سير

جون كورنفورث.. الكيميائي الذي أعاد رسم خريطة التفاعل بين الإنزيم والجزيء

في 17 أكتوبر 1975، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الكيمياء مناصفة بين الكيميائي الأسترالي البريطاني جون واركاب كورنفورث وفالديمار بريلوغ. لم يكن التكريم احتفاءً باكتشاف مادة جديدة أو اختراع جهاز مخبري، بل بإنجاز أكثر تجريدًا وأعمق أثرًا: فهم الكيفية التي تحدد بها الإنزيمات، داخل الكائنات الحية، أي ذرة هيدروجين من بين ذرات تبدو متشابهة ستدخل في التفاعل أو تخرج منه، وكيف يؤثر الترتيب ثلاثي الأبعاد للذرات في مسار التفاعل الكيميائي.

وجاء نص قرار الجائزة واضحًا ومحددًا: «عن عمله في الكيمياء الفراغية للتفاعلات المحفزة بالإنزيمات». وكانت حصة كورنفورث نصف الجائزة، بينما حصل بريلوغ على النصف الآخر عن أبحاثه في الكيمياء الفراغية للجزيئات والتفاعلات العضوية.

لكن فهم قيمة هذا التكريم يحتاج إلى العودة خطوة إلى الوراء؛ إلى عالم كانت فيه الكيمياء الحيوية تعرف الكثير عن المواد الداخلة في العمليات الحيوية، لكنها لم تكن قادرة دائمًا على الإجابة عن سؤال أكثر دقة: كيف يعرف الإنزيم أي موضع في الجزيء عليه أن يتعامل معه؟

هنا تحديدًا تكمن أهمية سيرة جون كورنفورث. فقد انتقل من دراسة الكيمياء العضوية وتركيب الستيرويدات إلى دراسة أكثر قربًا من قلب الحياة نفسها: كيف تبني الخلايا جزيئاتها المعقدة، وكيف توجه الإنزيمات هذه العمليات بدقة هندسية تكاد تكون مذهلة.

ولد جون واركاب كورنفورث الابن في سيدني، أستراليا، في 7 سبتمبر 1917، وتوفي في ساسكس بإنجلترا في 8 ديسمبر 2013 عن عمر ناهز 96 عامًا. درس الكيمياء في جامعة سيدني، ثم انتقل إلى جامعة أكسفورد، حيث حصل على الدكتوراه في الكيمياء العضوية تحت إشراف السير روبرت روبنسون. وفي عام 1975، العام الذي نال فيه نوبل، كان مرتبطًا بجامعة ساسكس، التي أصبح فيها أستاذ أبحاث للجمعية الملكية.

وإذا كانت هناك فكرة واحدة يمكن أن تختصر مسيرته، فهي أن الشكل ليس تفصيلًا ثانويًا في الكيمياء. ففي عالم الجزيئات، قد يؤدي تغيير موضع ذرة واحدة أو مجموعة صغيرة من الذرات إلى تغيير طريقة تفاعل الجزيء بالكامل. وهذا المبدأ هو المفتاح لفهم إنجازات كورنفورث.


البدايات في سيدني.. الكيمياء بوصفها طريقًا إلى المعرفة

نشأ كورنفورث في أستراليا في وقت لم تكن فيه البيئة العلمية المحلية تتيح دائمًا للباحث الشاب المسار الذي أصبح متاحًا لاحقًا في بريطانيا وأوروبا. وفي المدرسة الثانوية في سيدني، جذبه مدرس الكيمياء ليونارد باسر إلى هذا العلم، وبدأ اهتمامه بالكيمياء العضوية يتشكل مبكرًا.

لكن سنوات شبابه حملت تحديًا غير مألوف. فقد شُخِّص في العاشرة من عمره بتصلب الأذن، وهي حالة أدت تدريجيًا إلى فقدان السمع، حتى أصبح أصم بصورة شبه كاملة في سن مبكرة. وبحلول العشرين تقريبًا كان قد فقد سمعه بدرجة شديدة.

كان فقدان السمع يعني أن الطريقة التقليدية في تلقي العلم داخل قاعة المحاضرات لم تعد مناسبة له. لذلك اتجه بدرجة أكبر إلى قراءة المصادر العلمية الأصلية. وتشير الجمعية الملكية إلى أنه كان يعتمد على قراءة الأبحاث الأصلية بدلًا من الاكتفاء بالمحاضرات، وأن هذا الميل إلى الرجوع إلى المصادر الأولية أصبح جزءًا مهمًا من طريقته العلمية.

وهنا يمكن تسجيل أحد أهم ملامح شخصيته العلمية، مع التمييز بين الحقيقة الموثقة والتفسير: اعتماده القوي على المصادر الأولية ساعده على التعامل مع المعرفة العلمية باعتبارها شيئًا قابلًا للفحص، لا مجرد حقائق جاهزة في الكتب. وتنسجم هذه السمة مع الصورة التي رسمتها عنه جامعة سيدني بوصفه عالمًا شديد الدقة في التعامل مع المشكلات العلمية.

وفي جامعة سيدني، حصل كورنفورث على درجة البكالوريوس في العلوم مع مرتبة الشرف الأولى وميدالية الجامعة عام 1937. وهناك التقى ريتا هارادنس، الطالبة المتفوقة في الكيمياء التي أصبحت لاحقًا زوجته وشريكته العلمية الأساسية.

لم تكن ريتا مجرد شخصية مرافقة في سيرته. فقد كانت كيميائية وباحثة شاركته في عدد كبير من الأعمال، وظلت طوال عقود جزءًا من البيئة العلمية التي عمل فيها. وفي عام 1939 حصل الاثنان، كل على حدة، على منح بحثية مكنتهما من الانتقال إلى جامعة أكسفورد للعمل تحت إشراف روبرت روبنسون.

وهكذا بدأت مرحلة ستحدد مسار حياة كورنفورث العلمية.


أكسفورد.. من الستيرويدات إلى البنسلين

عندما وصل كورنفورث إلى أكسفورد، انضم إلى فريق السير روبرت روبنسون، أحد أبرز الكيميائيين العضويين في عصره. كان موضوع الستيرويدات يحتل مكانة مهمة في ذلك الوقت، وكانت محاولة فهم بنيتها وتركيبها كيميائيًا من أصعب مشروعات الكيمياء العضوية.

كانت الستيرويدات جزيئات معقدة، وكان الكوليسترول واحدًا من أهمها. وكانت الصعوبة لا تكمن في معرفة الصيغة الكيميائية فقط، بل في الوصول إلى طريقة عملية لبناء جزيء شديد التعقيد من مواد أبسط.

لكن الحرب العالمية الثانية غيّرت الأولويات. انتقلت جهود كثيرة في المختبرات البريطانية إلى أبحاث البنسلين، الدواء الذي كان يمثل أهمية طبية وعسكرية هائلة.

ساهم كورنفورث في دراسة كيمياء البنسلين، وكان من أعماله المهمة تخليق D-penicillamine، وهو جزء من جزيء البنسلين. كما شارك لاحقًا في تأليف كتاب The Chemistry of Penicillin الذي صدر عام 1949.

تكشف هذه المرحلة عن سمة مهمة في مسيرته: لم يكن كورنفورث عالمًا يعمل داخل سؤال واحد مغلق. فقد استطاع الانتقال من كيمياء الستيرويدات إلى كيمياء البنسلين ثم العودة إلى دراسة الستيرويدات، قبل أن يقوده ذلك كله إلى السؤال الذي سيمنحه نوبل.

بعد انتهاء الحرب، التحق كورنفورث وزوجته بهيئة العاملين في مجلس البحوث الطبية البريطاني، وواصلا العمل في مجال كيمياء الستيرويدات. وكان هذا الطريق سيقوده إلى واحدة من أهم المحطات في الكيمياء العضوية في منتصف القرن العشرين.


تركيب الكوليسترول.. حين أصبحت الجزيئات المعقدة قابلة للبناء

في عام 1951، حقق كورنفورث وزملاؤه إنجازًا بالغ الأهمية عندما اكتمل تخليق ستيرويد غير عطري كاملًا. وتصف الجمعية الملكية هذا العمل بأنه أول تخليق كامل في التاريخ لستيرويد غير عطري.

لم تكن أهمية هذا العمل في الكوليسترول وحده. فالتخليق الكامل لجزيء معقد يعني أن الكيميائي لم يعد مضطرًا إلى الاعتماد فقط على استخراجه من مصدر طبيعي، بل أصبح قادرًا على التفكير في كيفية إعادة بناء بنيته خطوة خطوة في المختبر.

وهذا التحول كان مهمًا للكيمياء العضوية؛ لأنه نقل التعامل مع الجزيئات الطبيعية المعقدة من مرحلة الوصف والتحليل إلى مرحلة التصميم والتركيب.

في هذه المرحلة، كان السؤال الكيميائي الأساسي هو: كيف يمكن بناء جزيء معقد مثل الستيرويد من وحدات أبسط، مع المحافظة على البنية الصحيحة لكل جزء؟

وكانت الإجابة تتطلب قدرًا هائلًا من الدقة في الترتيب الفراغي للذرات.

هنا بدأت تتشكل الصلة بين أعمال كورنفورث المبكرة وبين إنجاز نوبل اللاحق. فالستيرويدات ليست مجرد سلاسل من الذرات يمكن ترتيبها كيفما اتفق؛ بل جزيئات ثلاثية الأبعاد، وتحديد موضع الذرات في الفراغ جزء أساسي من فهم خصائصها وتفاعلاتها.

ومن هذا المنطلق، أصبحت الكيمياء الفراغية بالنسبة إلى كورنفورث أكثر من موضوع متخصص؛ أصبحت وسيلة لفهم كيف تتحرك الجزيئات داخل الأنظمة الحية.


من تركيب الكوليسترول إلى فهم كيفية صنعه داخل الخلية

بعد مرحلة التخليق الكيميائي، اتجه كورنفورث بصورة متزايدة إلى السؤال البيولوجي: كيف تصنع الكائنات الحية الكوليسترول والستيرويدات؟

وهنا دخل جورج بوبجاك إلى مسيرته العلمية. كان بوبجاك عالمًا في الكيمياء الحيوية، وأصبح شريكًا رئيسيًا لكورنفورث في دراسة المسارات الإنزيمية المؤدية إلى تكوين الكوليسترول.

في عام 1962، انتقل كورنفورث وبوبجاك إلى مختبر ميلستيد للكيمياء الإنزيمية، حيث أصبحا مديرين مشاركين. وهناك تركز العمل على الكيمياء الفراغية للتفاعلات التي تحفزها الإنزيمات، وهو المجال الذي سيقود كورنفورث إلى جائزة نوبل بعد سنوات قليلة.

لكن ما معنى «الكيمياء الفراغية للتفاعلات الإنزيمية» بالنسبة إلى القارئ غير المتخصص؟

يمكن تبسيط الفكرة عبر تشبيه بسيط: تخيل جزيئًا يحتوي على ذرتي هيدروجين تبدوان متشابهتين تمامًا عند النظر إلى الصيغة الكيميائية. قد تبدو كل واحدة منهما قابلة للاستبدال بالأخرى. لكن الإنزيم، بسبب بنيته ثلاثية الأبعاد، قد يتعامل مع واحدة منهما فقط.

إذن لا يكفي أن نعرف ما الذرات الموجودة في الجزيء؛ علينا أيضًا أن نعرف أي ذرة تتفاعل، ومن أي جانب، وبأي ترتيب فراغي.

كان هذا هو المجال الذي استطاع كورنفورث أن يمنحه طريقة تجريبية دقيقة.


ذرات الهيدروجين.. العلامات الصغيرة التي كشفت أسرار الإنزيم

أحد أهم مفاتيح أبحاث كورنفورث كان استخدام نظائر الهيدروجين بوصفها علامات تتبع.

الهيدروجين العادي له نظائر أثقل، أهمها الديوتيريوم والتريتيوم. تختلف هذه النظائر في الكتلة، ويمكن للباحث استخدامها لتتبع مصير ذرة معينة أثناء التفاعل.

استفاد كورنفورث من هذه الخاصية بطريقة دقيقة للغاية. فإذا كان أمامه جزيء يحتوي على موضعين متشابهين ظاهريًا، أمكنه استخدام النظائر لتمييز أحدهما عن الآخر، ثم متابعة ما يفعله الإنزيم.

وكانت هذه الفكرة مهمة لأن الإنزيمات تعمل بانتقائية عالية. فبدل أن تتحرك التفاعلات الحيوية بصورة عشوائية، تستطيع الإنزيمات توجيهها إلى مسارات محددة وبترتيبات فراغية دقيقة.

أوضحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في بيان نوبل أن كورنفورث استخدم نظائر الهيدروجين الثلاثة لتحديد أي ذرات الهيدروجين يجري استبدالها أثناء التفاعلات، مستفيدًا من اختلاف سرعتها في التفاعل.

أما موقع نوبل فيوضح أن كورنفورث استخدم هذه الطريقة منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين لدراسة كيفية استبدال إنزيم لذرة هيدروجين معينة في الجزيء، وما يترتب على ذلك من نتائج في بنية الناتج النهائي.

كانت الفكرة بسيطة في صياغتها، لكنها شديدة العمق في تطبيقها: ضع علامة على الذرة، ثم راقب أين ذهبت.

وبذلك أصبح بالإمكان تحويل سؤال نظري عن الشكل ثلاثي الأبعاد للتفاعل إلى سؤال تجريبي يمكن اختباره.


مسار الكوليسترول.. التجربة التي جعلت الفراغ الكيميائي قابلًا للرؤية

من أبرز التطبيقات التي ساهمت في تكوين إنجاز كورنفورث دراسة تصنيع الستيرويدات من حمض الميفالونيك عبر السكوالين.

توضح مؤسسة نوبل أن تكوين السكوالين، وهو طليعة مهمة في المسار الحيوي المؤدي إلى الكوليسترول، يتضمن سلسلة معقدة من الخطوات، وأن الإنزيمات في كل مرحلة يجب أن تحدد أي ذرات الهيدروجين تتعامل معها. وباستخدام الديوتيريوم كعلامة، أمكن تتبع الاختيارات التي تقوم بها الإنزيمات.

هنا تظهر قيمة العمل بوضوح.

قبل هذه الدراسات، كان العلماء يعرفون الكثير عن المواد التي تظهر في مسارات التخليق الحيوي، لكن معرفة أسماء المركبات وترتيبها لا تجيب وحدها عن السؤال الأعمق: لماذا ينتج المسار الحيوي جزيئًا محدد البنية بدلًا من صورة أخرى ممكنة كيميائيًا؟

أبحاث كورنفورث قدمت دليلًا تجريبيًا على أن الإنزيمات لا تؤدي وظيفة «تسريع» التفاعل فقط، وإنما تستطيع توجيه المسار من خلال هندسة موقع التفاعل.

وهذا ما جعل الكيمياء الفراغية نقطة اتصال بين الكيمياء العضوية والكيمياء الحيوية.


لماذا كان ذلك إنجازًا استثنائيًا؟

تكمن قيمة كورنفورث في أنه لم يكتفِ بإثبات أن الجزيئات لها ترتيب فراغي، بل ساعد على الكشف عن كيفية استخدام الإنزيم لهذا الترتيب في توجيه التفاعل.

كانت الكيمياء الفراغية قبل ذلك قد قطعت أشواطًا مهمة في فهم اختلاف الجزيئات التي تحمل الذرات نفسها ولكن تختلف في ترتيبها ثلاثي الأبعاد. وفي جائزة نوبل نفسها، حصل فالديمار بريلوغ على النصف الآخر من الجائزة عن أبحاثه في الكيمياء الفراغية للجزيئات والتفاعلات العضوية. أما كورنفورث فركز على الطريقة التي تظهر بها هذه المبادئ داخل التفاعلات التي تقودها الإنزيمات.

وهكذا كان تكريم العالمين في العام نفسه منطقيًا من الناحية العلمية؛ فبريلوغ درس جانبًا أساسيًا من هندسة الجزيئات وتفاعلاتها، بينما كشف كورنفورث كيف تظهر هذه الهندسة في العمليات الإنزيمية المرتبطة بالحياة.

وتشير مؤسسة نوبل إلى أن أهمية هذه الكيمياء تتجاوز الوصف النظري؛ فاختلاف الترتيب الهندسي للجزيء يمكن أن يجعل مركبًا فعالًا أو غير فعال، وهو أمر بالغ الأهمية في الكيمياء الحيوية وتطوير الأدوية.


من «الذرة المتشابهة» إلى مفهوم أكثر عمقًا عن الإنزيم

يمكن النظر إلى أحد أعظم إسهامات كورنفورث على أنه نقل السؤال من مستوى الصيغة إلى مستوى السلوك.

فالصيغة الكيميائية قد تقول إن جزيئًا ما يحتوي على مجموعة محددة من الذرات. لكن الإنزيم لا يتعامل مع الصيغة على الورق؛ إنه يتعامل مع جسم ثلاثي الأبعاد.

وهذا يعني أن موضع الذرة واتجاهها والمسافة بينها وبين أجزاء أخرى من الجزيء كلها قد تحدد نتيجة التفاعل.

إنجاز كورنفورث جعل هذه الفكرة قابلة للاختبار التجريبي في عدد من التفاعلات البيولوجية المهمة. وفي بيان جائزة نوبل، أُشير تحديدًا إلى أن أبحاثه وضحت الكيمياء الفراغية لتفاعلات ذات أهمية حيوية، ومنها خطوات مرتبطة بتكوين الستيرويدات، وكذلك تفاعلات تدخل فيها مركبات مثل حمض الماليك وحمض الستريك.

ومن هنا لم يعد الإنزيم مجرد «محفز» بالمعنى المبسط؛ بل أصبح في نظر الكيمياء الحديثة جسمًا هندسيًا يوجه التفاعل من خلال بيئته الفراغية.

وهذا التحول الفكري كان أحد الأسباب التي جعلت إنجازات كورنفورث تتجاوز حدود موضوعه الأصلي.


الكيمياء التي تركت أسماءها في كتب التفاعلات

لم تقتصر أعمال كورنفورث على المجال الذي نال عنه نوبل.

ففي الكيمياء العضوية يوجد ما يعرف باسم إعادة ترتيب كورنفورث، وهي تفاعل كيميائي نُشر العمل الأصلي المرتبط به في عام 1949. وقد أصبح التفاعل موضوعًا لأبحاث لاحقة درست آليته ومداه وحدوده. وتظهر أعمال منشورة في دوريات الجمعية الكيميائية الأمريكية والجمعية الملكية للكيمياء أن هذا التفاعل ظل حاضرًا في الأدبيات الكيميائية لعقود بعد ظهوره.

واللافت أن هذا الأثر لم يتوقف عند الدراسات التاريخية. فقاعدة المقالات العلمية التابعة للجمعية الكيميائية الأمريكية تُظهر أن أبحاثًا حديثة لا تزال تستشهد بإعادة ترتيب كورنفورث، بما في ذلك دراسات تناولت استخدامه في استراتيجيات تخليق جزيئات أكثر تعقيدًا.

وهنا يظهر الفرق بين إنجاز علمي ينتهي عند صاحبه وإنجاز يتحول إلى أداة في صندوق أدوات الباحثين. فحين يحمل تفاعل كيميائي اسم صاحبه ويستمر استخدامه أو تطويره، فإن أثره يتحول من «نتيجة بحثية» إلى جزء من لغة التخصص نفسه.


ريتا كورنفورث.. الشراكة التي لا تكتمل سيرة جون من دونها

لا يمكن كتابة سيرة جون كورنفورث بصورة دقيقة من دون التوقف عند ريتا هارادنس، التي أصبحت لاحقًا ليدي ريتا كورنفورث.

كانت ريتا كيميائية متميزة، درست في جامعة سيدني ثم حصلت، مثل جون، على منحة للدراسة في أكسفورد. وعملت في الأبحاث المرتبطة بالستيرويدات والبنسلين، كما شاركت في أعمال التتبع النظائري والدراسات التي ارتبطت بأبحاث الكوليسترول.

وكانت شراكتهما العلمية طويلة الأمد. وتشير الجمعية الملكية للكيمياء إلى أن ريتا ظلت جزءًا أساسيًا من الفريق العلمي، وأنها ساهمت في استخدام المتتبعات المشعة وتحضير المواد الموسومة ذات التعقيد الكبير.

كما أن فقدان كورنفورث السمع لم يكن مجرد تفصيل في سيرته، بل أثر عمليًا في طريقة عمله وتواصله. وتذكر الجمعية الملكية أن ريتا ساعدته في التواصل خلال الاجتماعات العلمية، وظلت شريكته العلمية طوال حياته المهنية.

وهذه النقطة لا تعني إعادة كتابة إنجاز نوبل بصورة مختلفة عن القرار الرسمي، ولا تقليلًا من إسهام كورنفورث؛ لكنها تضع العمل العلمي في سياقه الحقيقي، حيث تظهر الاكتشافات أحيانًا نتيجة تعاون طويل بين أشخاص لا تظهر أسماؤهم بالقدر نفسه في عناوين الجوائز.


بين وارويك وساسكس.. العالم الذي لم يتوقف عند نوبل

لم تكن جائزة نوبل خاتمة المسيرة العلمية لكورنفورث.

عمل في مؤسسات بحثية وأكاديمية عدة، ومن بينها مجلس البحوث الطبية والمعهد الوطني للبحوث الطبية، ثم جامعة وارويك وجامعة ساسكس، إلى جانب عمله في مختبر ميلستيد للكيمياء الإنزيمية.

وفي عام 1975، انتقل إلى جامعة ساسكس بوصفه أستاذ أبحاث للجمعية الملكية، وهو المنصب الذي واصل من خلاله نشاطه العلمي بعد حصوله على الجائزة. وتذكر الجمعية الملكية أنه استمر في العمل البحثي في ساسكس حتى اقترب من سن التسعين.

وهذه الاستمرارية مهمة لفهم شخصيته العلمية. فالعالم الذي يصل إلى نوبل قد يتجه إلى الإدارة أو التقاعد أو العمل العام، لكن كورنفورث ظل قريبًا من المختبر والبحث.

وتشير جامعة ساسكس إلى أنه استمر في البحث والتعاون مع الأجيال الأصغر في الجامعة، كما احتفظت المؤسسة بذكراه ضمن تاريخها العلمي.


من جائزة نوبل إلى تاريخ الكيمياء الحديث

عند البحث عن سبب فوز جون كورنفورث بجائزة نوبل، قد تبدو الإجابة في ظاهرها قصيرة: فاز عن أبحاثه في الكيمياء الفراغية للتفاعلات المحفزة بالإنزيمات.

لكن هذه العبارة تخفي وراءها مسارًا علميًا طويلًا.

لقد بدأ اهتمامه بالكيمياء العضوية، ثم انتقل إلى الستيرويدات، وشارك في أبحاث البنسلين، ثم أسهم في تخليق مركبات ستيرويدية معقدة، قبل أن يتحول إلى دراسة التخليق الحيوي للكوليسترول، ثم إلى السؤال الأكثر دقة حول كيفية تحديد الإنزيم للذرات التي يتعامل معها.

بهذا المعنى، لم تكن نوبل قفزة مفاجئة في مسيرته؛ بل كانت نتيجة طبيعية لتراكم أسئلة مترابطة.

ويمكن تتبع الخط التاريخي لأعماله على النحو الآتي: بنية الجزيء ← تخليقه في المختبر ← كيفية تخليقه في الخلية ← الدور الهندسي للإنزيم في توجيه التفاعل.

وهذا الخط هو الذي يعطي سيرته العلمية وحدتها.


امتداد الأثر.. من إنزيمات الكوليسترول إلى الكيمياء الدوائية

لا يصح القول إن كورنفورث «اخترع» أدوية خفض الكوليسترول أو أن أبحاثه أدت وحدها بصورة مباشرة إلى ظهورها؛ فالتطور الدوائي الحديث كان نتيجة عقود من العمل شارك فيها علماء ومؤسسات واتجاهات بحثية متعددة.

لكن المصادر العلمية تسمح بربط أبحاثه بمسار أوسع في فهم التخليق الحيوي للكوليسترول وآليات التفاعلات الإنزيمية. فالجمعية الملكية تشير إلى أن أبحاثه في الكيمياء الفراغية للتفاعلات الإنزيمية مهدت الطريق لتطورات في أبحاث خفض الكوليسترول، بينما تشير جامعة سيدني إلى أن أعماله حفزت دراسات حول آليات مجموعة واسعة من التفاعلات الإنزيمية التي أصبحت مهمة في اكتشاف الأدوية.

والأهم من تطبيق بعينه هو المنهج الذي تركه وراءه.

فعندما يستطيع الباحث تحديد الذرة التي تتعامل معها الإنزيمات، وفهم كيفية اختيارها لها، فإنه يقترب خطوة من فهم الطريقة التي تعمل بها الأنظمة الحيوية على المستوى الجزيئي.

وهذا النوع من المعرفة لا يرتبط بمركب واحد. إنه قابل للتطبيق على مجموعة واسعة من التفاعلات التي تعتمد على الإنزيمات، ولذلك كان تأثير كورنفورث أوسع من قائمة المركبات التي درسها بنفسه.


إرث لا يعيش في التذكارات فقط

توجد طريقة أخرى لقياس أثر عالم من خلال المؤسسات التي تواصل تخليد اسمه.

في جامعة سيدني، أُنشئت جوائز وبرامج تحمل اسم كورنفورث وريتا كورنفورث، من بينها ميدالية تمنح للتميز في أبحاث الدكتوراه في الكيمياء في الجامعات الأسترالية. كما استمرت الجامعة في تقديم محاضرات تحمل اسم كورنفورث وتستعيد أعماله بوصفها جزءًا من تاريخ الكيمياء الأسترالية.

أما في الأدبيات العلمية، فإن استمرار دراسة إعادة ترتيب كورنفورث والاستشهاد بها يمثل نوعًا مختلفًا من الإرث: إرثًا لا يعتمد على الاحتفاء الرمزي، بل على استمرار استخدام الفكرة العلمية نفسها وتطويرها.

وتكشف أعمال لاحقة منشورة في الدوريات الكيميائية أن إعادة ترتيب كورنفورث ظلت موضوعًا لدراسات ميكانيكية وتطبيقات تخليقية، بما في ذلك أعمال حديثة في مجال تخليق الجزيئات المعقدة.

أما إرثه في الكيمياء الفراغية، فيتجاوز اسم تفاعل محدد. فقد أصبح فهم العلاقة بين الشكل ثلاثي الأبعاد للجزيء ووظيفته ومسار التفاعل جزءًا أساسيًا من الكيمياء الحيوية والكيمياء الدوائية الحديثة.


إنجازات جون كورنفورث في الكيمياء.. أكثر من طريق إلى نوبل

عند النظر إلى أهم أعمال جون كورنفورث، لا ينبغي حصرها في التجارب التي ذكرت في قرار نوبل وحده.

هناك أولًا عمله في كيمياء البنسلين خلال الحرب العالمية الثانية، ومساهمته في دراسة D-penicillamine وتأليف كتاب عن كيمياء البنسلين.

ثم يأتي عمله في تخليق الستيرويدات، والذي بلغ مرحلة مهمة عام 1951 عندما اكتمل تخليق ستيرويد غير عطري كاملًا.

ثم شراكته مع جورج بوبجاك في دراسة التخليق الحيوي للكوليسترول.

ثم جاءت المرحلة التي شكلت ذروة مسيرته: استخدام النظائر لتحديد المسارات الفراغية للتفاعلات الإنزيمية.

وإلى جانب ذلك، ترك أعمالًا في الكيمياء العضوية حمل بعضها اسمه لاحقًا، ومنها إعادة ترتيب كورنفورث.

هذه الإنجازات ليست جزرًا منفصلة. فكل مرحلة فتحت السؤال الذي يقود إلى المرحلة التالية.

كان تركيب الجزيء يقود إلى سؤال عن كيفية بنائه. وسؤال البناء قاد إلى التخليق الحيوي. والتخليق الحيوي قاد إلى الإنزيم. والإنزيم قاد إلى الهندسة الفراغية للتفاعل.

وهذا الترابط هو ربما أفضل طريقة لفهم شخصية كورنفورث العلمية.


عالم اختار أن يسأل الجزيء نفسه

كان كورنفورث ينتمي إلى جيل من الكيميائيين الذين استطاعوا نقل الكيمياء العضوية من رسم الصيغ إلى محاولة فهم الحركة الفعلية للذرات أثناء التفاعل.

لكن ما يميزه أن أسئلته لم تتوقف عند معرفة «ماذا يحدث؟». لقد ذهب إلى سؤال «أي ذرة تتحرك؟ ولماذا هذه الذرة تحديدًا؟ وكيف يوجه الإنزيم هذا الاختيار؟».

وهذه النقلة تبدو صغيرة في اللغة، لكنها كبيرة في العلم.

فالكيمياء الحيوية ليست مجرد مجموعة من المركبات التي توجد داخل الخلية؛ إنها شبكة من العمليات المنضبطة. والإنزيمات هي إحدى أهم الأدوات التي تجعل هذه العمليات ممكنة ومنظمة.

وقد ساعد كورنفورث في إظهار أن هذه التنظيمات لها أساس هندسي يمكن تتبعه تجريبيًا.

لذلك فإن قيمة عمله لا تكمن فقط في إجابة سؤال محدد حول الكوليسترول أو الستيرويدات، بل في إظهار طريقة يمكن استخدامها لفهم تفاعلات إنزيمية أخرى.


خاتمة: إرث مفتوح لا ينتهي عند ميدالية نوبل

رحل السير جون واركاب كورنفورث في 8 ديسمبر 2013، بعد مسيرة امتدت من مختبرات سيدني إلى أكسفورد ومراكز البحوث الطبية ومختبر ميلستيد ثم جامعة ساسكس. وكان قد حصل خلال حياته على عدد من أرفع التكريمات العلمية، من بينها ميدالية ديفي والميدالية الملكية وميدالية كوبلي، إلى جانب جائزة نوبل في الكيمياء عام 1975.

لكن اختزال حياته في قائمة الجوائز سيكون أقل من إنصافها.

تكمن أهمية كورنفورث في الطريقة التي بنى بها المعرفة: من الكيمياء العضوية إلى الستيرويدات، ومن الستيرويدات إلى الكوليسترول، ومن الكوليسترول إلى الإنزيمات، ومن الإنزيمات إلى السؤال الدقيق عن الهوية الفراغية للذرة داخل التفاعل.

لقد أظهر أن الذرات التي تبدو متشابهة على الورق قد لا تكون متكافئة بالنسبة إلى الإنزيم، وأن ترتيب الذرات في الفضاء يمكن أن يكون مفتاحًا لفهم ما يحدث في الكيمياء الحيوية.

كما أن استمرار دراسة التفاعلات التي ارتبط اسمه ببعضها، واستمرار حضور أفكاره في الكيمياء العضوية والإنزيمية، يوضح أن الإرث العلمي الحقيقي لا ينتهي لحظة إعلان الجائزة.

وربما لهذا تبدو قصة كورنفورث، في جوهرها، قصة عن الدقة.

دقة عالم فقد سمعه مبكرًا لكنه لم يتخلَّ عن الاستماع إلى ما تقوله التجارب.

ودقة كيميائي لم يكتفِ بأن يعرف مكونات الجزيء، بل أراد أن يعرف موقع كل ذرة ودورها.

ودقة باحث أدرك أن الإنزيم لا يتعامل مع الجزيئات كما تظهر في الكتب، بل كما توجد فعلًا في الفراغ ثلاثي الأبعاد.

ومن هذه الدقة خرجت المعرفة التي كافأتها نوبل عام 1975، ثم واصلت طريقها داخل الكيمياء الحديثة.

ولهذا تبقى سيرة جون كورنفورث أكثر من قصة عالم أسترالي بريطاني وصل إلى قمة التكريم العلمي؛ إنها قصة انتقال في طريقة التفكير نفسها، من النظر إلى الجزيء بوصفه صيغة مكتوبة، إلى رؤيته بوصفه بنية حية تتحرك وتتفاعل وتختار مساراتها وفق هندسة دقيقة.

وهنا تحديدًا يكمن الإرث المفتوح: كلما ازدادت قدرتنا على فهم الشكل الذي تتخذه الجزيئات، ازدادت قدرتنا على فهم الوظائف التي تؤديها، والتفاعلات التي تحكم الحياة على المستوى الكيميائي.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى