».
قال «أرمان»:
«ولمَ لا أرحم فتاة مريضة مسكينة، ليس لها في الناس من يعولها من ذي قرابة أو ذي رحم؟ وقد نزل داؤها من صدرها منزلة لا يبرحها ولا يتحلل عنها، إلا أن يهدأ عنها حينًا ويستيقظ أحيانًا، فهي تكابد الألم مرة، والخوف من الألم مرة أخرى. ولا عزاء لها في حالتيها إلا هذه السعادة التي تتوهمها في الحب، وترى أنها ناعمة بها؛ فإن فقدتها فقدت كل شيء في الحياة، وعظم حزنها وبؤسها، وثقلت وطأة الداء عليها حتى كادت تأتي على البقية الباقية من حياتها.
فدعني معها يا أبتاه عامًا آخر أو عامين، أهوّن عليها فيهما شقاءها، فربما كان ذلك آخر ما قُدّر لها أن تقضيه من أيامها في هذا العالم. ثم أعود بعد ذلك إليك هادئ القلب، ساكن الضمير، راضيًا عن نفسي وعن عملي، أبكيها بدموع الحزن لا بدموع الندم. ويهوّن وجدي عليها كلما ذكرتها أنني لم أخنها، ولم أغدر بعهدها».
فأطرق «دوفال» هنيهة، كأنما يعالج في نفسه همًّا معتلجًا، ثم رفع رأسه، ونظر إلى ولده نظرة تشبه نظرة العطف والرحمة، وقال له:
«لا أستطيع أن أسافر بدونك يا بني، فحسبي ما كابدت من الألم لفراقك قبل اليوم. وقد تركت أختك ورائي تندبك وتبكي عليك صباحها ومساءها، وتحن إلى لقائك حنين الظامئ إلى الورود.
واعلم أن جميع ما تعتذر به عن نفسك في هذا الشأن لا يغني عنك ولا عني شيئًا يوم يقول الناس كلمتهم التي لا بد أن يقولوها غدًا، وربما قال كثير منهم قبل اليوم إن «أرمان دوفال»، سليل آل تاليراند، يعيش مع امرأة مومس في بيت واحد.
فعد إلى نفسك يا بني، واستلهم الله الرشد يلهمك، ولا تجعل لهواك سبيلًا على عقلك، ودع هذه الحياة الساقطة التي يحياها من ليست له همة مثل همتك، ولا مجد ولا بيت مثل مجدك وبيتك.
وإني تاركك الآن وحدك، وذاهب عنك لبعض شأني، لتخلو بنفسك ساعة تسترد فيها ما عزَب عنك من صوابك، ثم أعود إليك بعد قليل لأسمع منك الكلمة التي أرجو أن تكون شفاء نفسي وريَّ غلتي».
ثم تركه ونزل، فمشى إلى مقهى قريبة من الفندق، فكتب فيها لبعض الناس كتابًا خاصًّا، ثم طاف ببعض أصدقائه الذين يعرفهم في باريس، فزارهم زيارة طويلة.
وقال «أرمان»: «أريد الذهاب إلى «مرغريت» لأبشرها بهذا النبأ، وأمسح عن فؤادها ما ألمَّ به من الروع منذ الأمس».
فانتفض أبوه انتفاضة خفيفة لم يشعر بها «أرمان»، ثم أدار وجهه ليغالب دمعة كانت تترقرق في عينيه.
ثم التفت إليه وقال: «ابقَ معي يا بني، فربما سافرت غدًا، ولا أعلم بعد ذلك متى أراك».
فبقي معه اليوم كله حتى جاء الليل، فاستأذنه في الذهاب إلى «بوجيفال»، فأذن له، فحيَّاه وخرج. وأتبعه أبوه بنظره حتى غاب عن عينيه، فانحدرت من جفنه تلك الدمعة التي كان يحبسها من قبل، وقال: «وا رحمتاه لك، أيها الولد المسكين!».
حمل «أرمان» بين جنبيه آماله وآمال «مرغريت»، وسعادتهما التي يرجوانها في مستقبل حياتهما، وطار بها إليها ليقاسمها إياها. حتى إذا دنا من «بوجيفال»، أدهشه أن رأى البيت مظلمًا ساكنًا، لا يضطرب فيه شعاع، ولا يتراءى فيه ظل. فمشى إلى الباب فرآه مُرتجًّا، فوضع أذنه على خصاصه، فلم يسمع حركة، فأخذ يقرعه قرعًا شديدًا، ويهتف باسم «مرغريت» مرة، وباسم «برودنس» أخرى، فلم يجبه أحد.
فقال في نفسه: «لعلها ذهبت إلى بيتها في باريس لبعض شأنها، واستصحبت خادمتها، ولا بد أن تعود الآن».
فجلس على صخرة أمام باب المنزل ينتظرها، حتى مضت هدأة من الليل ولم تعد. فحدثته نفسه بالعودة إلى باريس للبحث عنها في مظان وجودها، ثم منعه من ذلك خوفه أن يسلك في ذهابه طريقًا غير الطريق التي تسلكها في عودتها. فاستمر في مكانه، يقعد مرة ويقوم أخرى، ويقف حينًا ويتمشى أحيانًا، ويحدث نفسه بكل حديث يمر بخاطر القلق المرتاع، إلا حديث خيانتها وغدرها.
ولم يزل في حيرته واضطرابه حتى رأى جذوة الفجر تدب في فحمة الظلام، فساء ظنه، وانتشرت في نفسه وساوسه وأوهامه، وقال في نفسه: «لا بد أن يكون لـ«مرغريت» شأن شغلها، ولا بد لي من المسير إليها والنظر في الأمر».
وكان القلق والسهر قد أخذا مأخذهما من جسمه ونفسه من حيث لا يشعر، فمشى في طريقه إلى باريس يترنح ترنح الشارب الثمل، حتى وصل إلى منزل «مرغريت» وقد علا صدر النهار.
فرأى حارس المنزل قد استيقظ من نومه، ووقف بفأسه عند شجرة في الحديقة يشذب أغصانها، فسأله عن «مرغريت»، فقال:
«إنها حضرت هنا بالأمس في منصرف النهار، ووراءها خادمتها تحمل حقيبة كبيرة. فصعدت إلى المنزل، فلبثت فيه ساعة، ثم نزلت وقد لبست ثوبًا من أثواب الولائم، فأعطتني كتابًا، وقالت لي: إذا جاء هنا المسيو «أرمان» للسؤال عني، فأعطه إياه. ثم ركبت عربتها هي وخادمتها وانصرفت».
قال «أرمان»: «ألا تعلم أين ذهبت؟».
قال: «أحسب أني سمعتها تقول للحوذي، عند ركوبها، إنها ذاهبة إلى منزل المركيز جان فيليب».
فجمد «أرمان» في مكانه جمود الصنم، واستحال لونه إلى صفرة الموت. ومرَّ بخاطره، مرور البرق، ذلك الكتاب الذي رآه في يدها بعد عودته إليها من مقابلة أبيه. فتركه الحارس مكانه، وذهب إلى غرفته، ثم عاد إليه بالكتاب.
فتناوله منه بيد مرتجفة، ونشره، وأمر نظره عليه إمرارًا، فأحاط بما فيه من النظرة الأولى. فارتعد جسمه ارتعادًا شديدًا، وتراجع خطوة أو خطوتين إلى باب القصر، فأسند ظهره إليه وأعاد قراءة الكتاب، فإذا هو مشتمل على هذه الكلمات:
«هذا آخر ما بيني وبينك يا «أرمان»، فلا تحدث نفسك بمعاودة الاتصال بي، ولا تسألني عن السبب في ذلك، فلا سبب عندي إلا أني هكذا أردت لنفسي.
والسلام».
فعلَّق نظره بالكتاب ساعة، لا يرفع طرفه عنه، ولا يقرأ منه حرفًا، كأنما هو تمثال من تماثيل الحديقة. وكان الحارس قد عاد إلى شجرته يشذب أغصانها، ويتغنى في صعوده إليها وانحداره عنها بقطعة من الشعر الغرامي، يعجبه لحنها وإن كان لا يفهم معناها.
فبينما هو كذلك، إذ سمع صوت جسم ثقيل قد سقط على الأرض، فرمى بفأسه وهرع إلى ناحية الصوت، فرأى «أرمان» صريعًا معفَّرًا تحت عتبة الباب. ففزع فزعًا شديدًا، وظنها الصرعة الكبرى، فأهوى بأذنه إلى صدره، فسمع ما بقي من دقات قلبه، فاطمأن قلبه.
وعمد إلى جرة بين يديه، فأخذ ينضح بمائها وجهه، ويدلك براحة يده صدره وصدغيه، حتى استفاق بعد قليل. ففتح عينيه، فرأى الحارس جالسًا بجانبه، ورأى الكتاب لا يزال في يده.
فدار بعينيه حول نفسه، فمرت بخاطره في الحال ذكرى مصرعه القديم في هذا المكان عينه، منذ خمسة عشر شهرًا، يوم ألقت «مرغريت» بنفسها عليه، ورسمت على ثغره أول قبلة من قبلات الحب.
فهاجته تلك الذكرى، وصاح: «ما أبعد اليوم من الأمس!».
وأنشأ يبكي بكاء الطفل الذي حيل بينه وبين ثدي أمه، حتى بكى الحارس لبكائه، وأقبل عليه يعزيه عن مصابه، ويهوِّن عليه الأمر، حتى هدأ قليلًا.
ثم أمره أن يستدعي له عربة، ففعل. فقام «أرمان» متوكئًا على يد الحارس حتى بلغها، فركب وقال للسائق: «إلى فندق تورين».



