باروخ صموئيل بلومبرغ.. العالم الذي قادته دراسة اختلافات الدم إلى اكتشاف التهاب الكبد «ب» وأول لقاح للوقاية من السرطان

في عام 1976، وقف اسم باروخ صموئيل بلومبرغ إلى جانب اسم الطبيب والعالم دانيال كارلتون جاجدوسك في سجل جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب. ولم يكن التكريم بسبب تطوير دواء تقليدي أو تحقيق اكتشاف مخبري معزول، وإنما بسبب تغيير أعمق في فهم الأمراض المعدية وآليات نشأتها وانتقالها.
جاء قرار لجنة نوبل بمنح الجائزة مناصفة إلى بلومبرغ وجاجدوسك «لاكتشافاتهما المتعلقة بآليات جديدة لنشأة الأمراض المعدية وانتشارها». وكان نصيب بلومبرغ مرتبطًا على وجه الخصوص باكتشافه الذي فتح الطريق إلى التعرف على فيروس التهاب الكبد «ب»، وفهم علاقته بالمرض، ثم تطوير وسائل للكشف عنه والوقاية منه.
لكن قصة بلومبرغ لا تنتهي عند لحظة نوبل. فالاكتشاف الذي بدأ من سؤال يتعلق باختلافات بروتينات الدم تحول إلى اختبار تشخيصي، ثم إلى لقاح، ثم إلى نموذج عالمي للوقاية من سرطان الكبد. وبعد ذلك اتسعت حياة الرجل العلمية إلى مجالات بعيدة ظاهريًا عن الفيروسات، فقاد معهد ناسا لعلم الأحياء الفلكي، وترأس الجمعية الفلسفية الأمريكية، وظل حتى سنواته الأخيرة يدافع عن فكرة أن العلم لا يعيش داخل تخصصات مغلقة.
وهكذا فإن سيرة باروخ صموئيل بلومبرغ ليست قصة عالم اكتشف فيروسًا فحسب، وإنما قصة مسار علمي يوضح كيف يمكن لسؤال أساسي في علم الوراثة والسكان أن ينتهي بتغيير الصحة العامة على نطاق عالمي.
النشأة بين الطب والعلوم الأساسية
وُلد باروخ صموئيل بلومبرغ في 28 يوليو 1925 في بروكلين بمدينة نيويورك. درس في كلية يونيون، وحصل منها على درجة البكالوريوس في الفيزياء عام 1946، ثم حصل على درجة الطب من كلية الأطباء والجراحين في جامعة كولومبيا عام 1951، قبل أن يتجه إلى بريطانيا للحصول على درجة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية من جامعة أكسفورد عام 1957.
كان هذا التكوين المتعدد مهمًا لفهم طريقته اللاحقة في البحث. فهو لم يدخل العلم من بوابة واحدة؛ فقد جمع بين الفيزياء والطب والكيمياء الحيوية، ثم توسع اهتمامه إلى علم الوراثة والأوبئة والأنثروبولوجيا الطبية.
وقبل أن يصل إلى مختبراته في الولايات المتحدة، مر بتجارب سريرية وميدانية ساعدت في تشكيل رؤيته للبحث. فقد عمل طبيبًا في مستشفى بلفيو في نيويورك، وخلال دراسته الطبية قضى فترة في مستشفى تابع لشركة تعدين في سورينام بأمريكا الجنوبية، حيث احتك مبكرًا بالبحث السريري وبالمشكلات الصحية في مجتمعات مختلفة عن البيئة الأمريكية.
بعد حصوله على الدكتوراه، عاد إلى الولايات المتحدة عام 1957 لينضم إلى المعاهد الوطنية للصحة، حيث عمل حتى 1964، وقاد قسمًا متخصصًا في الطب الجغرافي وعلم الوراثة. وفي تلك المرحلة بدأ المشروع العلمي الذي سيقوده، بصورة غير مباشرة، إلى اكتشاف التهاب الكبد «ب».
السؤال الذي سبق اكتشاف الفيروس
قبل بلومبرغ، كان العلماء يعرفون أن التهاب الكبد ليس مرضًا واحدًا بالضرورة، وأن بعض أشكاله ينتقل بطرق مختلفة. لكن طبيعة العامل المسبب لالتهاب الكبد الذي كان يُعرف آنذاك باسم «التهاب الكبد المصلي» لم تكن مفهومة بصورة كافية.
لم يبدأ بلومبرغ بحثه بهدف اكتشاف فيروس التهاب الكبد «ب». وهذه نقطة أساسية في فهم إنجازه.
كان اهتمامه الأول يدور حول الاختلافات الوراثية بين البشر وكيف يمكن أن ترتبط هذه الاختلافات بالقابلية للإصابة بالأمراض. ولذلك جمع هو وزملاؤه عينات دم من مجموعات سكانية مختلفة حول العالم، ومن بينها عينات جمعها خلال رحلاته البحثية إلى غرب أفريقيا.
وفقًا لسيرته المنشورة لدى مؤسسة نوبل، قادته هذه الدراسات إلى الاهتمام بتعدد أشكال بعض بروتينات الدم، وإلى إجراء مقارنات بين عينات مأخوذة من أشخاص ينتمون إلى جماعات سكانية مختلفة. وكان هذا المنهج القائم على المقارنة السكانية والجينية جزءًا من الطريق الذي انتهى باكتشاف عامل مرتبط بالتهاب الكبد «ب».
في ستينيات القرن العشرين، ظهرت في هذه الأبحاث إشارة غير متوقعة: تفاعل بين مكونات في مصل دم أشخاص مختلفين. ومن بين الحالات التي لفتت الانتباه عينة من مريض مصاب بالهيموفيليا، كان قد تلقى عمليات نقل دم متكررة، وعينة من شخص من السكان الأصليين في أستراليا.
أطلق بلومبرغ في البداية على البروتين أو المستضد غير المألوف اسم «المستضد الأسترالي»، لأن العينة التي ساعدت على اكتشاف التفاعل جاءت من أستراليا. وفي ذلك الوقت لم يكن واضحًا أنه يمثل جزءًا من فيروس، ولم يكن الباحثون قد وصلوا بعد إلى الصورة التي نعرفها اليوم عن فيروس التهاب الكبد «ب».
وهنا ظهرت إحدى أهم خصائص منهج بلومبرغ: عدم التعامل مع النتيجة الأولى باعتبارها نهاية البحث.
فبدل أن يبقى «المستضد الأسترالي» مجرد اختلاف في بروتينات الدم، بدأ يتساءل عن علاقته بالمرض.
من «المستضد الأسترالي» إلى فيروس التهاب الكبد «ب»
بين عامي 1966 و1968، استطاع بلومبرغ وزملاؤه جمع أدلة تربط المستضد الأسترالي بنوع من التهاب الكبد الناجم عن عامل معدٍ، وهو المرض الذي أصبح يُعرف لاحقًا باسم التهاب الكبد «ب». وتصف مؤسسة نوبل هذه المرحلة باعتبارها نقطة التحول التي جعلت اكتشاف المستضد أساسًا لفهم نوع جديد من العدوى الفيروسية.
وفي عام 1967 أصبح الدليل على الصلة أكثر وضوحًا، ليصبح اكتشاف فيروس التهاب الكبد «ب» أحد أهم إنجازات بلومبرغ العلمية. وتذكر مؤسسة نوبل أن اكتشافه جاء بصورة غير متوقعة أثناء دراسة بروتينات الدم لدى أشخاص من مناطق مختلفة من العالم.
لم تكن أهمية الاكتشاف في العثور على فيروس جديد فقط. الأهم أنه أعاد تنظيم العلاقة بين ثلاثة عناصر: العامل المعدي، وحامل العدوى، والمرض الذي يمكن أن ينتج عنه.
فقد أظهر البحث أن الفيروس يمكن أن يوجد لدى أشخاص يحملونه دون أن تظهر عليهم أعراض واضحة، وهو ما جعل اكتشافه ذا أهمية استثنائية في مجال نقل الدم والوقاية من العدوى. وبمجرد توفر وسيلة للتعرف على وجود الفيروس أو مستضده في الدم، أصبح بالإمكان التفكير في منع انتقال العدوى عبر عمليات نقل الدم.
وهنا بدأت نتائج البحث الأساسي تتحول إلى تطبيق طبي مباشر.
الاختبار الذي غيّر سلامة نقل الدم
لم يكن اكتشاف العامل المرتبط بالتهاب الكبد «ب» كافيًا وحده. فالمشكلة الصحية الكبرى كانت كيفية التعرف على الدم الذي قد يحمل الفيروس قبل نقله إلى شخص آخر.
عمل بلومبرغ وزملاؤه على تطوير اختبارات للكشف عن المستضد المرتبط بالفيروس. وأصبح بالإمكان استخدام هذه الاختبارات في بنوك الدم للكشف عن العينات التي تحمل مؤشرات الإصابة.
وفقًا لمؤسسة فوكس تشيس للسرطان، أدى هذا التطور إلى توفير وسيلة حساسة لفحص الدم ومنع انتقال التهاب الكبد «ب» عبر عمليات نقل الدم. وبذلك انتقل اكتشاف المختبر من مستوى المعرفة العلمية إلى ممارسة وقائية في المؤسسات الطبية.
وتكشف هذه المرحلة عن جانب مهم من إنجازات باروخ صموئيل بلومبرغ في الطب: فهو لم يتعامل مع الاكتشاف باعتباره غاية مستقلة، بل تبع سلسلة النتائج حتى بدأت تؤثر في الممارسة الصحية.
لقد أصبح بالإمكان أن يقول الطبيب، بصورة عملية، إن هناك علامة بيولوجية يمكن البحث عنها قبل نقل الدم، وإن معرفة وجودها قد تمنع انتقال مرض خطير.
لكن بلومبرغ لم يتوقف عند التشخيص.
اللقاح: حين تحول اكتشاف الفيروس إلى وسيلة للوقاية
إذا كان الاختبار يمنع انتقال العدوى عبر الدم، فإن السؤال التالي كان أكثر طموحًا: هل يمكن منع الإصابة نفسها؟
في عام 1969، طور بلومبرغ وإيرفينغ ميلمان لقاحًا ضد التهاب الكبد «ب»، اعتمادًا على المستضد السطحي للفيروس. وكان ذلك إنجازًا استثنائيًا لأن الباحثين لم يكونوا أمام نموذج تقليدي سهل للفيروس يمكن تنميته واستخدامه بالطريقة المعتادة في إنتاج بعض اللقاحات.
وقد كان الطريق من الاختراع إلى الاستخدام الطبي طويلًا. يوضح بلومبرغ في سيرته المنشورة لدى مؤسسة نوبل أن اللقاح حصل على براءة اختراع في عام 1969، لكن الأمر استغرق وقتًا لإقناع شركة دوائية بتطويره وإنتاجه على نطاق واسع. وفي عام 1976 أبرم مركز فوكس تشيس اتفاقًا مع شركة ميرك لتصنيع اللقاح باستخدام الطريقة التي طُورت في أبحاث بلومبرغ وميلمان.
كانت التجارب السريرية اللاحقة مهمة في إثبات فعالية اللقاح. ويذكر بلومبرغ أن الدراسة التي قادها وولف شمونيس وزملاؤه أظهرت معدل حماية تجاوز 90%، مع عدم ظهور آثار جانبية ضارة ذات دلالة في الدراسة، ثم نُشرت النتائج عام 1980، وتبع ذلك اعتماد اللقاح في الولايات المتحدة.
وهكذا تحولت رحلة بدأت بمستضد غامض في عينة دم إلى واحدة من أهم قصص الوقاية الطبية في القرن العشرين.
ما علاقة التهاب الكبد «ب» بسرطان الكبد؟
هنا اتخذ إرث بلومبرغ بُعدًا أوسع بكثير من مكافحة التهاب الكبد نفسه.
في البداية لم يكن الهدف الأساسي من البحث هو السرطان. لكن الدراسات الوبائية التي أجراها بلومبرغ وزملاؤه، إلى جانب أبحاث أخرى، كشفت علاقة مهمة بين عدوى التهاب الكبد «ب» وسرطان الكبد الأولي.
كان هذا الاكتشاف ذا أهمية كبيرة لأن الوقاية من العدوى أصبحت، في الوقت نفسه، وسيلة للوقاية من أحد أنواع السرطان.
وتشير مؤسسة فوكس تشيس إلى أن الأبحاث التي أجريت في أفريقيا وغيرها ساعدت في جمع الأدلة حول العلاقة بين التهاب الكبد «ب» وسرطان الكبد، وأن الفيروس أصبح معروفًا بوصفه سببًا مهمًا لسرطان الكبد.
وبذلك أصبح لقاح التهاب الكبد «ب» حالة استثنائية في تاريخ الطب: لقاح يمنع عدوى فيروسية، وفي الوقت نفسه يقلل خطر سرطان مرتبط بتلك العدوى.
ولهذا يوصف لقاح التهاب الكبد «ب» على نطاق واسع بأنه أول لقاح يمكنه الوقاية من نوع رئيسي من السرطان. وتؤكد مؤسسة التهاب الكبد «ب» أن اللقاح يُعد أول لقاح مضاد للسرطان لأنه يساعد على الوقاية من سرطان الكبد من خلال الوقاية من العدوى الفيروسية المسببة له.
وهنا تكمن واحدة من أكثر النقاط أهمية في سبب فوز باروخ صموئيل بلومبرغ بجائزة نوبل: لم يكن اكتشافه مجرد إضافة إلى قائمة الفيروسات المعروفة، وإنما كشف آلية جديدة لفهم المرض وانتشاره، وفتح الطريق أمام التشخيص والوقاية.
لماذا كان اكتشاف بلومبرغ استثنائيًا؟
كان التحدي العلمي كبيرًا لأن الباحثين كانوا يتعاملون مع عامل لم يكن من السهل عزله ودراسته بالطرق المعتادة.
أشارت لجنة نوبل في بيانها إلى أن اكتشاف بلومبرغ كان ذا أهمية خاصة لأنه أدى إلى تطور واسع في المعرفة المتعلقة بالتهاب الكبد «ب»، رغم أن الفيروس نفسه لم يكن من السهل زراعته في المختبر بالطرق التقليدية في ذلك الوقت.
وهذا يوضح قيمة المنهج الذي اتبعه بلومبرغ. فقد بدأ من علامة غير مفهومة في الدم، ثم ربطها بالمرض، ثم ربط المرض بالعدوى، ثم ساعد في تطوير أدوات للتشخيص والوقاية.
أي أن الإنجاز لم يكن نقطة واحدة، وإنما سلسلة مترابطة:
اختلافات بيولوجية → مستضد غير معروف → التعرف على التهاب الكبد «ب» → اختبار تشخيصي → لقاح → وقاية من العدوى → تقليل خطر سرطان الكبد.
هذه السلسلة هي التي تجعل إرث بلومبرغ أكبر من مجرد اكتشاف في علم الفيروسات.
نوبل عام 1976: تكريم لاكتشاف غيّر فهم الأمراض المعدية
في عام 1976 مُنحت جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب مناصفة بين باروخ بلومبرغ ودانيال كارلتون جاجدوسك، وجاء نص قرار الجائزة الرسمي: «لاكتشافاتهما المتعلقة بآليات جديدة لنشأة الأمراض المعدية وانتشارها».
ويجب هنا التمييز بين نص قرار نوبل وبين الصياغة التفسيرية اللاحقة. فقرار اللجنة كان أوسع من عبارة «اكتشاف فيروس التهاب الكبد ب»، لكنه رأى في أعمال بلومبرغ مثالًا على اكتشاف آليات جديدة لفهم الأمراض المعدية.
وفي 13 ديسمبر 1976 ألقى بلومبرغ محاضرته النوبلية، وكان عنوانها «المستضد الأسترالي وبيولوجيا التهاب الكبد ب»، وهو عنوان يلخص بصورة دقيقة المسار الذي قطعه اكتشافه: من مستضد مجهول إلى فهم بيولوجيا مرض فيروسي.
ولم تكن نوبل نهاية مشروعه. ففي سيرته اللاحقة أكد بلومبرغ أن السنوات التالية للجائزة شهدت توسعًا كبيرًا في أبحاث البيولوجيا الجزيئية لفيروس التهاب الكبد «ب»، كما اتسع استخدام الاختبارات التشخيصية واللقاح.
من المختبر إلى الصحة العامة العالمية
أحد أهم معايير قوة الإنجاز العلمي هو ما يحدث بعد نشر البحث.
في حالة بلومبرغ، امتد الأثر من المختبر إلى برامج التطعيم الوطنية. ويذكر بلومبرغ في سيرته لدى مؤسسة نوبل أن أكثر من مليار جرعة من لقاح التهاب الكبد «ب» كانت قد أُعطيت بحلول مطلع الألفية، وأن عشرات الدول تبنت برامج وطنية للتطعيم ضد الفيروس.
كما أصبحت تقنية إنتاج اللقاح باستخدام الهندسة الوراثية لاحقًا أساسًا لتوسيع استخدامه على نطاق عالمي. وكانت هذه النقلة مهمة لأن اللقاح أصبح أكثر قابلية للإنتاج بكميات كبيرة.
وتقدم الدراسات اللاحقة مثالًا واضحًا على الأثر المباشر لاكتشاف بلومبرغ. ففي تايوان، ارتبط برنامج التطعيم ضد التهاب الكبد «ب» بانخفاض كبير في معدلات سرطان الكبد لدى الأجيال التي استفادت من البرنامج. كما أظهرت برامج التطعيم في مناطق أخرى انخفاضًا في انتشار العدوى.
وهذا النوع من التأثير يختلف عن التأثير النظري. فهنا يمكن تتبع خط واضح من اكتشاف علمي إلى سياسة صحية، ثم إلى انخفاض في المرض والوفيات.
لم يكن بلومبرغ عالم فيروس واحد
رغم أن التهاب الكبد «ب» ظل أبرز إنجازاته، فإن اهتمام بلومبرغ لم يكن محصورًا في مجال واحد.
بعد مسيرته في المعاهد الوطنية للصحة، انتقل عام 1964 إلى مؤسسة فوكس تشيس في فيلادلفيا، حيث أصبح من الشخصيات العلمية البارزة فيها، ثم شغل لاحقًا منصب أستاذ جامعي في الطب والأنثروبولوجيا بجامعة بنسلفانيا. كما تولى بين 1989 و1994 منصب رئيس كلية باليول في جامعة أكسفورد، وهو منصب يكشف عن اتساع حضوره الفكري خارج المختبر الطبي.
وكان هذا الاتساع جزءًا من شخصيته العلمية. فقد جمع في أبحاثه بين علم الوراثة والوبائيات والطب السريري والأنثروبولوجيا، ولم يرَ أن الحدود التقليدية بين التخصصات يجب أن تمنع طرح الأسئلة.
من التهاب الكبد إلى البحث عن الحياة في الكون
قد يبدو انتقال عالم متخصص في الأمراض المعدية إلى علم الأحياء الفلكي غريبًا للوهلة الأولى، لكنه ينسجم مع مسار بلومبرغ الفكري.
في عام 1999 أصبح أول مدير لمعهد ناسا لعلم الأحياء الفلكي، وظل في هذا المنصب حتى عام 2002. وكان المعهد يعمل على أسئلة تقع عند تقاطع علم الأحياء والجيولوجيا والكيمياء وعلوم الفضاء، ومن بينها كيفية نشأة الحياة وتطورها، وإمكان وجود حياة خارج الأرض، ومستقبل الحياة على كوكبنا وخارجه.
لم يكن بلومبرغ متخصصًا أصليًا في علوم الفضاء، وهذا تحديدًا ما يجعل انتقاله لافتًا. فقد حمل معه إلى هذا المجال فلسفة بحثية تشكلت خلال سنوات طويلة من دراسة الأمراض: البحث في الأدلة، مقارنة الأنظمة المختلفة، وعدم افتراض أن السؤال الجيد يجب أن يبقى داخل حدود تخصص واحد.
ولم تكن هذه المرحلة مجرد منصب إداري. فقد ظل مرتبطًا ببرامج ناسا في علم الأحياء والفضاء حتى السنوات الأخيرة من حياته. وتشير وكالة ناسا إلى أنه كان من المدافعين عن علم الأحياء الفلكي، وأنه ظل عالمًا متميزًا مرتبطًا بمعهد الأحياء الفلكية ومعهد علوم القمر التابع لناسا.
رئيس الجمعية الفلسفية الأمريكية
اتساع اهتمامه انعكس أيضًا في علاقته بالجمعية الفلسفية الأمريكية، وهي واحدة من أقدم المؤسسات العلمية والثقافية في الولايات المتحدة.
انتُخب بلومبرغ عضوًا في الجمعية عام 1986، ثم أصبح رئيسًا لها عام 2005 وظل في المنصب حتى وفاته عام 2011.
وهذه المرحلة تكشف جانبًا آخر من إرثه: لم يكن يرى العلم باعتباره إنتاجًا للنتائج فقط، وإنما مؤسسة ثقافية تتصل بالتاريخ والفلسفة والمجتمع ومستقبل المعرفة.
وكان اهتمامه بالأنثروبولوجيا الطبية وبالتفاعل بين العلوم المختلفة امتدادًا لهذا التصور.
التحدي الأكبر: تحويل الاكتشاف إلى حماية فعلية
من السهل أن يُكتب تاريخ الاكتشافات العلمية بطريقة تختصر كل شيء في لحظة واحدة: «اكتشف العالم كذا، ثم حصل على نوبل». لكن قصة بلومبرغ تكشف أن المسافة بين الاكتشاف والاستفادة منه قد تكون طويلة.
فبعد تطوير لقاح التهاب الكبد «ب»، كان لا بد من إثبات فعاليته في التجارب، ثم إيجاد جهة قادرة على إنتاجه، ثم بناء الثقة في التقنية الجديدة، ثم إدخاله في سياسات التطعيم.
وفي سيرته النوبلية، تحدث بلومبرغ عن الصعوبات التي واجهت عملية تطوير اللقاح وتسويقه، بما في ذلك تردد بعض شركات الأدوية في البداية، وعدم اقتناع جزء من المجتمع العلمي بصورة كاملة بالفيروس واللقاح الجديدين في المراحل الأولى.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تُظهر أن الابتكار الطبي لا يتوقف عند المختبر. فهو يحتاج إلى تجارب، وتصنيع، وتشريعات، ونظم صحية، وتمويل، وقبول مجتمعي.
وبهذا المعنى، كان بلومبرغ جزءًا من سلسلة أوسع من العلماء والأطباء والمؤسسات التي نقلت اكتشافه من الورق إلى برامج وقاية حقيقية.
من بنى على عمله بعد ذلك؟
الأثر اللاحق لبلومبرغ يمكن تتبعه في أكثر من اتجاه.
الاتجاه الأول هو أبحاث التهاب الكبد «ب» نفسها. فبعد اكتشاف الفيروس، اتسعت البيولوجيا الجزيئية الخاصة به، وظهرت أبحاث حول تركيب الفيروس وتكاثره واستمراره داخل الجسم وارتباطه بأمراض الكبد. وكانت الأبحاث التي بدأت مع «المستضد الأسترالي» جزءًا من البنية التي قامت عليها أجيال لاحقة من أبحاث الفيروس.
الاتجاه الثاني هو الوقاية من السرطان باللقاحات. وقد أصبح نجاح لقاح التهاب الكبد «ب» نموذجًا لفكرة أوسع: إذا كان فيروس معين يؤدي دورًا في نشأة سرطان، فإن الوقاية من العدوى يمكن أن تكون استراتيجية للوقاية من السرطان نفسه. وقد فتح هذا التصور الباب أمام تطوير لقاحات أخرى تستهدف فيروسات مرتبطة بالسرطان، وأبرزها لقاحات فيروس الورم الحليمي البشري.
أما الاتجاه الثالث فهو إنشاء مؤسسات علمية تواصل العمل على المشكلة. فقد كان بلومبرغ من الداعمين لمؤسسة التهاب الكبد «ب»، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من منظومة بحثية وصحية واسعة تضم أيضًا معهد باروخ إس. بلومبرغ ومركز بنسلفانيا للتكنولوجيا الحيوية.
وفي عام 2012 أُنشئت جائزة تحمل اسمه من مؤسسة التهاب الكبد «ب»، وأصبحت الجائزة من أبرز التكريمات المرتبطة بأبحاث التهاب الكبد «ب». وهذا شكل آخر من أشكال استمرار أثر العالم بعد رحيله: ليس فقط عبر النتائج العلمية، وإنما عبر دعم العلماء الذين يواصلون العمل في المجال نفسه.
نهاية حياة عالم ظل يبحث في أسئلة جديدة
توفي باروخ صموئيل بلومبرغ في 5 أبريل 2011 عن عمر ناهز 85 عامًا، بعد إصابته بأزمة قلبية أثناء حضوره مؤتمرًا في مركز أبحاث ناسا في كاليفورنيا. وكان في ذلك الوقت لا يزال مرتبطًا بأنشطة علم الأحياء الفلكي.
المفارقة ذات الدلالة أن الرجل الذي أمضى الجزء الأكبر من حياته في البحث عن فيروس يصيب الإنسان كان لا يزال، في سنواته الأخيرة، يطرح أسئلة عن أصل الحياة وإمكان وجودها خارج الأرض.
ولا تبدو هذه النهاية انفصالًا عن بدايته، بل امتدادًا لها. فمنذ أبحاثه الأولى حول الاختلافات بين البشر، كان السؤال المركزي عنده هو: كيف نفهم الحياة من خلال الاختلاف والتفاعل بين الكائن والبيئة والمرض؟
في بداياته كان يبحث في الدم البشري. ثم انتقل إلى الفيروسات والوبائيات. وبعد ذلك اتسع السؤال إلى الحياة نفسها.
الإرث المفتوح: من فيروس مجهول إلى نموذج عالمي للوقاية
حين يُبحث عن أهم أعمال باروخ بلومبرغ، فإن اكتشاف التهاب الكبد «ب» يظل في المقدمة بلا شك. لكن اختزال إرثه في الاكتشاف وحده يفوّت جوهر قصته.
لقد اكتشف العامل المرتبط بالمرض، وساهم في تطوير اختبار للكشف عنه، وشارك في اختراع اللقاح، وتابع العلاقة بين العدوى وسرطان الكبد، وشهد انتقال اللقاح من تجربة علمية إلى برنامج صحي عالمي.
والأهم أن عمله أثبت أن العلوم الأساسية والصحة العامة ليستا مجالين منفصلين. فقد بدأت القصة بسؤال عن اختلافات بروتينات الدم، وانتهت بنتيجة تمس ملايين البشر.
وهذا هو السبب الذي يجعل أثر بلومبرغ ممتدًا بعد جائزة نوبل. فالجوائز تنتمي إلى لحظة زمنية محددة، أما الاكتشافات التي تغير حياة الناس فتستمر في الظهور داخل المستشفيات ومختبرات الأبحاث وبرامج التطعيم والجامعات.
لقد كان لقاح التهاب الكبد «ب» أحد أهم الأمثلة على قدرة البحث العلمي على الوقاية من المرض قبل حدوثه، وعلى الانتقال من علاج المشكلة إلى منعها من الأساس.
ومن هذه الزاوية، فإن سيرة بلومبرغ لا تنتهي عند عام 1976، ولا عند وفاته عام 2011. فكل برنامج تطعيم ضد التهاب الكبد «ب»، وكل بحث يسعى إلى علاج العدوى المزمنة أو منع سرطان الكبد، وكل عالم يواصل دراسة الفيروس، يمثل حلقة جديدة في السلسلة التي بدأت باكتشاف «المستضد الأسترالي».
وبذلك يمكن فهم سيرة باروخ صموئيل بلومبرغ باعتبارها سيرة فكرة علمية كبرت تدريجيًا: من ملاحظة صغيرة في عينة دم، إلى اكتشاف فيروس، إلى اختبار تشخيصي، إلى لقاح، إلى وقاية من السرطان، ثم إلى إرث مؤسسي وعلمي ما زال مفتوحًا على المستقبل.



