ساق الزنابق.. حكاية يابانية عن النقاء الذي سبق لقاء بوذا

يُقال إن الإله بوذا، عند الساعة السابعة من صباح الغد، سيعبر نهر هيموكيا ويدخل البلدة.
هكذا جاء الخبر مع النسيم العليل، وسرعان ما انتشر في جميع بيوت بلدة هاموكيا المسوَّرة.
استقبل الناس الخبر بفرح بالغ؛ فقد طال انتظارهم لقدوم بوذا، وكان شوقهم لرؤيته يزداد يومًا بعد يوم. بل إن كثيرًا من أبناء البلدة سبق أن غادروها لينضموا إليه ويتتلمذوا على يديه.
راح الجميع يتساءلون: كيف يبدو وجه بوذا؟ وما لون عينيه؟ هل هما زرقاوان بلون بتلات اللوتس، كما يتناقل الناس؟ وهل حقًا تلمع أظافر أصابعه كبريق النحاس المصقول؟ وكيف سيبدو أولئك الرجال الذين رحلوا لاتباعه عندما يعودون؟ وماذا سيرتدون؟
وبحماسة الأطفال، انشغل الأهالي بترتيب منازلهم، وما إن فرغوا حتى خرجوا إلى الشوارع يحملون المكانس، ينظفون الطرقات بعناية. وفي كل زاوية من البلدة كان المشهد يتكرر؛ رجال ونساء يكنسون الأرض في نشاط وفرح.
أزيلت الأحجار الصغيرة وروث الأبقار بعناية، ثم رُشَّت الأرض بالماء، ونُثر فوقها رمل الكوارتز الأبيض، حتى بدت الشوارع وكأنها تستعد لاستقبال ضيف عظيم.
«يُقال إن الإله بوذا، عند الساعة السابعة من صباح الغد، سيعبر نهر هيموكيا ويدخل البلدة…»
ولم يمضِ وقت طويل حتى بلغ الخبر القصر الملكي.
قال أحد رجال الحاشية: «يا صاحب الجلالة، يُقال إن الإله بوذا سيعبر نهر هيموكيا صباح الغد، ويدخل بلدتنا.»
نهض الملك من فوق عرشه المرصع بالعقيق، وقد غلبه الحماس، وسأل: «حقًا؟ أمتأكد أنت من ذلك؟»
أجاب الرجل: «يبدو الأمر كذلك يا مولاي. فقد قدم تاجران من بلدة هامورا، وأكدا أنهما سمعاه هذا الصباح يعظ الناس على الضفة الأخرى من النهر.»
قال الملك، وقد ارتسمت الفرحة على وجهه: «إذن فلا بد أن الخبر صحيح. آه… كم طال انتظارنا لهذا اليوم! أسرع، وأصدر أوامرك بتنظيف البلدة.»
ابتسم الرجل وقال: «لقد سبق الناس أوامر جلالتكم، يا مولاي. فقد خرجوا جميعًا ينظفون الشوارع بمحض إرادتهم، فرحين بقرب وصول بوذا.»
ظل الملك صامتًا لحظة، ثم قال: «اذهب مع ذلك، وتأكد من ألا يُترك شيء دون عناية.»
ثم أضاف: «وأمرٌ آخر… أعدّوا طعامًا يكفي ألف شخص.»
أجاب الرجل: «أوامرك مطاعة، يا صاحب الجلالة. لقد ظل رئيس المطابخ الملكية ينتظر هذه اللحظة منذ الصباح.»
فكر الملك قليلًا، ثم تابع: «علينا أيضًا أن نُعدَّ مكانًا يليق بالضيوف. اطلب من النجارين إقامة مساكن تتسع لألف شخص في أيكة البلوط خارج الأسوار.»
ابتسم الرجل وقال: «لقد سبق النجارون أوامرك كذلك، يا مولاي. إنهم بالفعل يتفقدون الغابة، استعدادًا لهذا العمل.»
تمتم الملك في دهشة: «حقًا؟ يبدو أن تعاليم بوذا تنتشر بين الناس بسرعة الريح.»
ثم قال بحزم: «سأذهب بنفسي إلى ضفة النهر مع بزوغ الفجر لاستقباله. أعلنوا ذلك في أنحاء البلدة، واحضروا جميعًا عند الساعة الخامسة صباحًا.»
انحنى الرجل احترامًا وقال: «كما تأمر، يا صاحب الجلالة.»
وغادر رئيس الوزراء، ذو اللحية البيضاء، القصر وهو يفيض سرورًا، حتى بدت وجنتاه متوردتين كوجنتي طفل.
وأخيرًا بزغ فجر اليوم المنتظر.
ومن خلف ستائر حجرته، سمع الملك وقع خطوات رئيس وزرائه الهادئة، فاعتدل جالسًا قبل أن يدخل.
قال رئيس الوزراء: «يا صاحب الجلالة… لقد دقت الساعة الخامسة.»
أجاب الملك: «لم يغمض لي جفن طوال الليل، ومع ذلك أشعر هذا الصباح بصفاء لم أعرفه من قبل. أخبرني… كيف يبدو الطقس؟»
ثم أزاح ستائره، ونهض واقفًا.
قال رئيس الوزراء:
«الطقس جميل بالفعل، يا صاحب الجلالة. ويمكن رؤية زرقة اللازورد على الجانب الجنوبي من جبل سوميرو بصفاء يشبه النظر عبر البلور. لا شك أن بوذا سيبدو مهيبًا في مثل هذا اليوم.»
ابتسم الملك وقال:
«هذا حسن. وهل البلدة لا تزال نظيفة كما كانت بالأمس؟»
أجاب رئيس الوزراء:
«نعم، يا صاحب الجلالة. إنها نقية كنقاء شاطئ بحيرة صافية.»
سأله الملك:
«وهل أُعدَّ الطعام؟»
قال:
«كل الاستعدادات اكتملت.»
سأل الملك مرة أخرى:
«وماذا عن مكان الإقامة في أيكة البلوط؟»
أجاب رئيس الوزراء:
«سيكون جاهزًا تمامًا قبل انتهاء الصباح. لم يتبقَّ سوى تثبيت النوافذ وتنظيفها.»
ثم انطلق الملك إلى ضفة نهر هيموكيا، يتقدمه رجال البلاط ويتبعه أهل البلدة.
هبت الريح برفق، فأحدثت بين الأشجار حفيفًا رقيقًا، وتألق الورق تحت أشعة الشمس.
قال الملك وهو يتأمل الطبيعة:
«هذه الريح تنبئ بقرب حلول شهر سبتمبر.»
فأجابه رئيس الوزراء:
«صدقت، يا صاحب الجلالة. إن الغبار الذي تحمله الرياح هو غبار الخريف، صافٍ كحبيبات البلور.»
سأل الملك:
«وهل أزهرت الزنابق؟»
قال رئيس الوزراء:
«لقد نمت جميع البراعم، والغبار الخريفي يكسو أطرافها الذهبية. ويبدو أن الأزهار ستتفتح كلها مع إشراقة هذا الصباح.»
قال الملك في سرور:
«رائع… أرغب في أن أقدم لبوذا زنبقة قربانًا.»
ثم التفت إلى وزير الخزانة، الذي كانت لحيته السوداء الكثيفة تخفي معظم وجهه، وقال:
«أيها الوزير، اذهب إلى الغابة وأحضر لي زنبقة متفتحة.»
انحنى الوزير احترامًا وقال:
«أمرك، يا صاحب الجلالة.»
مضى الوزير وحده إلى الغابة.
كانت الغابة ساكنة، يغمرها ضوء أزرق هادئ. أخذ يتفحص أرجاءها بعناية، لكنه لم يعثر على زنبقة واحدة.
وبينما كان يتجول بين الأشجار، لمح منزلًا كبيرًا يختبئ في أعماق الغابة. كانت الشمس تغمره بضوئها الأبيض، فيبدو كأنه يطفو داخل حلم.
وتحت شجرة كستناء أمام المنزل، وقف طفل حافي القدمين يراقبه بصمت، وفي يده ساق تحمل عشر زنابق بيضاء، ناصعة كأنها منحوتة من الصدف.
اقترب الوزير منه وقال بلطف:
«أتبيعني هذه الزهور؟»
ضم الطفل شفتيه قليلًا، ثم أجاب:
«لا مانع عندي.»
ابتسم الوزير وسأله:
«وكم ثمنها؟»
أجاب الطفل بسرعة:
«عشرة بنسات.»
ابتسم الوزير وقال:
«عشرة بنسات كثيرة جدًا.»
فقال الطفل على الفور:
«إذن… خمسة بنسات.»
هز الوزير رأسه مبتسمًا:
«وخمسة بنسات أيضًا كثيرة.»
احمر وجه الطفل وصاح:
«حسنًا… بنس واحد.»
ضحك الوزير وقال:
«اتفقنا… بنس واحد.»
ثم خلع قلادة مرصعة بالياقوت الأحمر كانت تتدلى من عنقه، ومدها إلى الطفل بدلًا من النقود.
اتسعت عينا الطفل وهو يتأمل الأحجار الحمراء المتلألئة، وقال في دهشة:
«ما أجملها!»
أعطاه الوزير القلادة، وأخذ منه الزنابق.
وبعد لحظة، سأل الطفل وكأن فكرة خطرت له فجأة:
«ولماذا تريد هذه الزهور؟»
أجاب الوزير:
«لأقدمها قربانًا للإله بوذا.»
ساد الصمت لحظة، ثم قال الطفل بحزم:
«إذن… لا أستطيع أن أسمح لك بأخذها.»
ورمى القلادة على الأرض.
توقف الوزير، وسأله متعجبًا:
«ولِمَ لا؟»
أجاب الطفل ببساطة:
«لأنني فكرت أن أقدمها إليه بنفسي.»
ابتسم الوزير، وقد بدا عليه التأثر، وقال:
«أحقًا؟ إذن الزهور لك.»
هز الطفل رأسه وقال:
«لا… يمكنك أن تأخذها.»
تردد الوزير قليلًا، ثم تناول الزنابق مرة أخرى، وقال:
«أنت فتى طيب القلب. وعندما يصل الإله بوذا، تعال إلى القصر.»
ثم أضاف مبتسمًا:
«أنا وزير الخزانة.»
قال الطفل:
«لا… يمكنك أن تأخذها.»
تردد الوزير لحظة، ثم تناول الزنابق مرة أخرى.
وقال للطفل مبتسمًا:
«أنت فتى طيب القلب. وعندما يصل الإله بوذا، تعال معه إلى القصر. أنا وزير الخزانة.»
تهلل وجه الطفل وقال في ابتهاج:
«حسنًا… سأأتي.»
عاد الوزير عبر الغابة إلى ضفة نهر هيموكيا، حيث كان الملك ورجال حاشيته ينتظرون.
تناول الملك الزنابق من بين يديه، ورفعها بكل وقار أمام جبهته، ثم قال:
«شكرًا لك… إنها زهور كاملة الجمال.»
وفي تلك اللحظة، ظهر في السماء وهج ذهبي خافت، أخذ يرتفع فوق الغابة الخضراء الممتدة خلف النهر، كأنه قوس قزح من نور.
ساد صمت مهيب.
فانحنى الجميع ساجدين، وجثا الملك معهم على الرمال، وقد غمرهم شعور عميق بالخشوع.
ومن يدري…
لعل هذا المشهد قد وقع حقًا، في مكانٍ ما، قبل مائتي مليون عام… أو ما يقارب ذلك.



