العنكبوت والبزاق والراكون.. حكاية رمزية عن السلطة والأنانية

العنكبوت والبزاق والراكون
بدأ عنكبوتٌ أحمر ذو أذرعٍ طويلة، وبزّاقٌ فضيُّ اللون، وراكونٌ لم يغسل وجهه قط، الدراسة معًا في مدرسة السيد الغرير. وكان هناك ثلاثة أمور علّمهم إياها السيد الغرير.
أولًا: حكى لهم قصة السباق بين السلحفاة والأرنب.
ثانيًا: أوضح لهم، كما تشير تلك القصة، أن بإمكان أي شخص أن يتفوق على الآخرين ويصبح أكبر وأكثر أهمية منهم.
ثالثًا: أخبرهم أن الشخص الأكبر حجمًا هو الذي ينال الاحترام الأكبر.
منذ ذلك الحين، بذل الثلاثة كل ما في وسعهم، وأخذوا يتنافسون فيما بينهم للحصول على المركز الأول في الصف.
في عامهم الأول، عوقب كلٌّ من البزاق والراكون بسبب تأخرهما الدائم، فتقدّم العنكبوت إلى الصدارة، بينما أخذ البزاق والراكون يذرفان الدموع من شدة الغيظ.
وفي عامهم الثاني، أخطأ السيد الغرير في حساب الدرجات، فجاء البزاق في المركز الأول، بينما أخذ العنكبوت والراكون يجزّان على أسنانهما من شدة الغيظ.
أما في اختبار السنة الثالثة، فقد كان الضوء شديدًا داخل قاعة الامتحان، فاغرورقت عينا السيد الغرير بالدموع، وأخذ يغمضهما باستمرار. واستغل الراكون ذلك، ففتح الكتاب المدرسي ونقل الإجابات منه، ليحصل على المرتبة الأولى.
وهكذا، تخرج العنكبوت الأحمر ذو الأذرع الطويلة، والبزاق الفضي، والراكون الذي لم يغسل وجهه قط، جميعًا من مدرسة السيد الغرير في الوقت نفسه.
وبدا الثلاثة، في ظاهر الأمر، أصدقاء حميمين، فبذلوا كل ما في وسعهم للاحتفال بهذه المناسبة. فأقاموا حفلة للسيد الغرير تعبيرًا عن شكرهم له على كل ما قدمه لهم، ثم أقاموا حفلة وداع خاصة بهم. لكن، في أعماق قلوبهم، كان كل واحد منهم منشغلًا بالتفكير في الاثنين الآخرين، ويقول في نفسه:
«ها! ما الذي يدعوهما إلى الفخر؟ انتظرا فقط لتريا من سيصبح الأكبر والأكثر أهمية!»
وبمجرد انتهاء الحفلتين، عاد كل منهم إلى منزله ليطبق ما تعلمه. أما السيد الغرير، فقد كان مشغولًا مرة أخرى، إذ كان يطارد أحد جرذان المجاري ليُلحقه بالمدرسة.
كان ذلك في موسم تفتح أزهار البنفسج البري. وكانت أعداد لا تُحصى من النحل ذي العيون الزرقاء تطير في الأرجاء طنانةً تحت أشعة الشمس، تُحيّي كل زهرة وردية صغيرة قبل أن تمتص رحيقها، ثم تنقل كرات حبوب اللقاح الذهبية إلى أزهار أخرى، أو تجمع الشمع الذي لم تعد براعم الأشجار الغضة بحاجة إليه، لتستخدمه في بناء بيوتها السداسية. لقد كان يومًا سعيدًا، يعج بالنشاط والحيوية في مطلع الربيع.
ما حلَّ بالعنكبوت
في مساء اليوم الذي تلا الحفلتين، عاد العنكبوت إلى شجرة البلوط التي كان يعيش فيها عند طرف الغابة.
ولسوء الحظ، كان قد أنفق كل أمواله أثناء دراسته في مدرسة الغرير، ولم يبق لديه شيء يملكه. فتحمل الجوع، وبدأ ينسج شبكة تحت ضوء القمر الخافت.
كان جائعًا إلى درجة أنه لم يبق في جسده إلا القليل من الخيوط، لكنه ظل يتمتم في نفسه:
«سيران… سيران…»
واستمر في الغزل بكل ما أوتي من قوة، حتى صنع في النهاية شبكة لا يزيد حجمها على حجم عملة نحاسية صغيرة. ثم اختبأ خلف غصن، وأخذ يراقبها بعينيه اللامعتين طوال الليل.
وقبيل الفجر، جاء ذباب خيل صغير يطير في الأرجاء وهو يطن، فسقط في الشبكة، لكنه سرعان ما أفلت منها؛ لأن العنكبوت كان جائعًا جدًا عندما نسجها، فلم تكن خيوطها لزجة كما ينبغي.
وفي تلك اللحظة، اندفع العنكبوت من خلف الغصن، وغرز أنيابه فيه.
قالت الذبابة الصغيرة وهي تبكي:
«لا تفعل… أتوسل إليك!»
لكن العنكبوت، من دون أن ينطق بكلمة، التهمها كاملة؛ رأسها، وجناحيها، وأرجلها، وكل ما فيها.
تنفس العنكبوت الصعداء، واستلقى برهة ينظر إلى السماء ويفرك بطنه، ثم بدأ ينسج مزيدًا من الخيوط، حتى تضاعف حجم الشبكة.
وعاد إلى مخبئه خلف الغصن، وجلس بلا حراك، وعيناه اللامعتان تراقبان الشبكة في صمت.
ذكر ذباب مايو
تقدم ذكر ذباب مايو، وكان أعمى، متكئًا على عصاه، وسأل:
«ما هذا المكان؟»
أجاب العنكبوت، وعيناه الست ترفّان كلٌّ على حدة:
«إنه نُزل، يا سيدي.»
فجلس ذكر ذباب مايو على الشبكة وقد بدا عليه الإرهاق. عندها خرج العنكبوت من مخبئه وقال:
«تفضل، هذا بعض الشاي.»
لكن، ومن دون سابق إنذار، غرز أنيابه في جسده.
رفع ذكر ذباب مايو يده التي كان سيحمل بها كوب الشاي، وراح يقاوم عبثًا، وهو يقول بصوت يستدر الرحمة:
«آه… أشفق على ابنتي…»
قاطعه العنكبوت قائلًا:
«يكفي هذا، وتوقف عن المقاومة.»
فضم ذكر ذباب مايو كفيه متوسلًا:
«أشفق عليَّ، أيها السيد الكريم. دعني ألقي قصيدتي الأخيرة، على الأقل.»
شعر العنكبوت بشيء من الشفقة، فقال:
«حسنًا، ولكن أسرع.»
ثم جلس ممسكًا بساقي ذكر ذباب مايو بإحكام.
فبدأ الأخير يتلو قصيدته بصوت خافت يبعث على الرثاء:
آه… أشفق على ابنتي.
عندما تصلها الأخبار المروعة
عن رحيل والدها،
البعيد جدًا عن المنزل،
إلى أذنها الحزينة،
ستلتقط، في يدها الصغيرة،
عصا الحاج،
وتنطلق في رحلة حج مرهقة،
تعبر بها الأرض.
ستتنقل من باب إلى باب،
وسط الرياح والمطر،
متوسلة:
«أعطوني صدقة،
لأصلي من أجل أن ترقد روحه في سلام.»ابنتي العزيزة، احذري،
وتجنبي مخبأ العنكبوت القاسي.
خذي وصيتي الأخيرة هذه بعين الاعتبار، واحذري النُّزُل الشبكية.
صاح العنكبوت:
«كيف تجرؤ على ذلك؟… هذا يكفي!»
ثم ابتلعه دفعة واحدة.
استلقى برهة وهو ينظر إلى السماء ويفرك بطنه، ثم طرف بعينيه وبدأ يغني بمرح:
«فات الأوان لتتعلم الاحترام.»
وبعد ذلك عاد إلى غزل الخيوط مرة أخرى.
ازداد حجم الشبكة ثلاثة أضعاف، حتى أصبحت تشبه مظلة كبيرة. ثم، وقد صفا ذهنه، اختبأ العنكبوت مرة أخرى بين أوراق الشجرة.
وبعد ذلك مباشرة، سمع أحدهم يغني بصوت عذب:
أوه، أيها العنكبوت الأحمر الطويل الأرجل،
تزحف عاليًا في السماء،
وتُخرج
خيطك الفضي من النور الناعم اللامع،
لتنسج شبكة براقة في الأعالي.
نظر العنكبوت إلى أسفل، فرأى أنثى عنكبوت جميلة.
قال لها، وهو يُرسل إليها خيطًا طويلًا جدًا يتدلى من الشبكة:
«اصعدي إلى هنا.»
أمسكت أنثى العنكبوت بالخيط على الفور، وبدأت في الصعود، وسرعان ما أصبحا زوجًا وزوجة.
كانت الشبكة تمتلئ كل يوم بشتى أنواع الحشرات، فأكلت زوجة العنكبوت الكثير منها، ثم وضعت عددًا كبيرًا من الصغار. وهكذا وُلدت مئات العناكب الصغيرة.
وكانت الحياة تضج بالحيوية؛ إذ كان الصغار ينزلقون على الخيوط، ويتصارعون، ويتأرجحون فوق الشبكة في مرح.
والأفضل من ذلك كله، أنه في أحد الأيام جاء يعسوب ليخبرهم بأن الحشرات قررت تعيين العنكبوت نائبًا لرئيس جمعية الحشرات والديدان.
وبعد فترة قصيرة، بينما كان العنكبوت وزوجته يختبئان بين أوراق الشجرة ويشربان الشاي، سمعا أحدهم يغني بصوت متغطرس:
أوه، أيها العنكبوت الأحمر الطويل الأرجل،
لقد أنجبت مائتي ولد،
لكن حتى أكبرهم
صغير إلى حد لا يُصدق،
لا يزيد على حبة رمل.
نظر العنكبوت، فإذا بالبزاق الفضي، الذي كان حجمه قد تضاعف كثيرًا منذ آخر مرة رآه.
أصيبت زوجة العنكبوت الطيبة بضيق شديد، فأخذت تبكي بكاءً مريرًا، ولم تُفلح أي محاولة في تهدئتها.
أما العنكبوت الطويل الأرجل، فقال باستهزاء:
«إنه يغار مني، هذا كل ما في الأمر. وأنت أيها البزاق… لقد عُينت نائبًا لرئيس جمعية الحشرات والديدان، فما رأيك في ذلك؟ هه؟ لا أستطيع أن أتخيل أن يصبح أمثالك أصحاب شأن، مهما بلغ حجمهم! ها… ها… ها!»
اشتد غضب البزاق الفضي حتى أصابته الحمى عدة أيام، ولم يكن يردد إلا:
«آه… يا له من عنكبوت بغيض! يا لها من إهانة! ذلك العنكبوت البغيض!»
ومن وقت إلى آخر، كانت الرياح تمزق الشبكة، أو تتلفها خنفساء أيل بحركة طائشة، لكن العنكبوت كان ينسج بسرعة خيطًا جديدًا طويلًا وناعمًا، ويصلحها من جديد.
ومن بين أطفالهما المائتين، اختطف النمل مائةً وثمانيةً وتسعين طفلًا، أو اختفى بعضهم دون أثر، أو ماتوا بمرض الزحار. لكن الصغار كانوا متشابهين إلى درجة أن والديهم سرعان ما نسوهم.
وأصبحت الشبكة الآن بناءً هائلًا، تتدفق إليه الحشرات باستمرار.
وفي أحد الأيام، بينما كان العنكبوت وزوجته متواريين بين أوراق الشجرة يشربان الشاي، مرت بعوضة متجولة، ألقت نظرة سريعة على الشبكة ثم انحرفت مبتعدة.
وضع العنكبوت ثلاثًا من أرجله على خيوط الشبكة، وأخذ يراقبها بازدراء وهي تمضي.
وفجأة دوّى من أسفل صوت يغني في سخرية:
أوه، أيها العنكبوت الأحمر الطويل الأرجل…
شبكتك رديئة للغاية،
حتى البعوضة العابرة
طنَّت قليلًا… ثم رحلت!
ثم أعقب الغناء ضحكةٌ مجلجلة صاعدة من أسفل.
كان صاحبها الراكون الذي لم يغسل وجهه قط.
فكزَّ العنكبوت على أسنانه غاضبًا وقال:
«انتظر أيها الراكون الأحمق! بعد فترة قصيرة سأصبح رئيسًا لجمعية الحشرات والديدان، وعندها سأجعلك تنحني لي. انتظر فقط… وسترى!»
منذ ذلك الحين، بدأ العنكبوت يعمل بجدٍّ واجتهاد. فنسج عشر شبكات كاملة في أماكن مختلفة، وظل يراقبها حتى في ساعات الليل.
لكن، ويا للأسف، بدأت علامات الضعف تظهر عليه. فقد تراكم في شبكاته من الطعام ما جعل فساده أمرًا لا مفر منه. وسرعان ما دبَّ الوهن في جسد العنكبوت وزوجته وطفليهما.
وأخذ الأربعة جميعًا يشعرون بالضعف والهزال، بدءًا من أطراف أرجلهم، حتى جرفتهم مياه المطر في النهاية بعيدًا.
وكان ذلك في الوقت الذي كانت فيه أزهار البرسيم متفتحة، بينما انتشر النحل ذو العيون الزرقاء في الحقول، يجمع الرحيق من كل زهرة صغيرة، وكأنه يلتقط ضوءًا من مصباح صغير.
ما حلَّ بالبزاق الفضي
في الوقت نفسه تقريبًا الذي كان فيه العنكبوت ينسج أول شبكة له، بحجم عملة نحاسية، على شجرة البلوط عند طرف الغابة، صعد حلزون إلى منزل البزاق الفضي الجميل.
وفي ذلك الحين، كان البزاق يتمتع بسمعة طيبة في الغابة؛ فقد كان الجميع يرونه متعلمًا، ولطيفًا، ومراعيًا للآخرين.
قال الحلزون:
«أيها البزاق، إنني أمر بظروف صعبة هذه الأيام. ليس لدي طعام آكله ولا ماء أشربه، فهل تسمح لي بأن أتناول قليلًا من عصير نباتات الآرام الذي تخزنه؟»
أجاب البزاق:
«عجبًا! بالطبع، تفضل إلى الداخل.»
وبينما كان الحلزون يشرب العصير، قال:
«هذا لطف كبير منك. حقًّا، كما يقولون: الصديق وقت الضيق.»
ابتسم البزاق وقال:
«اشرب المزيد. نحن أشبه بالأخوين، ألسنا كذلك؟ ها… ها… ها… هيا، تناول المزيد.»
قال الحلزون:
«حسنًا… ربما قليلًا آخر. شكرًا لك.»
فشرب كما طلب منه.
ثم قال البزاق:
«أيها الحلزون، ما رأيك أن نتصارع قليلًا؟ لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة تصارعنا فيها… ها… ها… ها…»
أجاب الحلزون:
«إنني أتضور جوعًا، ولا أملك القوة لذلك.»
فأخرج البزاق بعض البراعم الشوكية وقال:
«إذن، سأقدم لك شيئًا تأكله أولًا. تفضل.»
قال الحلزون:
«حسنًا، ما دمت مُصرًّا…»
فأكلها كلها.
نهض البزاق وقال مبتسمًا:
«والآن… هيا نتصارع!»
وقف الحلزون على قدميه على مضض وقال:
«أشعر بوهن شديد، فأرجوك لا ترمني بقوة.»
لكن البزاق صاح:
«هيا… اسقط!»
فسقط الحلزون على الأرض بعنف.
ثم قال ضاحكًا:
«دعنا نكررها… ها… ها… ها…»
قال الحلزون:
«لا… أنا متعب حقًّا.»
لكن البزاق لم يتوقف.
«هيا، مرة أخرى!»
فسقط الحلزون ثانية.
ثم ثالثة.
ورابعة.
وكان البزاق يضحك في كل مرة وهو يردد:
«مرة أخرى… ها… ها… ها…»
قال الحلزون بصوت واهن:
«لقد اكتفيت…»
لكن البزاق لم يصغِ إليه.
«هيا… مرة أخيرة!»
فسقط الحلزون مرة أخرى.
ثم قال بصوت خافت:
«إنني أموت… وداعًا.»
قال البزاق:
«قف على قدميك… هيا، سأساعدك.»
وما إن وقف حتى سقط للمرة الأخيرة.
ومات الحلزون.
فالتهمه البزاق الفضي كله بشهية، حتى الأجزاء الخارجية الصلبة.
وبعد نحو شهر، جاء ذكر سحلية يعرج حتى وصل إلى منزل البزاق.
وقال:
«أيها البزاق، هل يمكنني أن أحصل على قليل من الدواء؟»
ابتسم البزاق وسأله:
«وما المشكلة؟»
قال ذكر السحلية:
«لقد لدغني ثعبان.»
ابتسم البزاق مرة أخرى وقال:
«هذا أمر بسيط. سألعق موضع اللدغة، وسيزول السم فورًا. بل إنني أستطيع إذابة الثعبان نفسه… ها… ها… ها…»
فمدَّ ذكر السحلية ساقه وقال:
«حسنًا، إذا لم يكن لديك مانع.»
قال البزاق:
«بل بكل سرور. نحن أشبه بالأخوين، أليس كذلك؟ وكذلك أنت والثعبان… ها… ها… ها…»
ثم وضع فمه على موضع الجرح.
وبعد قليل، قال ذكر السحلية:
«شكرًا لك…»
لكن البزاق واصل اللعق وهو يتمتم:
«انتظر قليلًا… لم ننتهِ بعد. لا أريد أن تعود إليَّ طالبًا المساعدة مرة أخرى… ها… ها… ها…»
قال ذكر السحلية بقلق:
«أيها البزاق… أظن أن ساقي بدأت تذوب.»
أجاب البزاق ببرود:
«ها… ها… ها… لا داعي للقلق.»
ثم قال ذكر السحلية:
«أشعر بحرارة شديدة في منتصف جسدي.»
فتمتم البزاق:
«لا تشغل بالك بذلك.»
وبعد لحظات، أخذ ذكر السحلية يبكي وقال:
«أيها البزاق… أظن أن نصف جسدي قد ذاب. توقف، أرجوك!»
لكن البزاق أجابه وهو يضحك:
«ها… ها… ها… كل شيء على ما يرام… صدقني.»
وعندما سمع ذلك، اطمأن ذكر السحلية أخيرًا.
ولم يعد يشعر بالقلق… لأنه، في تلك اللحظة نفسها، كان قلبه قد ذاب.
وعندئذ التهمه البزاق بأكمله في لقيمات كبيرة.
وأصبح البزاق ضخمًا إلى درجة تدعو للسخرية، وشعر بزهوٍ شديد، حتى إنه لم يستطع مقاومة رغبته في مضايقة العنكبوت.
لكن العنكبوت كان قد سخر منه من قبل، فعاد البزاق إلى منزله، ولازم فراشه أيامًا يشكو الحمى، وهو يردد كل يوم:
«انتظر فقط… سأصبح أضخم ما أستطيع. وعندها سأُنتخب عضوًا فخريًا في جمعية الحشرات والديدان. وإذا قال العنكبوت شيئًا، فلن أرد عليه، بل سأكتفي بالنظر إليه باحتقار.»
غير أن المشكلة كانت أن سمعة البزاق بدأت، لسبب أو لآخر، تتدهور في ذلك الوقت.
وكان الراكون، على وجه الخصوص، يستخف به كلما ذُكر اسمه، ويقول مبتسمًا:
«لا أستطيع أن أقول إنني معجب بالطريقة التي يفعل بها البزاق الأشياء. فبمثل هذه الطريقة، يستطيع أي شخص أن يصبح ضخمًا!»
وعندما سمع البزاق ذلك، ازداد غضبه، وأصبح أكثر إصرارًا على أن يُنتخب عضوًا فخريًا في الجمعية بأسرع وقت ممكن.
وبعد فترة قصيرة، تعفن العنكبوت وذاب، ثم جرفته مياه الأمطار بعيدًا، فخفَّ غضب البزاق قليلًا، وأخذ ينتظر بفارغ الصبر زائرًا جديدًا.
وذات يوم، جاء ضفدع.
وقال:
«طاب يومك، أيها البزاق. هل تسمح لي بشيء من الماء؟»
فأجابه البزاق بصوت لطيف مصطنع، وقد كان يتوق إلى التهامه:
«مرحبًا بك أيها الضفدع. خذ من الماء ما تشاء، فقد حل الجفاف منذ مدة. ثم إنك وأنا أشبه بالأخوين، ألسنا كذلك؟ ها… ها… ها…»
ثم قاده إلى إناء الماء.
شرب الضفدع حتى ارتوى، ثم نظر إلى البزاق برهة بعينين بريئتين، وقال:
«ما رأيك أن نتصارع قليلًا، أيها البزاق؟»
ففرح البزاق؛ إذ إن الضفدع اقترح عليه ما كان هو على وشك اقتراحه.
وقال في نفسه:
«إن مخلوقًا ضعيفًا كهذا سيكون جاهزًا للابتلاع بعد خمس رميات أو نحو ذلك.»
قال البزاق:
«نعم، دعنا نتصارع. هيا… اسقط! ها… ها… ها…»
فسقط الضفدع على الأرض.
ثم قال البزاق:
«هيا، لنجرب مرة أخرى… اسقط! ها… ها… ها…»
ومرة أخرى ألقى الضفدع على الأرض.
عندها أخرج الضفدع بسرعة كيسًا صغيرًا من الملح من جيبه، وقال وهو ينثر حفنة منه على الأرض:
«إن مصارعي السومو يطهرون الحلبة دائمًا بالملح.»
ابتسم البزاق وقال:
«هيا، أنا متأكد أنك ستهزمني هذه المرة، فأنت قوي جدًا! هيا… لنتصارع! ها… ها… ها…»
ومرة أخرى ارتطم الضفدع بالأرض.
وظل ممددًا، باسطًا ذراعيه وساقيه، وقد استدار بطنه الأبيض إلى أعلى، حتى بدا كأنه فارق الحياة.
لكن عندما همَّ البزاق بالتوجه نحوه ليلتهمه، فوجئ بأنه لا يستطيع تحريك ساقيه.
نظر إليهما، فإذا بنصفهما قد ذاب.
صرخ مذعورًا:
«آه… يا إلهي! الملح!»
عندها نهض الضفدع في رشاقة، وجلس متربعًا على الأرض، وفتح فمه الواسع، وأخذ يضحك.
ثم قال وهو ينحني مودعًا:
«وداعًا، أيها البزاق. لا بد أن هذا أكثر ما يزعجك.»
كان البزاق على وشك البكاء.
وقال بصعوبة:
«أيها الضفدع… الودا…»
لكن لسانه ذاب في تلك اللحظة، فلم يستطع إكمال الكلمة.
أما الضفدع، فأخذ يضحك طويلًا، ثم قال:
«أظنك كنت تريد أن تقول: الوداع. حسنًا، إذن… وداعًا لك. وعندما أعود إلى منزلي سأبكي عليك كثيرًا.»
ثم انطلق مسرعًا، من غير أن يلتفت وراءه ولو مرة واحدة.
وكانت أزهار الحنطة السوداء البيضاء، المزروعة في الخريف، قد بدأت تتفتح، فيما راحت أعداد لا تُحصى من النحل ذي العيون الزرقاء تحوم بين السيقان الوردية في أحد الحقول، تتمايل فوق الأغصان الصغيرة المحملة بالأزهار، وتجمع آخر رحيق في ذلك العام.
ما حلَّ بالراكون
لم يغسل الراكون وجهه قط عن قصد.
وفي الوقت الذي كان فيه العنكبوت قد نسج أول شبكة له، بحجم عملة نحاسية، على شجرة البلوط عند طرف الغابة، عاد الراكون إلى المعبد الذي كان يعيش فيه في الريف.
وكان هو الآخر جائعًا جدًا، فاتكأ على شجرة صنوبر وأغمض عينيه.
وفي تلك الأثناء، مرَّ به أرنب.
قال الأرنب:
«أيها الراكون، ما أشد قسوة الجوع! قد يموت المرء بسببه.»
أجاب الراكون:
«نعم، هذا صحيح. لكن كل شيء يجري بإرادة القط البري المبارك… السلام عليه.»
ردد الأرنب بدوره:
«السلام عليه…»
ثم أخذ الاثنان يتمتمان:
«السلام عليه… السلام عليه…»
أمسك الراكون بكف الأرنب وجذبه إليه وهو يردد:
«السلام عليه… كل شيء بإرادة القط المبارك… السلام عليه…»
وفجأة، قضم إحدى أذني الأرنب.
صرخ الأرنب مذعورًا:
«آه! ماذا تفعل أيها الراكون؟»
قال الراكون، وفمه ممتلئ:
«السلام عليه… السلام عليه… إن كل ما يحدث في الأرض يجري بإرادة القط البري. لقد شاءت حكمته التي لا توصف أن أقضم أذنيك حتى يصبح حجمهما مناسبًا… السلام عليه.»
ثم أكل الأذنين كلتيهما.
لكن الأرنب، وهو يستمع إلى كلامه، امتلأ قلبه تدريجيًا بالفرح، وأخذ يبكي بحرارة.
وقال:
«السلام عليه… السلام عليه… ما أعظم رحمة القط البري! ما قيمة أذنين أو أكثر، إذا كان في ذلك خلاص الروح؟ السلام عليه!»
أما الراكون، فأخذ هو الآخر يذرف دموعًا زائفة.
وقال:
«السلام عليه… السلام عليه… أتأمرني الآن أن أقضم رجليك؟ إنك تقفز كثيرًا، أليس كذلك؟ نعم… نعم… سأفعل… السلام عليه…»
ثم انقض على ساقي الأرنب الخلفيتين، وأخذ منهما قضمة كبيرة.
ازداد بكاء الأرنب فرحًا، وقال:
«آه، الحمد له! بفضل القط البري المبارك لم أعد بحاجة إلى المشي! الحمد له… السلام عليه… السلام عليه…»
وبدا الراكون وكأنه غارق في دموعه.
وقال:
«السلام عليه… السلام عليه… كل شيء وفق إرادتك. إذن، تريد من مخلوق متواضع مثلي أن يعيش لينفذ مشيئتك؟ حسنًا… ستكون إرادتك نافذة… السلام عليك… السلام عليك…»
ثم التهم الأرنب كله.
ومن داخل بطنه، صاح الأرنب:
«لقد خدعتني! إن جوفك مظلم تمامًا! آه… كم كنت أحمق!»
قال الراكون غاضبًا:
«اهدأ أيها الأحمق، ودعني أهضمك بسرعة.»
لكن الأرنب ظل يصيح:
«أيها الجميع… لا تدعوا الراكون يخدعكم!»
فأخذ الراكون ينظر حوله في قلق، ثم أغلق فمه بإحكام، ووضع كفه على أنفه أيضًا حتى لا يخرج أي صوت.
وبعد هذه الحادثة بشهرين كاملين، كان الراكون يؤدي صلواته المعتادة، عندما جاء إليه ذئب يحمل نصف مكيال من الأرز غير المقشور، وتوسل إليه أن يلقي عليه موعظة.
فقال الراكون:
«إن الأرواح التي أزهقتها لن يُكفَّر عنها بسهولة. فمن ذا الذي يموت طائعًا؟ لقد التهمت الكثير، أليس كذلك؟ أسرع إلى التوبة، وإلا فإن عذابًا شديدًا ينتظرك… آه، ما أشده! السلام عليه… السلام عليه…»
ارتعب الذئب، وأخذ ينظر حوله بقلق.
وقال:
«إذن… ماذا ينبغي أن أفعل؟»
أجابه الراكون:
«افعل تمامًا كما أقول لك، فالقط المبارك يتحدث على لساني… السلام عليه… السلام عليه…»
قال الذئب، وهو يرتجف:
«وماذا عليَّ أن أفعل؟»
قال الراكون:
«حسنًا… اثبت مكانك أولًا، وسأقتلع أنيابك. آه، كم من الأرواح البريئة حصدتها هذه الأنياب! يا له من أمر مروع!
والآن سأقتلع عينيك. كم من المخلوقات أفزعتها هاتان العينان حتى الموت!
ثم… السلام عليه… السلام عليه… سأقضم قليلًا من أذنيك، فهذا جزء من العقاب.
تحمَّل…
والآن… سأقضم رأسك.
غم… غم…
السلام عليه…
إن أهم ما في هذا العالم هو الصبر والتحمل.
والآن… سألتهم ساقيك أيضًا… إنها تبدو لذيذة!»
«لذيذة جدًا… السلام عليه…
غم… غم…
هممم…
والآن ظهرك… مم، هذا جيد أيضًا.
غم… غم… غم…
هممم… هممم…»
وفي النهاية، التهم الذئب بأكمله.
ومن داخل معدة الراكون، صاح الذئب:
«الظلام دامس هنا! لكنني أرى بعض عظام أرنب… من الذي قتله؟ اسمعوا أيها الموجودون في الخارج، أحذركم… لا تدعوا هذا الراكون يعظكم، وإلا ابتلعكم أنتم أيضًا!»
قال الراكون بضيق:
«إنك تُحدث ضجيجًا كثيرًا… سأضع غطاءً فوقك.»
ثم ابتلع، دفعة واحدة، الصرَّة التي تحتوي على نصف مكيال من الأرز، والتي كان الذئب قد أحضرها معه.
لكن في اليوم التالي، شعر الراكون بأنه ليس على ما يرام.
ولسببٍ ما، أصابه ألم مبرح في معدته، وأخذ يشعر بوخز شديد في حلقه.
في البداية، حاول تخفيف الألم بشرب كميات كبيرة من الماء، لكن حالته كانت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، حتى أصبح الألم في النهاية يفوق قدرته على الاحتمال.
وأخيرًا، في اليوم الخامس والعشرين بعد التهامه الذئب، كان جسده قد انتفخ حتى بدا كالبالون المطاطي، ثم انفجر، مُحدثًا دويًا هائلًا.
وعندما تجمعت جميع حيوانات الغابة، مذعورة، وجدت أن جسد الراكون كان محشوًّا بالأرز؛ فقد كان الأرز الذي ابتلعه قد نبت ونما داخل جسده.
ووصل السيد الغرير أيضًا، لكنه جاء متأخرًا قليلًا.
ألقى نظرة سريعة على المشهد، ثم أطلق تثاؤبًا طويلًا وقال:
«يا إلهي… يا للأسف! لقد كان الثلاثة تلاميذ أذكياء حقًّا…»
وكان الشتاء قد بدأ لتوه آنذاك، وكانت كل نحلة ذات عينين زرقاوين ترقد في بيتها الشمعي ذي الجوانب الستة، تنام في سلام، وتحلم بقدوم الربيع.



