القط الذي لم يستطع النوم دون سماع التشيلو

كان جورش يعزف على آلة التشيلو، لكن القط لم يبدُ راضيًا عن أدائه، وظل يعلّق على عزفه ويقاطعه، حتى ضاق به ذرعًا.
تجهّم جورش مرة أخرى، ثم مزّق منديله إلى قطع صغيرة وسدّ به أذنيه، وأخذ يعزف بقوة مقطوعة تُدعى «صيد النمور في الهند».
ظل القط يستمع برأسٍ منكّس لبعض الوقت، لكنه فجأة رمش بعينيه سريعًا وقفز نحو الباب. ارتطم جسده به، لكنه لم ينفتح. عندها أصابته حالة من الهيجان الشديد، فبدا الشرر يتطاير من عينيه وجبهته، ثم من شاربيه وأنفه، الذي أخذ يرتجف كأنه على وشك العطاس. وأخذ يركض في أنحاء الغرفة، غير قادر على البقاء ساكنًا.
سرّ جورش بما أحدثه عزفه من أثر، فأخذ يعزف بقوة أكبر.
قال القط متوسلًا: «سيد جورش، هذا يكفي… شكرًا لك، يكفي. أتوسل إليك أن تتوقف. أعدك بألا أخبرك مرة أخرى بما ينبغي عليك فعله.»
أجاب جورش: «اهدأ! لقد وصلنا لتوِّنا إلى الجزء الذي يصطادون فيه النمر.»
عندها أخذ القط يقفز صعودًا وهبوطًا من شدة الألم، ثم اندفع يعدو بمحاذاة جدران الغرفة، حتى كان احتكاكه بها يُحدث وميضًا أخضر قصيرًا. وفي النهاية أخذ يدور حول نفسه بسرعة كبيرة.
بدأ رأس جورش يدور قليلًا من شدة العزف، فقال: «حسنًا… سأتركك الآن.»
ثم توقف عن العزف أخيرًا.
أجبر القط نفسه على أن يبدو هادئًا، وقال: «سيد جورش، هناك شيء مختلف في عزفك هذه الليلة، أليس كذلك؟»
شعر جورش بالانزعاج مرة أخرى، لكنه، من غير اهتمام، أخرج سيجارة ووضعها في فمه، ثم تناول عود ثقاب وقال:
«وأنت؟ هل أنت متأكد أنك بخير؟ دعني ألقِ نظرة على لسانك.»
أخرج القط لسانه الطويل المدبب في شيء من التردد.
قال جورش: «آها… أخشى أنه يبدو خشنًا بعض الشيء.»
وفجأة أشعل عود الثقاب فوق لسان القط، ثم أشعل به سيجارته.
كان المشهد صادمًا للقط إلى درجة لا تكفي معها كلمة «مصدوم» لوصف حاله؛ إذ أخذ يركض وهو يلوّح بلسانه كأنه طاحونة هواء، مندفعًا نحو الباب. ارتطم به، ثم ترنح، وعاد فاصطدم به مرة أخرى، ثم كرر ذلك مرات عدة، وهو يحاول يائسًا الفرار.
ظل جورش يراقبه مستمتعًا لبعض الوقت، ثم قال:
«سأدعك تخرج، لكن تذكر ألا تعود مرة أخرى، أيها الغبي!»
فتح الباب، فانطلق القط كالبرق عبر عشب البامباس.
ابتسم جورش ابتسامة خفيفة وهو يراقبه يبتعد، ثم عاد إلى سريره، ونام هادئًا، وكأن حملًا ثقيلًا قد انزاح عن كاهله.
في مساء اليوم التالي، عاد جورش إلى منزله، يحمل على ظهره ذلك الشيء الأسود نفسه. وبعد أن شرب كمية كبيرة من الماء، أمسك بآلة التشيلو، وبدأ يعزف عليها، كما اعتاد، حتى تجاوز الوقت منتصف الليل.
مرت الساعة الثانية عشرة، ثم الواحدة، ثم الثانية، وما زال غارقًا في عزفه، حتى كاد ينسى مرور الوقت، بل وينسى أنه يعزف أصلًا.
وفجأة سمع صوت نقر يأتي من الجهة الأخرى من السقف.
صاح منزعجًا:
«ماذا؟! ألم تكتفِ بعد أيها القط؟»
لكن هذه المرة لم يكن الطارق قطًا.
فقد انفتح شق صغير في السقف، وسقط منه طائر رمادي إلى أرض الغرفة.
كان طائر وقواق.
نظر جورش إلى الطائر في دهشة، ثم قال:
«إذن، أصبح لديَّ طيور أيضًا! ماذا تريد؟»
أجاب طائر الوقواق بجدية تامة:
«أريد أن أتعلم الموسيقى.»
ابتسم جورش وقال:
«الموسيقى؟ حسنًا… لكن كل ما يمكنك غناؤه هو: كوكو، كوكو… أليس كذلك؟»
أجاب الطائر:
«بلى، هذا صحيح، لكنك تعلم أن القيام بذلك صعب جدًا.»
قال جورش مستغربًا:
«صعب؟ المشكلة الوحيدة لدى طيور الوقواق هي أنها تضطر إلى الغناء كثيرًا. أما النغمات نفسها، فلا تبدو صعبة، أليس كذلك؟»
قال الوقواق:
«بل إن هذا هو سبب صعوبتها. على سبيل المثال، إذا غنيت: “كوكو”… ثم غنيتها مرة أخرى، فستلاحظ أن النغمتين مختلفتان تمامًا، إذا كانت أذنك قادرة على التمييز.»
هز جورش كتفيه وقال:
«بالنسبة إليَّ، تبدوان متطابقتين.»
ابتسم الطائر ابتسامة خفيفة وقال:
«ذلك لأن أذنك ليست مرهفة بما يكفي. يمكننا أن نغني كلمة “كوكو” عشرة آلاف مرة، وستكون كل مرة مختلفة بالنسبة إلينا.»
قال جورش:
«لن أجادلك في هذا. لكن إذا كنت بارعًا إلى هذا الحد، فلماذا جئت إليَّ؟»
أجاب الوقواق:
«لأنني أريد أن أتعلم السلم الموسيقي على نحو صحيح.»
سأله جورش:
«ولِمَ تحتاج إلى تعلم السلم الموسيقي؟»
قال الطائر:
«إذا سافر المرء إلى الخارج، فإنه يحتاج إلى معرفته.»
ابتسم جورش ساخرًا وقال:
«وهل تنوي السفر إلى الخارج؟»
قال الوقواق في رجاء:
«سيدي… أرجوك علمني السلم الموسيقي. سأغنيه بينما تعزف.»
تنهد جورش وقال:
«حسنًا… سأعزفه ثلاث مرات فقط، وبعدها أريد منك أن تغادر.»
أخذ آلة التشيلو، وضبط أوتارها بعناية، ثم عزف السلم الموسيقي:
«دو… ري… مي… فا… صول… لا… سي… دو.»
لكن طائر الوقواق خفق بجناحيه في أسف، وقال:
«لا… ليس هكذا.»
قطب جورش حاجبيه وقال:
«يبدو أنه لا شيء يعجبك! حسنًا، جرّب أنت.»
تقدم الطائر قليلًا، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم غنى:
«كوكو.»
ضحك جورش وقال:
«وهل تسمي هذا سلمًا موسيقيًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن السيمفونيات عندكم ليست سوى “كوكو” تتكرر بلا نهاية!»
قال الوقواق بهدوء:
«كلا… إنها تختلف في كل مرة.»
سأله جورش:
«وكيف ذلك؟»
أجاب الطائر:
«تكمن الصعوبة في أن تكررها مرات متتالية، مع الحفاظ على اختلاف كل نغمة عن الأخرى.»
قال جورش:
«أتعني شيئًا كهذا؟»
ثم أمسك بالتشيلو مرة أخرى، وبدأ يعزف نغمات متتابعة تشبه صوت الوقواق.
وما إن سمعها الطائر حتى امتلأ حماسًا، وبدأ يغني معها في الوقت نفسه، وهو يتمايل بجسده ذهابًا وإيابًا.
استمر جورش في العزف حتى بدأت يداه تؤلمانه، فتوقف وقال:
«يكفي… أليس كذلك؟»
لكن الوقواق لم يتوقف. أغمض عينيه، وظل يغني بكل ما أوتي من قوة، حتى أنهى غناءه بنغمة طويلة، ثم صمت.
شعر جورش بالضيق، وقال:
«إذا كنت قد انتهيت، فيمكنك الانصراف.»
لكن الطائر قال في توسل:
«أرجوك… اعزفها مرة أخرى. لا يزال هناك شيء غير صحيح.»
قال جورش بانزعاج:
«أنا الذي أعلمك، أم أنت الذي يعلمني؟ هيا، عد إلى منزلك.»
أطرق الوقواق رأسه وقال بصوت خافت:
«مرة واحدة فقط… أرجوك.»
تنهد جورش وقال:
«حسنًا… للمرة الأخيرة.»
رفع القوس، واستعد للعزف.
قال الوقواق:
«ولو أمكن… اعزفها هذه المرة لأطول وقت تستطيع.»
تمتم جورش:
«ليساعدنا الرب…»
ثم بدأ يعزف من جديد.
مرة أخرى، اندمج طائر الوقواق في الموسيقى اندماجًا كاملًا، وأخذ يغني بكل قوته، متمايلًا مع الإيقاع، بينما استمر جورش في العزف رغم الإرهاق.
وفي البداية، شعر جورش بالغضب الشديد، لكن مع استمرار العزف بدأ ينتابه شعور غريب؛ إذ خُيّل إليه أن طائر الوقواق، بطريقة ما، هو من يقود اللحن، وأنه لم يعد سوى مرافق له.
ومع كل نغمة، ازداد اقتناعًا بأن هذا الطائر الصغير يمتلك إحساسًا موسيقيًا يفوق إحساسه.
وفجأة ألقى بالقوس جانبًا وقال:
«يا للجحيم! إذا استمر الأمر هكذا فسأتحول أنا أيضًا إلى طائر وقواق!»
وتوقف عن العزف.



