قصص

باسبارتو في ورطة ببومباي.. خطأٌ يقود فيكس إلى فخّ جديد

غادرت الباخرة «منغوليا» السويس في موعدها، في تمام الثالثة عصرًا حسب التوقيت المحلي، وبدأت رحلتها إلى عدن.

لم يكترث فيلياس فوج كثيرًا بمشاهدة المناظر الطبيعية، ولذلك قضى قليلًا من الوقت على سطح الباخرة، وعوضًا عن ذلك أمضى معظم وقته، كما كان يفعل في نادي «ريفورم كلوب»، يتناول وجباته ويلعب الورق.

على النقيض من رئيسه، كان باسبارتو يستمتع حقًّا بالمناظر الطبيعية، وكان يتحين كل فرصة للصعود إلى سطح الباخرة لمشاهدة ما يمرون به من مناظر.

وفي يوم من الأيام، بينما كان يقوم بمهامه اليومية المعتادة، قابل المحقق فيكس.

قال باسبارتو:

«مرحبًا، إنك النبيل الطيب الذي قابلته في السويس».

قال فيكس:

«وأنت خادم ذلك الرجل الإنجليزي غريب الأطوار».

– «هذا صحيح يا سيد فيكس».

كرر باسبارتو:

«فيكس! أنا سعيد لرؤيتك على متن السفينة. إلى أين تذهب؟»

«إلى بومباي».

سأل باسبارتو:

«حقًّا؟ إنها وجهتنا نحن أيضًا! هل زرت الهند من قبل؟»

أجابه فيكس بأنه، بالطبع، زار الهند من قبل، وأنه، ليخفي هويته الحقيقية كمحقق من لندن، يعمل وكيلًا لدى شركة «بينينسولار آند أورينتال»، وهي الشركة المالكة للباخرة «منغوليا».

وسرعان ما أصبح الرجلان صديقين، وبدا أنهما يتجولان معًا يوميًا على ظهر السفينة. وبينما كانا يسيران معًا، كانا يتحدثان عما قد تكون عليه الحياة في الهند.

حاول فيكس أن يستدرج باسبارتو ليتحدث أكثر عن فيلياس فوج ورحلته الغريبة حول العالم، وكان باسبارتو يجيب دائمًا بصراحة، لكنه لم يكن يعلم الكثير، ولم تكن المعلومات القليلة التي يمكن أن يشاركه إياها ذات أهمية كبيرة للمحقق فيكس.

وبينما كانت «منغوليا» تشق طريقها في عرض البحر، مروا بمدينة المخا، وعبروا مضيق باب المندب، ثم توقفوا في عدن للتزود بالفحم. وكانوا لا يزالون على بُعد ستمائة ميل من بومباي.

ذهب فوج مرة أخرى إلى الرصيف لختم جواز سفره، ثم عاد إلى السفينة، بينما كان باسبارتو يتجول ليلقي نظرة على المكان.

وفي تمام الساعة السادسة، عادت الباخرة لتشق طريقها في عرض المحيط، وكانت الرحلة من عدن إلى بومباي ستستغرق سبعة أيام فقط. وكان المحيط الهندي هادئًا، وحققت «منغوليا» وقتًا قياسيًا، إذ وصلت قبل موعدها بيومين.

عندما رست السفينة في الميناء، دوّن فيلياس بهدوء في دفتره اليومين اللذين ربحهما من وصول السفينة المبكر، كما دوّن كذلك الوقت وعدد الأميال التي قطعوها.

بعد أن ودّع فيلياس شركاءه في اللعب على متن «منغوليا»، كلّف باسبارتو ببعض المهام، وشرع هو في البحث عن مكتب الجوازات.

وكان معهما بالفعل تذاكر للسكك الحديدية التي تقطع الهند من بومباي إلى كلكتا، وكان من المقرر أن يبدأ القطار رحلته في تمام الساعة الثامنة من ذلك المساء.

وأكّد فيلياس على باسبارتو أن يعود قبل ذلك الوقت.

اتجه فيلياس إلى محطة السكك الحديدية ليتناول غداءه، حاملًا جواز سفره المختوم في يده. أما فيما يتعلق بعجائب بومباي، فلم يكن يكترث حقًّا لرؤيتها.

وبينما كان فيلياس يحاول تناول وجبة سيئة للغاية من لحم غريب، اتجه فيكس إلى البحث عن قسم شرطة بومباي.

وأخبرهم أنه محقق من لندن يتعقب لصًّا، وأراد أن يعرف ما إذا كانت مذكرة إلقاء القبض على ذلك اللص قد وصلت أم لا.

لكنها لم تصل.

فحاول فيكس إقناع الشرطة بكتابة مذكرة أخرى، إلا أنهم رفضوا، وقالوا إن ذلك الأمر كان من شأن شرطة لندن، فلم يجادلهم فيكس؛ لأنه كان يعلم أن فيلياس فوج لن يمكث في بومباي فترة طويلة على أية حال، وكان عليه أن يجد وسيلة أخرى لإلقاء القبض عليه.

في هذه الأثناء، كان باسبارتو قد انطلق لتنفيذ مهامه، وكان قد بدأ يصدق أنهما بالفعل في سباق حول العالم.

وبعدما قام بشراء القمصان والجوارب الجديدة التي طلبها فيلياس، أمضى بعض الوقت في استكشاف شوارع بومباي وميادينها المزدحمة. وكان الناس يرتدون ملابس مختلفة التصميم؛ فكانت هناك القبعات المدببة، والعمائم، والقلنسوات المربعة، والعباءات الطويلة، حتى إن كل شخص كان يبدو مختلفًا عن الآخر!

وخلال سيره، وجد باسبارتو نفسه وسط موكب، وكانت فيه فتيات يرتدين ملابس جميلة ويرقصن بينما يضربن الدفوف المصاحبة للموكب.

وعندما مرّ الموكب، وجد باسبارتو نفسه قد انجذب إلى أحد المعابد. وما لم يكن يدركه هو أن الأجانب ممنوعون من دخول هذه المعابد، وأن دخوله كان مخالفًا للقانون!

ما إن وطئت قدم باسبارتو أرض المعبد، حتى وجد نفسه ملقى على الأرض فجأة! فقد انقض عليه ثلاثة رهبان غاضبين، وأخذوا يضربونه ويصرخون بلغة غريبة، ثم خلعوا عنه حذاءه.

هبّ باسبارتو واقفًا على قدميه، ودفع اثنين من مهاجميه بعيدًا، ثم انطلق خارجًا من الباب بأقصى سرعة.

عندما وصل إلى محطة السكك الحديدية، كانت الساعة الثامنة إلا خمس دقائق. وكان قد فقد حزمة الجوارب والقمصان الجديدة في أثناء المشاجرة.

وحاول باسبارتو أن يشرح ما حدث، لكن فيلياس كان مستاءً مما حدث.

وفور صعودهما إلى القطار، قال فيلياس:

«آمل ألا يتكرر هذا مجددًا».

خفض باسبارتو رأسه في خجل، ووعد بأن ما حدث لن يتكرر ثانية؛ إذ كان آخر ما يريده هو إثارة غضب سيده.

كان فيكس خلفهما بخطوتين، وكان على وشك صعود القطار، عندما غيّر رأيه فجأة؛ إذ إنه كان قد سمع كل كلمة، وعلم بما حدث لباسبارتو بالضبط.

فهمس لنفسه قائلًا:

«جريمة ارتُكبت على الأراضي الهندية…».

وبينما كان يفكر في الخطأ الذي ارتكبه باسبارتو بدخوله المعبد، قال:

«هكذا سأقبض عليهما!»

أرسل فيكس برقية إلى كلكتا، يُخبر الشرطة هناك بما حدث في المعبد، ويُخبرهم بوصول السيد فوج وباسبارتو إلى المدينة.

ثم حجز لنفسه تذكرة على القطار التالي، وهو حريص كل الحرص على أن يصل إلى كلكتا قبلهما.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى