فيلياس فوج يشتري فيلًا بألفي جنيه لمواصلة رحلته حول العالم

انطلقت صافرة القطار، معلنةً مغادرة المحطة في الموعد المحدد، وكان مع باسبارتو وفيلياس فوج في المقصورة التي يجلسان فيها رجلٌ يُدعى السير فرانسيس كرومرتي، وهو رجل طويل القامة، ذو بشرة بيضاء، يبلغ الخمسين من عمره. وكان السير فرانسيس في طريقه للانضمام إلى كتيبته الإنجليزية المتمركزة في مدينة بيناريس، وهي مدينة كبرى أخرى في الهند.
تعارف فيلياس والسير فرانسيس على متن «منغوليا»، حيث لعبا الورق معًا، وكان السير فرانسيس، وهو جنرال في الجيش البريطاني، يرى أن فيلياس رجل مجنون؛ لأنه يحاول السفر حول العالم في مثل هذا الوقت القصير، بل كان يرى أن فيلياس شخص غريب الأطوار حقًّا.
وبعد مرور ساعات طويلة من رحلة القطار، قال السير فرانسيس:
«لو كان هذا قبل عدة سنوات مضت، يا فيلياس، لكنت علقت هنا وخسرت رهانك».
سأل فيلياس:
«كيف ذلك؟»
فأجاب السير فرانسيس:
«كان القطار يتوقف عند قاعدة تلك الجبال، وكان على الركاب امتطاء المهور للوصول إلى الجانب الآخر».
قال فيلياس:
«آه، حسنًا. كنت سأحرص على التخطيط لذلك، وكانت الأمور ستسير على خير ما يُرام».
حول العالم في ٨٠ يومًا
وبينما كان الرجلان يتجاذبان أطراف الحديث، نام باسبارتو بهدوء، وهو يتدثر ببطانيته. وأخيرًا توقف الرجلان عن الكلام، وبقيا صامتين، بينما شق القطار طريقه أثناء الليل. وبحلول النهار، كان قد قطع المسافة بين الجبال التي أصبحت خلفهما.
كانت محطتهما الأولى بعد مغادرة بومباي هي برهامبور، وعندما توقف القطار للتزود بالمؤن والفحم، اشترى باسبارتو لنفسه حذاءً جديدًا؛ إذ كان قد فقد حذاءه في الشجار الذي وقع في المعبد. وكان حذاؤه الجديد عبارة عن خفٍّ هندي مزين بلالئ غير أصلية، ولم يمتلك باسبارتو قط شيئًا بهذا الجمال.
وعندما بدأ القطار يستأنف رحلته، جلس باسبارتو مرة أخرى يتأمل من النافذة، وكان مشدوهًا؛ لأنه أصبح في الهند، تلك البلاد المختلفة عن كل الأماكن التي عرفها من قبل. وفي الواقع، كان قد بدأ يغيّر فكرته عن هذه الرحلة العاصفة، بل بدأ يستمتع بها.
وفجأة، توقف القطار، وصاح محصل القطار:
«على جميع الركاب مغادرة القطار!»
نظر فيلياس إلى السير فرانسيس، لكنه هو أيضًا لم يكن يدرك سبب توقفهم. وفي الخارج، كانت هناك قرية صغيرة محاطة بغابات من أشجار النخيل. اندفع باسبارتو خارج القطار ليرى ما يحدث.
وعند عودته، قال:
«سيدي، لا توجد المزيد من القضبان».
سأله السير فرانسيس:
«ماذا تعني؟»
أجاب باسبارتو:
«أقصد أن القطار لن يتمكن من السفر إلى أبعد من هنا».
خرج الجنرال، ولحق به فيلياس فوج، وذهبا للتحدث مع محصل القطار.
سأل السير فرانسيس:
«ماذا يحدث؟»
أجاب المحصل:
«لم ينتهِ إنشاء السكة الحديدية بعد. لا تزال هناك مسافة خمسين ميلًا لم ينتهِ إنشاؤها، ويتعين عليكم إكمال طريقكم بأنفسكم من هنا».
وبعد هذه الجملة، ترك المحصل الرجال الثلاثة، ولم يكن أيٌّ منهم يعلم ماذا سيفعل بعد ذلك.
لقد كانت كل الصحف اللندنية مخطئة؛ إذ كانت السكك الحديدية التي تقطع الهند على وشك الانتهاء، لكنها لم تكن قد اكتملت بعد في ذلك الجزء من الرحلة.
قال السير فرانسيس:
«بالتأكيد، ستمثّل هذه مشكلةً لك؛ إذ إنك لن تستطيع الوصول إلى كلكتا الآن».
قال فيلياس:
«بالعكس، لديَّ عدة أيام إضافية. فاليوم ما زال الثاني والعشرين من أكتوبر، ولن تغادر الباخرة إلى هونج كونج إلا يوم الخامس والعشرين، فما زال لدينا متسع من الوقت للوصول إلى كلكتا».
قرر فيلياس قائلًا:
«سنقطع المسافة سيرًا على الأقدام».
نظر باسبارتو إلى حذائه الجديد، الذي لن يصمد أمام مسافة خمسين ميلًا من السير، ثم نظر حوله لدقيقة، وقال:
«أعتقد أنني وجدت طريقًا آخر، يا سيدي».
قال فيلياس:
«ما هو، يا باسبارتو؟»
أشار باسبارتو بيده إلى كوخ صغير يبعد عدة ياردات عن المحطة، وقال:
«فيل!».
وكان ثمة فيل يقف هناك بالفعل. فسار الرجال الثلاثة إلى الكوخ وطرقوا الباب، فخرج رجل هندي، وأراهم فيلًا يُدعى «كيوني»، وكان هذا هو اسم الفيلة.
حاول فيلياس استئجار الفيلة لإيصالهم إلى مدينة الله آباد، حيث تستأنف السكة الحديدية رحلتها، لكن مالك الفيل رفض. فعرض عليه فيلياس مبلغًا أكبر، لكنه أصر على الرفض.
وبعد عدة دقائق من المساومة، عرض فيلياس مبلغ ستمائة جنيه، لكن الإجابة كانت لا تزال بالرفض. ثم حاول شراء كيوني مقابل ألف جنيه، ولم يلقَ عرضه قبولًا كذلك. وفي النهاية، اضطر فيلياس إلى عرض شرائها مقابل ألفي جنيه حتى يوافق المالك.
قال باسبارتو متعجبًا:
«ألفا جنيه من أجل فيلة!».
وتعجب من أن سيده كان على استعداد لإنفاق كل هذه الأموال من أجل مواصلة رحلتهم.
لكن بعد ذلك، تعيّن عليهم العثور على مرشد. ووجدوا في المدينة شابًّا لطيفًا يُدعى عليًّا، فاستأجروه على الفور. كما اشتروا المؤن اللازمة، وأصبحوا على استعداد للرحيل.
جلس فيلياس والسير فرانسيس على كرسيين على جانبي الفيلة، يُطلق عليهما «هودج»، بينما جلس باسبارتو بين الرجلين على ظهر كيوني، وجلس مرشدهم على رقبتها.
وبدأوا رحلتهم من القرية في الساعة التاسعة، وشقّوا طريقهم عبر غابة النخيل المحيطة بهم.



