قصص

الضحية.. غفرانٌ عند القبر ووفاءٌ لا تمحوه الأيام

٢ فبراير ١٨٥١

إن هذا اليوم أسعد أيامي وأهنؤها، فقد وصل إليَّ من أبيك كتاب هذا نصه:

سيدتي:

إني أتوجع لك توجعًا شديدًا، فقد علمت بالأمس من بعض الوافدين إلى «نيس» أنك مريضة مرضًا شديدًا منذ شهرين، وأنك لا تخرجين من منزلك إلا قليلًا. فأسأل الله لك الشفاء والعافية، وأضرع إليه أن يجزيك خيرًا بما قاسيتِ من الآلام والأوجاع في سبيلي وسبيل ابنتي.

وأبشرك بأن الله قد تقبّل قربانك الذي قدمتِه إليه، فإن «سوزان» قد تزوجت خطيبها منذ عشرين يومًا، وأصبحت هانئة بحبها وعيشها كما أردتِ لها. وإنها، وإن لم تكن تعلم من أمر تلك القصة التي نعلمها شيئًا، فقد قلت لها إن بعض الناس – ولم أسمِّه لها – قد ضحّى بنفسه وبسعادته في سبيل سعادتك وهنائك، فلا تتركي الدعاء له في جميع صلواتك بجزيل الأجر وحسن المثوبة، فهي لا تزال تدعو لك صباحًا ومساءً أن يُحسن الله إليك كما أحسنتِ إليها.

أما الكتاب الذي أرسلته إلى «أرمان» في أوائل الشهر الماضي، فلم يصل إليه إلا اليوم؛ لأنه منذ فارقك وسافر إلى «نيس» لم يستطع البقاء فيها إلا بضعة أيام، ثم رحل عنها إلى الشرق حزينًا مهمومًا من أجلك. وكنت لا أعرف الجهة التي يقيم فيها، فلم أستطع أن أرسله إليه حتى عرفتها منذ أيام قلائل، فأرسلته إليه، وأرسلت معه كتابًا أطلعه فيه على قصتك، وأقول له إنني لا أرى مانعًا يمنعني، بعد زواج أخته، من أن آذن له بالسفر إلى «باريس» والبقاء فيها ما شاء أن يبقى، وأحسب أنه سيصل إليك في عهد قريب.

أرسلت إليك مع كتابي هذا عشرة آلاف فرنك، أرجو أن تقبليها مني، وأن تنظري إليها بالعين التي تنظر بها الفتاة إلى هدية أبيها الذي يحبها ويجلّها.

فإن فعلتِ، أحسنتِ إليَّ بذلك إحسانًا عظيمًا!

لي الأمل أن أسمع عما قريب خبر شفائك، وأرجو أن أراك في مستقبل الأيام ناعمة بصحتك وسعادتك.

دوفال

فما قرأته حتى شعرت بهزة من السرور في قلبي، لم أشعر بمثلها منذ فارقتك حتى اليوم؛ فقد علمت أن «سوزان» قد تزوجت، وذلك ما كنت أرجوه لها، وأنك لا تزال تحبني، وقد أخاف نسيانك أكثر مما أخاف عتبك، وأنني سأراك عما قريب، وتلك آمالي في الحياة.

أما الهدية التي أرسلها إليَّ أبوك، فقد نظرت إليها بالعين التي أرادها، فقبلتها شاكرةً حامدةً، ودعوت الله أن يُحسن إليه كما أحسن إليَّ.

٣ فبراير ١٨٥١

استطعت أن أنام ليلة أمس أكثر من كل ليلة؛ لأن السرور الذي تركه كتاب أبيك في نفسي شغلني عن كل شيء، حتى عن ألمي.

وفي الصباح قال لي طبيبي:

«إنك اليوم خير منك في كل يوم، وإن الشمس مشرقة، والهواء فاتر عليل، فاخرجي في مركبتك إلى بعض المتنزهات ساعة، ثم عودي».

فخرجت إلى غابات «الشانزلزيه»، فرأيتها زاهرة بالحياة والجمال، ورأيت الناس فيها ضاحكين متهللين، مغتبطين بسعادة لا يعرفون قيمتها كما تعرفها امرأة محرومة منها مثلي.

فلم أحسدهم على نعمتهم التي آتاهم الله، بل دعوت لهم ببقائها ودوامها، إلا أنني حزنت على نفسي حزنًا شديدًا حينما رأيت أن كثيرًا من معارفي الماضين قد مروا على مقربة مني ولم يعرفوني.

ورأيت أحدهم ينظر إليَّ، وقد مر بجانب مركبتي، نظرة المتخيل المتوهّم، ثم لم يلبث أن لوى وجهه عني ومضى لسبيله، وقد استقر في نفسه أنه يرى امرأة غير المرأة التي يعرفها.

فعلمت أنني قد تغيرت تغيرًا عظيمًا، وأن مرآتي ما كانت تكذبني حينما تحدثني عن نحولي واصفراري واستحالة صورتي، بل صدقتني كما صدقني الناس.

ثم رأيت الشمس قد توارت وراء حجابها، فعدت إلى منزلي، وقد زال من نفسي ذلك الخاطر الذي أحزنني، وحل محله خاطر آخر خير منه، وهو أنني سأراك عما قريب، وسينقضي بلقائك عهد بؤسي وشقائي.

٥ فبراير ١٨٥١

ما أحسب أنك مدركني يا «أرمان»، فقد بلغت بي العلة منتهاها، وأصبحت لا أجد الراحة في قيام ولا قعود، ولا في نوم ولا يقظة، وانتشرت الآلام والأوجاع في جميع أعضائي ومفاصلي، وكأن حجرًا من الأحجار العاتية ممتد على صدري، يمنعني التنفس والحركة.

وقد عجزت اليوم عن أن أنتقل من سريري إلى مكتبي، فأمرت «برودنس» أن تأتيني بمحبرتي ودفتري حيث أنا، فجاءت بهما إليَّ، فأنا الآن أكتب إليك وأنا في فراشي.

فمتى أراك يا «أرمان» لأحيا برؤيتك، أو أودعك قبل أن أموت؟

١٠ فبراير ١٨٥١

أملي في الحياة ضعيف جدًا، ها هو ذا الموت يدنو مني رويدًا رويدًا. لم تأتِ إليَّ حتى الساعة يا «أرمان»، وأظن أنني سأموت قبل أن أراك.

إن الموت مخيف جدًا، يملأ قلبي رعبًا وهولًا. لا أعلم كيف أستطيع أن أسكن وحدي تلك الحفرة الموحشة المظلمة التي لا أنيس لي فيها ولا سمير.

لم أتمتع بالحياة طويلًا، وكانت كل سعادتي فيها آمالًا وأحلامًا، وها أنا أموت قبل أن أرى شيئًا من آمالي وأحلامي.

ما أحلى الحياة، وما أمرَّ فراقها! لم أنل منها طائلًا، ولكني لا أحب أن أتركها.

لقد سعد الذين يعمّرون في الحياة طويلًا، ثم يموتون فيتركون من بعدهم ذرية صالحة أو عملًا طيبًا، يعيشون به بعد موتهم زمنًا أطول مما عاشوا.

أما أنا، فإني سأموت في ربيع حياتي، وسيموت ذكري في الساعة التي أموت فيها، وكأني لم أعش في الحياة يومًا واحدًا.

وا أسفاه على ما فرّطت فيه في حياتي الماضية! إنني أدفع اليوم ثمن ذنوبي وآثامي أضعافًا مضاعفة.

 

لقد كنت أستطيع أن أقنع بالمضغة والجرعة، ولا أمد عيني إلى ما تقصر عنه يدي، فلم أفعل. فها أنا ذا لا أسيغ المضغة ولا الجرعة، ولا أجد السبيل إلى العيش على أية صورة كانت.

أهكذا أخرج من الدنيا غريبة عنها، كما دخلت فيها، لا يحضر موتي قريب، ولا يبكي عليَّ صديق؟! أهكذا تنتهي حياتي في الساعة التي أحببتها فيها، وأصبحت على مرحلة واحدة من أحلامي وآمالي؟!

آه، لو يمهلني الموت قليلًا، فربما كنت على مقربة مني، فأنظر إليك نظرة واحدة، ثم أموت! لا أمل لي في ذلك، فقد رأيت طبيبي صباح اليوم يلقي في أذن خادمتي، وهو خارج من عندي، كلمةً، فسألتها عنها، فدارت حولها ولم تقلها، وما أحسبها إلا تلك الكلمة الهائلة.

لا أكاد أبصر شيئًا مما حولي، حتى بياض الصحيفة التي في يدي. كنت قبل اليوم أنفث الدم وحده، والآن أنفث أفلاذ رئتي مصبوغة بالدم.

مَن لي بكأس من السم أشربها جرعة واحدة، فأستريح من هذا العذاب الذي يساورني؟ ولكن أي فائدة لي من ذلك؟

ها هو ذا الموت يمشي إليَّ بأسرع مما أمشي إليه… رحمتك اللهم وإحسانك، فأنت وحدك العالم بمقدار ألمي وعذابي، فارحمني، وهوِّن عليَّ أمري، وامنحني إحدى الراحَتَين.

لا أرى شيئًا، ولا أعرف ماذا أقول، وربما كانت هذه الكلمات آخر ما تخطه يدي!

١٤ فبراير ١٨٥١

لا تحزن عليَّ كثيرًا بعد موتي يا «أرمان»، فحسبي منك أن تذكرني ولا تنساني.

وأبشرك أن الله قد استجاب لدعائي، فألقى في نفسي منذ الأمس برد الراحة واليقين، ومحا من قلبي جميع مخاوفه ووساوسه، فعلمت أنه قد رضي عني وغفر لي ذنبي، وأصبحت لا أخشى الموت ولا أخاف ما بعده، ولا أجزع من الألم، ولا أبكي أسفًا على الحياة.

فلا يحزنك أمري حين تعلمه، وعش سعيدًا بين قومك وأهلك، وأكرم أباك، فهو خير الآباء، وأحبب أختك، فهي أطهر الفتيات، وأوصيك خيرًا بـ«برودنس»، فهي فتاة طيبة القلب، عظيمة الإخلاص لي ولك، وأخاف أن يتنكر لها الدهر من بعدي.

إن الله قد خلق لكل روح من الأرواح روحًا أخرى تماثلها وتقابلها، وتسعد بلقائها وتشقى بفراقها، ولكنه قدَّر أن تضل كل روح عن أختها في الحياة الأولى، فذلك شقاء الدنيا، وأن تهتدي إليها في الحياة الثانية، وتلك سعادة الآخرة.

فإن فاتتني سعادتي بك في الأرض، فسأنتظرها في علياء السماء!

وهنا كتبت بعض كلمات مضطربة، قد محا الدمع أكثرها، فلم يبقَ منها واضحًا بعض الوضوح إلا كلمة «الوداع»!

١٤ فبراير ١٨٥١

لم تستطع «مرغريت» يا سيدي أن تكتب لك أكثر مما كتبت؛ لأن الطبيب منعها الحركة، ولو أرادتها لعجزت عنها.

أتذكر يا سيدي ذلك الجسم الغض الناعم، الذي كان يموج بالنور موجًا، ويشرق وراء بشرته إشراق الخمر في كأسها؟ لقد أصبح اليوم عظمًا مجلدًا وهيكلًا قائمًا لا يساوي ثمن النظر إليه!

وا رحمتاه لك! لقد مات كل شيء فيها إلا قلبها وشعورها، وليتهما ماتا معها، فإنه لا يعذبها شيء مثل خواطرها وأفكارها.

لا يدخل من باب غرفتها داخل حتى ترفع نظرها إليه، ظنًّا منها أنك قد جئتها، فإذا دنا منها ورأته، أطبقت جفنيها على دمعة تنحدر من بينهما بالرغم منها.

إنها لا تتكلم كثيرًا، فإذا تكلمت كان أول حديثها: «ألم يأتِ أرمان؟»

فإذا أجبتها بالنفي، سألت عن أمر آخر تتلهى به، أو عادت إلى صمتها مرة أخرى.

لقد رابها اليوم أن طبيبها لم يأتِها، فلما أردت أن أعتذر لها عنه، لم تصدقني، وقالت: «الآن عرفت كلمته التي ألقاها إليك بالأمس».

فسكتُّ، ولم أعرف ماذا أقول.

١٤ فبراير ١٨٥١

أصبح صوتها اليوم ضعيفًا جدًا، لا أكاد أسمعه، وأظلم بصرها، فهي تنظر إليَّ ولا تراني.

وقد أشارت إليَّ في الصباح مرارًا أن أفتح لها نوافذ الغرفة لتستنشق الهواء وتروِّح عن نفسها، ونوافذ الغرفة مفتوحة يجري منها الهواء متدفقًا، ولكنه لا يصل إلى صدرها.

آه، لو أستطيع يا سيدي أن أبيع حياتي لأشتري لها بضعة أنفاس تتردد في صدرها، أو بعض سِنات من النوم تأوي إلى جفنها! فإن تنفسها يؤلمني ويعذبني عذابًا شديدًا، وقد مرت بها ثلاث ليالٍ لم تنم فيها لحظة واحدة.

 

١٥ فبراير ١٨٥١

بعد صمت طويل لم تنطق فيه بحرف واحد، فتحت عينيها ونادتني بصوتها الخافت الضعيف، فدنوت منها، فقالت لي:

«أريد الكاهن، فأتيني به».

فعلمت أنها قد أصبحت على يقين من أمرها، فغالبت عبراتي حتى خرجت من الغرفة، فبكيت ما شاء الله أن أبكي، ثم ذهبت إلى الكاهن. فتردد عندما ذكرت له اسم المرأة التي يريد الذهاب إليها، فضرعت إليه وقلت له:

«إن رحمة الله يا سيدي لا يستحقها أحد مثل الآثمين المسرفين».

فأذعن بعد لأي، وجاء معي، فخلا بها ساعة، ثم خرج. فسألته:

«أيرحمها الله يا سيدي؟»

قال: «إنها عاشت عيش الآثمين، ولكنها ستموت موت المؤمنين».

فحمدت الله على ذلك.

ومنذ تلك الساعة لم أعد أسمع منها كلمة واحدة، ولا أرى عضوًا من أعضائها يتحرك، إلا ما كان من صدرها، إذ يترجح بين الصعود والهبوط.

١٥ فبراير – ساعة الغروب

إن «مرغريت» تتعذب كثيرًا يا سيدي، وأحسب أنها تعالج سكرات الموت.

لم يقاسِ إنسان في حياته مثل ما تقاسيه الآن من آلام وأوجاع؛ إنها تصرخ من حين إلى حين صرخات تذوب لها حبات القلوب.

ولقد اشتد بها الألم هذه الساعة، فهبت من مكانها صارخة، وانتصبت على قدميها في سريرها حتى كادت تسقط عنه، فأدركتها وأضجعتها في مكانها.

ففتحت عينيها، فسقطت منهما دمعتان كبيرتان، وكأنما أحست بي، فاعتنقتني وضمتني إليها ضمًّا شديدًا، ثم ما لبثت أن تراخت يداها، وعادت إلى نزاعها وجهادها.

١٥ فبراير – نصف الليل

قُضي الأمر، وماتت «مرغريت»، ولم يبقَ منها على سريرها إلا جثتها التي ستذهب غدًا إلى قبرها. تلك غايتها وغاية كل حي، فصبرًا على قضاء الله وبلائه.

لقد هتفت باسمك كثيرًا يا سيدي في ساعتها الأخيرة، وكان آخر عهدها بالحياة أن نظرت إليَّ نظرة طويلة مملوءة بالحزن والدموع، ثم حركت إصبعها حركة خفيفة، وأشارت إلى دفتر مذكراتها الذي كان ملقى بجانبها، وقالت:

«أرمان».

ففهمت أنها توصيني بأن أبلغه إليك، ثم أسلمت روحها.

الضحية

عزيزٌ عليَّ، يا سيدتي، ما لقيتِ من العذاب قبل موتك، وعزيزٌ عليَّ أن تموتي ولا تجدي بجانبك من يغمض عينيك ويلقي رداءه عليك سواي.

وفي سبيل الله تلك النفس الطاهرة الكريمة التي ما حملت في حياتها شرًّا للمحسن ولا للمسيء، وذلك الصدر الرحب الذي كان يسع الدنيا بأرضها وسمائها فلا يضيق عنها، وذلك القلب النقي الأبيض الذي ما أضمر في حياته غير الخير والإحسان، ولا فاض إلا بالرحمة والحنان.

بكت «برودنس» بجانب جثة سيدتها ما بكت، ثم أنارت حولها الشموع، وبعثت إلى الكاهن، فجاء وجثا عند رأسها يقرأ في كتابه، ومشت هي إلى المكتب، فجلست إليه تكتب آخر مذكراتها حتى فرغت منها.

ثم قامت من مكانها، فراعها أن رأت شبحًا ماثلًا على باب الغرفة، فمشت إليه، فإذا هو «أرمان» في لباس السفر، وقد ألقى من مكانه على سرير الميتة نظرة غريبة هائلة، كتلك النظرة التي تسبق نوبات الجنون، ثم استردها وألقى نظرة أخرى عليها، وسألها:

«من هذا المسجى على هذا السرير؟»

فبكت «برودنس» ولم تقل شيئًا، فسقطت حقيبته من يده، وجمد في مكانه لحظة، لا ينطق ولا يتحرك.

ثم اندفع إلى سرير الميتة صارخًا، يريد أن يلقي بنفسه عليه، فأدركته «برودنس»، ووقف الكاهن في وجهه وقال له:

«احترم الموت أيها الفتى».

فاختنقت عبراته في صدره، وارتعد ارتعادًا شديدًا، وسقط مغشيًّا عليه.

فلم يستفق إلا عند مطلع الفجر، حينما شعر أنهم قد أقبلوا يحملون الجثة، فقام يتحامل على نفسه حتى دنا من السرير، وقال:

«رحمةً بي أيها الناس، فقد فاتني أن أودعها وهي حية، فأذنوا لي أن أودعها ميتة».

فرحموه وأفسحوا له المجال حتى دنا منها، ورفع الغطاء عن وجهها، وقبّلها في جبينها، وقال:

«الوداع يا أعز الناس عندي، الوداع يا خير فتاة في الأرض، وأشرف روح في السماء».

ثم أعاد الغطاء على وجهها، وتراجع عنها، وأذن لهم بحملها.

ثم مشى وراء نعشها يبكي وينتحب، ولم يمشِ وراء النعش غيره وغير الخادمة «برودنس»، والدوق «موهان»، وهو يتوكأ على عصاه، ويقول في ندبه وبكائه:

«ها أنا ذا أرى ابنتي تموت أمامي مرة أخرى، ولا أزال حتى الساعة على قيد الحياة».

وبعض نسوة بائسات من ضحايا تلك المقادير.

وما انقضى النهار حتى انقضى كل شيء، وأصبحت «مرغريت» رهينة قبرها، و«أرمان» طريح فراشه، يقرأ في مذكراتها ويبكي بكاء الثاكل المفجوع.

 

ثم اشتد به المرض بعد ذلك، فلم ترَ «برودنس» بُدًّا من أن تكتب إلى أبيه، تشرح له سوء حاله، فحضر، وحضرت معه ابنته وزوجها، ولبثوا بجانبه شهرًا يعلّلونه ويُشفِقون عليه، حتى أبلَّ ونجا من خطره.

ثم ذهبوا جميعًا إلى قبر «مرغريت» ليودّعوها قبل سفرهم، فبكوا حوله بكاءً شديدًا، وكانت «سوزان» أشدهم بكاءً عليها، وإن كانت لا تعلم أنها تبكي المرأة التي ضحّت بنفسها في سبيلها.

ثم تقدم المسيو «دوفال» إلى ولده وقال له: «أتغفر لي ذنبي يا بني؟»

قال: «نعم يا أبتاه؛ لأنها غفرت لك ذنبك إليها».

ثم انصرفوا.

مرت الأيام وانقضت الأعوام، ومات المسيو «دوفال»، وسعد ولده كما أراد له أبوه، ولكن بقيت بين جنبيه لوعةٌ مُعْتَلِجَةٌ، لا يروّحها عنه كلما ساورته إلا قراءة مذكرات «مرغريت»، ومحادثة «برودنس» عنها، وزيارة قبرها من حين إلى حين.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى