ميلتون فريدمان.. الاقتصادي الذي أعاد الاعتبار إلى دور المال وصاغ ملامح الاقتصاد الحديث

في الرابع عشر من أكتوبر عام 1976، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة العلوم الاقتصادية تخليدًا لذكرى ألفريد نوبل إلى الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان، تقديرًا لإسهاماته في تحليل الاستهلاك، وتاريخ النظرية النقدية، وإثباته مدى تعقيد سياسات تحقيق الاستقرار الاقتصادي. لم يكن القرار تكريمًا لبحث منفرد أو اكتشاف محدود، بل اعترافًا بمشروع فكري أعاد طرح أسئلة أساسية حول طبيعة النقود، ومصادر التضخم، وحدود قدرة الحكومات على التحكم في النشاط الاقتصادي.
جاء هذا التكريم في مرحلة كانت فيها الاقتصادات الصناعية تواجه مشكلات يصعب تفسيرها باستخدام بعض التصورات الاقتصادية السائدة آنذاك، خصوصًا مع اجتماع التضخم المرتفع والبطالة في عدد من البلدان خلال سبعينيات القرن العشرين. وفي ذلك السياق، اكتسبت أفكار فريدمان بشأن العلاقة بين نمو المعروض النقدي والأسعار، وأهمية توقعات الأفراد، والحدود الطويلة الأجل للسياسات الاقتصادية، أهمية متزايدة في النقاش الأكاديمي وصنع القرار.
وفقًا لبيان مؤسسة نوبل الرسمي، ارتبط اسم فريدمان بإحياء الاهتمام بدور النقود في التضخم، وبإعادة النظر في أدوات السياسة النقدية. كما سلط البيان الضوء على أبحاثه المتعلقة بالدخل الدائم والاستهلاك، ودراساته التاريخية للسياسة النقدية الأمريكية، وتحليله للتأخر الزمني بين اتخاذ القرارات الاقتصادية وظهور نتائجها.
لم يكن فريدمان مجرد باحث يناقش النظريات داخل الجامعات؛ فقد سعى إلى نقل الأفكار الاقتصادية إلى المجال العام، من خلال الكتب والمقالات والمحاضرات والبرامج التلفزيونية. وأصبحت آراؤه بشأن الأسواق الحرة ودور الدولة موضع نقاش واسع، سواء بين المؤيدين الذين رأوا فيها دفاعًا عن الحرية الاقتصادية، أو المعارضين الذين شككوا في بعض نتائجها الاجتماعية والسياسية.
وتكشف سيرة ميلتون فريدمان عن مسار يتجاوز قصة نجاح أكاديمي؛ إنها سيرة اقتصادي حاول تفسير كيفية اتخاذ الأفراد قراراتهم، وكيف تؤثر المؤسسات النقدية في حياتهم، ولماذا قد تؤدي السياسات المصممة لتحقيق الاستقرار إلى نتائج معاكسة إذا أسيء تقدير آليات الاقتصاد وتوقيت التدخل.
النشأة والتكوين: من بروكلين إلى دراسة الاقتصاد
وُلد ميلتون فريدمان في 31 يوليو 1912 في بروكلين بمدينة نيويورك، لأسرة مهاجرة تنحدر أصولها من المنطقة التي تقع اليوم ضمن أوكرانيا. وانتقلت أسرته لاحقًا إلى مدينة رَهْواي في ولاية نيوجيرسي، حيث نشأ في ظروف أسرية متواضعة. ولم تكن خلفيته الاجتماعية توحي بالضرورة بأنه سيصبح أحد أكثر الاقتصاديين تأثيرًا في القرن العشرين، لكن تفوقه الدراسي أتاح له الوصول إلى التعليم الجامعي.
التحق فريدمان بجامعة روتجرز، حيث درس الرياضيات والاقتصاد، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1932. وكان هذا التكوين مهمًا في تشكيل أسلوبه البحثي؛ إذ جمع بين الاهتمام بالتحليل النظري والقدرة على التعامل مع البيانات الكمية، وهي سمة ستظهر لاحقًا في دراساته عن النقود والاستهلاك والتقلبات الاقتصادية.
وخلال دراسته، تأثر بالأستاذ الاقتصادي آرثر بيرنز، الذي عرّفه إلى تقاليد التحليل الاقتصادي التي تهتم بتفسير الوقائع الفعلية، وليس بالاكتفاء ببناء نماذج نظرية مجردة. كما ساعده اطلاعه على كتابات ألفرد مارشال في تكوين فهم للاقتصاد بوصفه علمًا يسعى إلى تفسير السلوك الإنساني من خلال العلاقات بين الأسعار والدخل والموارد المتاحة.
انتقل فريدمان بعد ذلك إلى جامعة شيكاغو، حيث حصل على درجة الماجستير عام 1933. وكانت الجامعة بيئة أكاديمية مهمة بالنسبة إليه، فقد احتضنت نقاشات حول النظرية الاقتصادية والأسواق والأسعار، وأسهمت في تشكيل اتجاهه الفكري الذي سيصبح لاحقًا جزءًا من تقاليد مدرسة شيكاغو الاقتصادية.
وفي مرحلة لاحقة، واصل دراساته في جامعة كولومبيا، حيث حصل على الدكتوراه عام 1946، تحت إشراف الاقتصادي سايمون كوزنتس. وارتبط عمله البحثي المبكر بقضايا الدخل والتوزيع، وهي موضوعات مهدت لاهتمامه اللاحق بكيفية اتخاذ الأسر قرارات الاستهلاك والادخار.
وبحسب دليل مكتبة الكونغرس الأمريكي، جمعت سنوات تكوين فريدمان بين الدراسة الجامعية والعمل البحثي والوظائف الحكومية، قبل أن يستقر في جامعة شيكاغو أستاذًا للاقتصاد عام 1946. وقد شكل هذا المسار أساسًا لتطوره من باحث في مسائل اقتصادية محددة إلى صاحب مشروع أوسع في النظرية النقدية والسياسة الاقتصادية.
سنوات البحث والعمل الحكومي: الاقتصاد في مواجهة الواقع
لم تتشكل أفكار فريدمان في عزلة عن الأزمات الاقتصادية. فقد بدأ مسيرته في فترة كانت الولايات المتحدة لا تزال تتعامل مع آثار الكساد الكبير الذي اندلع في أواخر عشرينيات القرن العشرين، وترك تداعيات عميقة على الإنتاج والتوظيف والنظام المصرفي.
كشفت تلك الأزمة عن أن الاقتصاد لا يتحرك دائمًا نحو الاستقرار تلقائيًا، وأن الانكماش قد يستمر سنوات إذا تراجعت الاستثمارات والإنفاق وتضرر النظام المالي. كما أثارت تساؤلات حول دور الحكومة والبنوك المركزية في مواجهة الركود، وهي أسئلة أصبحت من صميم النقاش الاقتصادي خلال العقود التالية.
عمل فريدمان في عدد من الجهات البحثية والحكومية، من بينها مجلس تخطيط الموارد الوطنية، والمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، ووزارة الخزانة الأمريكية. وأتاح له هذا العمل الاطلاع على البيانات الاقتصادية ومشكلات الضرائب والدخل والإنفاق العام، كما أظهر له الفرق بين بناء النظرية الاقتصادية وتطبيقها في مؤسسات تتخذ قرارات تؤثر في ملايين الأفراد.
وخلال الحرب العالمية الثانية، شارك في أعمال بحثية مرتبطة بالمسائل الإحصائية والضريبية، قبل أن يعود إلى التدريس والبحث الأكاديمي. وأسهمت هذه الخبرات في ترسيخ اهتمامه بالاختبار التجريبي للنظريات، وبأهمية التمييز بين الافتراضات النظرية والنتائج التي تكشفها البيانات.
وفي عام 1946، بدأ فريدمان التدريس في جامعة شيكاغو، حيث عمل لعقود، وأصبح أحد أبرز وجوه المدرسة الاقتصادية التي ارتبط اسمها بالاهتمام بدور الأسواق والأسعار والنقود في تنظيم النشاط الاقتصادي.
لكن خصوصية تجربته لم تكن في تبنيه موقفًا نظريًا مؤيدًا للأسواق الحرة فحسب، بل في محاولته إثبات أفكاره باستخدام التحليل الكمي والدراسة التاريخية. وقد أصبح هذا الجمع بين النظرية والأدلة التجريبية أحد أسباب تأثيره في الاقتصاد الأكاديمي.
السياق الاقتصادي السابق: لماذا عاد الاهتمام بدور النقود؟
لفهم إنجازات فريدمان، ينبغي النظر إلى التحول الذي شهده علم الاقتصاد بعد الكساد الكبير.
برزت أفكار الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز، الذي أكد أن تراجع الطلب الكلي قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج والعمالة، وأن الإنفاق الحكومي والسياسات المالية يمكن أن يساعدا في مواجهة الركود. واكتسبت المقاربة الكينزية تأثيرًا واسعًا، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما سعت الحكومات إلى الحد من البطالة وتحقيق نمو اقتصادي مستقر.
لكن فريدمان رأى أن بعض تطبيقات الفكر الكينزي قللت من أهمية النقود والسياسة النقدية في تفسير التقلبات الاقتصادية. ولم يكن اعتراضه يعني أن كل تحليل كينزي يتجاهل النقود، بل انصب على ما اعتبره إهمالًا لدورها في عدد من التفسيرات والسياسات السائدة.
كان السؤال الأساسي بالنسبة إليه هو: هل يمكن تفسير التضخم والركود وتقلبات الإنتاج بالاعتماد على الإنفاق والاستثمار وحدهما، أم أن التغيرات في كمية النقود والطلب عليها تؤدي دورًا أكثر أهمية مما افترضه بعض الاقتصاديين؟
من هنا بدأ مشروعه لإعادة صياغة النظرية الكمية للنقود، وهي نظرية قديمة تربط بين كمية النقود ومستوى الأسعار، لكنه سعى إلى تطويرها باستخدام أدوات تحليلية وبيانات تاريخية أكثر تفصيلًا.
لم يتعامل فريدمان مع التاريخ الاقتصادي باعتباره سجلًا للأحداث الماضية فقط، بل بوصفه مجالًا لاختبار الفرضيات. وإذا أمكن تفسير أزمة اقتصادية من خلال تغيرات المعروض النقدي والقرارات التي اتخذتها السلطات النقدية، فإن ذلك يفتح الباب لإعادة تقييم السياسات التي أسهمت في وقوعها أو تفاقمها.
وقد أصبح هذا المنهج أحد أعمدة النقدية، المدرسة التي ارتبط اسم فريدمان بها أكثر من أي اقتصادي آخر في النصف الثاني من القرن العشرين. وتوضح موسوعة بريتانيكا أن النقدية أعادت إبراز أهمية المعروض النقدي في تفسير النشاط الاقتصادي والتضخم، وأصبحت ذات نفوذ كبير خلال سبعينيات القرن العشرين وأوائل الثمانينيات.
تاريخ نقدي للولايات المتحدة: تفسير جديد للكساد الكبير
يُعد كتاب «التاريخ النقدي للولايات المتحدة، 1867–1960»، الذي نشره فريدمان بالاشتراك مع المؤرخة الاقتصادية آنا شوارتز عام 1963، من أهم الأعمال التي صنعت مكانته العلمية.
لم يكن هذا الكتاب مجرد سرد لتطور النظام المصرفي أو كمية النقود في الولايات المتحدة، بل دراسة تاريخية واسعة للعلاقة بين التطورات النقدية والنشاط الاقتصادي. فقد جمع المؤلفان بيانات عن النقود والبنوك والإنتاج والأسعار، وحاولا تفسير كيفية انتقال التغيرات النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي.
احتل الكساد الكبير موقعًا محوريًا في الكتاب. فبدلًا من تفسير الانكماش الاقتصادي باعتباره نتيجة حتمية لأزمة الأسواق وحدها، ركز فريدمان وشوارتز على دور النظام الاحتياطي الفيدرالي في التعامل مع الأزمة.
جادلا بأن التراجع الحاد في المعروض النقدي، نتيجة انهيار البنوك وتقصير السلطات النقدية في مواجهة الانكماش، أسهم في تحويل الركود إلى كارثة اقتصادية طويلة. وبحسب تحليلهما، لم تكن المشكلة مجرد انخفاض في الإنفاق، بل كانت أيضًا أزمة نقدية ومصرفية كان يمكن للسياسة النقدية أن تحد من حدتها.
تكمن أهمية هذا العمل في أنه نقل النقاش من التفسيرات العامة إلى دراسة تاريخية مفصلة للقرارات النقدية وآثارها. كما أظهر أن البنك المركزي ليس مراقبًا خارجيًا للأزمات؛ فقد تؤدي قراراته، أو امتناعه عن اتخاذ الإجراءات المناسبة، إلى تفاقم الاضطرابات الاقتصادية.
وقد أصبحت هذه الدراسة مرجعًا أساسيًا في النقاش حول أسباب الكساد الكبير، وإن ظلت بعض استنتاجاتها موضع خلاف بين الاقتصاديين. فهناك تفسيرات أخرى تؤكد دور انهيار الطلب والاستثمار والقيود المالية الدولية، ولا تختزل الأزمة في العامل النقدي وحده.
وكان أثر الكتاب مباشرًا في تطوير أبحاث الاقتصاد النقدي والتاريخ الاقتصادي، كما ساعد في جعل السياسة النقدية موضوعًا مركزيًا في تفسير الدورات الاقتصادية. ويشير المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية إلى أن العمل الذي أنجزه فريدمان وشوارتز قدم دعمًا مهمًا للنقدية، وأسهم في إعادة تقييم دور النقود والسياسة النقدية في الاقتصاد الأمريكي.
وهكذا ارتبط أحد أهم أسباب فوز فريدمان بجائزة نوبل بقدرته على إعادة قراءة حدث تاريخي ضخم باستخدام أدلة كمية، وبناء تفسير اقتصادي أثار نقاشًا استمر طويلًا بعد صدور الكتاب.
النظرية النقدية: هل تتحكم النقود في التضخم؟
إذا كان التاريخ النقدي قد قدم الأدلة، فإن النظرية النقدية وفرت الإطار الذي ربط تلك الأدلة برؤية أوسع للاقتصاد.
تقوم النقدية، في صورتها المرتبطة بفريدمان، على أن التغيرات في كمية النقود تؤدي دورًا مهمًا في تقلبات النشاط الاقتصادي على المدى القصير، وفي تحديد مستوى الأسعار على المدى الطويل.
وتعني هذه الفكرة أن زيادة المعروض النقدي لا تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع فوري ومتساوٍ في جميع الأسعار؛ إذ تعتمد النتائج على ظروف الاقتصاد، ومدى استغلال طاقته الإنتاجية، وسلوك المستهلكين والمستثمرين، ومدى رغبتهم في الاحتفاظ بالنقود أو إنفاقها.
لكن إذا استمر نمو كمية النقود بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على زيادة إنتاج السلع والخدمات، فإن الضغوط التضخمية قد تتزايد. وفي هذه الحالة، لا يمكن الحفاظ على استقرار الأسعار بمجرد معالجة الأعراض الظاهرة، بل ينبغي الانتباه إلى العوامل النقدية التي تغذي ارتفاع الأسعار.
طوّر فريدمان هذه الأفكار في كتاباته، ومنها دراساته المنشورة ضمن كتاب «دراسات في النظرية الكمية للنقود» عام 1956. وقدم فيه تصورًا للطلب على النقود باعتباره سلوكًا يمكن تحليله باستخدام الأدوات الاقتصادية، بدلًا من اعتباره مجرد انعكاس آلي لحجم المعاملات.
ورأى أن الأفراد يختارون كيفية توزيع ثرواتهم بين النقود والأصول الأخرى، استنادًا إلى الدخل والثروة والعوائد المتوقعة والتفضيلات. وإذا تغيرت الظروف النقدية، فإن الأفراد يعيدون ترتيب إنفاقهم واحتفاظهم بالأصول، وهو ما يؤثر في الاقتصاد.
لم تكن هذه النظرية تعني أن كل ارتفاع في الأسعار سببه النقد وحده في كل لحظة، ولا أن تغيرات أسعار السلع والطاقة لا تؤثر في التضخم. لكنها أكدت أن استمرار التضخم واتساعه على المدى الطويل لا يمكن فهمهما بمعزل عن نمو النقود والطلب الاسمي والتوقعات.
ومن هنا اكتسب فريدمان أهمية خاصة في الجدل حول التضخم. فقد أعاد توجيه اهتمام الاقتصاديين وصناع السياسات إلى مسؤولية السلطات النقدية، وأكد أن السياسات التي تتجاهل تطور المعروض النقدي قد تفشل في تحقيق الاستقرار.
وقد أثرت أفكاره في تطوير نماذج الاقتصاد الكلي، وفي إعادة تقييم أدوات البنوك المركزية. ومع ذلك، لم يثبت التاريخ أن استهداف نمو كمية النقود بمعدل ثابت يصلح دائمًا بوصفه قاعدة عملية وحيدة؛ إذ تغيرت العلاقة بين المقاييس النقدية والإنفاق مع تطور الأنظمة المصرفية والأدوات المالية.
لذلك فإن الإرث العلمي للنقدية لا يقتصر على تبني قاعدة نقدية بعينها، بل يشمل ترسيخ ضرورة فهم دور النقود والائتمان والتوقعات في تفسير التضخم والتقلبات الاقتصادية.
فرضية الدخل الدائم: كيف يقرر الناس الإنفاق والادخار؟
لم تقتصر إسهامات فريدمان التي أهلته لنوبل على السياسة النقدية. فقد قدم فرضية الدخل الدائم، وهي من أهم إضافاته إلى نظرية الاستهلاك.
قبل انتشار هذه الفرضية، كانت بعض التفسيرات الاقتصادية تركز على العلاقة بين دخل الأسرة الحالي ومستوى إنفاقها. ووفقًا لهذا التصور، يمكن توقع أن تؤدي زيادة الدخل في سنة معينة إلى زيادة الاستهلاك، وأن يؤدي انخفاضه إلى تقليص الإنفاق.
لكن الواقع أظهر أن الأسر لا تتعامل مع كل زيادة أو خسارة في الدخل بالطريقة نفسها. فقد يحصل شخص على مكافأة استثنائية دون أن يرفع إنفاقه الشهري بصورة كبيرة، بينما قد تؤدي زيادة مستمرة في راتبه إلى تغيير نمط حياته وقراراته الاستهلاكية.
في هذا السياق، طور فريدمان فرضية الدخل الدائم، التي عرضها بصورة متكاملة في كتابه «نظرية دالة الاستهلاك» الصادر عام 1957.
تقوم الفرضية على التمييز بين الدخل الدائم، الذي يعكس المستوى المتوقع والمستمر لموارد الفرد، والدخل المؤقت، الذي ينتج عن تغيرات عابرة لا يتوقع استمرارها.
وبناء على ذلك، لا يحدد الدخل الحالي وحده مستوى الاستهلاك؛ بل تؤثر فيه توقعات الفرد بشأن دخله المستقبلي وثروته وقدرته على الحفاظ على مستوى معيشته.
ولنفترض أن موظفًا حصل على مكافأة لمرة واحدة. قد يخصص جزءًا منها للإنفاق، لكنه قد يدخر الجزء الأكبر لأنه يعلم أن الزيادة لن تتكرر. أما إذا حصل على زيادة دائمة في راتبه، فمن المرجح أن يرفع استهلاكه بدرجة أكبر، لأنه يتوقع استمرار الموارد الإضافية.
يوضح هذا المثال كيف انتقل فريدمان من دراسة الأرقام الإجمالية إلى تحليل قرارات الأسر، وكيف حاول تفسير الاستهلاك بوصفه سلوكًا يمتد عبر الزمن، لا استجابة آلية للدخل في لحظة محددة.
وقد أثرت الفرضية في أبحاث الاقتصاد الكلي المتعلقة بالاستهلاك والادخار والسياسة المالية. كما أصبحت جزءًا من الأساس النظري الذي يستند إليه الاقتصاديون في دراسة كيفية استجابة الأسر للتغيرات الضريبية والتحويلات الحكومية والتقلبات في الدخل.
وتكمن أهميتها في أنها تساعد على تفسير سبب اختلاف أثر زيادة مؤقتة في دخل الأسر عن أثر زيادة مستمرة، وهو تمييز بالغ الأهمية عند تقييم السياسات التي تهدف إلى تحفيز الإنفاق.
ومع ذلك، فإن تطبيق الفرضية لا يعني أن جميع الأسر تمتلك المعلومات نفسها أو القدرة نفسها على الادخار والاقتراض. فقد تمنع القيود الائتمانية ومحدودية السيولة بعض الأسر من توزيع استهلاكها عبر الزمن بالطريقة التي تتنبأ بها النماذج النظرية.
ومن هنا، لم تنهِ فرضية الدخل الدائم النقاش حول الاستهلاك، بل فتحت مسارات جديدة للبحث في سلوك الأسر، وحدود العقلانية الاقتصادية، ودور المؤسسات المالية في تشكيل القرارات اليومية.
معدل البطالة الطبيعي: حدود العلاقة بين التضخم والتوظيف
من أبرز أفكار فريدمان أيضًا مفهوم معدل البطالة الطبيعي، الذي قدمه في خطابه الرئاسي أمام الجمعية الاقتصادية الأمريكية عام 1967، ثم طور حججه في مقالته «دور السياسة النقدية» المنشورة عام 1968.
في ذلك الوقت، كان النقاش الاقتصادي يتأثر بمنحنى فيليبس، الذي أظهر علاقة عكسية بين البطالة ونمو الأجور في بعض البيانات التاريخية. وقد فُسرت هذه العلاقة أحيانًا على أنها تتيح لصناع السياسات الاختيار بين مستويات مختلفة من التضخم والبطالة.
وفقًا لهذا التصور المبسط، يمكن خفض البطالة من خلال زيادة الطلب وتحمل قدر أعلى من التضخم. لكن فريدمان رأى أن هذا الاستنتاج يتجاهل الطريقة التي تتغير بها توقعات العمال والشركات عندما يستمر ارتفاع الأسعار.
فإذا ارتفعت الأسعار، فقد يفسر العمال زيادة الأجور الاسمية في البداية على أنها زيادة في أجورهم الحقيقية، لكنهم سيطالبون لاحقًا بأجور أعلى عندما يدركون أن تكاليف المعيشة ارتفعت أيضًا.
وعندما تتكيف التوقعات مع التضخم، تتراجع قدرة زيادة الطلب على إبقاء البطالة دون مستواها الذي يتحدد بعوامل سوق العمل الحقيقية، مثل الاحتكاكات في الانتقال بين الوظائف، ومهارات العمال، والمؤسسات المنظمة للعمل.
من هنا، ميز فريدمان بين الآثار قصيرة الأجل للسياسة النقدية والنتائج طويلة الأجل. فقد تنخفض البطالة مؤقتًا إذا فاجأ التضخم المتوقعين، لكن استمرار محاولة الحفاظ على البطالة دون مستواها الطبيعي يتطلب، وفقًا لنظريته، تضخمًا متزايدًا.
لم يكن المقصود بمعدل البطالة الطبيعي أن البطالة ثابتة أو أن لها رقمًا واحدًا يمكن تحديده بدقة في جميع الظروف. بل يشير المفهوم إلى مستوى يتأثر بالعوامل الحقيقية والمؤسسية، ويمكن أن يتغير مع تطور سوق العمل والاقتصاد.
وقد أسهمت هذه الفكرة في إعادة صياغة النقاش حول منحنى فيليبس، وأثرت في تطوير الاقتصاد الكلي الحديث، بما في ذلك النماذج التي تدمج توقعات التضخم في تفسير العلاقة بين الأسعار والإنتاج والبطالة.
كما اكتسبت أهمية خلال سبعينيات القرن العشرين، عندما شهدت اقتصادات متقدمة ارتفاع التضخم والبطالة معًا، وهي ظاهرة أظهرت صعوبة الاعتماد على تصور بسيط لعلاقة عكسية ثابتة بينهما.
لكن الفكرة تعرضت أيضًا للنقد، خصوصًا فيما يتعلق بكيفية تقدير المعدل الطبيعي، ومدى استقراره، وإمكانية وجود أكثر من مستوى متوازن للبطالة. وتؤكد هذه المناقشات أن المفهوم إطار تحليلي لفهم سوق العمل، وليس رقمًا سحريًا يفسر جميع حالات البطالة.
ومع ذلك، فإن أثره ظل واضحًا في السياسة النقدية الحديثة، حيث أصبحت توقعات التضخم ودورها في تحديد الأجور والأسعار جزءًا أساسيًا من التحليل الاقتصادي.
تأخر أثر السياسات الاقتصادية: لماذا لا تكفي النوايا الحسنة؟
من الأفكار المهمة الأخرى في مشروع فريدمان تحليله للتأخر الزمني الذي يفصل بين ظهور المشكلة الاقتصادية واتخاذ القرار بشأنها ثم ظهور نتائج القرار.
فقد ميز بين التأخر في التعرف إلى المشكلة، والتأخر في اتخاذ القرار، والتأخر في ظهور أثر السياسة بعد تنفيذها. وهذه الفترات ليست مجرد تفاصيل إدارية؛ إذ يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية للسياسة الاقتصادية.
على سبيل المثال، قد يبدأ الاقتصاد في التعافي قبل أن تدخل إجراءات التحفيز المالي أو النقدي حيز التنفيذ الكامل. فإذا استمرت السلطات في ضخ التحفيز اعتمادًا على بيانات تعكس وضعًا اقتصاديًا سابقًا، فقد تسهم إجراءاتها في زيادة الضغوط التضخمية بدلًا من دعم التعافي.
وبالمثل، قد يؤدي تشديد السياسة النقدية إلى آثار ملموسة بعد فترة من اتخاذ القرار، عندما يكون النشاط الاقتصادي قد تغير بالفعل.
وقد رأى فريدمان أن اختلاف مدة هذه التأخيرات وصعوبة التنبؤ بها يحدان من قدرة السلطات على ضبط الاقتصاد بدقة عبر تدخلات متكررة تستجيب لكل تقلب قصير الأجل.
ومن هذا التحليل استمد دعوته إلى قواعد أكثر استقرارًا وقابلية للتوقع في إدارة السياسة النقدية، بدلًا من الاعتماد المفرط على القرارات التقديرية المتغيرة.
وقد كانت هذه الفكرة من العناصر التي أسهمت في موقفه الحذر تجاه محاولة تثبيت الإنتاج والعمالة باستمرار من خلال التدخلات النقدية. وهي مرتبطة مباشرة بقرار نوبل، الذي أشار إلى إسهاماته في إظهار تعقيد سياسات تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ولا يعني ذلك أن صناع السياسات يستطيعون تجاهل الظروف المتغيرة أو أن القواعد الثابتة تصلح لجميع الحالات. لكن تحليل فريدمان يلفت الانتباه إلى أن توقيت التدخل قد يكون مهمًا بقدر أهمية حجمه، وأن الأثر الاقتصادي لا يظهر دائمًا فور تنفيذ القرار.
أسعار الصرف العائمة: سوق العملات في مواجهة القيود الدولية
اهتم فريدمان كذلك بنظام أسعار الصرف، وهو موضوع يرتبط بصورة مباشرة بالتجارة الدولية وحركة رؤوس الأموال واستقلال السياسة النقدية.
في ظل نظام بريتون وودز الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ارتبطت العملات بأسعار صرف ثابتة نسبيًا، مع إمكان تعديلها في ظروف محددة. وكان الهدف تحقيق الاستقرار في المعاملات الدولية، وتجنب الاضطرابات النقدية التي شهدها العالم خلال العقود السابقة.
لكن تثبيت أسعار الصرف قد يفرض قيودًا على السياسات الاقتصادية المحلية، خصوصًا عندما تتعارض الأوضاع الداخلية مع الالتزامات الخارجية. فقد تضطر الدولة إلى تعديل أسعار الفائدة أو استخدام احتياطياتها النقدية للدفاع عن سعر عملتها، حتى إذا كانت تواجه احتياجات اقتصادية مختلفة.
دافع فريدمان عن أسعار الصرف العائمة، التي يتحدد فيها سعر العملة بدرجة أكبر وفق العرض والطلب في أسواق الصرف. ورأى أن مرونة السعر يمكن أن تساعد الاقتصاد على التكيف مع الصدمات الخارجية، وأن تقلل الحاجة إلى الدفاع المستمر عن سعر صرف محدد.
وكان هذا الموقف امتدادًا لفكرته العامة بشأن أهمية السماح للأسعار بالتعبير عن التغيرات في الظروف الاقتصادية، بدلًا من محاولة تثبيتها إداريًا رغم اختلاف الأوضاع.
ومع ذلك، لا يعني نظام الصرف العائم غياب تدخل الحكومات أو البنوك المركزية تمامًا؛ إذ قد تتدخل السلطات في الأسواق، كما أن تقلبات العملات يمكن أن تفرض تكاليف على التجارة والاستثمار وتزيد عدم اليقين.
وقد أصبح الانتقال إلى أسعار صرف أكثر مرونة أحد التحولات المهمة في النظام النقدي الدولي خلال السبعينيات، وإن كان نتيجة مجموعة واسعة من التطورات والقرارات السياسية والاقتصادية، وليس عمل فريدمان وحده.
وتكمن أهمية إسهامه في أنه قدم دفاعًا نظريًا واقتصاديًا عن مرونة أسعار الصرف قبل انهيار نظام بريتون وودز، وربط القضية بمشكلة أوسع تتعلق بقدرة الدول على إدارة سياساتها النقدية في ظل التزامات دولية متعارضة.
الاقتصاد والأسواق الحرة: من البحث الأكاديمي إلى المجال العام
لم يحصر فريدمان اهتمامه في النظرية النقدية. فقد رأى أن فهم الاقتصاد يتطلب أيضًا مناقشة المؤسسات التي تنظم الأسواق، وحدود تدخل الحكومة، والعلاقة بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية.
في كتابه «الرأسمالية والحرية» الصادر عام 1962، تناول قضايا تتجاوز السياسات النقدية، ومنها التعليم والضرائب والخدمة العسكرية والتنظيم الحكومي. ودافع عن توسيع نطاق الاختيار الفردي، واعتبر أن الأسواق التنافسية تستطيع، في ظروف مناسبة، تنسيق قرارات ملايين الأفراد دون الحاجة إلى إدارة مركزية لكل نشاط اقتصادي.
ومن بين مقترحاته نظام القسائم التعليمية، الذي يتيح للأسر استخدام التمويل التعليمي المخصص لها في اختيار المدارس، بدلًا من الاقتصار على مدرسة حكومية محددة وفق محل الإقامة. كما دافع عن التحول إلى جيش تطوعي بدلًا من التجنيد الإلزامي، وطرح فكرة ضريبة الدخل السلبية بوصفها إحدى الطرق الممكنة لتقديم دعم مالي للأفراد ذوي الدخول المنخفضة.
وتكشف هذه المقترحات عن أن فريدمان لم يكن يدعو إلى إلغاء جميع وظائف الدولة، بل إلى إعادة تحديدها وتقييمها وفقًا لتصور يولي أهمية كبيرة للاختيار الفردي والحوافز الاقتصادية.
وفي عام 1980، اتسع نطاق تأثيره الجماهيري مع صدور كتاب «حر في الاختيار»، الذي شارك في تأليفه مع زوجته روز فريدمان، بالتزامن مع سلسلة تلفزيونية حملت العنوان نفسه. وقد ساعد العمل على نقل الأفكار الاقتصادية إلى جمهور أوسع، من خلال مناقشة الأسواق والأسعار والضرائب والتعليم والتنظيم الحكومي بلغة أقرب إلى القارئ العام.
كان هذا الانتقال من الجامعة إلى وسائل الإعلام جزءًا أساسيًا من مكانته. فبدلًا من الاكتفاء بتقديم الحجج إلى الباحثين المتخصصين، سعى إلى شرح كيفية انعكاس السياسات الاقتصادية على حياة الأفراد.
لكن هذه الشهرة جعلته أيضًا شخصية خلافية. فقد رأى مؤيدوه أن أفكاره تدافع عن حرية الاختيار وتحد من البيروقراطية، بينما رأى منتقدوه أن التركيز على السوق قد يقلل من أهمية اختلالات القوة الاقتصادية، والتفاوت الاجتماعي، والحاجة إلى حماية الفئات الأضعف.
وتظل هذه المناقشات جزءًا من إرثه؛ لأن تأثيره لم يقتصر على تغيير نماذج اقتصادية، بل امتد إلى أسئلة سياسية واجتماعية حول دور الدولة وحدود السوق.
الجدل والنقد: ما حدود أفكار فريدمان؟
لا يمكن تقديم سيرة فريدمان الفكرية بوصفها سلسلة من الانتصارات العلمية التي لم تواجه اعتراضًا. فقد كانت نظرياته موضع نقاش مستمر، وبعض توصياته السياسية لم تحقق النتائج التي توقعها أنصارها في جميع الظروف.
أحد أبرز مواضع الجدل هو الدعوة إلى اتباع قاعدة ثابتة لنمو المعروض النقدي، ترتبط غالبًا بقاعدة النسبة المئوية الثابتة، التي عُرفت باسم قاعدة فريدمان النقدية. وتقوم الفكرة على تقليل الاعتماد على القرارات النقدية المتغيرة، من خلال زيادة كمية النقود بمعدل منتظم يمكن التنبؤ به.
كان الهدف من هذه القاعدة الحد من التقلبات التي قد تنتج عن تغيرات السياسة النقدية المفاجئة، وتقليل مخاطر أن تتحول التدخلات الرامية إلى معالجة الركود إلى مصدر لعدم الاستقرار.
لكن التجربة العملية كشفت عن صعوبات في تحديد المقياس النقدي الذي ينبغي استهدافه، وفي الحفاظ على علاقة مستقرة بين كمية النقود والإنفاق الاسمي. فقد أدت الابتكارات المالية وتغير سلوك الأفراد والمؤسسات إلى تعقيد قياس المعروض النقدي وتفسير تحركاته.
ونتيجة لذلك، اتجهت بنوك مركزية كثيرة إلى تطوير أطر أخرى لإدارة السياسة النقدية، من بينها استهداف التضخم واستخدام أسعار الفائدة أداة رئيسية للتأثير في الطلب والتوقعات.
ولا يعني هذا أن الاهتمام بدور النقود أصبح بلا قيمة؛ بل إن تطور الممارسة النقدية أظهر أن العلاقة بين النقود والأسعار أكثر تعقيدًا من أن تُختزل دائمًا في قاعدة كمية واحدة.
كما أثارت أفكار فريدمان بشأن الأسواق الحرة نقاشات حول التوزيع العادل للموارد، ومستوى الخدمات العامة، وآثار الخصخصة وإزالة القيود التنظيمية. وتختلف النتائج باختلاف طبيعة السوق والمؤسسات والقواعد القانونية ومدى وجود المنافسة الفعلية.
ومن المهم التمييز بين النظرية الاقتصادية والتوصيات السياسية التي اشتقها فريدمان منها. فقد تحظى إحدى أفكاره التحليلية بقبول واسع، بينما تظل السياسة التي يقترحها بناءً عليها محل خلاف.
ومع ذلك، لا يقلل الجدل من أهميته التاريخية. فجزء من تأثيره جاء من أنه أجبر الاقتصاديين وصناع القرار على إعادة النظر في افتراضات كانت تحظى بقبول واسع، وأعاد النقود والتوقعات والسياسة النقدية إلى قلب النقاش الاقتصادي.
جامعة شيكاغو والأجيال التي امتد إليها تأثيره
شكّلت جامعة شيكاغو المركز الأهم في المسيرة الأكاديمية لفريدمان. فقد عمل فيها من عام 1946 حتى تقاعده من التدريس عام 1977، وأسهم في بناء بيئة بحثية أعادت الاهتمام بالتحليل الاقتصادي القائم على الأسعار والحوافز والاختبار التجريبي.
ولم يقتصر تأثيره على ما نشره من كتب وأبحاث، بل امتد إلى طلابه وزملائه والباحثين الذين شاركوا في المناقشات التي دارت داخل المدرسة الاقتصادية المرتبطة بالجامعة.
ومن بين الاقتصاديين الذين ارتبطوا بمدرسة شيكاغو أو تأثروا بمناخها الفكري، غاري بيكر، الذي حصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1992 عن توسيع نطاق التحليل الاقتصادي ليشمل جوانب متعددة من السلوك الإنساني، وروبرت فوغل، الذي نال الجائزة عام 1993 عن تجديد البحث في التاريخ الاقتصادي باستخدام النظرية الاقتصادية والأساليب الكمية، وروبرت لوكاس الابن، الحائز على الجائزة عام 1995 عن تطوير فرضية التوقعات العقلانية وتطبيقاتها في تحليل سياسات الاقتصاد الكلي.
ولا ينبغي تفسير هذه الروابط على أنها تعني أن فريدمان صاحب جميع الأفكار التي طورها هؤلاء الاقتصاديون؛ فقد كانت لكل منهم مشروعاته وأسئلته البحثية المستقلة. لكن البيئة الأكاديمية التي أسهم فريدمان في تشكيلها ساعدت على ترسيخ الاهتمام بالنماذج النظرية والتحليل الكمي والبحث في العلاقة بين السياسات الحكومية والسلوك الاقتصادي.
وبعد تقاعده من جامعة شيكاغو، انتقل إلى معهد هوفر بجامعة ستانفورد، حيث عمل باحثًا أول من عام 1977 حتى وفاته عام 2006. وظل خلال تلك الفترة نشطًا في الكتابة والمشاركة في النقاش العام.
ويحتفظ مشروع الأعمال المجمعة لميلتون وروز فريدمان، الذي تدعمه مؤسسة هوفر، بأكثر من 1400 مادة رقمية تتضمن كتابات ومحاضرات وتسجيلات ووثائق من مسيرتهما. ويقدم هذا الأرشيف فرصة لمتابعة تطور أفكارهما عبر عقود، بدلًا من اختزال إرثهما في عدد محدود من الكتب الشهيرة.
جائزة نوبل والتكريمات العلمية
جاءت جائزة نوبل عام 1976 تتويجًا لمسار بحثي جمع بين تحليل الاستهلاك، والنظرية النقدية، والتاريخ الاقتصادي، ودراسة حدود السياسة الاقتصادية.
وقد حددت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم ثلاثة محاور رئيسية لتكريم فريدمان: إنجازاته في تحليل الاستهلاك، وأعماله في التاريخ والنظرية النقدية، وإثباته تعقيد سياسات تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ويكشف هذا التحديد الرسمي عن أن الجائزة لم تُمنح لموقفه السياسي المؤيد للأسواق الحرة وحده، بل لعمل علمي متنوع أعاد تشكيل النقاش حول قضايا أساسية في الاقتصاد الكلي.
سبق ذلك حصوله على ميدالية جون بيتس كلارك عام 1951، وهي جائزة تمنحها الجمعية الاقتصادية الأمريكية للاقتصاديين الشباب الذين يقدمون إسهامات بارزة في المجال.
كما أصبح عضوًا في الجمعية الفلسفية الأمريكية عام 1957، ثم في الأكاديمية الوطنية للعلوم عام 1973. وفي عام 1988 حصل على الميدالية الوطنية للعلوم ووسام الحرية الرئاسي في الولايات المتحدة، وهما تكريمان يعكسان المكانة التي بلغها في الحياة العلمية والعامة الأمريكية.
ومع أن هذه الجوائز تختلف في طبيعتها وأهدافها، فإن اجتماعها يوضح اتساع نطاق تأثيره، من البحث الاقتصادي المتخصص إلى النقاش العام والسياسات الحكومية.
الحياة الشخصية: شراكة فكرية امتدت لعقود
تزوج ميلتون فريدمان من روز فريدمان عام 1938، وكانت اقتصاديّة وباحثة شاركته الاهتمام بقضايا الأسواق والسياسة العامة. وقد استمرت شراكتهما الفكرية عقودًا، وأسفرت عن أعمال مشتركة ساعدت على تقديم أفكارهما إلى جمهور واسع.
وكان كتاب «حر في الاختيار» من أبرز نتائج هذه الشراكة؛ إذ جمع بين عرض الحجج الاقتصادية ومناقشة تطبيقاتها في التعليم والأسواق والخدمات العامة. كما أسهمت السلسلة التلفزيونية المصاحبة في توسيع دائرة القراء والمشاهدين المهتمين بالاقتصاد.
وكان لفريدمان طفلان، من بينهما الاقتصادي ديفيد فريدمان، الذي اتخذ مسارًا فكريًا مستقلًا في دراسة القانون والاقتصاد والفلسفة السياسية.
ولا تحتاج أهمية حياة فريدمان الشخصية إلى مبالغات أو قصص غير موثقة؛ فالدلالة الأوضح تكمن في العلاقة بين تكوينه الأكاديمي، وعمله البحثي، والشراكة التي ساعدته على نقل أفكاره من المجال العلمي إلى النقاش العام.
الوفاة والإرث المفتوح: ماذا بقي من مشروع فريدمان؟
توفي ميلتون فريدمان في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا في 16 نوفمبر 2006، عن عمر ناهز 94 عامًا. وبوفاته انتهت حياة أحد أبرز الاقتصاديين الذين أثروا في النقاش الاقتصادي والسياسي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لكن أفكاره ظلت حاضرة في الجامعات والبنوك المركزية ومراكز الأبحاث.
يمكن تتبع هذا الإرث عبر ثلاثة مسارات مترابطة.
أولها المسار العلمي، ويتمثل في استمرار البحث في العلاقة بين النقود والتضخم، وفي أهمية التوقعات في تحديد الأجور والأسعار، وفي تحليل سلوك الاستهلاك والادخار. وقد تغيرت بعض النماذج والأدوات التي يستخدمها الاقتصاديون، لكن الأسئلة التي أثارها فريدمان لا تزال جزءًا من البحث الاقتصادي.
وثانيها المسار المؤسسي، الذي يظهر في تطور السياسة النقدية الحديثة. فحتى عندما تخلت البنوك المركزية عن استهداف نمو المعروض النقدي بوصفه هدفًا مباشرًا، ظلت قضايا مصداقية السياسة النقدية واستقرار الأسعار والتوقعات من العناصر الرئيسية في عملها.
أما المسار الثالث فهو الفكري والسياسي، ويتعلق بالنقاش حول حدود تدخل الدولة، ودور الأسواق، والاختيار الفردي، والعلاقة بين الحرية الاقتصادية والمؤسسات العامة. وفي هذا المجال، لا يزال فريدمان مرجعًا مهمًا للمؤيدين والمنتقدين على السواء.
لكن الإرث الحقيقي لأي اقتصادي لا يُقاس بعدد المرات التي يُستشهد فيها باسمه فقط، ولا بمدى استمرار قبول جميع توصياته. بل يُقاس أيضًا بالأسئلة التي جعلها أكثر وضوحًا، وبالأدوات التي أضافها إلى البحث، وبقدرته على دفع الأجيال اللاحقة إلى اختبار الأفكار وإعادة النظر فيها.
وهنا تكمن أهمية فريدمان. فقد أعاد إلى النقاش الاقتصادي دور النقود، وقدم تفسيرًا جديدًا لقرارات الاستهلاك، وحذر من الاعتقاد بإمكانية خفض البطالة إلى ما دون مستواها الطبيعي بصورة دائمة عبر التضخم، وأبرز أثر التأخر الزمني في السياسات الاقتصادية.
كما أظهر أن النظرية الاقتصادية لا تنفصل عن التاريخ، وأن فهم الأزمات يتطلب دراسة القرارات والمؤسسات والبيانات، لا الاكتفاء بالتفسيرات العامة.
وفي الوقت نفسه، تذكرنا النقاشات التي أثارتها أفكاره بأن الاقتصاد علم يتطور من خلال الاختبار والنقد، وأن نجاح تفسير معين في مرحلة تاريخية لا يضمن صلاحيته بالدرجة نفسها في كل الظروف.
بهذا المعنى، لم تكن جائزة نوبل نهاية مشروع ميلتون فريدمان، بل محطة أكدت مكانته في تاريخ الفكر الاقتصادي. أما مشروعه الأوسع، المتمثل في إعادة التفكير في النقود والأسواق والسياسات العامة، فقد ظل موضوعًا مفتوحًا أمام الباحثين الذين يواصلون دراسة الاقتصاد في عالم تتغير فيه المؤسسات والتقنيات وأشكال النشاط المالي.



