سير

بن روي موتلسون.. سيرة عالم أعاد تشكيل صورة النواة الذرية

في ديسمبر 1975، وقف الفيزيائي الأمريكي الدنماركي بن روي موتلسون في قلب واحدة من أهم لحظات حياته العلمية، بعدما مُنح جائزة نوبل في الفيزياء مناصفة مع آجي نيلس بور وجيمس رين ووتر. لم تكن الجائزة تكريمًا لاكتشاف منفرد بالمعنى التقليدي، وإنما اعترافًا بتحول أعمق في طريقة فهم العلماء للنواة الذرية: لم تعد النواة مجرد قطرة صغيرة متماسكة أو جسمًا كرويًا بسيطًا، بل نظامًا كموميًا معقدًا تتفاعل فيه حركة الجسيمات الفردية مع الحركة الجماعية للنواة بأكملها. وقد صاغت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم سبب المنح باعتباره اكتشاف الصلة بين الحركة الجماعية وحركة الجسيمات في النوى الذرية، وتطوير نظرية لبنية النواة قائمة على هذه الصلة.

وكان موتلسون قد ألقى محاضرته الخاصة بجائزة نوبل في 11 ديسمبر 1975 تحت عنوان «أنماط الإثارة الأولية في النواة»، وهي محاضرة تكشف بوضوح طبيعة المشروع العلمي الذي انشغل به طوال عقود: فهم النواة باعتبارها نظامًا يمكن أن يتحرك فيه الجسيم منفردًا، وفي الوقت نفسه يمكن لمجموع الجسيمات أن يُظهر سلوكًا جماعيًا يشبه ما نراه في الأجسام الأكبر حجمًا.

وهنا تكمن أهمية سيرة بن روي موتلسون؛ فهي ليست قصة عالم وصل إلى نوبل ثم انتهى أثره عند لحظة التكريم، وإنما قصة تحول علمي امتد من أبحاث النوى المشوهة إلى نماذج أوسع في فيزياء الأنظمة الكمومية، ومن كوبنهاغن إلى أجيال من الباحثين الذين واصلوا دراسة الحركة الجماعية، والاقتران بين الجسيمات، وبنية الأنظمة الصغيرة والكبيرة.

النشأة بين شيكاغو والحرب والجامعة

وُلد بنجامين روي موتلسون في 9 يوليو 1926 في شيكاغو بولاية إلينوي الأمريكية، ونشأ في منطقة لاراغرانج القريبة من المدينة. كان والده، غودمان موتلسون، مهندسًا، وهو ما وضع في البيئة الأسرية عنصرًا قريبًا من التفكير العلمي والهندسي، وإن لم يكن ذلك وحده هو الذي حدد مساره المستقبلي.

جاءت الحرب العالمية الثانية في مرحلة مبكرة من حياته، وكان لها أثر عملي في مساره التعليمي. التحق بالبحرية الأمريكية، وأُرسل إلى جامعة بوردو ضمن برنامج لتدريب ضباط البحرية. بقي في الجامعة حتى بعد انتهاء الحرب، وحصل منها على درجة البكالوريوس في الفيزياء عام 1947. وتوضح جامعة كوبنهاغن أن هذا المسار لم يكن مجرد مرحلة عابرة، فقد شكّل بوردو نقطة الانطلاق نحو دراسة الفيزياء بصورة أكثر تخصصًا.

بعد بوردو، انتقل موتلسون إلى جامعة هارفارد، حيث حصل على الدكتوراه في الفيزياء النووية عام 1950 تحت إشراف الفيزيائي جوليان شوينغر، الذي أصبح لاحقًا أحد الفائزين بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1965 عن أعماله في الديناميكا الكهربائية الكمية. وكان موضوع أطروحة موتلسون عن الحالات الأرضية لنظيري الليثيوم-6 والليثيوم-7، وهي بداية تكشف مبكرًا اهتمامه ببنية النواة وخصائصها الداخلية.

لكن المسار الذي قاده إلى أهم إنجازاته لم يبدأ في الولايات المتحدة وحدها؛ ففي عام 1950 حصل على زمالة شيلدون للسفر من هارفارد، واختار أن يقضي عامًا في معهد الفيزياء النظرية في كوبنهاغن، وهو المؤسسة التي أصبحت لاحقًا معهد نيلس بور. كان من المفترض أن تكون إقامة علمية مؤقتة، لكنها تحولت إلى اختيار طويل الأمد؛ فقد أصبحت كوبنهاغن قاعدة عمله لبقية حياته تقريبًا، وحصل على الجنسية الدنماركية عام 1971.

كوبنهاغن.. المكان الذي تغيّرت فيه صورة النواة

عندما وصل موتلسون إلى كوبنهاغن، كانت الفيزياء النووية تعيش مرحلة انتقالية. كان العلماء قد حققوا تقدمًا كبيرًا في فهم مكونات النواة وطاقتها، لكن النماذج المتاحة لم تكن قادرة على تفسير جميع الظواهر التي كشفت عنها التجارب.

كان نموذج القطرة السائلة، المرتبط خصوصًا بتصور نيلس بور، مفيدًا في تفسير بعض الخصائص العامة للنواة والعمليات النووية، ومن بينها الانشطار. وفي المقابل، أظهرت الدراسات المتعلقة بالمستويات النووية وأعداد معينة من البروتونات والنيوترونات أن السلوك الفردي للجسيمات لا يمكن تجاهله. وهكذا ظهرت فجوة بين صورتين: نواة تتصرف ككل مترابط، وجسيمات داخلها تتصرف وفق حالات كمومية فردية.

كانت إحدى المشكلات الأكثر إثارة للاهتمام مرتبطة بشكل النواة. فقد كان التصور البسيط يميل إلى التعامل مع النواة بوصفها كروية، لكن القياسات أظهرت أن بعض النوى تمتلك توزيعات للشحنة تنحرف بصورة واضحة عن التناظر الكروي. وقد كان ذلك يعني أن النواة يمكن أن تتخذ أشكالًا ممدودة أو مشوهة، بدل أن تكون كرة مثالية.

في عام 1950 اقترح جيمس رين ووتر، من جامعة كولومبيا، تفسيرًا مهمًا لهذه الظاهرة. رأى أن الجسيمات الموجودة في الأجزاء الخارجية من النواة، أو ما يعرف بجسيمات التكافؤ، يمكن أن تؤثر في شكل النواة الداخلية، وأن العلاقة ليست في اتجاه واحد؛ فحركة الجسيمات تتأثر بالمجال الذي تصنعه النواة، وفي الوقت نفسه تستطيع هذه الجسيمات التأثير في توزيع النواة وشكلها.

وكان آجي بور، ابن نيلس بور، قد توصل بصورة مستقلة إلى أفكار قريبة من هذا الاتجاه. لكن الفكرة النظرية احتاجت إلى اختبار تجريبي دقيق يربط بين الصورة الجديدة للنواة وبين البيانات التي كانت تأتي من المختبرات.

هنا ظهر الدور المحوري لموتلسون.

من النواة الكروية إلى النواة المتحركة

عمل موتلسون مع آجي بور في كوبنهاغن على تحويل التصور النظري إلى برنامج بحث يمكن اختباره بالتجربة. وفي سلسلة من الأعمال المنشورة عامي 1952 و1953، قارن الباحثان التوقعات النظرية بالبيانات التجريبية المتعلقة بمستويات الطاقة في النوى. وكانت إحدى النتائج الأكثر أهمية أن بعض مستويات الطاقة يمكن تفسيرها باعتبارها جزءًا من طيف دوراني للنواة.

هذه النتيجة غيّرت معنى كلمة «حركة» داخل النواة. فإذا كانت النواة غير كروية، فإنها لا تملك فقط مستويات مرتبطة بحركة الجسيمات الفردية، وإنما يمكن أن تظهر أيضًا حالات جماعية مرتبطة بدوران النواة أو اهتزاز شكلها.

وهنا ظهرت الفكرة المركزية التي ارتبط بها اسم موتلسون: النواة ليست ساحة تختار فيها الفيزياء بين «الجسيم الفردي» و«الحركة الجماعية»، بل يمكن أن يكون الاثنان وجهين لنظام واحد. حركة البروتونات والنيوترونات تؤثر في الشكل العام للنواة، والشكل العام يؤثر بدوره في الحركة الفردية للجسيمات.

وفقًا لمؤسسة نوبل، أكدت التجارب التي أجراها بور وموتلسون في أوائل خمسينيات القرن العشرين أن التوافق بين النظرية والبيانات كان قويًا بدرجة جعلت النموذج الجديد أساسًا لأبحاث لاحقة واسعة في بنية النواة.

ولم يكن الأمر مجرد تعديل صغير في نموذج قائم؛ إذ أدى إلى رؤية أكثر تكاملًا لبنية النواة، تجمع بين درجات الحرية الفردية والجماعية. وبذلك أصبحت النواة أشبه بنظام متعدد المستويات يمكن أن تظهر فيه أنماط مختلفة من الإثارة، بعضها يرتبط بحركة جسيم منفرد، وبعضها بتغير شكل النواة أو دورانها ككل.

لماذا كانت النواة المشوهة اكتشافًا مهمًا؟

قد يبدو للقارئ غير المتخصص أن السؤال عن كون النواة كروية أو ممدودة مجرد تفصيل هندسي. لكن الأمر في الفيزياء النووية أعمق بكثير.

شكل النواة يحدد الطريقة التي يمكن أن تتوزع بها الشحنة والمادة داخلها، ويؤثر في مستويات الطاقة والحالات المثارة، كما يرتبط بخصائص الحركة والدوران. فإذا كانت النواة مشوهة عن الشكل الكروي، فإن لها محورًا مميزًا وبنية هندسية تسمح بظهور أنماط دورانية لا تظهر بالطريقة نفسها في الجسم الكروي.

وقد سمح هذا التصور بقراءة عدد كبير من النتائج التجريبية ضمن إطار موحد. ووفقًا لشرح مؤسسة نوبل، قادت المطابقة بين المستويات الطاقية المحسوبة والمقاسة إلى موجة جديدة من التجارب التي هدفت إلى اختبار التنبؤات التي خرجت من النموذج.

وهذه النقطة هي الأهم عند قراءة إنجاز موتلسون: لم يكن إنجازه في تقديم تفسير جميل لبيانات موجودة فحسب، بل في صياغة نموذج أنتج تنبؤات جديدة، ثم فتح المجال أمام تجارب جديدة لاختبارها.

الحركة الفردية والحركة الجماعية

تكمن الصعوبة في فهم النواة في أنها نظام متعدد الجسيمات. فالنواة ليست جسيمًا واحدًا، وإنما مجموعة من البروتونات والنيوترونات التي تتفاعل فيما بينها داخل حيز بالغ الصغر.

في النماذج البسيطة يمكن دراسة حركة جسيم منفرد داخل مجال فعال، لكن هذا الوصف يصبح غير كافٍ عندما تتصرف أعداد كبيرة من الجسيمات بصورة مترابطة. ومن هنا جاء السؤال الذي احتل موقعًا مركزيًا في عمل بور وموتلسون: كيف يمكن الجمع بين وصف الجسيمات الفردية وبين السلوك الجماعي للنظام؟

كان الجواب في النموذج الموحد الذي تطور في كوبنهاغن. فبدل اعتبار النموذجين المتنافسين وصفين منفصلين، أصبح بالإمكان التعامل معهما كجزءين من وصف أكثر شمولًا للنواة. وتصف جامعة كوبنهاغن هذا الإنجاز بأنه نموذج موحد للنواة استطاع تفسير الخصائص التجريبية للنوى عند الطاقات المنخفضة بدرجة ممتازة.

وهذا هو السياق الذي يجعل سبب فوز بن روي موتلسون بجائزة نوبل أكثر وضوحًا: لم تكن الجائزة عن اكتشاف أن النوى قد تكون غير كروية فحسب، وإنما عن اكتشاف العلاقة بين الحركة الجماعية وحركة الجسيمات، وعن تطوير نظرية لبنية النواة تقوم على هذه العلاقة. وقد تقاسم موتلسون ثلث الجائزة مع آجي بور وجيمس رين ووتر عام 1975.

الاقتران النووي.. حل مشكلة الدوران

لم يتوقف البحث عند إثبات أن النواة المشوهة يمكن أن تدور. فقد ظهرت مشكلة جديدة: عندما قورنت خصائص دوران بعض النوى المشوهة بالتوقعات النظرية، تبين أن عزم القصور الفعال كان أصغر مما يتوقعه المرء لو كانت النواة تدور ببساطة كجسم صلب واحد.

جاءت إحدى الخطوات المهمة في تفسير هذه الظاهرة عام 1958، عندما ناقش موتلسون وآجي بور، بالتعاون مع ديفيد باينز، فكرة اقتران النيوكليونات داخل النواة. كانت نظرية باردين وكوبر وشريفر، أو BCS، قد قدمت في ذلك الوقت تفسيرًا للتوصيل الفائق في المعادن قائمًا على اقتران الإلكترونات. واستفاد الباحثون في كوبنهاغن من الفكرة بصورة مشابهة لفهم اقتران البروتونات والنيوترونات في النوى.

كان هذا مثالًا مهمًا على طبيعة تفكير موتلسون: لم يكن يتعامل مع النظرية باعتبارها جزيرة مغلقة، وإنما كان يبحث عن الروابط بين الظواهر المختلفة. فإذا كانت هناك آلية في نظام كمومي تفسر سلوكًا معينًا، فقد يكون من الممكن تعديلها لتفسير سلوك آخر، ما دام البناء الرياضي والفيزيائي يسمح بذلك.

وهكذا اتسع نموذج النواة من مجرد تفسير للشكل والدوران إلى تصور أكثر تعقيدًا للحركة والاقتران والإثارة.

«البنية النووية».. تحويل المعرفة إلى مرجع علمي

من أهم أعمال موتلسون، إلى جانب الأبحاث التي قادته إلى نوبل، مشاركته الطويلة مع آجي بور في تأليف الكتاب المرجعي الشهير «Nuclear Structure».

صدر المجلد الأول، «Single-Particle Motion»، عام 1969، وتبعه المجلد الثاني المتعلق بتشوهات النوى. وتوثق الفهارس العلمية الكتاب بوصفه عملًا مشتركًا لبور وموتلسون في فيزياء النواة، بينما أصبح المجلدان مرجعًا واسع الاستخدام في دراسة بنية النواة.

تكمن أهمية هذا العمل في أنه لم يكن مجرد كتاب تعليمي يلخص نتائج منشورة، بل محاولة لبناء صورة متماسكة للمعرفة النووية في مرحلة كانت فيها الفيزياء النووية تتسع بسرعة.

في المجلد الأول يظهر الاهتمام بحركة الجسيمات الفردية، بينما يتعمق المجلد الثاني في تشوهات النواة والحركة الدورانية والاقتران بين درجات الحرية المختلفة. ولذلك يعكس الكتاب نفسه الفكرة التي كانت في قلب مشروع موتلسون: لا يمكن فهم النواة بصورة كاملة من خلال مستوى واحد فقط.

وتشير جامعة كوبنهاغن إلى أن إيكوكو هاماموتو كان لها تعاون وثيق في المرحلة اللاحقة من هذا المشروع، وأسهمت بصورة مهمة في ظهور العمل ذي المجلدين.

من المختبرات إلى مركز عالمي للبحث النووي

لم يكن أثر موتلسون علميًا فقط في الأوراق المنشورة. فقد ساعد وجوده ووجود آجي بور على تحويل كوبنهاغن إلى مركز دولي مهم لأبحاث الفيزياء النووية خلال خمسينيات القرن العشرين.

وكانت الاجتماعات التجريبية الأسبوعية في معهد نيلس بور مساحة يلتقي فيها الفيزيائيون النظريون والتجريبيون لمناقشة النتائج والأفكار. وهذه البيئة كانت مهمة لأن النظرية الجديدة لم تكن منفصلة عن التجربة؛ فقد تطورت من خلال حوار مستمر بين ما تقوله المعادلات وما تكشفه أجهزة القياس.

بعد فترة قصيرة من العمل في معهد كوبنهاغن، أصبح موتلسون عضوًا في مجموعة الدراسات النظرية التابعة لـ«سيرن»، التي كانت تعمل مؤقتًا في كوبنهاغن بين 1953 و1957، قبل انتقال المنظمة إلى مقرها الدائم في جنيف. وفي عام 1957 أصبح أستاذًا في المعهد الشمالي للفيزياء النظرية، نورديتا، وظل مرتبطًا به معظم حياته المهنية، كما تولى إدارة المعهد بين عامي 1981 و1983.

وهكذا ارتبط اسم موتلسون بثلاثة مستويات من العمل: البحث الأساسي، وبناء المؤسسات العلمية، وتكوين بيئة تسمح بتفاعل النظرية والتجربة.

ما الذي صنع مكانة موتلسون قبل نوبل؟

لم تأت جائزة نوبل عام 1975 باعتبارها لحظة منفصلة عن مساره السابق. فقبل الجائزة بسنوات طويلة، كان اسمه قد ارتبط بأبحاث بنية النواة، وحصل عام 1969 على جائزة «الذرات من أجل السلام»، كما نال ميدالية جون برايس ويذرل عام 1974، ثم جاء نوبل في العام التالي. وتظهر سجلات جامعة كوبنهاغن والمؤسسات العلمية أن الاعتراف به سبق نوبل وكان مرتبطًا بصورة مباشرة بإسهاماته في النظرية النووية.

كما أن أرشيف ترشيحات نوبل يكشف أن موتلسون كان قد تلقى عددًا كبيرًا من الترشيحات لجائزة الفيزياء قبل عام 1975، ما يدل على أن أعماله كانت تحظى باعتراف واسع داخل المجتمع العلمي قبل لحظة التتويج الرسمية.

وهذا مهم في قراءة تاريخ الجائزة؛ فالجائزة لم تصنع مكانته، وإنما جاءت بعد أكثر من عقدين من البحث والتراكم النظري والتجريبي.

ما بعد نوبل.. العالم الذي لم يتوقف عند النواة

بعد حصوله على نوبل، لم يتعامل موتلسون مع الجائزة باعتبارها خاتمة لمساره العلمي. واصل العمل في الفيزياء النووية، ولا سيما في موضوع النوى المشوهة، لكنه بدأ يوسّع اهتمامه نحو أنظمة كمومية صغيرة أخرى.

ومن المجالات التي لفتت اهتمامه عناقيد المعادن. كانت هذه الأنظمة تتيح دراسة ظواهر شبيهة بما يظهر في الذرات والنوى، ولكن على مقياس يضم عددًا أكبر من الجسيمات. ومن خلال دراسة العناقيد المعدنية أمكن اختبار أفكار تتعلق بالبنية القشرية أو «Shell Structure» في أنظمة لم تكن متاحة بالطريقة نفسها في النوى.

وفي معهد نيلس بور، أظهرت التجارب على عناقيد الصوديوم وجود بنية «فوق قشرية» أو supershells، وهي بنية تنشأ فوق البنية القشرية المعروفة. ووفقًا لمعهد نيلس بور، كان لهذا الخط البحثي أهمية في انتقال أفكار موتلسون من الفيزياء النووية إلى فيزياء الأنظمة الصغيرة والعناقيد المعدنية.

ثم اتسع اهتمامه أكثر نحو البنى النانوية وأشباه الموصلات. وعندما ظهرت في تسعينيات القرن العشرين أنظمة عرفت باسم «الذرات الاصطناعية»، أدرك موتلسون أن مفهوم البنية القشرية الذي له تاريخ طويل في الفيزياء النووية يمكن أن يظهر أيضًا في الأنظمة الكمومية المصطنعة. وهكذا انتقلت بعض الأفكار التي نشأت من دراسة النواة إلى مجال النانو.

من النوى إلى الغازات فائقة البرودة

امتد فضول موتلسون كذلك إلى فيزياء الغازات الذرية فائقة البرودة. درس دوران مكثفات بوز-أينشتاين والدوامات المرتبطة بها، وربط هذه الظواهر بمفهوم السيولة الفائقة.

كما درس الاقتران في غازات فيرمي فائقة البرودة، وهي أنظمة توفر مختبرًا كموميًا مختلفًا لدراسة التفاعلات الجماعية والاقتران. ويذكر معهد نيلس بور أن هذه الدراسات أسهمت في تمهيد الطريق لأعمال وتجارب لاحقة تناولت تقلبات الاقتران في هذه الأنظمة.

وهنا يظهر أحد أهم جوانب إرث موتلسون: لم يكن تأثيره محصورًا في الإجابة عن سؤال «كيف تتشكل النواة؟»، بل امتد إلى سؤال أوسع: كيف تنشأ الخصائص الجماعية من تفاعل عدد كبير من الجسيمات الكمومية؟

إنه السؤال نفسه تقريبًا، لكن في مختبرات مختلفة وبأنظمة مختلفة.

الأثر المؤسسي والعلمي

كان لموتلسون أيضًا دور في بناء المؤسسات العلمية التي تستضيف البحث في الفيزياء النظرية. فقد أصبح مؤسسًا ومديرًا للمركز الأوروبي للدراسات النظرية في فيزياء النواة والمجالات المرتبطة بها، ECT*، في ترينتو بإيطاليا، وتولى إدارته بين عامي 1993 و1997.

هذا الجانب من حياته يكشف أن أثر العلماء لا يقاس فقط بعدد الأوراق المنشورة أو الجوائز التي حصلوا عليها. فالمؤسسة العلمية التي تتيح للباحثين الالتقاء وتبادل الأفكار يمكن أن تنتج أجيالًا من الأعمال التي لا تحمل اسم مؤسسها بالضرورة، لكنها تستفيد من البيئة التي ساعد في بنائها.

ولهذا فإن امتداد موتلسون لم يكن خطًا واحدًا يبدأ بالنواة وينتهي بالنوبل، بل شبكة من الأفكار والمؤسسات والباحثين والمجالات.

السنوات الأخيرة وإرث لم يتوقف

ظل موتلسون مرتبطًا بالمشهد العلمي حتى سنوات متقدمة من حياته. وتوفي في كوبنهاغن في 13 مايو 2022 عن عمر ناهز 95 عامًا. وكان قد عاش معظم حياته المهنية في الدنمارك، بعد أن جاء إليها في بداية خمسينيات القرن العشرين زائرًا علميًا لمدة محدودة، قبل أن تتحول الإقامة إلى حياة كاملة من البحث والعمل العلمي.

وقد وصفه معهد نيلس بور في نعيه بوصفه عالمًا كان تأثيره ممتدًا في الفيزياء النووية والمجالات المرتبطة بها، مشيرًا إلى استمرار أثر أفكاره في مجالات مثل العناقيد المعدنية، والأنظمة النانوية، والغازات فائقة البرودة.

ولعل المفارقة اللافتة في قصته أن العالم الذي ساعد على كشف أن النواة ليست جسمًا ساكنًا وكرويًا، ظل هو نفسه في حالة بحث وحركة فكرية مستمرة. فكلما وجد مجالًا جديدًا يمكن أن تظهر فيه ظاهرة جماعية أو بنية قشرية أو اقتران كمومي، انتقل إليه بالسؤال نفسه تقريبًا: ما الذي يحدث عندما تتفاعل الأجزاء مع الكل؟

الإرث المفتوح: من شكل النواة إلى فكرة النظام الكمومي

إذا أردنا تلخيص أهم أعمال بن روي موتلسون، فلا ينبغي أن نضع أمامنا قائمة من الأوراق والكتب فقط. الإنجاز الأهم كان بناء طريقة في التفكير.

قبل أعماله مع آجي بور وجيمس رين ووتر، كانت النواة تُفهم من خلال نماذج متعددة، لكل منها مجال قوة وحدود. جاء المشروع الذي شارك فيه موتلسون ليجمع بين وصف الحركة الفردية للنيوكليونات والحركة الجماعية للنواة، ويبين أن الشكل والدوران والاهتزاز والحالات الفردية ليست ظواهر منفصلة، وإنما أجزاء من نظام واحد.

ومن هنا جاء أثره اللاحق في الفيزياء النووية، ثم في فيزياء العناقيد والأنظمة النانوية والغازات فائقة البرودة. واللافت أن الانتقال من مجال إلى آخر لم يكن قطيعة مع العمل الأول، بل امتدادًا منطقيًا له: إذا كانت القوانين الكمومية تسمح بظهور سلوك جماعي في النواة، فلماذا لا تظهر مبادئ مشابهة في أنظمة أخرى؟

هذه هي قيمة إنجازات بن روي موتلسون في الفيزياء النووية: أنها لم تقدم وصفًا أدق للنواة فحسب، بل ساعدت على ترسيخ فكرة أوسع في الفيزياء الحديثة، وهي أن خصائص النظام لا يمكن دائمًا اختزالها في خصائص أجزائه منفردة؛ ففي ظروف معينة، ينشأ من التفاعل بين الأجزاء سلوك جماعي جديد يمكن أن يصبح هو المفتاح لفهم النظام كله.

ولهذا بقيت أعماله جزءًا من التاريخ المتصل لفيزياء البنية النووية، من نماذج القطرة السائلة إلى النماذج القشرية، ومن النوى المشوهة إلى دراسة الأنظمة الكمومية المصطنعة. أما جائزة نوبل لعام 1975 فكانت محطة بارزة في هذا الطريق، لا نهايته.

لقد بدأ موتلسون حياته العلمية في الولايات المتحدة، وقادته الحرب إلى بوردو، ثم قادته الدراسة إلى هارفارد، قبل أن تقوده زمالة بحثية إلى كوبنهاغن. وهناك وجد البيئة العلمية التي سمحت لأفكاره بالتفاعل مع أفكار آجي بور، ووجد في التجربة وسيلة لاختبار النظرية، وفي النظرية وسيلة لتوجيه التجربة. ومن هذا التفاعل خرجت واحدة من أهم التحولات في فهم بنية النواة خلال القرن العشرين.

إن إرثه الحقيقي لا يكمن فقط في أن اسمه ارتبط بجائزة نوبل، بل في أن الأسئلة التي ساعد على صياغتها ظلت حية بعده: كيف تتحول حركة الجسيمات الفردية إلى سلوك جماعي؟ كيف تتشكل البنية من التفاعل؟ وكيف يمكن لمبدأ فيزيائي اكتُشف في النواة أن يجد صدى له في نظام كمومي مختلف تمامًا؟

بهذا المعنى، لم تكن قصة بن روي موتلسون قصة اكتشاف اكتمل، بل قصة فكرة واصلت الانتقال من نظام إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، ومن النواة الذرية إلى مساحات جديدة من الفيزياء الحديثة.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى