قصص

توكوبي توراكو… روح الثعلب التي لم يستطع أحد خداعها

أعتقد أنكم قد سمعتم بأرواح الثعالب. ولا شك أن لها أشكالًا عديدة، لكن الروح الوحيدة التي أعرفها تُدعى توكوبي توراكو.

منذ زمن بعيد، كان توكوبي توراكو يعيش على ضفة نهر كبير، وكان يُعد مصدر إزعاج كبير للناس ليلًا؛ إذ كان يسرق السمك من أولئك الذين يأتون للصيد بالشباك، ويسرق التوفو المقلي من العائدين إلى منازلهم متأخرين بعد الانتهاء من التسوق في القرية.

في إحدى الأمسيات، بينما كان رجل جشع طاعن في السن يُدعى روبي يمشي مترنحًا بمحاذاة ضفة النهر، عائدًا من القرية إلى منزله، صادف ساموراي حسن المظهر، يرتدي كيمونو تقليديًا مصنوعًا من الحرير الذهبي اللامع.

وما إن همَّ الرجل العجوز بالانحناء احترامًا أثناء مروره بالساموراي، حتى اعترض الأخير طريقه، ورفع بصره نحو السماء، ثم أمسك لحيته برفق، وقال:

«أنت… توقف لحظة. ما اسمك؟»

أجاب الرجل مسرعًا:

«نعم يا سيدي… نعم يا سيدي… يدعونني روبي، يا سيدي.»

قال الساموراي:

«روبي؟ أنت مُقرض أموال، أليس كذلك؟»

أجاب:

«بلى، هو أنا يا سيدي، هذا صحيح تمامًا. لكنني أخشى ألا تكون لديَّ أموال أستطيع إقراضها الآن.»

ابتسم الساموراي وقال:

«كلا، كلا… لست مهتمًا باقتراض المال. أخبرني، أليس إقراض المال عملًا مربحًا؟»

ضحك روبي وقال:

«مربح؟ هاها… إنها مزحة طريفة يا سيدي. نعم، إنه عمل مربح بالفعل.»

فقال الساموراي:

«لقد تصادف أن لدي مبلغًا من المال لا أحتاج إليه في الوقت الحالي، وأنا في طريقي إلى مقاطعة بعيدة. فهل تحتفظ به عندك إلى أن أعود؟ لكن اعلم أن لي أعداءً في كل مكان، فإذا أصابني مكروه في رحلتي، فسيصبح هذا المال ملكًا لك، ولك أن تتصرف فيه كما تشاء. فما رأيك؟»

أشرق وجه روبي وقال بسرعة:

«موافق يا سيدي… سأكون مسرورًا جدًا بالاعتناء به من أجلك.»

قال الساموراي:

«جيد… إنني أحتفظ بالمال هنا، ويمكنك أن ترفع الغطاء بنفسك لتتأكد.»

وبكثير من التأفف واللهاث، فكَّ الساموراي الحبل الأبيض الذي كان يربط به كُمَّي الكيمونو، ثم رفع طرف ثوبه، واتجه بخطوات سريعة نحو حاجز ضفة النهر. هناك انحنى قليلًا، وأخرج صندوقًا خشبيًا، ثم حمله وعاد به إلى روبي.

قال روبي في نفسه:

«آها! لعلَّه لص… أو مزوِّر على الأقل. لكن لا يهمني من يكون. فإذا أصابه مكروه في رحلته، فلن يكون في ذلك أي ضرر بالنسبة إلي.»

ثم قال بصوت مرتفع، وهو يكتم ابتسامة فرحه:

«رائع جدًا يا سيدي.»

فتح غطاء الصندوق، فوجده مليئًا بقطع النقود الذهبية التي كانت تتلألأ تحت ضوء القمر.

وبكثير من اللهاث مرة أخرى، أحضر الساموراي صندوقًا ثانيًا، وفحصه روبي بعناية، فإذا هو أيضًا مليء بقطع الذهب اللامعة.

وهكذا، ومع كل مرة كان الساموراي يعود فيها وهو يلهث، ازداد عدد الصناديق، حتى بلغ في النهاية عشرة صناديق.

قال الساموراي:

«ما رأيك؟ هل تستطيع حمل كل هذه الصناديق بمفردك؟ بالطبع لن أترك لك إلا ما تستطيع حمله.»

شعر روبي للحظة أن في الأمر شيئًا يدعو إلى الريبة، لكنه سرعان ما بدد شكوكه قائلًا في نفسه: وما الذي سأخسره إن كان الأمر مريبًا؟

ثم أجاب بثقة:

«لا مشكلة يا سيدي. عشرة صناديق أو نحو ذلك ليست عبئًا عليَّ. أنا واثق تمامًا من قدرتي على حملها.»

ابتسم الساموراي وقال:

«حسنًا… إذن من الأفضل أن تبدأ.»

قال روبي وهو يستعد لرفع الصناديق:

«كما تريد يا سيدي… يا معين، يا معين!»

فضحك الساموراي وقال:

«رائع! لست رجلًا ضخم الجثة، لكن عزيمتك قوية حقًا. حسنًا، سأتركها في رعايتك.»

ثم فتح مروحته الفضية، وانحنى مودعًا روبي باحترام.

أما روبي، فلم يستطع حتى أن يرد التحية، إذ كان يرزح تحت ثقل الصناديق العشرة.

رحل الساموراي وهو ينظر إلى الأمام، ويقي عينيه بمروحته الفضية، ويتمتم ببعض السطور التي بدت وكأنها مقتطفات من إحدى مسرحيات الـ«نو».

أما روبي، فكان يترنح تحت ثقل حمله، ولم يعد يكاد يلتفت إلى ضوء القمر أو تعرجات الطريق. وما إن وصل إلى منزله حتى ألقى حمولته في فناء الدار، وصاح بصوت عالٍ تغمره السعادة:

«افتحوا الباب! افتحوا الباب! لقد عاد… لقد عاد المليونير!»

أسرعت ابنته وفتحت مصراعي الباب، ثم نظرت إليه في دهشة وقالت:

«عجبًا يا أبي… لماذا تحمل كل هذا الحصى؟»

نظر روبي مذهولًا إلى ما ألقاه على الأرض، فإذا بالصناديق العشرة قد اختفت، ولم يبقَ سوى عشرة أكياس عادية مملوءة بحصى حاجز ضفة النهر.

في تلك اللحظة، أخذ الزبد يخرج من فمه، وسقط مغشيًّا عليه. ولم يلبث أن أصيب بحمى شديدة، ظل يعاني منها شهرين كاملين، ولم يكن يردد خلالها سوى عبارة واحدة:

«لقد خدعني توكوبي توراكو… لقد خدعني!»

حسنًا، ما رأيكم في هذه القصة؟ هل هي حقيقية؟

يصعب الجزم بذلك؛ فقد وقعت – إن كانت قد وقعت فعلًا – منذ زمن بعيد، حتى لم يعد أحد قادرًا على التحقق من صحتها. أما أنا، فأميل إلى الاعتقاد بأنها من نسج الخيال، ألا توافقونني الرأي؟

ولماذا أقول ذلك؟

لأنني سمعت قصة أخرى، تبدو هي الأخرى من اختراع أحدهم، لكنها – بحسب ما يُروى – حدثت في زمن قريب جدًا، حتى إن البعض يؤكد أنها وقعت في الليلة الماضية نفسها.

تقول القصة إنه على ضفة النهر الكبير ذاتها، وعلى بعد نحو ميل من المكان الذي كان يسكنه الثعلب، كان يعيش رجل يُدعى هايمون.

وفي ذلك الربيع، اختير هايمون عضوًا في مجلس القرية، فأقام احتفالًا بهذه المناسبة، دعا إليه أقاربه ومعارفه.

قضى الجميع وقتًا ممتعًا، امتلأ بالضحك والمزاح، وتبادل الأنخاب، والاستمتاع بالطعام والشراب. وكانت أمسية بهيجة بحق.

غير أن رجلًا واحدًا بين الحاضرين لم يبتسم ولو مرة واحدة.

كان مزارعًا قصير القامة، شاحب الوجه، عابس الملامح، يُدعى كوكيتشي.

ومنذ بداية الحفل، كان يشعر بالضيق والسخط.

وكان يحدث نفسه قائلًا في اشمئزاز:

«هناك شيء مقرف على حافة وعاء الأرز الخاص بي… المكان هنا غير نظيف… والسمكة في هذا الطبق تحدق إليَّ بعينيها البيضاوين… ولم يقدم لي أحد كأسًا من الساكي… أوه، لقد تجاوز الأمر حده!»

وحين لم يعد يحتمل، نهض غاضبًا وغادر المجلس.

ناداه هايمون قائلًا:

«تمهل يا كوكيتشي! لا تغادر الآن. اشرب كأسًا أخرى، وهيا عد واجلس معنا.»

لكن كوكيتشي كان قد انتعل صندله الخشبي بالفعل، وخرج دون أن يلتفت خلفه، وهو لا يزال غارقًا في غضبه.

كانت السماء صافية، وكان القمر، وقد بلغ عمره ثلاثة عشر يومًا، يتوسط السماء في بهائه.

وما إن خرج كوكيتشي من البوابة، حتى وقع بصره على الجنرال ميناموتو، منصوبًا بجوار الطريق الممتد عبر حقول الأرز المجاورة.

وكان هذا “الجنرال” عبارة عن عصا من الخيزران ثُبِّتت عليها قطعة كبيرة من الورق، رُسم عليها وجه مخيف، اعتاد أهل القرية نصبها اعتقادًا بأنها تدرأ المرض وسوء الطالع.

وفي ضوء القمر الباهت، بدا الوجه غير المتناسق وكأنه يحدق في كوكيتشي بغضب.

زاد ذلك من سوء مزاجه، فتقدم مسرعًا، واقتلع الجنرال ميناموتو من مكانه، وكان على وشك أن يقذفه في أحد حقول الأرز، لكنه توقف فجأة، بعدما خطرت له فكرة جعلته يبتسم ابتسامة عريضة.

بدلًا من رميه، أعاد غرسه في الأرض، لكن هذه المرة في منتصف الطريق تمامًا، بحيث يعترض المارة.

ثم تابع سيره وهو يتمتم بكلمات غاضبة، وعبر تلَّين صغيرين حتى بلغ منزله.

هناك استقبل أطفاله والدهم بفرح، ينتظرون أن يعود إليهم بهدية من الحفل، لكنه وبخهم بقسوة، ثم دخل المنزل من دون أن ينبس بكلمة، وانسل مباشرة إلى فراشه.

وفي الوقت نفسه تقريبًا، كان الحفل في منزل هايمون قد انتهى.

خرج الضيوف في جماعات صغيرة، يتراوح عدد أفراد كل منها بين ثلاثة وأربعة أشخاص، وقد لف كل منهم ما تبقى من الطعام ليأخذه إلى أسرته.

وكانوا يترنحون في مشيتهم من أثر الشراب، يضحكون بصوت مرتفع، ويسند بعضهم بعضًا وهم يغادرون البوابة في تلك الليلة المقمرة.

ولم يكن أحد منهم يدري أن مفاجأة غريبة كانت تنتظرهم على الطريق المؤدي إلى بيوتهم.

خرج الضيوف في جماعات، مكوَّنة من ثلاثة أو أربعة أشخاص، وهم يترنحون ويتمايلون، يسند بعضهم بعضًا، بينما كانت حزم الطعام تتدلى على أجنابهم.

خرج هايمون إلى الشرفة ليودعهم، وقال ضاحكًا:

«حسنًا، خذوا حذركم. راقبوا الهدايا التي بحوزتكم، ولا تسمحوا لتوكوبي توراكو بسرقتها منكم! ها ها ها!»

نظر أحد الضيوف حوله، ثم أجاب بضحكة مجلجلة:

«توكوبي توراكو؟ عجبًا! إذا ظهر، فسأطلق الشيطان العجوز الذي بداخلي وألتهمه!»

وما إن أنهى كلماته، حتى ظهر توكوبي توراكو المراوغ، واقفًا في منتصف الطريق خارج البوابة، بفروه الأبيض الناصع، وقد أخذ يحدق فيهم بغضب.

صرخ أحدهم:

«النجدة! لقد جاء! تراجعوا… تراجعوا!»

وعمَّ المكان هرجٌ شديد. وبالكاد استطاع الضيوف العودة إلى غرفة الاستقبال، حتى إنهم لم يجدوا وقتًا لخلع أحذيتهم الموحلة.

وفي تلك الأثناء، تناول هايمون مطردًا كان معلقًا على الجدار، وأخرجه من غمده، وأخذ يلوح به بقوة، حتى كاد أن يصيب أنف أحد الضيوف.

ثم قفز من الشرفة، وتقدم حافي القدمين نحو ذلك الوجه الأبيض الذي يقف خلف البوابة.

وشجع هذا الموقف بقية الضيوف، فتبعوه واجتمعوا خلفه، وهم يطلقون صيحات التشجيع بأصوات مبحوحة.

ورغم أن هايمون كان يرتعد خوفًا عندما واجه الثعلب الأبيض وجهًا لوجه، فإن نظرات الجميع كانت مسلطة عليه، فلم يجد أمامه خيارًا سوى أن يصرخ بأعلى صوته، ويندفع إلى الأمام، ضاربًا بسلاحه.

وبدا أن نصل السلاح قد أصاب شيئًا بالفعل، إذ سقط بعد لحظة جسم أبيض أمامه، أخذ يرتجف تحت حد النصل.

صاح هايمون منتصرًا:

«لقد نلت منه! تعالوا وانظروا!»

تجمع الجميع في دائرة حول ذلك الجسم الأبيض، وقال أحدهم بمرح:

«في النهاية، ليس إلا حيوانًا ضعيفًا ومسكينًا.»

لكن ما حدث بعد ذلك أذهل الجميع.

فقد اختفى الثعلب العجوز الماكر، ولم يترك وراءه سوى وجهٍ ورقي مثبت على عصا.

نظر بعضهم إلى بعض في ذهول، وقالوا:

«يا له من ثعلب عجوز ماكر! كانت عيناه حمراوين كالجمر، وكان فروه يلمع كالإبر الفضية، أما فمه فكان يمتد حتى أذنيه. ليتنا لا نراه مرة أخرى… وأرجو ألا يعود لينتقم منا!»

قال آخر محاولًا تهدئتهم:

«لا تقلقوا… غدًا سنأخذ بعضًا من التوفو المقلي إلى ضفة النهر، ونتركه هناك هديةً له.»

وكان التعب قد أنهك الجميع، فلم يستطيعوا العودة إلى بيوتهم، فقضوا تلك الليلة في منزل هايمون.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى