قصص

باسبارتو في خطر.. وفيلياس فوج يتحدى العاصفة ويلحق بالباخرة «كارناتيك» في اللحظة الأخيرة

 

أخذ باسبارتو يتجوّل في هونج كونج، وهو يضع يديه في جيوبه، وكان الميناء يعجّ بالعديد من السفن من شتى أنحاء العالم: إنجلترا وفرنسا والأمريكتين وهولندا واليابان والصين. وعندما وصل إلى رصيف الميناء، حيث سيحجز كابينة على متن الباخرة «كارناتيك»، رأى فيكس هناك، ولم يكن مندهشًا.

كان المحقق نفسه لا يبدو سعيدًا؛ إذ إن مذكرة القبض لم تصل بعد.

قال باسبارتو: «حسنًا، حسنًا، هل قررت الانضمام إلى رحلتنا إلى أمريكا يا فيكس؟»

أجابه فيكس وهو يكزّ على أسنانه: «نعم.»

قال باسبارتو: «حسنًا! كنت أعلم أن الحال سينتهي بك معنا! تعالَ لنحجز كابينتينا.»

وذهب الرجلان إلى مكتب الباخرة، حيث أخبرهما الموظف أن إصلاح السفينة قد انتهى الآن، وستبحر في المساء بدلًا من صباح الغد.

قال باسبارتو: «رائع! سأذهب لأخبر سيدي، سيكون سعيدًا للغاية.»

قرر فيكس أن الوقت قد حان ليُخبر باسبارتو بكل شيء، إذ كان يعلم أن هذه هي الطريقة الوحيدة لإبقاء فيلياس فوج في هونج كونج حتى وصول مذكرة القبض عليه. فسأل الخادم إذا كان من الممكن أن يشاركه وجبة من الطعام، وذهب الاثنان إلى مطعم صغير قريب من المرفأ.

وبمجرد أن دخلا إلى المطعم، وجدا نفسيهما في غرفة كبيرة مليئة بكراسٍ مريحة والعديد من الوسائد. وتجادل الرجلان أطراف الحديث على العشاء، وعندما أنهى باسبارتو وجبته، نهض ليغادر، فقال له فيكس:

«انتظر، هناك شيء آخر أود أن أتحدث معك عنه.»

قال باسبارتو: «يجب أن تنتظر، فعليّ أن أخبر سيدي أن الباخرة ستغادر مبكرًا.»

قال فيكس: «انتظر، فما أريد قوله متعلق بالسيد فوج.»

ووضع فيكس يده على ذراع باسبارتو، وقال بهدوء: «لقد خمّنتَ من أكون، أليس كذلك؟»

ابتسم باسبارتو: «بالطبع.»

قال فيكس: «حسنًا، فإنك حتمًا تعلم أن مهمتي تنطوي على أموال طائلة، وأنا مستعد أن أعطيك بعضًا منها إذا أبقيت السيد فوج في هونج كونج. لا تُخبره بأمر السفينة.»

أجابه باسبارتو: «لا أُخبره؟ لقد زاد الأمر عن حدّه يا سيدي. لقد ظننت أن أعضاء نادي «ريفورم كلوب» من الشرفاء.»

نظر فيكس إلى باسبارتو باستغراب للحظة، ثم تساءل: «من تظنني؟»

أجاب باسبارتو: «أنت جاسوس مُرسل لتتبعنا، ولتتأكد من أن فيلياس يقوم برحلة نزيهة حول العالم، ويمكن أن تكون قد أُرسلتَ للتدخل في الأمر، ولكنني لن أسمح بذلك. ورغم ذلك، فأنا لم أُبلغ سيدي بأي شيء بعد.»

قال فيكس: «إذن، فإنه لا يعلم شيئًا. حسنًا، انتظر دقيقة، سأحضر لنا بعضًا من شراب الكاكاو.»

نهض فيكس وترك الطاولة، وفي طريقه لإحضار الكاكاو، توقف ليتحدث مع رجل في زاوية مظلمة من الغرفة. وكان فيكس قد طلب من هذا الرجل – وهو من قسم شرطة هونج كونج – أن يصحبهما إلى المطعم، وكان فيكس يعلم أن عليه أن يفعل شيئًا، فلا يمكنه أن يترك فيلياس يغادر هونج كونج.

عاد فيكس إلى الطاولة ومعه كوبان من الكاكاو، وبدأ حديثه قائلًا:

«باسبارتو، أخشى أنك مخطئ، فأنا لست عضوًا في نادي «ريفورم كلوب»، بل أنا محقق من لندن.»

«وسيدك ما هو إلا لصّ قام بسرقة مبلغ كبير من المال من بنك إنجلترا، ولقد أُرسلتُ لاستعادة هذه الأموال، ويجب عليك مساعدتي لإبقائه في هونج كونج حتى يمكنني إلقاء القبض عليه.»

سقط فم باسبارتو مشدوهًا:
«لص؟ إنه ليس لصًّا، بل إنه أشرف الرجال!»

أخبر فيكس باسبارتو أن مواصفات اللص تتطابق تمامًا مع مواصفات فيلياس فوج؛ فاللص من النبلاء مثل فيلياس فوج، وكذلك لديه أموال طائلة مثل فيلياس، كما أنه في الطول والبنية نفسيهما، وكافة الأحداث أكدت هذا.

ذكّر فيكس الخادم بمعرفته المحدودة برئيسه؛ إذ إنه – رغم كل شيء – بدأ العمل لديه في يوم مغادرتهما، ثم سأله فيكس مجددًا:

«الآن، هل ستساعدني في إبقائه في هونج كونج؟»

قال باسبارتو:
«أنا أرفض، فسيدي رجل نبيل ومحترم، ولم يرتكب تلك الجريمة. أنا لا أصدقك، وسأرحل الآن.»

قال فيكس:
«أتمنى أن تغيّر رأيك.»

وبينما كان باسبارتو يهمّ بالمغادرة، أومأ فيكس برأسه للرجل في الزاوية المظلمة، وفجأة تسلل الرجل خلف باسبارتو وضربه على رأسه، فسقط باسبارتو أرضًا! ثم أومأ الرجل لفيكس قبل أن يُسرع إلى الخارج حتى لا يراه أحد.

وقال فيكس لنفسه، وهو يحمل الخادم ويضعه على مقعد وثير:
«أخيرًا، لن يعرف السيد فوج أن الباخرة ستغادر مبكرًا، وسيكون مجبرًا على البقاء في هونج كونج لأسبوع آخر.»

وبهذا ترك فيكس باسبارتو المسكين في المطعم وهو فاقد الوعي.

كان فيلياس وعودا يتجولان في هونج كونج لشراء مؤن للرحلة البحرية الطويلة التي تنتظرهما، ولم يكن أيٌّ منهما يعلم أن «كارناتيك» ستغادر في ذلك المساء. وقضيا اليوم في التسوق وتناول الغداء، ثم عادا إلى غرفتيهما للنوم.

ولم يلاحظا غياب باسبارتو حتى صباح اليوم التالي. ذهب فيلياس وعودا إلى رصيف الميناء وحدهما، وكانا يأملان في العثور على الخادم هناك، لكنهما عندما وصلا لم يجدا سوى فيكس.

قال فيكس:
«ألم تكن مسافرًا على متن الباخرة «رانجون»؟ أنا صديق خادمك، وكنت آمل أن أجده هنا.»

أجاب فيلياس:
«نعم، كنت على متن «رانجون»، ونحن الاثنان أيضًا نبحث عن باسبارتو. إنه لم يعد إلى الفندق ليلة أمس.»

قال فيكس:
«هذا غريب حقًا!»

وافقتْه عودا قائلة:
«نعم، إنه كذلك. هل تعتقد أنه سبقنا على متن الباخرة «كارناتيك»؟»

قال فيكس:
«أخشى أن لديّ بعض الأخبار السيئة. فقد انتهى إصلاح الباخرة «كارناتيك» أمس، وغادرت مبكرًا. لقد فاتتكم الباخرة، ولن تُبحر باخرة أخرى إلى يوكوهاما قبل أسبوع.»

في البداية، نظر فيلياس إلى فيكس، ثم إلى الميناء حوله، وقال بهدوء:
«حسنًا، يجب علينا فقط أن نأخذ مركبًا آخر. يا سيد فيكس، هل من الممكن أن تظل مع الآنسة عودا للحظة؟»

أومأ فيكس ببطء، ثم راقب فيلياس وهو يسير بسرعة مبتعدًا، وتسرب القلق إلى نفسه وهو يفكر:

«مركب آخر… لا يمكنه العثور على مركب آخر.»

وامتدت اللحظة لتصبح دقيقة، ثم ساعة، ثم مرت ساعة أخرى قبل أن يعود فيلياس أخيرًا ويقول لهما:

«لقد فعلتها! لقد عثرت على مركب آخر سينقلنا إلى شنغهاي، ومن هناك يمكننا اللحاق بالسفينة «كارناتيك» والذهاب إلى سان فرانسيسكو!»

ثم التفت إلى فيكس قائلًا:
«أنا متأكد من أن هناك متسعًا لك، إذا كنت تحب أن تنضم إلينا.»

قال فيكس، وهو يتصنع ابتسامة زائفة:
«شكرًا لك يا سيدي.»

قال فيلياس:
«حسنًا، سنغادر في غضون نصف ساعة.»

قالت عودا:
«ولكن باسبارتو، ماذا عنه؟ يجب أن نعثر عليه.»

قال فيلياس:
«سنفعل ما بوسعنا قبل أن نغادر يا عودا.»

هرع فيكس ليحزم أمتعته حتى يغادر معهما، وفي هذه الأثناء، ذهب فيلياس وعودا إلى قسم الشرطة في محاولة للعثور على باسبارتو، وتركا مبلغًا من المال مع الشرطة ليتمكنوا من البحث عن باسبارتو.

وكان المركب الذي استأجره فيلياس يُدعى «تانكادير»، وقبطانه يُدعى جون بانسبي، وطاقمه مكوّنًا من أربعة بحارة أشداء. وعندما صعدت عودا وفيلياس على متن المركب، اندهشا لأن فيكس قد سبقهما إلى سطح المركب بالفعل.

وقال فيلياس: «أعتذر عن صِغَر حجم الكبائن، ولكن على الأقل ليس علينا الانتظار أسبوعًا آخر لمتابعة الرحلة.»

انحنى فيكس ولم يتفوه بكلمة، وفكّر قائلًا: «إنه رجل نبيل، عليّ الاعتراف بذلك.»

كان ذلك في بداية شهر نوفمبر، مما يعني أن المسافرين قد بدأوا رحلتهم منذ أكثر من ستة وثلاثين يومًا، وكانت بحار الصين هائجة والرياح قوية، وكانت «تانكادير» تشق طريقها بسرعة، وكان القبطان بانسبي يعلم أن لديه سفينة قوية، ويبذل قصارى جهده لجعلها تتحرك بأقصى سرعة ممكنة لها.

وقف فيلياس فوج على ظهر السفينة يراقب الأمواج العاتية التي تزداد ارتفاعًا، وكان المركب يهتز بشدة إلى الأمام والخلف، ولكن فيلياس لم يسقط قط؛ فكانت لديه قدرة هائلة على السير على سطح المركب، وكانت الأشرعة البيضاء الضخمة تخفق في السماء.

وجلست عودا على كرسي وتشبثت به خوفًا على حياتها.

أما فيكس، فقد قبع في الكابينة، وكان حزينًا لأن عليه اللحاق بفيلياس إلى أمريكا، ولكنه قد قطع وعدًا على نفسه بأنه لن يستسلم أبدًا، بل سيقوم بواجبه للتأكد من القبض على اللص.

وبالرغم من المعاملة الطيبة التي تلقاها فيكس على متن القارب، كان عليه التركيز على واجبه؛ فلم يكن سلوك فيلياس النبيل والمثالي ذا أهمية، فهو مجرم، وكانت مهمة فيكس هي القبض عليه.

ومع ذلك، لم يكن سعيدًا حيال رفض فيلياس أن يأخذ أي أموال منه، سواء مقابل الطعام أو رحلة السفينة. وعندما سأل فيكس عن السبب، أجاب فيلياس بوضوح وسرعة أنه أمر لا يستحق الحديث عنه، وأن الرحلة جزء من نفقاته العامة.

فكّر فيكس: «إنه بالطبع يملك مالًا؛ لأنه لص!»

في اليوم الأول، قطعت السفينة أكثر من مائة ميل، وكان فيلياس سعيدًا بهذا التقدم. كما ارتفعت معنويات القبطان إلى السماء، وكان على يقين من أنهم سيصلون إلى شنغهاي في الوقت المحدد، ليلحق فيلياس بالباخرة «كارناتيك».

لكن في اليوم الثالث تغير كل شيء، إذ صاحب فجر ذلك اليوم سماء مظلمة وملبدة بالغيوم.

وقف القبطان على سطح السفينة بجانب فيلياس، وتأملا معًا السحب الكثيفة التي تتكون خلف القارب.

قال القبطان بانسبي: «أعتقد أننا سنواجه عاصفة عاتية يا سيدي.»

قال فيلياس: «أنا أيضًا أعتقد ذلك، ولكن الرياح تهب في الاتجاه الصحيح لمساعدتنا في المضي قدمًا.»

نظر القبطان إلى راكبه، وقال: «إذن، هل ترغب في الاستمرار في الإبحار على هذا المنوال؟»

قال فيلياس: «بالطبع!»

تفحّص القبطان فيلياس فوج بنظرة طويلة، ولاحظ بهدوء أنه كان جادًا فعلًا.

أخذ المركب يتمايل ويترنح، لكنه حافظ على مساره إلى شنغهاي، رغم أن إبطاء المركب والتوقف في أقرب ميناء كان أكثر أمانًا.

تحول النهار إلى ليل، والليل إلى نهار، والعاصفة تثور من حولهم، ولم يكن هناك أي قوارب أخرى على مرمى البصر، فقد كانت «تانكادير» تبحر وحدها.

وبحلول ظهيرة اليوم الثاني، هدأت العاصفة أخيرًا، ولم يكن لديهم سوى ست ساعات فقط للوصول إلى وجهتهم، أو المخاطرة بعدم اللحاق بالباخرة.

وفجأة اختفت الرياح تمامًا، ولم يعرف فيلياس ومرافقوه كيف استطاع القبطان الماهر وطاقم عمله الحفاظ على سرعة المركب، لكنهم نجحوا في الحفاظ على سرعة المركب وهو يشق طريقه في البحر.

 

كانوا على بُعد ثلاثة أميال فقط من شنغهاي عندما رأى فيلياس قمعًا طويلًا أسود اللون من البخار أمامهم.

إنها «كارناتيك» تغادر إلى يوكوهاما، حيث كانت ستتوقف قبل توجهها إلى سان فرانسيسكو!

قال فيلياس فوج:
«أرسل لها إشارة!»

كان على متن «تانكادير» مدفع نحاسي صغير، وكان من المفترض استخدامه في نداء الاستغاثة، فلقّمه البحارة بالقذيفة وأشعلوا قاعدته لإطلاقه.

صاح فيلياس:
«أطلق!»

دوّى إطلاق المدفع في الهواء، وقد أثار دويه انتباه الباخرة التي غيّرت مسارها لمقابلة «تانكادير».

وهكذا استطاع فيلياس فوج وعودا الصعود على متن «كارناتيك» والعودة إلى المسار الصحيح، ولم يستطع فيكس تصديق حسن حظهما.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى