كتب

العلم حين يصبح استراتيجية: هل يستحق كتاب «العلم وإستراتيجية الشركات» أن تمنحه وقتك؟

1) بطاقة تعريف سريعة

اسم الكتاب: العلم وإستراتيجية الشركات: الأبحاث والتطوير في دوبونت 1902–1980
العنوان الأصلي: Science and Corporate Strategy: Du Pont R&D, 1902–1980
المؤلفان: ديفيد أ. هونسيل (David A. Hounshell) وجون كينلي سميث الابن (John Kenly Smith Jr.)
الترجمة العربية: د. سعيد بن محمد الزهراني، وأ.د. عبدالحميد إجبارة، وفق الغلاف المرفق.
التصنيف: تاريخ الشركات، تاريخ العلوم والتكنولوجيا، البحث والتطوير، الإدارة والاستراتيجية، التاريخ الصناعي.
الناشر الظاهر على الغلاف العربي: جامعة الملك سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية.
الطبعة الأصلية: كامبريدج يونيفرستي برس، 1988.
عدد صفحات الأصل الإنجليزي: 756 صفحة، بحسب بيانات Google Books والفهارس الببليوغرافية.
الفترة التي يغطيها الكتاب: 1902–1980.

من البداية، من الأفضل أن يعرف القارئ شيئًا مهمًا: هذا ليس كتابًا عن شركة «دوبونت» بالمعنى التجاري الضيق، وليس دليلًا في الإدارة يقدم عشر خطوات للنجاح. إنه أقرب إلى تحقيق تاريخي طويل في سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث عندما تصبح المعرفة العلمية جزءًا من استراتيجية شركة؟

وهذا السؤال هو الذي يجعل الكتاب أثقل من كتب الإدارة السريعة، لكنه في الوقت نفسه أكثر قيمة لمن لديه صبر على القراءة التحليلية.


2) لماذا ينجذب القرّاء إلى هذا الكتاب؟

هناك فضول بسيط يقود إلى الكتاب، لكنه يتحول سريعًا إلى سؤال كبير.

نحن نعيش اليوم في عالم تتحدث فيه الشركات عن الابتكار، ومختبرات الأبحاث، والذكاء الاصطناعي، وبراءات الاختراع، والاستثمار في البحث والتطوير، وكأن العلاقة بين العلم والشركة أمر بديهي.

لكنها لم تكن كذلك دائمًا.

الكتاب يعود إلى دوبونت، إحدى أهم الشركات الكيميائية الأمريكية، ليتتبع كيف بدأ البحث العلمي المنظم داخل الشركة، وكيف تغيّر موقعه تدريجيًا من نشاط مفيد إلى عنصر أساسي في التفكير الاستراتيجي.

وهنا تصبح دوبونت حالة دراسية أكثر من كونها موضوعًا بذاته.

فالمؤلفان، بحسب الوصف الببليوغرافي للكتاب، اعتمدا على سجلات ضخمة للشركة وعلى مقابلات مع موظفين رئيسيين، في محاولة لفهم تطور البحث والتطوير داخل مؤسسة صناعية كبيرة.

وهذا تحديدًا ما قد يجذب القارئ الذي سئم من الكتب التي تتحدث عن «الابتكار» بصورة مجردة.

هذا الكتاب يقول، بصورة أكثر واقعية: تعالَ وانظر كيف حدث ذلك فعلًا، عبر عقود، داخل مؤسسة حقيقية، بما فيها من قرارات ومصالح وترددات وتغيرات تنظيمية.


3) ما الذي يدور حوله الكتاب فعلًا؟

في ظاهره، الكتاب تاريخ للبحث والتطوير في دوبونت بين عامي 1902 و1980.

لكن جوهره أوسع بكثير.

إنه يبحث في العلاقة المتغيرة بين ثلاثة أشياء: العلم، والشركة، والاستراتيجية.

بدأت دوبونت في مطلع القرن العشرين ببناء قدرة مؤسسية على البحث، في وقت كانت فيه الشركات الصناعية الأمريكية تتعلم تدريجيًا أن المختبر يمكن ألا يكون مجرد مكان لحل مشكلات الإنتاج القائمة، بل يمكن أن يصبح مصدرًا لمنتجات وعمليات جديدة.

وبحسب الوصف المنشور للكتاب، كانت الإدارة في البداية تنظر إلى البحث والتطوير باعتباره مهمًا، لكنه لم يكن في قلب استراتيجية الشركة. ومع نجاح المختبرات في إنتاج نتائج ذات قيمة، تغير هذا الوضع تدريجيًا، وأصبح البحث العلمي عنصرًا مركزيًا في بنية الشركة واستراتيجيتها.

هذه هي الفكرة التي يبدو أن الكتاب يريد من القارئ أن يخرج بها:

الشركات لا تصبح علمية لمجرد أنها تنشئ مختبرًا؛ بل عندما تتغير الطريقة التي تنظر بها إلى المعرفة العلمية ودورها في مستقبلها.

وهذا فارق كبير.


4) ماذا سيعيش القارئ داخل هذا الكتاب؟

إذا كان القارئ يبحث عن كتاب سريع، مليء بالقصص القصيرة والنصائح المباشرة، فغالبًا سيشعر بأن هذا الكتاب يطلب منه أكثر مما اعتاد.

أما إذا كان يحب الكتب التي تتقدم ببطء ثم تكشف الصورة الكبيرة، فهنا تبدأ المتعة.

طبيعة الكتاب، كما تكشفها بياناته ومراجعاته الأكاديمية، بحثية وتاريخية بالدرجة الأولى. فالنسخة الأصلية تمتد إلى 756 صفحة، وتضم مراجع وحواشي وببليوغرافيا وفهرسًا، وهي ليست مصممة لتكون قراءة خفيفة.

لكن ثقل الكتاب ليس بالضرورة عيبًا.

في بعض الكتب، كثرة الصفحات تعني أن المؤلف لم يعرف متى يتوقف. أما هنا، فالموضوع نفسه يحتاج إلى زمن؛ لأن التحول من مختبر صغير إلى منظومة بحث وتطوير مرتبطة باستراتيجية شركة عالمية لا يحدث في فصل واحد ولا في قرار واحد.

والأهم أن الكتاب لا يبدو مهتمًا بصورة «الشركة العبقرية» التي تعرف دائمًا ما الذي تفعله.

وهذا من الأمور التي تمنحه قيمة تاريخية.

التاريخ الحقيقي للمؤسسات أكثر تعقيدًا من القصص التي تكتب بعد نجاحها.


5) القيمة الحقيقية للكتاب

القيمة الأكبر هنا ليست في المعلومات المتعلقة بدوبونت وحدها، وإنما في إعادة النظر في معنى البحث العلمي داخل المؤسسة الاقتصادية.

من السهل جدًا، بعد ظهور منتجات ناجحة، أن ننظر إلى المختبر ونقول: كان واضحًا أن الاستثمار فيه سيؤدي إلى النجاح.

لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.

البحث العلمي مكلف، ونتائجه غير مضمونة، وقد يحتاج إلى سنوات قبل أن يصبح ذا قيمة تجارية. وقد تنتج المختبرات عشرات النتائج التي لا تتحول إلى منتجات، مقابل نتيجة واحدة تغير مسار الشركة.

وهذا يجعل العلاقة بين العلم والاستراتيجية علاقة مليئة بالتوتر.

ومن هنا تأتي أهمية الكتاب.

إنه لا يكتفي بفكرة أن «البحث مهم»، بل يضع القارئ أمام السؤال الأصعب:

كيف تتعلم شركة أن تثق في شيء لا تستطيع التنبؤ بنتيجته؟

هذه، في رأيي، إحدى أكثر الأفكار التي تجعل الكتاب صالحًا للقراءة اليوم، رغم أن الفترة التي يدرسها انتهت قبل عقود.

فالشركات المعاصرة التي تستثمر في التكنولوجيا تواجه المشكلة نفسها بأشكال جديدة: كم تنفق على البحث الأساسي؟ متى تتحول الفكرة إلى منتج؟ كيف توازن بين البحث طويل الأجل وضغط الأرباح القصيرة؟ ومتى يكون الاستثمار في المعرفة استراتيجية، ومتى يصبح مجرد إنفاق مؤسسي بلا اتجاه؟

الكتاب لا يقدم إجابات جاهزة لهذه الأسئلة بقدر ما يقدم تاريخًا يمكن التفكير من خلاله فيها.

وهذا، بالنسبة إلى كتاب تاريخي، قيمة كبيرة.


6) أين ينجح الكتاب فعلًا؟

أولًا: في تحويل شركة واحدة إلى نافذة على عصر كامل

أقوى ما في الفكرة أن دوبونت ليست مجرد شركة هنا.

من خلال تاريخ البحث والتطوير فيها، يستطيع القارئ أن يرى شيئًا من تاريخ الصناعة الأمريكية نفسها، وتطور المختبر الصناعي، وتغير العلاقة بين الجامعة والشركة، وصعود العلم بوصفه موردًا اقتصاديًا.

وهذا يجعل الكتاب أوسع من عنوانه.

ثانيًا: في الجمع بين تاريخ العلم وتاريخ الإدارة

عادةً ما يقرأ المرء تاريخ العلوم من جهة، وتاريخ الشركات من جهة أخرى.

هذا الكتاب يضع الاثنين في مساحة واحدة.

العالِم ليس منعزلًا عن الإدارة، والمختبر ليس منفصلًا عن الميزانية، والاختراع ليس منفصلًا عن قرار المؤسسة بشأن ما يستحق التمويل.

هذه النظرة المركبة هي إحدى نقاط قوته الأساسية.

ثالثًا: في الاعتماد على وثائق ومقابلات

تشير البيانات المنشورة عن الكتاب إلى أن المؤلفين اعتمدا على سجلات الشركة ومقابلات واسعة مع موظفين رئيسيين.

وهذا مهم جدًا في كتاب من هذا النوع؛ لأن تاريخ المؤسسات لا يمكن فهمه كاملًا من الوثائق العامة وحدها.

رابعًا: في الأمثلة التي تجعل الفكرة ملموسة

يرتبط تاريخ دوبونت البحثي بمنتجات أصبحت لاحقًا معروفة على نطاق واسع، مثل النايلون والتفلون والداكرون والليكرا والسيلوفان ودُوكو، وهي أمثلة تُستخدم لفهم حجم التحول الذي أحدثه البحث والتطوير داخل الشركة.

القيمة هنا ليست في سرد أسماء المنتجات، وإنما في رؤية المسافة بين المختبر والسوق.

فالمنتج الذي نعرفه في النهاية يخفي وراءه سنوات من البحث، والقرارات الإدارية، والتجارب، والإخفاقات، وإعادة توجيه الموارد.

والكتاب يعيد هذه الطبقات إلى الصورة.


7) أين يضعف أو يخيّب التوقعات؟

هنا ينبغي أن نكون صريحين.

طول الكتاب وحده كفيل بأن يجعله غير مناسب لقطاع واسع من القراء.

756 صفحة في الأصل الإنجليزي ليست قراءة عابرة.

ومن يريد من الكتاب خلاصة سريعة عن «كيف تدير الشركات البحث والابتكار؟» قد يشعر بعد عشرات الصفحات بأنه كان يستطيع الحصول على الفكرة العامة في كتاب أصغر بكثير.

لكن هذا ليس ظلمًا للكتاب بقدر ما هو اختلاف في طبيعة التوقع.

المشكلة الأخرى أن التفاصيل التاريخية والتنظيمية قد تبدو مرهقة للقارئ الذي لا يهتم بتاريخ الشركات. فالكتاب ليس سيرة شخصية ذات بطل واضح، ولا قصة نجاح تتحرك بسرعة نحو ذروتها.

بل إن «بطل» الكتاب الحقيقي هو المؤسسة نفسها وكيف تتغير.

وهذا يتطلب نوعًا مختلفًا من الانتباه.

هناك أيضًا حدود ينبغي الانتباه إليها عند إسقاط تجربة دوبونت على الشركات المعاصرة.

دوبونت حالة تاريخية محددة، نشأت في ظروف صناعية واقتصادية مختلفة. لذلك لا يصح التعامل مع كل قرار اتخذته الشركة باعتباره قاعدة عامة للإدارة الحديثة.

الأفضل أن يُقرأ الكتاب بوصفه دراسة تاريخية غنية يمكن استخراج الدروس منها، لا كتاب وصفات إدارية جاهزة.

وهذا، في الحقيقة، يجعل قراءته أكثر نضجًا.


8) لمن هذا الكتاب؟ ولمن قد لا يناسب؟

هذا الكتاب مناسب جدًا للقارئ الذي يهتم بأحد المجالات التالية:

  • تاريخ الشركات والصناعة.
  • تاريخ العلم والتكنولوجيا.
  • البحث والتطوير.
  • الابتكار المؤسسي.
  • الإدارة والاستراتيجية.
  • العلاقة بين الجامعات والشركات.
  • تاريخ الصناعات الكيميائية.
  • كيفية تحول المعرفة العلمية إلى قيمة اقتصادية.

وهو مناسب خصوصًا للباحثين وطلاب الدراسات العليا والمهتمين بتاريخ التكنولوجيا والإدارة، وكذلك للقارئ المثقف الذي يستمتع بالكتب التي تبحث في كيف حدثت الأشياء فعلًا بدل الاكتفاء بالحديث عن نتائجها.

أما إذا كنت تبحث عن كتاب في الإدارة بلغة خفيفة، أو عن مجموعة نصائح عملية للمدير، أو عن كتاب سريع في الابتكار، فربما لا يكون الخيار الأول لك.

كذلك قد لا يناسب من يفضّل السير الشخصية أو القصص الإنسانية؛ لأن الكتاب لا يدور حول حياة شخص واحد، بل حول مؤسسة ومسار تاريخي طويل.


9) هل يستحق الشراء فعلًا؟

القرار: شراء، للقارئ المناسب.

أما إذا كنت قارئًا عامًا لا يهتم بتاريخ الشركات أو البحث العلمي، فأميل إلى الاستعارة أولًا بدل الشراء المباشر.

والسبب بسيط: هذا ليس كتابًا تشتريه لأن موضوعه رائج، بل كتاب تشتريه لأن السؤال الذي يطرحه يهمك.

إذا كنت تريد أن تفهم كيف يمكن للعلم أن ينتقل من المختبر إلى قلب الاستراتيجية الصناعية، فالكتاب يستحق مكانًا في مكتبتك.

أما إذا كان هدفك أن تعرف في ساعة واحدة «ما سر نجاح دوبونت؟»، فلن أنصحك بشرائه قبل أن تتأكد من استعدادك لقراءة عمل تاريخي طويل.

وهناك سبب آخر يجعلني أميل إلى الشراء بدل الاكتفاء بملخص بالنسبة إلى القارئ المتخصص.

الفكرة العامة للكتاب يمكن تلخيصها فعلًا: البحث والتطوير انتقل في دوبونت من نشاط مهم لكنه ليس مركزيًا إلى مكوّن أساسي من استراتيجية الشركة.

لكن قيمة الكتاب ليست في هذه الجملة.

قيمته في الطريق الذي قطعه المؤلفان للوصول إليها، وفي التفاصيل والوثائق والأمثلة التي تجعل هذا التحول مفهومًا بدل أن يبقى شعارًا إداريًا.

ولهذا فإن قراءة ملخص قد تمنحك «ماذا حدث»، لكنها لن تمنحك بالضرورة «كيف حدث ولماذا».


10) الخلاصة قبل الشراء

هناك كتب تعطيك معلومة، ثم تتركك كما كنت.

وهناك كتب تجعلك تعيد النظر في شيء كنت تظنه بديهيًا.

«العلم وإستراتيجية الشركات» ينتمي، في تقديري، إلى النوع الثاني؛ لكن بشرط أن تدخل إليه وأنت تعرف أنه كتاب طويل، بحثي، تاريخي، لا كتاب إدارة سريع.

أكثر ما يعجبني في فكرته أن العلم هنا ليس زينة توضع على واجهة الشركة، ولا مجرد قسم يحمل اسم «البحث والتطوير». إنه مورد استراتيجي لا تعرف المؤسسة مسبقًا تمامًا ماذا سيعطيها، ولذلك تحتاج إلى أن تتعلم كيف تصبر عليه، وكيف تنظمه، وكيف تربطه بحاجاتها دون أن تخنق حريته.

وهذه فكرة لا تخص دوبونت وحدها.

في زمن تتنافس فيه الشركات على المعرفة بقدر تنافسها على رأس المال، يبدو السؤال الذي يطرحه الكتاب أكثر حداثة مما يوحي به عنوانه وتاريخه.

نصيحتي لصديق يحب الكتب:
إذا كنت تريد كتابًا سريعًا، لا تشتره. وإذا كنت تريد كتابًا يجعلك تفكر طويلًا في العلاقة بين المختبر والسوق، وبين العالم والمدير، وبين المعرفة والربح، فضعه في قائمة قراءاتك الجادة. قد لا يكون كتابًا تقرؤه في ليلة، لكنه من النوع الذي يمكن أن يبقى في ذهنك بعد أن تنتهي منه.

 

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى