ما هي الحياة؟.. رحلة علمية مبسطة لفهم أسرار الكائنات الحية

مراجعة شراء كتاب «ما هي الحياة؟» — هل يستحق أن تمنحه من وقتك؟
1) بطاقة تعريف سريعة
اسم الكتاب: ما هي الحياة؟ فهم علم الأحياء في خمس خطوات
المؤلف: بول نيرس
المترجم: د. عامر شيخوني
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
التصنيف: علم الأحياء / العلوم المبسطة / كتاب علمي للقارئ العام
تاريخ النشر بالعربية: 2020
عدد الصفحات: تذكر بيانات الناشر 176 صفحة، بينما تظهر بعض بيانات النسخة الورقية 173 أو 175 صفحة، في حين تعرض جرير للنسخة الإلكترونية 264 صفحة؛ ويبدو أن الاختلاف مرتبط بالصيغة والطبعة.
الكتاب هو الترجمة العربية لكتاب What Is Life? Understand Biology in Five Steps، وقد تُرجم إلى عدد كبير من اللغات. ولا يحاول بول نيرس أن يكتب موسوعة في علم الأحياء، بل يبحث عن طريقة أكثر اختصارًا للإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره: ما الذي يجعل الكائن الحي حيًا؟
وهنا تحديدًا تكمن جاذبية الكتاب.
2) لماذا ينجذب القرّاء إلى هذا الكتاب؟
هناك أسئلة نطرحها بدافع الفضول، وأسئلة أخرى تبدو كأنها أكبر من أن نعرف كيف نبدأ في الإجابة عنها.
«ما هي الحياة؟» من النوع الثاني.
قد يلتقط القارئ الكتاب لأنه يحب العلوم، أو لأنه يعرف أن مؤلفه عالم حائز على جائزة نوبل، أو لأنه يريد أخيرًا أن يفهم شيئًا من علم الأحياء دون أن يغرق في المصطلحات الجامعية.
لكن الدافع الأعمق ربما يكون أكثر إنسانية: نحن نعيش داخل هذه الظاهرة التي يسميها العلماء «الحياة»، ومع ذلك لا نتوقف كثيرًا لنسأل مما تتكون، وكيف تعمل، ولماذا تختلف الخلية الحية عن المادة غير الحية، وكيف تنتقل الصفات، ولماذا تتغير الكائنات، وكيف يمكن للمعلومات أن تكون جزءًا من بنية الحياة نفسها.
بول نيرس يعرف هذه الحيرة جيدًا. وتذكر مراجعة منشورة في «القافلة» أن اهتمامه الجاد بعلم الأحياء ارتبط، في طفولته، بتأمله في فراشة رآها أمامه؛ فقد دفعه ذلك المشهد البسيط إلى التفكير في معنى أن يكون الشيء حيًا.
هذه بداية مناسبة جدًا لكتاب كهذا: أن يأتي السؤال العلمي من ملاحظة يومية صغيرة.
فالكتاب لا يخاطب القارئ الذي يريد أن يصبح عالم أحياء خلال أيام، بل القارئ الذي يريد أن يرى العالم الحي بطريقة أكثر وضوحًا.
3) ما الذي يدور حوله الكتاب فعلًا؟
يضع نيرس أمام القارئ خمس أفكار أساسية يرى أنها تساعد على فهم الحياة بيولوجيًا:
الخلية، والجين، والتطور بالانتقاء الطبيعي، والحياة بوصفها كيمياء، والحياة بوصفها معلومات.
لكن القيمة الحقيقية ليست في تعداد هذه الأفكار.
الفكرة الأهم هي محاولة جمعها داخل صورة واحدة.
فالخلية ليست مجرد وحدة صغيرة تحت المجهر. والجين ليس مجرد قطعة من المادة الوراثية. والتطور ليس مجرد تغير يحدث للكائنات عبر الزمن. والكيمياء ليست مجموعة تفاعلات منفصلة. والمعلومات ليست مجرد ملفات أو رموز.
كل واحدة من هذه الأفكار تصبح أكثر وضوحًا عندما نضعها بجوار الأخرى.
وهذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى بناء «خريطة ذهنية» للحياة منه إلى كتاب مدرسي تقليدي.
نيرس يحاول أن يقول للقارئ، بصورة مبسطة، إن فهم الحياة يحتاج إلى النظر إليها من أكثر من زاوية في الوقت نفسه.
ومن المفيد هنا ألا يدخل القارئ الكتاب متوقعًا إجابة فلسفية نهائية عن معنى الوجود. العنوان كبير، لكن الكتاب علمي في أساسه. إنه يسأل عن الحياة من خلال البيولوجيا، لا من خلال الميتافيزيقا أو التأمل الفلسفي وحده.
وهذه نقطة مهمة قبل الشراء؛ لأن من يبحث عن كتاب فلسفي عن معنى الحياة قد يجد نفسه أمام كتاب مختلف عما توقع.
4) ماذا سيعيش القارئ داخل هذا الكتاب؟
تجربة القراءة هنا أقرب إلى جولة علمية قصيرة يقودها عالم يعرف كيف يتحدث إلى غير المتخصصين.
الكتاب موجّه إلى القارئ العام، ولذلك لا يقوم على إثقال الصفحات بالتفاصيل التقنية. وتصفه مراجعة منشورة في «القافلة» بأنه يقدم المفاهيم البيولوجية التي قد تبدو معقدة في البداية بطريقة مبسطة ومشوقة.
وهذا التبسيط هو أحد أهم أسباب إمكانية قراءة الكتاب خارج الدوائر الأكاديمية.
ستجد نفسك تنتقل من الخلية إلى الجينات، ومن التطور إلى الكيمياء، ثم إلى فكرة الحياة باعتبارها نظامًا من المعلومات. وفي نهاية الرحلة تتسع الأسئلة لتصل إلى قضايا معاصرة ترتبط باستخدام المعرفة البيولوجية وتأثيرها في الإنسان والمجتمع.
لكن لا ينبغي أن نخلط بين سهولة اللغة وبساطة الموضوع.
المفاهيم التي يناقشها نيرس عميقة بطبيعتها، والكتاب يحاول تقديمها دون أن يجعلها بلا مضمون. لذلك فإن القارئ الذي لا يمتلك خلفية علمية سيستفيد منه أكثر إذا قرأه ببطء، وتوقف عند الأفكار التي تحتاج إلى استيعاب بدل أن يتعامل معه ككتاب معلومات سريعة.
وهذا كتاب من النوع الذي يمكن أن تقول بعد بعض صفحاته: «كنت أعرف هذه المعلومة، لكنني لم أنظر إليها بهذه الطريقة من قبل».
وهذه لحظة جيدة في أي كتاب علمي.
5) القيمة الحقيقية للكتاب
القيمة الأساسية في «ما هي الحياة؟» ليست أنه سيمنح القارئ أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الأحياء.
على العكس.
قيمته في أنه يساعد القارئ على تنظيم المعلومات.
هناك فرق كبير بين أن تعرف أن الخلية هي وحدة أساسية للحياة، وأن تفهم لماذا أصبحت فكرة الخلية ضرورية لفهم الكائنات الحية.
وهناك فرق بين معرفة أن الجينات تحمل معلومات وراثية، وبين فهم العلاقة بين الجينات والخلايا والتطور والكيمياء.
وهذا هو المجال الذي يبدو فيه الكتاب أكثر فائدة.
إنه يحاول أن يمنح القارئ «هيكلًا» يستطيع أن يضع عليه ما يتعلمه لاحقًا.
ومن هذه الزاوية، فالكتاب مناسب جدًا لمن يشعر أن علم الأحياء عالم واسع من المصطلحات المتناثرة، ويريد مدخلًا يعيد ترتيب الصورة.
كما أن المؤلف لا يتعامل مع البيولوجيا باعتبارها علمًا منعزلًا عن حياة الإنسان. فالمعرفة البيولوجية، كما يوضح الكتاب، ترتبط بأسئلة الصحة والأوبئة والغذاء والإنجاب وحماية البيئة وغيرها من القضايا التي ستؤثر في خيارات البشر في المستقبل.
وهنا تتحول القراءة من «أريد أن أفهم الأحياء» إلى سؤال أكثر واقعية:
ماذا يعني أن نفهم الحياة في عالم يتعين علينا فيه اتخاذ قرارات مبنية على هذا الفهم؟
6) أين ينجح الكتاب فعلًا؟
أول نجاح واضح هو اختيار نقطة الدخول.
بدل أن يبدأ الكتاب بتفاصيل لا يعرف القارئ أين يضعها، يبدأ من أفكار كبرى يمكن أن تحمل الكتاب كله.
النجاح الثاني هو الربط بين المفاهيم.
الكتاب لا يعامل الخلية والجين والتطور والكيمياء والمعلومات كجزر منفصلة، بل يحاول أن يري القارئ كيف تتداخل هذه الأفكار في تفسير الظاهرة نفسها.
والنجاح الثالث هو خبرة المؤلف العلمية.
بول نيرس ليس كاتبًا علميًا يراقب المختبر من الخارج؛ إنه عالم أحياء حاصل على جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء لعام 2001، وتقاسمت الجائزة أعماله المتعلقة بالتحكم في دورة الخلية. لذلك فإن حديثه عن البحث العلمي يأتي من تجربة مباشرة مع العلم ومختبراته وأسئلته.
لكن أفضل ما في التجربة ربما يكون أن الكتاب لا يحاول استخدام هذه المكانة العلمية لإخافة القارئ.
لا يقول له: «أنا عالم نوبل، فاستعد لدرس صعب».
بل يفعل العكس تقريبًا: يأخذ السؤال الكبير ويقسمه إلى خمس أفكار يمكن للقارئ التعامل معها.
وهذه طريقة ذكية في الكتابة العلمية.
7) أين يضعف أو يخيّب التوقعات؟
الكتاب، بسبب طبيعته المختصرة، له حدود لا ينبغي تجاهلها.
فالقارئ الذي يريد تفصيلًا علميًا عميقًا في علم الخلية أو الوراثة أو التطور لن يجد هنا كتابًا متخصصًا يجيب عن كل أسئلته.
وهذا ليس عيبًا في ذاته، لكنه يصبح عيبًا إذا اشترى القارئ الكتاب على هذا الأساس.
كذلك، فإن جمع موضوعات ضخمة في كتاب قصير يعني أن بعض الأفكار لا يمكن أن تحصل على المساحة التي قد يرغب فيها القارئ المتخصص.
فأن تشرح الجين، والتطور، والكيمياء، والمعلومات، والخلية، ثم تربطها جميعًا بمفهوم الحياة، هو مشروع طموح بطبيعته. وكلما اتسعت الخريطة، كان من الصعب التعمق في كل منطقة منها.
كما أن القارئ الذي يفضل الكتب التي تحمل حكاية متصلة أو سيرة شخصية قد يجد أن هذا الكتاب أقرب إلى رحلة فكرية علمية منه إلى سرد أدبي.
لذلك لا أنصح بقراءة الكتاب انتظارًا لقصة شخصية طويلة عن بول نيرس أو لتفاصيل حياته العلمية؛ فالمؤلف يستخدم خبرته وحضوره لتفسير العلم أكثر مما يستخدم حياته موضوعًا للسرد.
وهناك نقطة أخرى: بعض القراء قد يشعرون أن الأفكار الخمس نفسها مألوفة إذا كانوا قد قرأوا كثيرًا في علم الأحياء المبسط. في هذه الحالة، لن تكون القيمة الأساسية في «المعلومة الجديدة» بقدر ما ستكون في طريقة تنظيم المعلومات وربطها.
وهذا فرق مهم عند اتخاذ قرار الشراء.
8) لمن هذا الكتاب؟ ولمن قد لا يناسب؟
هذا الكتاب مناسب بدرجة خاصة للقارئ الذي يقول:
«أنا أحب أن أفهم العلوم، لكنني لست متخصصًا فيها.»
وهو مناسب كذلك للطلاب في المراحل المبكرة، وللمهتمين بالبيولوجيا، وللقارئ الثقافي الذي يريد توسيع معرفته بالعلوم الحديثة دون الانتقال مباشرة إلى الكتب الأكاديمية الثقيلة.
وسيكون خيارًا جيدًا لمن قرأ كتبًا في الفيزياء أو الفلك أو تاريخ العلم، ويريد أن يقترب من سؤال الحياة من الباب البيولوجي.
أما القارئ المتخصص في الأحياء، فقد يجد أن كثيرًا من المبادئ المطروحة مألوف لديه. فائدته بالنسبة إليه قد تكون في طريقة عرض الصورة الكبرى، لا في اكتشاف أساسيات المجال للمرة الأولى.
وقد لا يناسب من يبحث عن كتاب فلسفي خالص حول سؤال «ما معنى الحياة؟».
كما قد لا يناسب القارئ الذي يريد كتابًا مرجعيًا مليئًا بالتجارب والتفاصيل والرسوم والبيانات العلمية.
باختصار:
إذا كان هدفك الفهم، فهو أقرب إلى ما تبحث عنه.
أما إذا كان هدفك التخصص، فهو بداية لا نهاية.
9) هل يستحق الشراء فعلًا؟
القرار: شراء، إذا كنت من القراء المهتمين بالعلوم المبسطة وفهم الصورة الكبرى للحياة.
أما إذا كان سعر الكتاب يشكل عاملًا مهمًا بالنسبة لك، ولم تكن متأكدًا من اهتمامك بالموضوع، فـالاستعارة خيار منطقي أيضًا، خصوصًا أن الكتاب قصير نسبيًا ويمكن تكوين انطباع واضح عنه خلال القراءة.
ولا أرى أن الاكتفاء بملخص سيكون بديلًا جيدًا لمن يريد التجربة الفكرية نفسها؛ لأن القيمة هنا ليست فقط في معرفة أن الكتاب يتحدث عن خمس أفكار، بل في الطريقة التي يربط بها المؤلف هذه الأفكار بعضها ببعض.
أما تجاوزه، فقد يكون مناسبًا فقط لمن لا يستهويه علم الأحياء أصلًا أو لمن يبحث عن معالجة متخصصة وعميقة جدًا.
ولأن تقييم جرير الظاهر للنسخة التي أرسلتِها هو 0.0، فمن المهم ألا يُفهم الرقم على أنه حكم نقدي على الكتاب؛ الصفحة نفسها تعرضه بوصفه منتجًا يمكن للقارئ تقييمه، بينما النسخة العربية على Goodreads تظهر بمتوسط 4.00 من 5 بناءً على 6 تقييمات، والنسخة المعروضة للكتاب ككل تظهر متوسطًا يقارب 3.94 من 5 مع آلاف التقييمات. وهذه الأرقام تعكس منصات ونسخًا مختلفة، لذلك لا ينبغي معاملتها كحكم نهائي على جودة الكتاب.
10) الخلاصة قبل الشراء
«ما هي الحياة؟» ليس كتابًا يعدك بأن يحل لغز الحياة في بضع صفحات، وهذه في الحقيقة نقطة تحسب له.
إنه يقدم شيئًا أكثر واقعية: طريقة للنظر.
يأخذ القارئ من الخلية إلى الجين، ومن الجين إلى التطور، ومن الكيمياء إلى المعلومات، ويحاول أن يريه أن الحياة ليست مجموعة حقائق متفرقة، بل شبكة من العمليات والأفكار المتداخلة.
إذا كنت تريد كتابًا علميًا خفيفًا لكن ليس سطحيًا، وتحب أن تخرج من القراءة بفكرة جديدة عن شيء كنت تظنه مألوفًا، فالكتاب يستحق أن تمنحه وقته.
أما إن كنت تبحث عن كتاب متخصص يغوص عميقًا في علم الأحياء، فابحث عن كتاب آخر أكثر تفصيلًا.
ولو كنت سأقترحه على صديق، فسأقول له ببساطة:
لا تشترِه لأن مؤلفه حائز على نوبل فقط. اشترِه إذا كان السؤال نفسه يثير فضولك: ماذا يعني أن تكون الحياة حياة؟
عندها ستكون لديك فرصة لأن تجد في الصفحات القصيرة شيئًا يبقى أطول من الكتاب نفسه: طريقة أكثر ترتيبًا للنظر إلى العالم الحي من حولك.
لمعرفة المزيد: ما هي الحياة؟.. رحلة علمية مبسطة لفهم أسرار الكائنات الحية



