الضحية | حين يصبح الحب امتحانًا للتضحية والوفاء

فسارت به العربة إليه، حتى إذا لم يبق بينه وبينه إلا منعطف واحد، مرّت بجانبه عربة فخمة مرور البرق الخاطف، تحمل رجلًا وامرأة لم يتبيّنهما في النظرة الأولى. ثم راجع صورتيهما في خياله، فإذا هما جان فيليب ومرغريت.
وكانت مركبته قد وصلت به إلى الفندق، فدخل على أبيه هائمًا مختبلًا، فقال له أبوه:
«ما دهاك يا بني؟!»
قال: «قد خانتني يا أبتاه!»
قال: «ذلك ما أنذرتك به من قبل يا بني».
ثم انقضى النهار، وجاء الليل، فقضاه أرمان ساهرًا في مخدعه، يراجع فهرس حياته مع مرغريت صفحةً صفحة، ويستعرض في نفسه جميع أطوارها وشؤونها. فلم تبقَ حركة من حركاتها، ولا كلمة من كلماتها، ولا صورة من صور أعمالها، كان يراها بالأمس حسنةً من حسنات الإخلاص والوفاء، إلا رآها اليوم سيئةً من سيئات الخديعة والمكر، حتى وصل في مراجعته إلى الأمس واليوم الذي قبله.
فذكر عدم انتظارها إياه في شرفة البيت، كعادتها، يوم عاد إليها من مقابلة أبيه، وشدة احتفاظها بكتاب المركيز في يدها عندما دخل عليها غرفتها، وضنّها به ضنًّا شديدًا، مع أنها لم تكن تفعل ذلك من قبل، وإعراضها عن التبسط في الحديث بعدما قصّ عليها قصته مع أبيه، وزعمها أنها مريضة خائرة لا تستطيع البقاء معه، وإلحاحها عليه، في صباح اليوم الثاني، إلحاحًا شديدًا في العودة إلى مقابلة أبيه واستعطافه، وقولها إنها لن تكون راضيةً عن نفسها ولا هانئةً بعيشها إن لم يكن أبوه راضيًا عنه.
فاستنتج من هذا كله أنها شعرت بفراغ يده من المال، وأن أباه إما أن يحول بينه وبينها، وإما أن يقتّر عليه الرزق تقتيرًا، فملّته واجتوته، وفكرت في سبيل الخلاص منه، ولم تزل تنتظر ما يأتيها به القدر حتى أتاها بكتاب المركيز، فكان هو طريق خلاصها.
ولم يزل هائمًا ما شاء الله له أن يهيم في تصوراته وأوهامه، حتى غلبته عيناه، فهجع قليلًا. ثم استيقظ في الصباح، فدخل على أبيه في مخدعه، وقال له:
«لي عندك أمنية يا أبتاه، لا أريد غيرها، وأريد أن أبتاعها منك بخضوعي لك، ونزولي على حكمك أبد الدهر، فيما سرّني أو ساءني. فهل لك أن تبلغنيها؟»
قال: «وما هي؟»
قال: «أريد أن تعطيني الساعة خمسة عشر ألف فرنك».
قال: «وما تريد منها؟»
قال: «أحب أن أستأثر بهذا السر لنفسي، من دون الناس جميعًا، حتى من دونك».
فنظر إليه أبوه نظر الملمّ بما دار في نفسه، ولم يعاوده بالسؤال، وأعطاه صكوكًا بالمال الذي أراد. فأخذها وأرسلها إلى مرغريت، وأرسل معها كتابًا طويلًا ختمه بهذه الكلمة:
«أما وقد عرفت أنني كنت أعيش مع امرأة عاهرة ساقطة، لا عهد لها ولا ذمام، فها هي ذي أجرة لياليك الماضية مرسلة إليك».
ثم خرج ليعدّ نفسه للسفر، فقضى اليوم كله خارج الفندق، ثم عاد إليه آخر النهار، فوجد فيه كتابًا باسمه، ففضّ ختامه، فإذا الأوراق التي أرسلها إلى مرغريت عائدة إليه كما هي، وليس معها كلمة واحدة.
فحاول أن يعيدها إليها مرة أخرى، فمنعه أبوه من ذلك، وقال له:
«قد وعدتني ألا تخالفني في أمر، فلا بد لك من الإذعان».
فأذعن، ثم سافرا معًا تلك الليلة إلى نيس.
كذلك قضى الله أن يفترق الصديقان الوفيان والعاشقان المخلصان؛ فعاد الفتى إلى أحضان أبيه، وعادت الفتاة إلى حياتها الأولى التي كانت تأباها أشد الإباء، وتخافها أشد الخوف. وفي نفس كل منهما من الوجد بصاحبه والحسرة عليه ما لا تنيه السنون والأعوام، ولا تنتقص منه الأيام.
الأشقياء في الدنيا كثير، وأعظمهم شقاءً ذلك الحزين الصابر الذي قضت عليه ضرورة من ضروريات الحياة أن يهبط بآلامه وأحزانه إلى قرارة نفسه، فيودعها هناك، ثم يغلق دونها بابًا من الصمت والكتمان، ثم يصعد إلى الناس باشّ الوجه، باسم الثغر، متطلقًا متهللًا، كأنه لا يحمل بين جنبيه همًّا ولا كمدًا.
ذلك كان شأن مرغريت بعد عودتها إلى حياتها الأولى؛ فقد أصبحت تعيش مع الناس بصورة غير الصورة التي تعيش بها مع نفسها. أما حياتها مع الناس، فحياة ضاحكة، لاعبة، مرحة، وثّابة، تضيء المجامع والمحافل، وتملأ الأنظار والأسماع. فإذا ضمّها مخدعها، وخلا لها وجه الليل، مرّت أمام عينيها صورة تلك الساعات السعيدة التي قضتها بجانب أرمان.
ثم ذكرت أنها أفلتت من يدها إفلات الطائر من يد صائده، وصارت بعيدة عنها بُعد الشمس عن يد متناولها، وأنها أصبحت تعيش بين أقوام لا تعرفهم، ولا تجد في نفسها لذة الأنس بهم. ثم لا تجد لها بدًّا من مماذقتهم، والتحبب إليهم، والتجمل لهم بما يريدون ويشتهون؛ فتقبّل الأفواه التي لا تشتهيها، وتعتنق القامات التي لا تطيق رؤيتها، وتشرب مع كل شارب، والشراب يحرق أحشاءها، وترقص مع كل راقص
والرقص يمزق أوصالها، وتضحك ضحكات السرور من قلب باكٍ، وتنشد أناشيد الهناء من فؤاد محترق.
فكأنها في أيدي الناس عودٌ في يد المغني، يقطع أوتاره ضربًا ليطرب لنغماته، أو زهرة في يد القاطف، يعصر أوراقها عصرًا لينعم بشذاها. فتهيجها ذكرى ذلك الماضي السعيد وهذا الحاضر الشقي، فتطلق العنان لزفراتها وعبراتها؛ يصعد منها ما يصعد، وينحدر ما ينحدر، حتى تشتفي نفسها. ثم تقوم إلى خزانة ملابسها، فتستخرج منها صورة تضعها بين سحرها ونحرها، ثم تأوي إلى مضجعها، فتجد برد الراحة في صدرها؛ لأنها صورة أرمان.
ولم تزل تكابد من الشقاء في تلك الحياة الساقطة وآلامها ما لا طاقة لمثلها باحتماله، حتى استيقظ في صدرها داؤها القديم، بعدما نام عنها حينًا من الدهر، فهزل جسمها، وشحب لونها، وغاض ماء ابتسامتها، وانطفأ شعاع نظراتها. وشغلها شأن نفسها عن شأن المركيز، فلم يلبث أن ملّها وفارقها، واستبدل بها أخرى.
ثم اختلف عليها من بعده الأخلاء والرفقاء، فكان شأنهم معها شأنه؛ لا يلبث أحدهم أن يعرفها حتى يهجرها. فكسدت سلعتها في سوق الجمال، وطمع فيها من لم يكن يطمع قبل اليوم في لثم مواطئ أقدامها. وخلت منها المجامع والمحافل، ثم خلت من ذكرها وحديثها.
وأعوزها المال إعوازًا شديدًا، فمدّت يدها إلى ما كان باقيًا عندها من جواهرها ولآلئها فباعته، فلم يفِ بدينها. فطلبت المعونة من كثير من أصدقائها الماضين، فأرسل إليها قليل منهم القليل منها، فلم يُغنِ عنها شيئًا.
وأخذت صحائف الحساب تصل إليها، يطالبها أصحابها بسداد ما عليها من ديون. فدافعتهم عنها حينًا، ثم عجزت، فحجزوا على جميع مقتنياتها وذخائرها وأثاث بيتها ورياشه. ولُؤمت في مقاضاتها لومًا ضاعف حزنها ومرضها، وقضى على بقية ما كانت تضمره في نفسها من الأمل في الحياة والسعادة فيها.
فنسيت العالم، خيره وشره، والحياة، سعادتها وشقاءها، وأصبحت لا تفكر إلا في أمر واحد، تقوم وتقعد به ليلها ونهارها، وهو أن ترى أرمان ساعة واحدة قبل موتها، ثم تذهب إلى ربها.
ولم تكن قد كتبت إليه قبل اليوم كلمة واحدة منذ فارقها، ولا كتب إليها. فنهضت، تتحامل على نفسها حتى وصلت إلى منضدتها، وكتبت إليه هذا الكتاب:
«تعال إليّ يا أرمان، راضيًا كنت أو غاضبًا، فإنني مريضة مشرفة على الموت، وأحب أن أراك قبل موتي، لأفضي إليك بسر الذنب الذي أذنبته في حقك فيما مضى، والذي لا تزال واجدًا عليّ بسببه حتى اليوم، فلعلك تعفو عني في ساعتي الأخيرة، فيكون عفوك ورضاك كل ما أتزوده من هذه الحياة لقبري.
واذكر يا أرمان أن أول عاطفة جمعت بيني وبينك، وألّفت بين قلبي وقلبك، كانت عاطفة الرحمة والشفقة. فها هي ذي الفتاة المريضة المسكينة التي رحمتها بالأمس وعطفت عليها قبل أن تحبها، تدعوك اليوم أن ترحمها وتعطف عليها، وإن تكن قد سلوتها.
أما كتابك الذي كتبته إليّ قبل سفرك، فقد اغتفرت لك كل ما فيه، حتى قولك إنني كنت كاذبة في حبك، طامعة في مالك؛ لأني أعلم أن المرأة التي يكذّب الناس حبها طول حياتها، لا يمكن أن تجد من يصدقها إذا صدقت فيه. وعدلٌ من الله كل ما صنع».
ثم لبثت تنتظر حضوره أيامًا طوالًا، فلم يأتِ، فأحزنها ذلك حزنًا شديدًا، وساء ظنها به، ووقع في نفسها أنه قد سلاها واطّرحها، وأصبح لا يعبأ بها، ولا يبالي بحياتها أو موتها، ولا بسعادتها أو شقائها.
وكانت مخطئة فيما ظنت؛ فإن أرمان لم يطّلع على الكتاب الذي أرسلته إليه مرغريت منذ أن فارقها في العام الماضي وسافر إلى نيس. ولم يستطع البقاء فيها إلا أيامًا قلائل، ثم ملكه الضجر، وأحاطت به الوحشة، وضاقت في وجهه مذاهب السلوى، فاستأذن أباه في السفر إلى بعض بلاد المشرق، ترويحًا عن نفسه وتفريجًا لكربته، فأذن له.
فسافر إلى الإسكندرية، وأقام بها بضعة أشهر، كان يكاتب أباه فيها قليلًا، ثم تركها وأخذ يتنقل في أنحاء البلاد؛ لا ينزل ببلد حتى يطير به الضجر إلى غيره. فانقطعت رسائله عن أبيه، وأصبح لا يعلم مكان وجوده.
فلما أرسلت مرغريت إليه كتابها، كان أرمان في نيس، فقرأ أبوه الكتاب وحفظه عنده، ولم يستطع إرساله إليه؛ إذ لم يكن يعلم أين يجده. ومرغريت لا تعلم شيئًا من ذلك، فحزنت لخيبة أملها حزنًا شديدًا، ودب اليأس في قلبها دبيب الموت في الحياة، ووقع في نفسها أنها ستخرج من الدنيا فارغة اليد من كل شيء، حتى من هذه الأمنية التي بقيت في يدها من بين جميع آمالها الضائعة.
فتغيّرت أحوالها، واستحالت حالها، ولجأت إلى صمت طويل، لا تقول فيه خيرًا ولا شرًّا. وأصبحت تنظر إلى نفسها وإلى ما يحيط بها من الأشياء، كأنها تنظر إلى شيء تنكره ولا تعرفه. فربما دخل عليها طبيبها وهي في أشد حالات ألمها، فلا تشكو له ألمًا، أو سمعت ضوضاء الدائنين وصحبهم في فناء المنزل، فلا تسأل ماذا يريدون.
وكانت إذا شعرت بقليل من الراحة والسكون، ركبت عربتها إلى بوجيفال، فزارت عليها يوم فارقته، ومرّت بغرفه وقاعاته، وجلست في كل مكان كانت تجلس فيه مع أرمان، وأشرفت من كل نافذة كان يشرف منها معها، وقبّلت جميع آثاره وبقاياه، ولثمت الكأس التي كان يشرب بها، والزهرة التي كان يحبها، والقلم الذي كان يكتب به، والكتاب الذي كان يقرأ فيه.
فإذا نال منها التعب، جلست على بعض المقاعد لتستريح. فربما طار بها الخيال إلى ذلك العهد القديم، فتمثّل لها أن أرمان جالس تحت قدميها، يسرد عليها حادثة من حوادث طفولته في نيس، أو يبثّها ما يضمره لها في نفسه من الوجد والغرام. فتبتسم ابتسامة السعيد الهانئ، وتستشعر في نفسها لذة لا يشعر بمثلها إلا المتقون في جنات النعيم. ثم تفتح عينيها، فلا ترى أمامها غير الوحشة والسكون والوحدة والانفراد، فتبكي ما شاء الله لها أن تبكي، ثم تعود إلى بيتها في باريس، فتجلس على كرسيها بجانب منضدتها، وتناجي أرمان في مذكراتها بكل ما تحدثها به نفسها، كأنه حاضر بين يديها، يراها ويسمعها.
لم تكتب إليّ، ولم تأتني، كأنما ظننت أنني أريد أن أستعيد معك عهد الماضي، وأين أنا من ذلك العهد؟! فلو رأيتني لرأيت امرأة ذاهبة مدبرة، لا تصلح لشأن من شؤون الحياة، ولم يبقَ فيها من صورتها الماضية إلا مثل ما بقي من زهرة سقطت عن غصنها بعدما عصفت الريح بأوراقها.
وكل ما كنت أريده منك أن أراك بجانب فراشي في ساعتي الأخيرة، لأعتذر لك عن ذنبي الذي أذنبته إليك، ثم أنظر إليك نظرة وداع، أغمض عليها جفني، وأذهب بها إلى قبري.
ما أنا بخائنة يا أرمان، ولا خادعة؛ فإن الرسالة التي رأيتها في يدي يوم عدت إليّ من مقابلة أبيك ليست رسالة المركيز، كما ظننت، بل رسالة أبيك نفسه، وصلت منه قبل وصولك إلى بوجيفال بساعة واحدة. وهذا نصها الذي لا يزال عالقًا بذهني حتى الساعة:
أريد أن أقابلك غدًا في منزلك، من الساعة العاشرة صباحًا، في شأن خاص بي وبك. وأريد ألا يكون أرمان حاضرًا تلك المقابلة، ولا عالمًا بها، ولا بأني أرسلت هذه الرسالة إليك. ولي من حسن الرأي فيك ما يطمعني في أن يكون ما سألتك إياه سرًّا بيني وبينك حتى نلتقي والسلام.
وقال فلما قرأتها، علمت ماذا يريد من تلك المقابلة، وشعرت بما وراءها، بل علمت بما دار بينك وبينه من الحديث، وأنك امتنعت عليه حتى يئس منك، فحاول أن يدخل عليك من بابي.
فحدثتني نفسي أن أرفض مقابلته، وأن أكاشفك بكل شيء، ثم استحييت من نفسي، وأكبرت أن يعتمد رجل شريف كأبيك على امرأة في كتمان سر بسيط كهذا السر، فلا يجدني عند حسن ظنه. وطمعت في أن أنال منه، عند المقابلة، ما يطمع في أن يناله مني، فكتمتك أمر الرسالة، وكتمتك ما في نفسي منها.
ولم أكن كاذبة في شكواي وألمي حين قلت لك في تلك الليلة إنني لا أستطيع البقاء بجانبك، وسألتك أن تقودني إلى مخدعي؛ فقد قضيت في فراشي ليلة لم أقض مثلها في جميع ما مرّ بي من ليالي الهموم والأحزان، حتى أصبح الصباح. فألححت عليك أن تذهب لمقابلة أبيك، وأنا أعلم أنك إن ذهبت إليه فلن تراه، ولن تنتفع بمقابلته إن رأيته، ولكني خفت أن يزورني فيراك عندي، فأصغر في عينيه، ولا شيء أشدّ عليّ من ذلك.
وما هي إلا لحظات قليلة حتى وصل إلى بوجيفال في الموعد الذي ضربه في كتابه. فاستأذن عليّ، فأذنت له، ودخل. فرأيت في عينيه جمرة من الغضب تلتهب التهابًا، فلم أحفل بها. ودعوته إلى الجلوس فلم يفعل، ولم يحيّني بيده ولا بلسانه.
وكان أول ما استقبلني به قوله:
«ماذا تريدين أن تصنعي بولدي أيتها السيدة؟»
وظل ينظر إليّ نظرة جامدة ساكنة، لا يطرف له جفن ولا يختلج له طرف. فعجبت لمدخله الغريب، ونظراته المترفعة، ولهجته الجافة الخشنة، وامْتَعَضْت في نفسي امتعاضًا شديدًا، حتى كدت أقول له — ولا أكتمك ذلك —:
«تذكّر يا سيدي أنك في منزلي، وأنني لم أدعك إلى زيارتي، بل أنت الذي دعوت نفسك بنفسك».
ثم ذكرت مكانته منك، فأمسكت عن كل شيء، حتى عن الإجابة عن سؤاله. فمشى يضرب الأرض بعصاه وبقدمه حتى دنا مني، وألقى عليّ تلك النظرة التي اعتاد الأشراف المترفعون الذين اعتادوا إلقاء تلك النظرات على وجوه النساء العاهرات، وقال:
«لقد أنفق ولدي عليك جميع ما كان بيده من المال، وكان في يده الكثير منه، ثم أنفق جميع ما أرسلته إليه بعد ذلك. وقد أرسلت إليه فوق طاقتي، فلم يبقَ في استطاعته أن يمدك بأكثر مما أمدك به، ولا في استطاعتي أن أستنزل له من السماء ذهبًا يمطره عليك. فدعيه وشأنه؛ فالبلد مملوء بالأبناء الذين لا يحتاج آباؤهم إليهم، والذين لا يحتاجون إلى أنفسهم. أما أنا، فإني في حاجة إلى ولدي؛ لأني لم أُرزق ولدًا سواه. ومن كانت بيده هذه الثروة من الجمال التي تملكينها، لا يضيق به مذهب من مذاهب العيش، ولا يتعذر عليه مأرب من مآرب الحياة».
فسرت كلماته في نفسي سريان الحمى في عظام المحموم، وخُيّل إليّ أن هذا الماثل أمامي لا يحدثني، وإنما يجرّعني السم بيده جرعًا. وشعرت بذلة لم أشعر بمثلها في يوم من أيام حياتي، إلا أنني تجلّدت واستمسكت، ورددت نفسي على مكروهها، وقلت له بصوت هادئ ساكن، لا يمزجه غضب ولا نزق:
«لا يا سيدي، نعم، إنني أحب ولدك، ولكني لا أطمع فيه. ولو كان الذي يعنيني منه الطمع في ماله، لفارقته منذ ثلاثة أشهر، أي منذ خلت يده من المال، وأصبح لا يجد سبيلًا إليه بحال من الأحوال. بل لفارقته قبل ذلك؛ لأن الذين لا يزالون يساومونني في نفسي من أشراف هذا البلد ونبلائه، منذ اتصلت به حتى اليوم، أفضل منه وأكثر رغدًا. على أن ولدك لم ينفق عليّ من هذا المال الذي تذكره إلا النزر القليل، وربما أنفق باقيه على نفسه. ولو استطعت أن أرفض ذلك القليل وآبى قبوله لفعلت، ولكني كنت أضنّ به أن يداخل نفسه ما يريبها أو يؤلمها، فقبلت منه هداياه الصغيرة التي كان يقدمها إليّ من حين إلى حين، إشفاقًا عليه، وإبقاءً على عزة نفسه وكرامتها.
ولو أن ما كان بيده من المال انتقل إلى يدي، كما تقول، لأصبحت غنية موفورة، لا أحمل همًّا من هموم العيش، ولا أعاني من بأساء الحياة وضرائها ما أعانيه اليوم.
فإنني، لو تبينت أمري، امرأة فقيرة معوزة، لا أملك من متاع الدنيا إلا حُلِيّي ومركبتي وأثاث بيتي، وليتها كانت خالصة لي! فقد امتدت يد الضرورة إليها منذ عهد قريب، فأصبح الكثير منها سلعة في يد المرابين، ولا أعلم ما يأتي به الغد. وإن أبيت إلا أن تعرف ذلك بنفسك، فسأطلعك على ما كتمته عن الناس جميعًا، حتى عن ولدك».
ثم قمت إلى خزانة أوراقي، فجئته منها بالصكوك والوثائق المشتملة على بيع ما بعته من جواهري وخيولي وأثاث بيتي، ورهن ما رهنته منها. فظل يقلبها بين يديه ساعة، ويتأمل تواريخها طويلًا، ثم طواها وأعادها إليّ، مطرقًا صامتًا لا يقول شيئًا. ومد يده إلى كرسي بين يديه، فاجتذبه إليه وجلس عليه، معتمدًا برأسه على عصاه، وقد هدأت في نفسه تلك الثورة التي كانت تضطرم وتعتلج منذ دخوله، وطارت عن وجهه تلك الغبرة السوداء التي كانت تظلله من قبل.
فعدت إلى حديثي معه، أقول:
«على أنني يا سيدي غير شاكية ولا ناقمة؛ فقد مرّ بي من نَوْب الأيام وأرزائها ما محا من نفسي كل شهوة من شهوات الحياة، وأنساني جميع مظاهر الدنيا ومفاخرها. فأصبحت لا أبالي بما تأتي به الأيام، وسواء عندي الفقر والغنى، والحلي والعُطْل، وسكنى القصر وسكنى الكوخ، وركوب المركبة وركوب النعل.
وكل ما أرجوه من حياتي، وأضرع إلى الله وإليك فيه، أن أرى أرمان يقاسمني همّ الحياة وبؤسها، ويعينني على شدتها ولأوائها، حتى يقضي الله في أمري بما هو قاضٍ.
فإن كان في الأجل فسحة، قضيتها في شكرك وحمدك، والإخلاص لك في سري وعلني. وإن كانت الأخرى، كان آخر ما أنطق به في ساعتي الأخيرة أن أدعو الله تعالى، ضارعة مبتهلة، أن يبارك لك في نفسك وفي أهلك، وأن يسبغ ستره الضافي عليك في حاضرك ومستقبلك!».
ثم جثوت بين يديه، وتعلقت بأهداب ثوبه، وقد عجزت في تلك الساعة عن أن أملك من دموعي ما كنت أملكه من قبل. فظللت أبكي وأقول:
«رحماك يا مولاي! إنني امرأة بائسة مسكينة، قضت عليّ بعض ضرورات العيش، في فاتحة حياتي، أن أقف على حافة تلك الهوة التي تقف على رأسها النساء الجائعات، فسقطت فيها كارهة مرغمة. ثم أردت نفسي على الرضا بتلك الحياة التي قدرها الله لي، فلم أستطع، فأصبحت في منزلة بين المنزلتين؛ لا أنا شريفة أنعم بعيش النساء الشريفات، ولا أنا ميتة القلب، أسعد سعادة الفتيات الساقطات.
وقد وجدت في ولدك الرجل الوحيد الذي أحبني لنفسي، ومنحني من وُدّه وإخلاصه ما ضنّ به على الناس جميعًا. فأنست به أنسًا أنساني سقوطي وعاري، وحبّب إليّ الحياة بعدما أبغضتها وبرمت بها، وكدت أقضي على نفسي خلاصًا منها.
فلا تحرمني جواره، ولا تفرق بيني وبينه؛ فإنك إن فعلت أشقيتني وبرحت بي، وملأت حياتي همًّا وكمدًا، وأنت أجلّ من أن ترضى لنفسك بأن تبني سعادتك وهناءك على شقاء امرأة مسكينة مثلي.
ماذا يكون مصيري غدًا إذا أصبحت وحيدة منقطعة في هذا العالم، لا صديق لي ولا معين؟ أأعود إلى حياتي التي أبغضها وأخشاها، فأعود إلى جرائمي وآثامي؟ أم أقتل…»
نفسي بيدي فرارًا من شقاء الدنيا وبلائها، فأختم حياتي بأقبح مما ختم «أمرو» به حياته؟ لا أستطيع واحدة من هاتين، فامدد إليَّ يدك البيضاء، وأنقذني من هذه الهوة العميقة التي لا يستطيع أحد أن ينقذني منها سواك.
أنا أعلم أنك في حاجة إلى ولدك، وأنك أولى به من كل مخلوق على وجه الأرض، ولكني أعلم أنك شفيق رحيم، لا تأبى أن تتصدق على امرأة مريضة بائسة مثلي بساعات من السعادة، تتعلل بها في مرضها الذي تكابده حتى يوافيها أجلها. لا أسألك يا سيدي مالًا، ولا نسبًا، ولا عَرَضًا من أعراض الحياة، بل أسألك أن تأذن لأرمان بالبقاء معي، فإن في بقائه بقاء حياتي وسعادتي، فتصدق بهما عليَّ، إنك من المحسنين.
وهنا شعرت كأنه يتحرك في كرسيه، فخفق قلبي خفقانًا شديدًا، ثم رفع رأسه ونظر إليَّ نظرة أهدأ نارًا وأقصر شعاعًا من نظرته الأولى، وقال:
«ومن أين تعيشان؟»
قلت: «عندي بقية من جواهري وحُلِيِّي، سأبيعها وأعيش بثمنها معه في زاوية من زوايا «باريس»، عيش الفقراء المُقِلِّين، لا يرانا أحد، ولا يشعر بوجودنا شاعر، وحسبنا الحب سعادة نغني بها عن كل سعادة في هذا العالم وهناء».
قال: «ذلك هو الشقاء بعينه، فإن الحب نبات ظلي تقتله شمس الشقاء الحارة، وكل سعادة في العالم غير مستمدة من سعادة المال، أو لاجئة إلى ظلاله، فهي كاذبة لا وجود لها إلا في سوانح الخيال.
أنتما اليوم سعيدان لأن في يدكما مالًا تعيشان به، ولأنكما تسكنان هذا المنزل البديع، فوق هذه الهضبة العالية، بجانب هذه البحيرة الجميلة. فإذا خلت يدكما من المال، وحُرمتما هذا النعيم الذي تنعمان به، شقيتما، وشغلكما شأن نفسيكما عن شأن الحب ولذائذه، وسرى إلى نفسيكما الضجر والملل، وربما امتدت تلك السآمة بينكما إلى أبعد غايتها.
إن للحب فنونًا من الجنون، وأقبح فنونه أن يعتقد المتحابان أن حبهما دائم، لا تغيره حوادث الأيام، ولا تنال منه الصروف والغير. ولو عقلا لعلما أن الحب لون من ألوان النفس، وعَرَض من أعراضها الطائرة، تأتي به شهوة وتذهب به أخرى، ولا يذهب به مثلُ الفاقة إذا اشتدت واستحكمت حلقاتها؛ فإن النفس تطلب حياتها وبقاءها قبل أن تطلب لذائذها وشهواتها.
أنا أعلم من شأن ولدي يا سيدتي ما لا تعلمين، وأعلم أنه لا يستطيع أن يعيش هذه العيشة النكداء التي تظنين، وهو فتى فقير لا يملك من الدنيا إلا قطعة صغيرة من الأرض ورثها عن أمه، لا تغني عنه ولا عنك شيئًا. وما أنا بذي ثروة طائلة أستطيع أن أحفظ له بها زمنًا طويلًا هذا العيش السعيد الرغد الذي يعيشه اليوم في «باريس»، فلم يبق بين يديه إلا أن يعيش بمالك، وهو ما لا أرضاه له ولا يرضاه لنفسه. واسمحي لي يا سيدتي أن أقول لك إن جميع مصائب الدنيا وأرزائها أهون عليَّ وعليه من أن يقول الناس إن خليلة أرمان دوفال قد باعت جواهرها وحُلِيَّها التي أهداها إليها عشاقها الماضون لتنفق ثمنها عليه.
سامحيني يا بنيتي، واغفري لي حِدَّتي وخشونتي، فإن من الشديد جدًا على والد شيخ مثلي أن يرى ولده الذي وضع فيه كل آمال بيته يهوي أمام عينيه في هذه الهوة السحيقة التي لا قرار لها، دون أن يطير قلبه خوفًا وهلَعًا.
إنه من عرفك نسيني ونسي أخته، فلا يذكرني ولا يذكرها، وقد مرضت منذ شهور مرضًا أشرفت فيه على الموت، فكتبت إليه أن يأتي ليعودني، فلم يفعل، ولم يرد على كتابي؛ أي إنني كنت على وشك أن أموت ولا أراه، ولو تم ذلك لذهبت إلى قبري بحسرة لم يحمل مثلها في صدره راحل عن الدنيا قبلي.
أنت صادقة يا سيدتي في قولك إنه لم ينفق عليك جميع ما كان بيده من المال؛ لأنني علمت بالأمس أنه قامر منذ عهد قريب، وخسر في مقامرته كثيرًا، كما علمت أنك لا تعلمين شيئًا من ذلك. فما يؤمنني، إن أنا تركته في هذا البلد، ألا يستمر في هذه الغواية الجديدة التي خطا الخطوات الأولى في طريقها، ولا يخسر في بعض مواقفه خسارة عظمى؟ لا أجد لي بدًا من أن آخذ بيده فيها، فأقدم إليه ذخر شيخوختي ومهر ابنتي، فنهلك نحن الثلاثة في يوم واحد.
من أين لك يا بنيتي أنه إن طال عهده بك لا يمل، ولا تمتد عينه إلى امرأة سواك، فتكون فجيعتك فيه غدًا شرًا من فجيعتك فيه اليوم؟ ومن أين لك أنك لا تضيقين ذرعًا يومًا من الأيام بعيشة الوحشة والوحدة، فتحنين إلى حياتك الأولى، حياة الأنس والاجتماع والضوضاء واللَّجَب؟ وهو فتى غيور مستطار، فربما أنفت نفسه أن يزاحمه فيك مزاحم، وربما امتدت يده بشرٍّ إلى ذلك الذي يزاحمه، فتنازلا، فأصابته من يد منازله ضربة تقضي على حياته وتفجعني فيه؟
كيف يكون موقفك يا سيدتي غدًا إن نفذ فيه هذا السهم من القضاء أمام هذا الأب الثاكل المسكين، إذا جاءك يسألك عن دم ولده؟ وكيف تكون آلام نفسك ولواعجها أمام مشهد بكائه وتفجعه؟»
ثم ارتعش ارتعاشًا شديدًا، وظل نظره حائرًا مضطربًا، كأنما يُخيَّل إليه أنه يرى أمام عينيه ذلك المنظر الذي يتحدث عنه. ثم سكن قليلًا، ونظر إليَّ نظرة هادئة مملوءة عطفًا وحنانًا، وأنشأ يقول:
«مرغريت، أنت أعظم في عيني مما كنت أظن، وأكرم نفسًا من أولئك النساء اللواتي يزعمن أنك واحدة منهن، وقد وجدت فيك من فضائل النفس ومزاياها ما لم أجده إلا قليلًا في أفذاذ الرجال، وأقل من القليل في فضليات النساء. ولو قُسِّم الشرف بين النساء على مقدار فضائلهن وصفاتهن، لكان نصيبك منه أوفر الأنصبة وأوفاها.
لا أنسى لك يا مرغريت ما دمت حيًّا كتمانك أمر الكتاب الذي أرسلته إليك، واحتفاظك بسره في ساعة تنفرج فيها الصدور عن مكنوناتها، ولا سكوتك وإغضاءك، وأنت في منزلك وموضع أمرك ونهيك، أمام حدتي وخشونتي وجنون غضبي، ولا بذلَك ما بذلتِ من ذات نفسك وذات يدك لولدي، من حيث لا يعلم، وفاءً له وإبقاءً على عزة نفسه وكرامتها! لقد كانت ضحيتك التي قدمتها لولدي بالأمس عظيمة جدًا، واليوم جئتك أطلب إليك أن تقدمي ضحية أعظم منها لابنتي، ولا معتمد لي أعتمد عليه في تلبية رجائي عندك إلا شرف نفسك وفضيلتها.
لقد تركت «سوزان» ورائي تتقلب على فراش المرض، وتكابد منه فوق ما يحتمل جسمها الناشئ الغض؛ لأن خطيبها الذي تحبه حبًّا جمًّا قد هجرها منذ شهرين، فلا يزورها ولا تراه. وقد كنت أجهل قبل اليوم سبب مرضها، إلا الظن والتقدير، حتى سهرت بجانب فراشها ليلة كانت الحمى فيها قد نالت منها منالًا عظيمًا، ووصلت بها إلى درجة الخبل والهذيان، فسمعتها تهتف باسم خطيبها مرات كثيرة، وتبكي كلما جرى ذكره على لسانها، كأنها حاضرة مستفيقة. فعلمت موضع دائها، وذهبت في اليوم الثاني إلى والد ذلك الخطيب أسأله عما راب ولده من أمر ابنتي، وقطعَه عن زيارتها، فذكر لي سببًا غريبًا لك فيه يا سيدتي بعض الشأن، فإن أذنت لي حدثتك حديثه».
فخفق قلبي خفقانًا شديدًا، وأحسست بالشر يدنو مني رويدًا رويدًا، إلا أنني تماسكت وقلت له:
«نعم، ائذن لك يا سيدي».
قال: «لقد أجابني الرجل عن سؤالي بقوله: إن أسرتي أسرة شريفة، لا تصاهر إلا أسرة شريفة مثلها من جميع وجوهها، وقد عرفت أسلوب المعيشة السافلة التي يعيشها ولدك في باريس؛ إنه يعاشر منذ عهد طويل امرأة مومسًا معروفة هناك، معاشرة تهتك وتبذل يشهدها الناس جميعًا، ولا أسمح لنفسي أن يكون مثل ولدك في تبذله واستهتاره وصغر نفسه وفسولتها صهرًا لولدي، ولا عارًا على بيتي».
فاستقبلت خشونته وجفاءه بصبر واحتمال؛ لأن الخوف على ابنتي شغلني عن الغضب لنفسي، وقلت له: «أواثق أنت مما تقول؟»
فأدلى لي بما أقنعني، فلم أر بدًّا من أن أُسلِّم له بصواب ما فعل، وسألته ألا يبتَّ في أمر الخطبة شيئًا حتى أسافر إلى باريس وأعود منها.
ذلك ما حملني على المجيء إلى باريس، وهذه هي قصتي التي جئت أعرضها عليك، وأنتظر حكمك فيها، وقد كتمتها عن الناس جميعًا، حتى عن ولدي أرمان. فانظري ماذا تأمرين؟»
وهنا أطرق برأسه طويلًا، ثم رفعها، فإذا عبرة تترقرق في عينيه، وإذا هو يحاول الكلام فلا يستطيعه. فرحمته مما به، وأعظمت مصابه، حتى نسيت مصابي بجانبه، وساد السكون بيننا ساعة؛ لا يقول لي شيئًا، ولا أدري ماذا أقول، حتى هدأ ثائره قليلًا، فمد يده إلى يدي، فأخذها بين ذراعيه، وعاد إلى حديثه يقول:
«مرغريت، إن حياة ابنتي بين يديك، فامنحيني إياها، تتخذي عندي يدًا لا أنساها لك حتى الموت.
إنني لا أستطيع أن أراها تموت بين يدي، ولو تم ذلك لمتُّ على أثرها حزنًا وكمدًا، وضمَّنا في يوم واحد قبر واحد. لقد رأيت مصرع أمها منذ خمس سنين، ولا يزال أثره باقيًا في نفسي حتى اليوم، ولا أستطيع أن أرى هذا المشهد مرة أخرى في ابنتها، وصورتها الباقية عندي من بعدها.
إنني أحبها حبًّا جمًّا، ولا أستطيع أن أراها في ساعة من ساعاتها حزينة أو مكتئبة، فكيف أراها تعالج سكرات الموت؟!
إنك لا تعرفينها يا مرغريت، وأعتقد أنك لو رأيتها لأحببتها كما أحبها، ولرحمتها كما أرحمها، ولفديتها بما تستطيعين رأفةً وإشفاقًا عليها.
إنها جميلة جدًا، وبيضاء مثل الكوكب، وطاهرة طهارة المَلَك، وغريرة غرارة الطفل، فاسمحي لهذه الحياة الغضة الزاهرة بالبقاء والسعادة، فإنها لا تستحق الشقاء.
إنها اليوم تعيش بالأمل الذي أودعته قلبها يوم سفري، فإن عدت إليها بالخيبة، عدت إليها باليأس القاتل والقضاء النازل.
إنك تحبين أرمان يا مرغريت، وقد أصبحت أعتقد أنك مخلصة في حبه إخلاصًا عظيمًا، فاصنعي ما يصنع المحبون المخلصون، وضحّي بحبك من أجله ومن أجل مستقبله، فإن لم تفعلي ذلك من أجله، فافعليه من أجلي».



