سير

فلاديمير بريلوج.. سيرة الكيميائي الذي أعاد تعريف هندسة الجزيئات

في 17 أكتوبر 1975، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الكيمياء مناصفة بين الكيميائي البريطاني جون وارب كوبورنث والكيميائي فلاديمير بريلوج. وكان نص الدافع الرسمي لمنح بريلوج الجائزة: «لأبحاثه في الكيمياء الفراغية للجزيئات العضوية والتفاعلات». لم يكن التكريم احتفاءً بتجربة منفردة أو مركب واحد، وإنما بخط علمي واسع حاول أن يجيب عن سؤال بالغ الأهمية في الكيمياء: كيف يمكن للشكل الهندسي ثلاثي الأبعاد للجزيء أن يحدد سلوكه وتفاعلاته؟

كان بريلوج قد أمضى عقودًا في دراسة الجزيئات العضوية، وبخاصة بنيتها الفراغية وطريقة تفاعلها، متنقلًا بين الكيمياء التركيبية والكيمياء الحيوية ودراسة المركبات الطبيعية. وفي نهاية المطاف أصبحت أعماله جزءًا من اللغة الأساسية التي يستخدمها الكيميائيون لوصف «يدوية» الجزيئات، أي وجود صورتين متطابقتين في العناصر لكنهما معكوسان كصورة اليد اليمنى واليد اليسرى. ومن هنا ارتبط اسمه بصورة دائمة باتفاقية «كان–إنجولد–بريلوج» لتحديد التكوين الفراغي للجزيئات الكيرالية.

النشأة.. من سراييفو إلى مختبر الكيمياء

وُلد فلاديمير بريلوج في سراييفو في 23 يوليو 1906، وكانت المدينة آنذاك ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية. توفي في زيورخ بسويسرا في 7 يناير 1998، عن واحد وتسعين عامًا. وتكشف مسيرته المبكرة عن بيئة تعليمية متحركة؛ فقد ارتبطت طفولته بسراييفو، ثم انتقلت الأسرة إلى زغرب، قبل أن يقضي جزءًا من تعليمه الثانوي في أوسييك، ومنها عاد إلى زغرب، ثم انتقل إلى براغ لاستكمال دراسته الجامعية.

في أوسييك تحديدًا ظهر التحول الذي سيترك أثره على حياته. كان مدرس الكيمياء إيفان كوريا من الشخصيات التي شجعت الفتى على الاقتراب من العلم بوصفه ممارسة عملية، لا مادة مدرسية فحسب. وبمساعدة أستاذه، نشر بريلوج في سن مبكرة عمله العلمي الأول، وهو بحث قصير حول جهاز للمعايرة نُشر في مجلة ألمانية متخصصة عام 1921. تكشف هذه البداية عن سمة ستظل ملازمة لمسيرته: الاهتمام بالتجربة والأداة والمشكلة المحددة، ثم محاولة الوصول إلى تفسير أعمق لها.

بعد إنهاء دراسته الثانوية في زغرب عام 1924، انتقل إلى براغ، حيث درس الكيمياء في المدرسة التقنية التشيكية، وحصل على دبلوم الهندسة الكيميائية عام 1928، ثم نال الدكتوراه عام 1929 تحت إشراف الكيميائي التشيكي إميل فوتوتشيك. وفي براغ تعرف أيضًا إلى رودولف لوكيش، الذي كان له دور مهم في توجيهه نحو الكيمياء العضوية ومركبات القلويدات.

لم تكن بداية حياته المهنية في الجامعة مباشرة. عمل في مختبر شركة خاصة للمواد الكيميائية الدقيقة في براغ، وهي بيئة مختلفة عن المختبر الأكاديمي، لكنها منحته خبرة عملية في تحضير المركبات ودراسة المواد. وفي الوقت نفسه استمر اهتمامه بالكيمياء العضوية ومركبات المنتجات الطبيعية. ومن هذه المرحلة بدأ الخط الذي سيربط لاحقًا بين الكيمياء التطبيقية والبحث الأساسي.

زغرب.. حين أصبح البحث العلمي مشروعًا متكاملًا

عاد بريلوج إلى زغرب في منتصف الثلاثينيات، وبدأ العمل في كلية الهندسة بجامعة زغرب. وهناك لم يكتف بالتدريس، بل عمل على تحديث تعليم الكيمياء وإدخال مزيد من التدريب العملي في الكيمياء العضوية التحضيرية، كما تعاون مع باحثين وطلاب ومع شركة «كاستيل» الدوائية، التي ارتبط تاريخها لاحقًا بتطور صناعة الأدوية في المنطقة.

في تلك الفترة توسع اهتمامه بدراسة المركبات الطبيعية، والقلويدات، والمواد التي يمكن أن تحمل قيمة دوائية. وكانت الكيمياء العضوية في النصف الأول من القرن العشرين تمر بتحول مهم: لم يعد الهدف مجرد عزل مركب طبيعي أو تحديد صيغته التقريبية، بل أصبح السؤال أكثر دقة: كيف ترتبط ذرات المركب بعضها ببعض؟ وكيف تتحدد بنيته؟ وكيف تؤثر تلك البنية في خواصه وتفاعلاته؟

كان هذا التحول مهمًا في تكوين بريلوج العلمي. فالكيمياء العضوية بدأت تتحرك من وصف المواد إلى فهم بنيتها وسلوكها، ومن الصيغة المسطحة على الورق إلى إدراك أن الجزيء كيان ثلاثي الأبعاد.

الحرب والانتقال إلى زيورخ

عام 1941، وفي ظل الاحتلال الألماني ليوغوسلافيا، غادر بريلوج زغرب متجهًا إلى سويسرا بمساعدة الكيميائي لافوسلاف روزيتشكا، الحائز لاحقًا جائزة نوبل. وصل إلى المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، المعروف اختصارًا بـETH Zürich، وانضم إلى مختبر الكيمياء العضوية الذي كان روزيتشكا يقوده.

كان الانتقال نقطة تحول مؤسسية في حياته. فقد انتقل من بيئة علمية ناشئة في زغرب إلى واحدة من أهم المؤسسات الأوروبية في الكيمياء العضوية. بدأ هناك بصفة محاضر خاص، ثم تدرج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح أستاذًا للكيمياء العضوية عام 1950. وفي عام 1957 خلف روزيتشكا في رئاسة مختبر الكيمياء العضوية، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1965.

لكن أهمية زيورخ لم تكن في المنصب فقط. ففي ETH وجد بريلوج البيئة التي تسمح بتوسيع مشروعه العلمي، فجمع بين الكيمياء العضوية التحضيرية، ودراسة المركبات الطبيعية، والتحليل البنيوي، ثم جعل الكيمياء الفراغية تدريجيًا محورًا رئيسيًا في عمله.

قبل بريلوج.. المشكلة التي كانت تختبئ داخل الشكل

لفهم سبب فوز فلاديمير بريلوج بجائزة نوبل، لا يكفي أن نقول إنه درس «الكيمياء الفراغية». ينبغي أولًا فهم المشكلة التي كان يعمل عليها.

الجزيئات العضوية لا توجد في ورقة المختبر بالشكل الذي تظهر به في الرسم الكيميائي. فالخطوط التي تمثل الروابط تختصر عالمًا ثلاثي الأبعاد تتحرك فيه الذرات، وتقترب أجزاء من الجزيء من بعضها، وتتخذ مجموعات ذرية أوضاعًا مختلفة.

والأكثر تعقيدًا أن بعض الجزيئات يمكن أن توجد في صورتين متطابقتين في التركيب، لكن إحداهما تكون صورة مرآة للأخرى ولا يمكن وضعها فوقها بحيث تتطابق تمامًا، كما لا يمكن وضع اليد اليمنى فوق اليسرى بطريقة تجعلهما الشيء نفسه. تسمى هذه الخاصية «الكيرالية» أو «التناظر المرآتي غير القابل للتطابق».

كان لهذه المسألة أهمية كبيرة في الكيمياء الحيوية؛ فالإنزيمات والجزيئات الحيوية نفسها ذات بنى فراغية محددة، ولذلك يمكن أن تتعامل مع شكل جزيئي معين بطريقة تختلف جذريًا عن تعاملها مع الصورة المرآتية له. وقد أوضحت مؤسسة نوبل أن الأبحاث في الكيمياء الفراغية ذات أهمية أساسية لفهم العمليات البيولوجية، كما أن التفاعلات ذات الخصوصية الفراغية لها أهمية عملية كبيرة في الكيمياء الدوائية.

هنا تكمن أهمية مشروع بريلوج: لم يعد الشكل ثلاثي الأبعاد تفصيلًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا من تفسير التفاعل نفسه.

الحلقات متوسطة الحجم.. عندما لا تكفي الرسوم البسيطة

من أهم مسارات أبحاث بريلوج دراسته لما عُرف بالحلقات متوسطة الحجم، وهي مركبات حلقية تحتوي على عدد متوسط من ذرات الكربون. وتذكر مؤسسة نوبل أن أبحاثه تناولت بصورة خاصة الحلقات التي تحتوي على نحو 8 إلى 12 ذرة كربون، بينما تشير ETH إلى نطاق أوسع للحلقات المتوسطة بين 8 و14 ذرة كربون.

كانت المشكلة في أن هذه الحلقات لا تتصرف ببساطة مثل الحلقات الصغيرة. فالجزيء لا يبقى بالضرورة في شكل جامد، بل يمكن أن تتغير هيئة الحلقة، بحيث تقترب أجزاء تبدو متباعدة عند النظر إلى رسم مسطح من بعضها البعض.

وهذه المرونة يمكن أن تغير مسار التفاعل. فقد يكون الجزء الأول من الجزيء بعيدًا على الورق عن الجزء الثاني، لكن الحركة الفراغية قد تجعلهما متجاورين في الفضاء، فتحدث بينهما تفاعلات لم يكن الرسم التقليدي يتنبأ بها بسهولة.

اهتم بريلوج بهذه المسألة لأنها تمثل مثالًا واضحًا على العلاقة بين الشكل والسلوك. ولم يكن الأمر مجرد تصنيف لجزيئات جديدة؛ فقد ساعدت أبحاثه على تطوير تحليل التشكيل، أو دراسة الأوضاع الفراغية التي يمكن للجزيئات أن تتخذها، وبذلك ساهم في سد فجوة بين فهم الحلقات الصغيرة ودراسة الأنظمة الحلقية الأكبر.

يمكن النظر إلى هذا الإنجاز بوصفه انتقالًا من سؤال «ما تركيب الجزيء؟» إلى سؤال أكثر دقة: «كيف يتخذ هذا الجزيء شكله، وكيف يؤثر ذلك الشكل في ما يستطيع أن يفعله؟»

وهذا الخط الفكري سيصبح لاحقًا أحد أهم مفاتيح الكيمياء العضوية الحديثة.

الأدمنتان.. بنية غريبة تتحول إلى دليل تجريبي

قبل أن يصل بريلوج إلى ذروة أعماله في الكيمياء الفراغية، ارتبط اسمه أيضًا بمركب الأدمنتان، وهو مركب كربوني شديد التناظر أثار اهتمام الكيميائيين بسبب بنيته غير المعتادة.

كان رودولف لوكيش قد طرح تصورًا لبنية الأدمنتان، لكن إثبات البنية على نحو مقنع احتاج إلى أكثر من الرسم النظري. وفي عام 1941 نجح بريلوج مع راتيفوي زايورت في تخليق الأدمنتان، وأصبحت عملية التخليق نفسها دليلًا مهمًا على البنية المقترحة. وفي مقابلة لاحقة مع معهد تاريخ العلوم، أوضح بريلوج أن التخليق مثّل نوعًا من الإثبات التركيبي لبنية المركب.

تكمن أهمية هذه القصة في أنها تكشف طريقة بريلوج في التفكير. فالمركب لم يكن مجرد مادة يرغب في إنتاجها، بل مشكلة بنيوية: إذا كانت البنية المقترحة صحيحة، فينبغي أن تكون هناك طريقة كيميائية منطقية تقود إلى المركب.

وكانت هذه الروح حاضرة في كثير من أبحاثه اللاحقة: استخدام التجربة لا لتأكيد معلومة معروفة فحسب، وإنما لاختبار تصور كامل عن بنية المادة وسلوكها.

من المركبات الطبيعية إلى الكيمياء الحيوية

لم تقتصر أعمال بريلوج على دراسة الحلقات والجزيئات الكيرالية. فقد انخرط في دراسة المنتجات الطبيعية، بما فيها القلويدات والمضادات الحيوية ومركبات تنتجها الكائنات الدقيقة. وتذكر ETH أن أبحاثه شملت التحديد البنيوي والتخليق لمجموعة واسعة من المنتجات الطبيعية، إضافة إلى مركبات ذات أهمية دوائية.

وكانت هذه الخبرة مهمة؛ لأن المنتجات الطبيعية غالبًا ما تكون جزيئات معقدة للغاية، ولا تكفي معرفة العناصر الداخلة في تركيبها لتحديد طبيعتها الكيميائية. إن اختلاف ترتيب الذرات في الفراغ يمكن أن يغيّر الخواص والتفاعلات، ولذلك أصبحت الكيمياء الفراغية أداة ضرورية لفهم هذه المركبات.

وبهذا المعنى، لم تكن الكيمياء الفراغية لدى بريلوج فرعًا منفصلًا عن الكيمياء العضوية التطبيقية، بل كانت طريقة لإعادة قراءة المركبات الطبيعية والدوائية من منظور أكثر دقة.

وتشير مصادر ETH إلى أن أبحاثه ارتبطت أيضًا بمركبات ومضادات حيوية من الكائنات الدقيقة، وبالتعاون مع مجموعات من الكيميائيين وعلماء الأحياء الدقيقة في دراسة مستقلبات ميكروبية.

اتفاقية كان–إنجولد–بريلوج.. تحويل «اليد اليمنى واليسرى» إلى لغة علمية

إذا كان هناك إنجاز واحد جعل اسم بريلوج جزءًا دائمًا من تعليم الكيمياء العضوية، فهو مشاركته في تطوير نظام «كان–إنجولد–بريلوج»، المعروف اختصارًا باسم CIP.

المشكلة كانت واضحة: عندما يكتشف الكيميائي جزيئًا كيراليًا، كيف يصف بصورة دقيقة أي ترتيب فراغي يقصده؟ الكلمات العامة أو الرسوم قد لا تكون كافية، خصوصًا عندما تصبح الجزيئات أكثر تعقيدًا.

بدأ روبرت كان وكريستوفر إنجولد العمل على نظام لتحديد التكوين الفراغي في أوائل الخمسينيات، ثم دخل بريلوج بصورة حاسمة في تطوير النظام. وتوضح المصادر التاريخية أن التعاون بين الثلاثة تطور في منتصف الخمسينيات، ثم نُشرت صياغات النظام وتطور لاحقًا عبر مراجعات متعددة.

الفكرة الأساسية هي ترتيب المجموعات المرتبطة بالمركز الفراغي وفق قواعد محددة، ثم استخدام هذا الترتيب لتحديد التكوين، ومن أشهر الرموز الناتجة عن ذلك «R» و«S». وبذلك أصبح بالإمكان تحويل البنية ثلاثية الأبعاد المعقدة إلى وصف اصطلاحي يمكن للكيميائيين في أنحاء العالم فهمه بطريقة موحدة.

هذه ليست مجرد مسألة تسمية. اللغة العلمية لا تكون نافعة إلا إذا منعت الالتباس. فإذا كان مركبان متشابهان في الصيغة والروابط، لكنهما يختلفان في ترتيب الذرات في الفراغ، فإن القدرة على وصف الفرق بدقة تصبح جزءًا من القدرة على دراسة تفاعلهما ومقارنتهما.

وقد أصبحت قواعد CIP جزءًا أساسيًا من الكيمياء العضوية الحديثة، وما زالت تدرّس في مقررات الكيمياء العضوية بوصفها وسيلة لتحديد التكوين الفراغي.

وهنا يظهر أحد أهم أبعاد أهم أعمال فلاديمير بريلوج: لم يقتصر أثره على إنتاج نتائج تجريبية، بل ساعد أيضًا في بناء نظام لغوي ومنهجي يسمح للعلماء بتبادل المعرفة حول البنية الفراغية للجزيئات.

من الكيمياء إلى الطوبولوجيا.. توسيع حدود الفكرة

لم يتوقف بريلوج عند وضع قواعد عملية لتسمية البنى. فقد ظل مهتمًا بالأسس النظرية للكيمياء الفراغية، وبالعلاقة بين الهندسة والبنية الكيميائية.

ومع تطور النظام، ظهرت مشكلات جديدة كشفت أن الجزيئات المعقدة تحتاج إلى قواعد أكثر دقة. لذلك شارك بريلوج في مراجعات وتطويرات لاحقة للنظام، ومن بينها أعماله النظرية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. وتشير الأدبيات العلمية إلى أن نظام CIP خضع لمراجعات بهدف زيادة دقته واتساع نطاقه، وأن أعمال بريلوج النظرية ساهمت في الانتقال من معالجة عملية للتناظر الفراغي إلى صياغة أكثر منهجية.

وتظهر هنا سمة أخرى في شخصيته العلمية: عندما ظهرت حدود النظام الذي شارك في بنائه، لم يتعامل معه كإجابة نهائية، بل عاد إلى الأسس النظرية محاولًا فهم أسباب المشكلات وإعادة صياغة القواعد.

وقد ارتبط هذا الاهتمام أيضًا بتقاطع الكيمياء مع الرياضيات والهندسة والطوبولوجيا. وتوضح دراسة تاريخية عن الذكرى الخمسين لنظام CIP أن بريلوج، في مواجهة الانتقادات والمشكلات الجديدة، اهتم بصورة متزايدة بالهندسة الأساسية وبتطبيقاتها على الكيمياء الفراغية.

لماذا استحق نوبل؟

عندما أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الكيمياء عام 1975، لم تضع اسم بريلوج إلى جانب إنجاز واحد محدد. كان نص القرار واسعًا: البحث في الكيمياء الفراغية للجزيئات العضوية والتفاعلات.

وفي البيان الرسمي شرحت الأكاديمية أن أبحاث بريلوج تناولت العلاقة بين مسار التفاعلات الكيميائية والشكل الهندسي للجزيئات المشاركة فيها، وأن أعماله شملت الحلقات متوسطة الحجم والجزيئات الكيرالية والتفاعلات بين الجزيئات الكيرالية، إلى جانب دراسات على الإنزيمات والمنتجات الطبيعية مثل القلويدات والمضادات الحيوية.

وهذا يوضح سبب فوز فلاديمير بريلوج بجائزة نوبل بصورة أدق من اختزال إنجازه في عبارة «اكتشف قاعدة». فقد كانت الجائزة اعترافًا بمشروع علمي متكامل جعل البعد الفراغي عنصرًا مركزيًا في فهم الكيمياء العضوية والتفاعلات.

وفي العام نفسه تقاسم بريلوج الجائزة مع جون وارب كورنفورث، الذي مُنح نصفها الآخر عن أبحاثه في الكيمياء الفراغية للتفاعلات المحفزة بالإنزيمات. وكان اختيار الفائزين معًا يعكس، في صورة واضحة، اتساع أهمية الكيمياء الفراغية من الكيمياء العضوية إلى الأنظمة الحيوية.

ما الذي كان استثنائيًا في مشروعه؟

يمكن تلخيص خصوصية بريلوج في ثلاث نقلات مترابطة.

الأولى أنه نقل الاهتمام من التركيب الثابت إلى السلوك المتحرك. فالجزيء ليس رسمًا هندسيًا جامدًا، بل بنية تتخذ أوضاعًا متعددة، وقد تحدد هذه الأوضاع مسار التفاعل.

والثانية أنه جعل الكيرالية قابلة للوصف المنهجي. فبدل أن تظل العلاقة بين الجزيء وصورته المرآتية مسألة تعتمد على الرسم والخبرة، أصبح هناك نظام من القواعد يسمح بتعيين التكوين بصورة دقيقة.

أما الثالثة فهي أنه ربط هذه الأفكار بالكيمياء الحقيقية للمواد الطبيعية والإنزيمات والمركبات الدوائية، فلم تبق الكيمياء الفراغية عنده تمرينًا نظريًا.

ومن منظور تاريخ العلم، كانت هذه النقلات جزءًا من تحول أوسع في الكيمياء خلال القرن العشرين، من تحديد الصيغة والتركيب إلى فهم البنية ثلاثية الأبعاد وعلاقتها بالوظيفة.

الامتداد العلمي.. من بريلوج إلى الكيمياء الحديثة

لا ينتهي أثر العالم عند لحظة حصوله على نوبل. وفي حالة بريلوج، من الصعب تحديد حدود هذا الأثر لأن جزءًا منه أصبح مدمجًا في اللغة اليومية للكيمياء العضوية.

فقواعد CIP دخلت في التعليم الجامعي، وفي تسمية المركبات العضوية، وفي وصف الجزيئات الكيرالية. وتوضح المراجع التعليمية الحديثة أن قواعد كان–إنجولد–بريلوج تُستخدم لترتيب المجموعات المرتبطة بالمراكز الكيرالية وتعيين التكوين الفراغي، بينما استمرت المراجعات العلمية في مناقشة حدود النظام وتطويره.

والأهم أن هذا النظام أصبح جزءًا من البنية التحتية للمعرفة الكيميائية. فحين يقرأ طالب أو باحث اليوم اسم مركب يحمل تعيينًا من نوع R أو S، فإنه يستفيد من تقليد علمي ساهم بريلوج في تأسيسه وترسيخه.

وهذا تأثير مباشر؛ لأن قواعد التسمية نفسها أصبحت أداة مستخدمة في الكيمياء. وهناك تأثير غير مباشر أيضًا، يتمثل في أن فهم العلاقة بين البنية الفراغية والنشاط الكيميائي أصبح عنصرًا أساسيًا في دراسة التفاعلات العضوية والكيمياء الحيوية والدوائية.

وقد أكدت مؤسسة نوبل أن خصوصية التفاعلات الفراغية لها أهمية عملية في مجال الأدوية؛ فبعض الجزيئات الدوائية قد تكون فعالة في صورة هندسية معينة أكثر من صورتها الأخرى.

المعلم الذي صنع مدرسة

كان بريلوج عالمًا وباحثًا ومعلمًا في الوقت نفسه. وتذكر ETH أنه درّب أجيالًا من الكيميائيين، وظل مختبره جزءًا من مدرسة الكيمياء العضوية التي اكتسبت شهرة دولية. وبعد أن تولى رئاسة المختبر خلفًا لروزيتشكا، واصل تطوير البيئة البحثية والتعليمية التي جعلت ETH مركزًا مهمًا للكيمياء العضوية.

وهنا يصبح الإرث أكثر اتساعًا من مجموعة قواعد أو اكتشافات. فالعالم يؤثر أيضًا عبر الأشخاص الذين درّبهم، والمختبرات التي ساعد على تشكيلها، وطريقة التفكير التي ينقلها إلى الباحثين الأصغر سنًا.

وقد ارتبط اسم بريلوج كذلك بالحفاظ على الصلة العلمية مع الكيمياء في كرواتيا، واهتم بتحديث التعليم الكيميائي وتشجيع التدريب العملي والبحث العلمي. وتشير المصادر التاريخية الكرواتية إلى دوره في تكوين عدد من الكيميائيين وتطوير تعليم الكيمياء العضوية.

بعد التقاعد.. البحث لم يتوقف

تقاعد بريلوج رسميًا عام 1976، لكنه لم يتعامل مع التقاعد بوصفه نهاية النشاط العلمي. ظل مرتبطًا بـETH كمستمع، واستمر في متابعة مشروعات بحثية بمساعدة باحثي ما بعد الدكتوراه ومن موارده الخاصة، وفقًا لسجل المؤسسة.

وفي عام 1986، وبمناسبة عيد ميلاده الثمانين، أقيمت ندوة علمية في ETH، وارتبطت المناسبة ببداية محاضرة بريلوج وتقديم أول ميدالية ذهبية تحمل اسمه. وقد أصبحت «ميدالية بريلوج» لاحقًا جزءًا من تقليد تكريم الباحثين في مجال الكيمياء العضوية.

وهذه المرحلة مهمة لأنها تكشف أن نوبل لم تكن خاتمة مشروعه. فقد ظل يتعامل مع العلم بوصفه عملية مفتوحة، تتغير فيها الأسئلة حتى بعد أن تتحول بعض الإجابات إلى قواعد معروفة.

الإنسان خلف الجزيء

لا تقدم سيرة بريلوج شخصية منعزلة عن عصرها. لقد ولد في الإمبراطورية النمساوية المجرية، ونشأ في منطقة شهدت تحولات سياسية عميقة، وتعلم في مدن متعددة، وعمل في براغ وزغرب وزيورخ، ثم اضطرته الحرب إلى الانتقال إلى سويسرا. لكن القيمة التاريخية لهذه التفاصيل ليست في غرابتها، وإنما في الطريقة التي تداخلت بها مع مساره العلمي.

لقد ساعده الانتقال بين البيئات العلمية المختلفة على بناء هوية بحثية متعددة المصادر. ففي براغ تلقى تكوينًا قويًا في الكيمياء، وفي زغرب مارس البحث والتعليم في بيئة علمية تتطور، وفي زيورخ وجد مؤسسة تتيح له توسيع مشروعه إلى مستوى دولي.

أما حياته الشخصية، فالأهم فيها أنها لم تطغَ على المشروع العلمي. حتى في سنواته المتقدمة ظل اهتمامه الأساسي مرتبطًا بالكيمياء وأسئلتها. وقد ترك مذكرات بعنوان «My 132 Semesters of Chemistry Studies»، وهو عنوان يعكس، بسخرية ذاتية، طول علاقته بالتعلم والبحث الكيميائي. وتذكر ETH أن هذا الكتاب يقدم صورة عن حياته العلمية واحتكاكه بعدد من كبار كيميائيي القرن العشرين.

إرث مفتوح لا ينتهي عند نوبل

توفي فلاديمير بريلوج في زيورخ في 7 يناير 1998، بعد مسيرة امتدت لأكثر من تسعة عقود، كان نصفها تقريبًا في قلب تطور الكيمياء العضوية الحديثة. لكن وفاته لم تغلق مشروعه العلمي.

فكل مرة يصف فيها الكيميائي تكوينًا فراغيًا لمركب باستخدام قواعد CIP، وكل مرة تُدرس فيها علاقة شكل الجزيء بسلوكه، وكل مرة تُبحث فيها المرونة الفراغية للحلقات أو تفاعلات الجزيئات الكيرالية، يظهر جانب من الأسئلة التي ساعد بريلوج على جعلها أكثر وضوحًا.

لقد كان الإنجاز الأعمق لبريلوج هو تحويل «الشكل» من خاصية وصفية إلى عنصر تفسيري. لم يعد السؤال فقط ممَّ يتكون الجزيء، وإنما كيف تنتظم مكوناته في الفضاء، وما الذي يسمح به هذا التنظيم أو يمنعه.

ومن هذه الزاوية، تبدو جائزة نوبل عام 1975 نقطة مضيئة في مسار أطول، وليست خاتمته. فقد كرمت الجائزة بحثًا امتد على مدى عقود، بينما استمر أثر ذلك البحث في الكتب والمختبرات وقواعد التسمية ومناهج الكيمياء العضوية.

وهكذا فإن سيرة فلاديمير بريلوج ليست قصة عالم وصل إلى نوبل ثم انتهى أثره، بل قصة سؤال علمي ظل يتسع: كيف يمكن للشكل أن يصنع الوظيفة؟ وكيف يمكن لاختلاف صغير في ترتيب الذرات داخل الفضاء أن يغيّر مصير التفاعل كله؟

كانت إجابة بريلوج أن الكيمياء لا تعيش على الورق وحده. فالجزيء الحقيقي يحتل فضاءً، ويتحرك فيه، ويتفاعل من خلال هندسته. وحين أصبحت هذه الحقيقة جزءًا من اللغة العلمية المشتركة، أصبح اسم فلاديمير بريلوج جزءًا من تاريخ الكيمياء نفسها.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى